الحوار بين المسيحين و مسلم

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا


لعدم وجود أيَّة تفاصيل عن ذلك سواء في القرآن أو في السنة، أو بنقل الروايات ‏الخرافيّة والإسرائيليّات عن جهلاء اليهود والنصاري العرب، وبين القول بحقيقة ‏صلبه كما جاء في الكتاب المقدّس، أو بصلبه وعدم موته علي الصليب، مع ‏اعتراف القائلين بالصلب بعدم معقوليّة ومنطقيّة إلقاء شبهه علي آخر !!! ‏

‏ 2 - الإجابة المسيحية : وهي كما أوضح لنا الكتاب المقدس والتاريخ بصفة عامة ‏أنَّ المسيح قبض عليه فعلاً ومات حقًـا وقام حقًـا ، وأنَّه لو أراد الله إنقاذه من الصلب ‏والموت لكان هناك آلاف الوسائل التي كان في إمكانه استخدامها دون اللجوء ‏للطرق التي لا تليق بعظمة الله وجلاله والتي تؤدّي بالبشريّة إلي الضلال. فقد كان ‏في إمكان السيد المسيح، وهو يعلم أنَّ يهوذا ذهب ليُرشد مُسَلّميه إلي مكان ‏اجتماعه، أنْ لا يذهب إلي ذلك المكان بالمرّة أو أنْ يخرج من أورشليم نهائيًا، ‏كما سبق وحدث، كما يقول الكتاب " وَكَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ بَعْدَ هَذَا فِي الْجَلِيلِ لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ. " ( يو7/1 )، لأنَّ ‏ساعته لم تكنْ قد جاءت بعد. كما كان في إمكان الله أنْ يصرف نظر اليهود عن ‏ذلك، كما حدث أكثر من مرة، يقول الكتاب " فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَداً عَلَيْهِ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. " ( يو7/30 )، " هَذَا الْكلاَمُ قَالَهُ يَسُوعُ فِي الْخِزَانَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ. وَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. " ‏‏( يو8/20 ) .‏

‏ كما كان في إمكانه أن يترك مُسَلّمِيه مُلقين علي الأرض ويذهب مع تلاميذه بسلام‏‏. وكان للسيد المسيح مع اليهود عدّة مواقف أثناء خدمته قرّروا فيها إعدامه سواء ‏بقتله أو إلقائه من علي الجبل أو رجمه ومع ذلك نجا منهم بقوة إلهيّة دون اللجوء ‏إلي خديعتهم وخديعة المؤمنين بعد ذلك ومن أهم هذه المواقف ما يلي :‏

‏ 1 - كانت أولي محاولات قتل المسيح وهو طفل عندما قرّر هيرودس قتله فأمر ‏الملاك يوسف النجار خطيب مريم العذراء أنْ يأخذ الطفل وأمّه ويهرب إلي أرض ‏

‏ ــــــــــ

‏-88-‏

مصر قائلا " قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ " ففعل يوسف كما أمره الملاك وظل ‏في مصر حتى مات هيرودس ( مت 2/7-15 ) .‏

‏ وهكذا نجا الطفل يسوع من القتل، بحسب ترتيب الله ومشورته الإلهيّة، دون ‏اللجوء إلي أي وسيلة لا تتفق مع جلال الله وعظمته.‏

‏ 2 - وفي مجمع الناصرة وبّخ اليهود علي عدم إيمانهم، يقول الكتاب : " فَامْتَلأَ غَضَباً جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هَذَا . فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةَِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلُ. أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى. " ( لو4/28-30 ) !!!‏

‏ لقد قرّروا قتله بإلقائه من علي الجبل وأخذوه إلي هناك وهمّوا بطرحه من علي ‏الجبل ولكنّه بقوّة إلهيّة " جَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى " دون أنْ تستطيع مدينة بأكملها ‏أنْ تمسّه، وذلك دون اللجوء لوسيلة لا تتفق مع جلال الله وعظمته !!!‏

‏ ألم يكن في استطاعته أنْ يفعل ذلك عندما جاءوا للقبض عليه في البستان ؟!!‏

‏ 3 - وفي الهيكل في أورشليم كان يقف ويعلّم جهارًا ومع أنَّه كان هناك أمرًا ‏بالقبض عليه وقتله وكانت الجموع تتساءل أليس هذا هو الذين يطلبون أنْ يقتلوه ؟ " ‏، ولما طلبوا " أن يمسكوه " يقول الكتاب : " وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَداً عَلَيْهِ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. " ( يو7/30 )، وهنا ألقي الله في قلوبهم أنْ لا يمسكوه لأنَّ الوقت ‏المعيّن من قِبَل الله لذلك لم يكن قد حان بعد. ‏

‏ ألم يكن في استطاعة الله أنْ يفعل ذلك ثانية لو أراد إنقاذه من الصلب ؟!!‏

‏ 4 - وفي الهيكل أيضًا قال السيد لليهود : " قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ " ففهموا ‏من كلامه إعلاناً للألوهيّة في ذاته فقرّروا رجمه بتهمة أنَّه جَدَّف علي الله وبالفعل ‏شرعوا في التنفيذ " فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ." وهموا بذلك، ويقول الكتاب : ‏

‏ ــــــــــ

‏-89-‏

" أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازاً فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هَكَذَا. " ( يو8/58-59 ) . ‏لقد رفعوا حجارة ليرجموه وهو وحده في وسطهم ومع ذلك اختفى،وهو وسطهم، ‏وإجتاز في وسطهم، دون أنْ تستطيع يدًا واحدةً أنْ تلقي عليه حجرًا ومضى دون ‏أنْ يمسّوه !! ألم يكن في استطاعته أنْ يكرّر ذلك قبل الصليب ؟!!‏

‏ 5 - ولما قال لهم في الهيكل : " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ " ، " فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. ‎ … ‎ ‏ لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً ‎ … ‎ ‏ فَطَلَبُوا أَيْضاً أَنْ يُمْسِكُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ " ‏‏( يو10/30و 31 و33و 39 ). خرج من أيديهم برغم أنَّه كان في الهيكل، في وسطهم‏، ومع هذا خرج بقوة إلهيّة إعجازيّة من أيديهم دون أنْ يمسّوه!!!!!‏

‏ ألم يكن في استطاعته أنْ يفعل ذلك عندما جاءوا للقبض عليه ؟!!‏

‏ 6 – وعندما جاءوا للقبض عليه في البستان ، يقول الكتاب " قَالَ يَسُوعُ هَذَا وَخَرَجَ مَعَ تلاَمِيذِهِ إِلَى عَبْرِ وَادِي قَدْرُونَ حَيْثُ كَانَ بُسْتَانٌ دَخَلَهُ هُوَ وَتلاَمِيذُهُ. وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ يَعْرِفُ اَلْمَوْضِعَ لأَنَّ يَسُوعَ اِجْتَمَعَ هُنَاكَ كَثِيراً مَعَ تلاَمِيذِهِ. فَأَخَذَ يَهُوذَا اَلْجُنْدَ وَخُدَّاماً مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ اَلْكَهَنَةِ وَاَلْفَرِّيسِيِّينَ وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ. فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: { مَنْ تَطْلُبُونَ؟ } أَجَابُوهُ: { يَسُوعَ اَلنَّاصِرِيَّ }. قَالَ لَهُمْ: { أَنَا هُوَ }. وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: { إِنِّي أَنَا هُوَ} رَجَعُوا إِلَى اَلْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى اَلأَرْضِ. فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً: { مَنْ تَطْلُبُونَ؟ } فَقَالُوا: { يَسُوعَ اَلنَّاصِرِيَّ }. أَجَابَ: { قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ }. لِيَتِمَّ اَلْقَوْلُ اَلَّذِي قَالَهُ: { إِنَّ اَلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَداً }. ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ اَلْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ اَلْيُمْنَى. وَكَانَ اِسْمُ اَلْعَبْدِ مَلْخُسَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: { اِجْعَلْ سَيْفَكَ فِي اَلْغِمْدِ. اَلْكَأْسُ اَلَّتِي أَعْطَانِي اَلآبُ ألاَ أَشْرَبُهَا؟ }. ثُمَّ إِنَّ اَلْجُنْدَ وَاَلْقَائِدَ وَخُدَّامَ اَلْيَهُودِ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ وَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ إِلَى حَنَّانَ أَوَّلاً لأَنَّهُ كَانَ حَمَا قَيَافَا اَلَّذِي كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ اَلسَّنَةِ. وَكَانَ قَيَافَا هُوَ اَلَّذِي أَشَارَ عَلَى اَلْيَهُودِ أَنَّهُ خَيْرٌ أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ اَلشَّعْبِ. وَكَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَاَلتِّلْمِيذُ اَلآخَرُ يَتْبَعَانِ يَسُوعَ وَكَانَ ذَلِكَ اَلتِّلْمِيذُ مَعْرُوفاً عِنْدَ رَئِيسِ اَلْكَهَنَةِ فَدَخَلَ مَعَ يَسُوعَ إِلَى دَارِ رَئِيسِ اَلْكَهَنَةِ. " ( يو18/1-13 ) .‏‏

‏ ــــــــــ

‏-90-‏

ويذكر القديس لوقا إبراء أذن ذلك العبد التي قطعها بطرس " وَضَرَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. فَقَالَ يَسُوعُ: «دَعُوا إِلَى هَذَا!» وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا. " ( لو22/50-51 ). ويضيف القديس متى " فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ " ( مت26/52-53 ) .‏

‏ وهنا لنا تعليقين : الأول هو أنَّه لو أراد الله إنقاذ المسيح من الموت سواء عن ‏طريق الصليب أو عن طريق أي وسيلة إعدام أخري، كما يقول هو له المجد، ‏لكان الله قد قدم له " أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ " !!! وإذا كانت الكتيبة ‏الرومانية في ذلك الوقت تتكون من 6000 جندي وضابط فكم وكم يكون عدد جيشا ‏كاملاً ؟؟!!! وإذا كان ملاكًا واحدًا قد أهلك من جيش الآشوريين مئة ألف وخمسة ‏وثمانين ألفا في ليلة واحدة ( 2مل19/ 35) ، فماذا يفعل " أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ " مع الذين جاءوا للقبض عليه لو أراد الله إنقاذه من أيديهم ؟؟؟!!!‏

‏ والثاني هو قوله " فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟ " ( مت26/54 ) ، أو كما قال ‏ليهوذا " إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. " ( مت26/24 )، أو كما يقول الكتاب " أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى. " ( يو13/1 ) .‏

‏ هذه بعض المواقف التي تقرّر فيها إعدام المسيح وقتله ومع ذلك نجا منها بقوّة ‏إلهيّة أمام الجميع دون اللجوء إلي الطرق التي لا تتفق مع جلال الله وعدله وعظمته‏، وبالطبع لو أراد الله إنقاذه من الصلب لكان في إمكانه أنْ يفعل ذلك بإحدي ‏الوسائل والطرق أو غيرها مما يتّفق مع جلال الله وعظمته وبما لا يوقع ملايين

ــــــــــ

‏-91-‏

‏ ‏ــــــــــــــــــــــــ

- 93 -‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
الملايين من البشر علي مر الأجيال فيما لا يتّفق مع قدرة الله وعظمته وجلاله ‏الغير محدود.‏



‏4 - إنقاذ أنبياء آخرين من الموت :‏

‏ أهلك اليهود علي مرّ الأجيال الكثير من أنبيائهم حتي أنَّ الرب يسوع المسيح قال ‏لهم: " وَيْلٌ لَكُمْ لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَآبَاؤُكُمْ قَتَلُوهُمْ. " ( لو11/47 )، ومع ذلك ‏شاءت إرادة الله أنْ ينقذ بعض الأنبياء من الموت، منهم من نجا بالطرق العاديّة ‏كالإختفاء من أمام وجه طالبي قتلهم ومنهم بالهرب وترك المكان المطلوبين فيه، ‏كما فعل السيد المسيح نفسه في بعض الأحيان عندما كان يري أنَّ ذلك أفضل مثلما ‏حدث قبل الفصح وبعد أنْ طلب اليونانيّين رؤيته، يقول الكتاب: " تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذَا ثُمَّ مَضَى وَاخْتَفَى عَنْهُمْ. " ( يو12/36 ) ، وكما حدث بعد إشباع الجموع عندما أرادوا " أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ. " ( يو6/15 )، أو ‏عندما " لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ. " ( يو7/1 )، ‏أو عندما ذهب إلي العيد في أورشليم " لاَ ظَاهِراً بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ. " ( يو7/10 ) .‏

‏ كما أنقذ الله بعض الأنبياء إمّا برفعهم إلي السماء جهارًا أمام الجميع أو ‏بانتصارهم علي أعدائهم أو بسحق أعدائهم. وهذه بعض الأمثلة :‏

‏ 1 - يذكر لنا الكتاب أنَّ أخنوخ السابع من آدم كان رجلاً بارًا وسار في طريق الله ‏وكما يذكر القديس يهوذا في رسالته أنَّه تنبّأ عن معاقبة الله للفجار ( يه14 ) ، ويبدو أنَّ ‏الله أراد أنْ ينقذه من هؤلاء الفجار فنقله إليه، إذ يقول الكتاب " وَسَارَ اخْنُوخُ مَعَ اللهِ وَلَمْ يُوجَدْ لانَّ اللهَ اخَذَهُ. " ( تك5/24 )، لقد نقله الله إليه بمعرفة الجميع دون اللجوء ‏لأي وسيلة لا تتّفق مع عدل الله وجلاله وعظمته.‏

‏ 2 - وعندما أراد فرعون بجيشه أنْ يلحق ببني إسرائيل أثناء خروجهم من مصر ‏ويُهلكهم عند البحر الأحمر أمر الله موسي أنْ يضرب البحر بعصاة فأنشقّ البحر ‏

ــــــــــ

‏-92-‏

وصار فيه طريق يابس فسار فيه بنو إسرائيل ولما تعقبهم فرعون بجيشه عاد البحر ‏إلي ما كان عليه وغرق فرعون بجيشه ونجا موسي ومن معه ( خر 14/15-29 ). أفلم ‏يكن الله قادرًا أنْ يفعل مثل ذلك عندما جاءوا للقبض علي المسيح ؟!!‏

‏ 3 - وعندما تآمر قورح بن بصهار مع بعض الشعب ضد موسي وهارون وكان ‏ذلك ضد إرادة الله لذا سحقهم أمام الشعب " انْشَقَّتِ الأَرْضُ التِي تَحْتَهُمْ وَفَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلعَتْهُمْ وَبُيُوتَهُمْ " ( عدد 16/1-33 ). وهكذا أمام الجميع، وكان في إمكان الله أنء يفعل ‏ذلك أو مثله مع أعداء المسيح دون الحاجة للجوء إلي ما لا يتّفق مع جلال الله ‏وعدله وعظمته .‏

‏ 4 - وعندما أراد الملك أخاب أنْ يُهلك إيليّا النبيّ صلّي إيليّا أنء لا تمُطر السموات ‏ثلاث سنين ولما طلبه الملك اختفى وجعل الغربان تعوله ( 1مل17 ) . ولما أراد الله أنْ ‏ينقله إلي السماء أخذه في العاصفة إلي السماء أمام تلميذه إليشع وبمعرفة بنو الأنبياء ‏‏( 2مل 11/2 )، ولم يكن ذلك خفيًا بل معلومًا للجميع. وبالطبع كان في إمكان الله أنْ ‏يرفع المسيح بمثل هذه الطريقة أمام الجموع، فيتمجّد الله ولا يقع أتباع المسيح في ‏ضلالة كبري، حاشا لله منها !!‏

‏ لو أراد الله إنقاذ المسيح من الصلب والموت لكان أليق بجلاله وعظمته وقدرته ‏الكليّة أنْ يُنقذه بصورة واضحة وجليّة وظاهرة بأنْ يرفعه أمام الجميع كما فعل مع ‏أخنوخ وإيليّا أو أنْ يسحق أعداءه كما فعل مع جيش فرعون ومع قورح ومن تبعه ‏أو أنْ يجتاز في وسطهم ويمشي دون أنْ يمسّوه كما فعل عندما حاولوا إلقائه من ‏علي الجبل وعندما حاولوا رجمه عدة مرات، فيتمجد الله أمام الجميع ولا يقع ‏الشعب في ضلالة كبري. يقول الكتاب : " إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. " ‏‏( 1يو1/5 ). كما أن " ليْسَ اللهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ وَلا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَل يَقُولُ وَلا يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلمُ وَلا يَفِي؟ " ( عد23/19 ) .‏

‏ــــــــــــــــــــــــ

- 93 -‏

الفصل السابع ‏
كان نظر المسيح دائما متجها إلى الصليب
نبوات المسيح وإعلاناته عن صلبه وقيامته
‏ كان موضوع صلب المسيح وقيامته بالنسبة للرب يسوع المسيح نفسه ليس مجرد ‏نهاية حياة علي الأرض أو حتي مجرّد استشهاد مثل بقيّة الشهداء، كما أنَّه لم يكن ‏ابن ساعته أو يومه، أو مجرّد حكم بالإعدام تمّ باستخدام وسيلة إعدام هي الصلب، ‏وإنما كما أعلن الرب يسوع نفسه وكما أعلن الوحي الإلهي في العهد الجديد، كان ‏أمرًا محتومًا منذ الأزل ، ومعروفًا سابقًا قبل العالم، كقول القديس بطرس بالروح ‏القدس : " دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفاً سَابِقاً قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلَكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ، " ( ابط1/19-20 )، أو كما قال ، لليهود بالروح القدس : " هَذَا ‏‏(يسوع المسيح) أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. " ( أع2/23 ). ويؤكّد الرب يسوع المسيح أنّه ما جاء، بالدرجة ‏الأولي، إلا لهذا السبب " لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. " ( يو3/16-17 ).‏

‏ وكان يُسَمّي وقت صلبه بالساعة، أي الساعة المعيّنة التي سيتمّ فيها صلبه، وأنَّه ‏ما جاء إلاَّ لأجل هذه الساعة: قال لتلاميذه قبل العشاء الرباني " قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ . اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ .... اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ؟ أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هَذِهِ السَّاعَةِ. وَلَكِنْ لأَجْلِ هَذَا أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ. ... وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ».

‏ ــــــــــ

‏-94-‏

قَالَ هَذَا مُشِيراً إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَمُوتَ. " ( يو12/23-32 ) .‏

‏ وبعد خطابه الوداعي لتلاميذه بعد العشاء قال لهم " لَكِنِّي قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ تَذْكُرُونَ أَنِّي أَنَا قُلْتُهُ لَكُمْ. وَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ مِنَ الْبِدَايَةِ لأَنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ. " ‏‏( يو16/4 ). ‎ وبعد انتهاء خطابه الوداعي وقبل القبض عليه بلحظات يقول الكتاب " ‏ تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذَا وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضاً " ( يو17/1 ).



‏1 ‏ ‎ – ‎ ‏ نبواته وإعلاناته عن آلامه وصلبه منذ بداية خدمته :‏

‏ وفيما يلي أهم نبوّات وإعلانات الرب يسوع المسيح عن القبض عليه ومحاكمته ‏وآلامه وصلبه وموته وقيامته :‏

‏ (1) برغم أنَّ الرب يسوع المسيح صنع أمام جموع اليهود معجزات عديدة لا ‏حصر لها إلا أنّهم طلبوا منه آية، معجزة كبري تبرهن علي صحة رسالته !! ‏وقالوا له " يَا مُعَلِّمُ نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً». فَقَالَ لَهُمْ: «جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ هَكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ. " ( مت12/38-41 ). وفي ‏إجابته عليهم يقدّم لهم أكبر وأعظم آية وهي موته ودفنه ثلاثة أيام ثم قيامته من ‏الموت التي هي لكل الأجيال وليس فقط لذلك الجيل، كما كانت آية يونان لأهل ‏نينوي، فهو الأعظم " هُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هَهُنَا! ". فمعجزة قيامة المسيح من ‏الموت هي الوحيدة الباقية إلي الأبد.‏

‏ (2) وفى حادثة تطهير الهيكل المذكورة في الإنجيل الذي دونه القديس يوحنا ‏بالروح القدس طلبوا منه أيضا أن يقدم لهم آية تبرهن على سلطانه الذي يعمل به ‏ويتكلم به ، وكانت آيته لهم " انْقُضُوا هَذَا الْهَيْكَلَ وَفِي ثلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ " ، ولم يكن ‏

‏ ــــــــــ

‏-95-‏

.‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
يقصد هيكل سليمان الذي أعاد بناءه هيرودس الكبير ، وكان الهيكل قد أعيد بناؤه ‏حتى وقت المسيح في " ست واربعين سنة " وإنما كان يشير إلى هيكل جسده ؛ " ‏ وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ. فَلَمَّا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ تَذَكَّرَ تلاَمِيذُهُ أَنَّهُ قَالَ هَذَا فَآمَنُوا بِالْكِتَابِ وَالْكلاَمِ الَّذِي قَالَهُ يَسُوعُ. " ( يو2/18-22 ). وكأنَّه كان يقول لهم: ‏اقتلوا هذا الجسد، جسد المسيح، وسوف يقوم في اليوم الثالث، إذ أنَّ أعظم آياته ‏هي موته وقيامته من الموت في اليوم الثالث.‏

‏ (3) ولما جاء إليه أحد معلمي الناموس وعضو السنهدرين الأعظم ويُدعي ‏نيقوديموس, ليلاً، وعلّمه الرب يسوع معني الولادة الجديدة، أعلن له عن سرّ ‏الفداء الذي لابد أنْ يتمّ بآلامه وموته مصلوبًا وقيامته من الأموات مصوّرًا له عملية ‏الصلب بمثال الحيّة النحاسيّة التي رفعها موسي النبي في البريّة، بناء علي أمر الله‏، وكلّ من نظر إليها ممن لدغته الحيّات يُشفى " وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. " ( يو3/14-15 ) .‏

‏ (4) وبعد معجزة إشباع خمسة آلاف رجل غير الذين كانوا معهم من نساء وأطفال ‏بخمسة أرغفة وسمكتين نادى أمام كل هذه الجموع قائلاً: " أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. 000 ‏ أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ 000 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ000 ‏ مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. " ( يو6/48-56 ). والإشارة هنا ‏واضحة إلي آلامه وسفك دمه وتقديم جسده علي الصليب.‏

‏ (5) وفي نواحي قيصرية فيلبس كشف الوحي الإلهي للقديس بطرس الرسول عن ‏حقيقة وشخص الرب يسوع المسيح وهو " الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ " ( مت16/16 ) ،

ــــــــــ

‏-96-‏

وبعد مدح الرب يسوع المسيح لبطرس على هذا الإعلان وتأكيده هذه الحقيقة لبقية ‏التلاميذ ، يقول الكتاب " مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. " ( مت16/21 ). وهذا الإعلان لا يحتاج إلي إيضاح. إذ أنَّ ‏حقيقة كونه ابن الله الحيّ مرتبطة بحتميّة آلامه وصلبه وموته وقيامته. ولكن الفكر ‏البشريّ لم يستطعْ أنْ يفهم إرادة الله وتمثّل ذلك في قول بطرس له " حاشاك يا رب ‏لا يكن لك هذا " حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هَذَا!» فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ» " ( مت16/22-23 ) .‏

‏ (6) وبعد ستة أيام من ذلك أخذ الرب يسوع " بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا وَيَعْقُوبَ " وأعلن ‏أمامهم شئ من مجده على جبل عال منفردين . " وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً وَلِبَاسُهُ مُبْيَضّاً لاَمِعاً. وَإِذَا رَجُلاَنِ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ وَهُمَا مُوسَى وَإِيلِيَّا " ، وكان كلام موسى وإيليا معه ، كما يقول القديس لوقا بالروح القدس ‏‏" خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ . " ( لو9/28-31 ) أي عن صلبه ‏وموته وقيامته، يقول الكتاب أنَّ الرب يسوع المسيح أوصي تلاميذه وهم نازلون ‏من علي الجبل " لاَ تُعْلِمُوا أَحَداً بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأَمْوَاتِ "( مت 17/9 ) . ‏لأن " كَذَلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضاً سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ " ( مت17/12 ) .‏

‏ (7) وأثناء تردده في الجليل كان يعلم تلاميذه ويقول لهم " اِبْنُ الإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ " ( مت17/22-23 ) . ‏

‏ (8) وأثناء تعليمه للشعب " تَقَدَّمَ بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ لَهُ: «اخْرُجْ وَاذْهَبْ مِنْ هَهُنَا لأَنَّ هِيرُودُسَ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَكَ». فَقَالَ لَهُمُ: «امْضُوا وَقُولُوا لِهَذَا الثَّعْلَبِ: هَا أَنَا أُخْرِجُ شَيَاطِينَ وَأَشْفِي الْيَوْمَ وَغَداً وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أُكَمَّلُ. بَلْ يَنْبَغِي أَنْ أَسِيرَ الْيَوْمَ وَغَداً وَمَا يَلِيهِ لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ خَارِجاً عَنْ أُورُشَلِيمَ. " ( لو13/31-33 ) . وهو هنا ‏

‏ ــــــــــ

‏-97-‏

يؤكّد حتميّة موته مقتولاً في أورشليم بسفك دمه.‏

‏ (9) وبعد أنْ فتح عيني المولود أعمى الذي صنع له عينين من الطين نادى قائلاً ‏‏:" أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ 000 وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ . " ( يو10/11 و 15 ). وهو هنا يُشير إلي بذل ذاته، تقديم ذاته، نيابة، ‏فدية، علي الصليب. ثم يؤكّد حتميّة ذلك وحقيقة أنَّه يقدّم ذاته بإرادته، دون أنْ ‏يكون هناك أي مجال للإجبار أو العرض والصدفة بقوله " لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضاً. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً. " ( يو10/17-18 ).‏

‏ (10) وعندما تناقش تلاميذه في أحقيّة الجلوس عن يمينه أو يساره في ملكوته قال ‏لهم " أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ " ‏‏( مت20/28و مر10/45 ) .‏

‏ (11) وفي الطريق إلي أورشليم للمرة الأخيرة كشف لتلاميذه ما سيحدث له بكل ‏وضوح " وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ صَاعِداً إِلَى أُورُشَلِيمَ أَخَذَ الاِثْنَيْ عَشَرَ تِلْمِيذاً عَلَى انْفِرَادٍ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ لَهُمْ: «هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ " ( مت20/17-19 ). وهذا إعلان تفصيلي في إيجاز عن كل ما ‏سيحدث من محاكمة يهوديّة إلي تسليمه للرومان وإستهزاء وجلد وصلب وموت ‏وقيامة.‏

‏ (
‏ ــــــــــ
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
12) " وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ فَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ. " ، فتصور تلاميذه ‏أن هذا " إِتْلاَفُ " ، " لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هَذَا الطِّيبُ بِكَثِيرٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ " ‏، فقال لهم يسوع مشيرًا إلي موته " إِنَّهَا إِذْ سَكَبَتْ هَذَا الطِّيبَ عَلَى جَسَدِي إِنَّمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي. " ( مت26/6-12 ) وبعد دخوله الانتصاري الأخير لأورشليم واحتدام الصراع بينه وبين رؤساء ‏الكهنة والكتبة والشيوخ أعطاهم مَثَل الكرم والكرامين وكشف لهم من خلاله كيف ‏أنَّ الله سلّمهم الكرم ولكنهم لم يعطوه من " ثَمَرِ الْكَرْمِ " فَقَالَ صَاحِبُ الْكَرْمِ: مَاذَا أَفْعَلُ؟ أُرْسِلُ ابْنِي الْحَبِيبَ. لَعَلَّهُمْ إِذَا رَأَوْهُ يَهَابُونَ! فَلَمَّا رَآهُ الْكَرَّامُونَ تَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ: هَذَا هُوَ الْوَارِثُ. هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ لِكَيْ يَصِيرَ لَنَا الْمِيرَاثُ. فَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ. " ( لو20/9-16 ) . ‏وهو هنا يُشير إلي نفسه بالابن الحبيب الذي قتلوه.‏

‏ (14) وفي أورشليم طلب " أُنَاسٌ يُونَانِيُّونَ مِنَ الَّذِينَ صَعِدُوا لِيَسْجُدُوا فِي الْعِيدِ " ‏من فيلبس أنْ يروا يسوع وكانت إجابة الرب يسوع علي هذا الطلب " قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ. " ، ثم أضاف " ‏ وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ».قَالَ هَذَا مُشِيراً إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَمُوتَ. " ( يو12/20-33 ) . والجملة الأخيرة هي تعليق إيضاحي لمعنى كلام ‏المسيح مؤكدًا أنَّ قصده هو الموت معلقًا علي الصليب.‏

‏ (15) وقبل عيد الفصح بيومين قال لتلاميذه " تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ " ( مت26/2 ). هل يُوجد إيضاح أكثر من هذا ؟ بالطبع ‏لا، فالرب يسوع المسيح كان يتطلّع دائمًا لهذه الساعة، ساعة الصلب.



‏2 - نبوّاته وإعلاناته عن آلامه وصلبه أثناء العشاء الرباني :‏

‏ وفي يوم الخميس قام الرب يسوع المسيح مع تلاميذه بعمل الفصح تمهيدًا لتقديم ‏ذاته في اليوم التالي، الجمعة، في نفس الوقت الذي كان يذبح فيه اليهود خروف ‏الفصح، أي يقدّم ذاته كالفصح الحقيقيّ، الحمل الحقيقيّ، في نفس الوقت الذي ‏يُذبح فيه خروف الفصح الرمزيّ.

ــــــــــ

‏-99-‏

‏ فقد ذهب فيه إلى أورشليم في العيد لأجل هذا السبب، يقول الكتاب " وَحِينَ تَمَّتِ الأَيَّامُ لاِرْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ " ( لو9/51 ). وأثناء تناول الفصح ‏قال لتلاميذه " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِداً مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي " ( يو13/21 ). وبعد ‏دهشة التلاميذ واستفسارهم أشار إلي يهوذا الاسخريوطي ( يو13/26 )، وقال " إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْراً لِذَلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ " ( مت 26/24ومر21:1414/21 )، ثم قال ليهوذا " ‏ مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ " ( يو13/27 ). وغمس لقمة وأعطاها له " فَذَاكَ لَمَّا أَخَذَ اللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ. وَكَانَ لَيْلاً . " ( يو13/30 )، خرج يهوذا إلي رؤساء الكهنة ‏والكتبة والشيوخ لكي يسلّم لهم يسوع في تلك الليلة لأنَّه يعرف المكان الذي سيجتمع ‏فيه الرب يسوع مع تلاميذه.‏

‏ وبعد خروج يهوذا بدأ الرب يُعدّ للعهد الجديد الذي كان علي وشك أنْ يُعلنه بدمه‏، وبدأ بمراسم هذا العهد الجديد، وقدّم العشاء الربّاني، الخبز والخمر، أو الجسد ‏والدم الذي كان علي وشك أنْ يُقدّمهما علي الصليب " وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هَذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. " ( مت26/26-28 ) ، وهذا الخبز هو الذي سبق أنْ قال ‏عنه " وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ " ( يو6/51 )، ‏وهذا الدم هو الذي سبق أنْ قال عنه " وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ. " ( يو6/55 )، " مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. " ( يو6/56 ).



‏3 - نبواته وإعلاناته عن آلامه وصلبه في خطابه الوداعي :‏

‏ وبعد عشاء الفصح والعشاء الرباني خرج الرب يسوع مع تلاميذه متوجهين إلي ‏جبل الزيتون حيث بستان جيسماني وفي الطريق بدأ يكشف لهم ما سيحدث له في ‏تلك الليلة " كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ.‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا


وَلَكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ " ( مت26/31-32 ومر14/27-28 ). والشك هنا ‏راجع لاعتقاد اليهود أنَّ المسيح لن يموت بل يبقى إلي الأبد ( يو12/34مع مز 89/36،أش ‏‏9/7و 35/8.دا 7/14،في4/7 )، فقالوا له " سَمِعْنَا مِنَ النَّامُوسِ أَنَّ الْمَسِيحَ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ " ‏‏( يو12/34 ). وهو في تلك الليلة سيُقبض عليه وفي اليوم التالي سيموت. ولكنّه يُؤكّد أنَّه سيقوم من الموت ويقابلهم حيًا في الجليل. ثم اكمل " هُوَذَا تَأْتِي سَاعَةٌ وَقَدْ أَتَتِ الآنَ تَتَفَرَّقُونَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خَاصَّتِهِ وَتَتْرُكُونَنِي وَحْدِي. وَأَنَا لَسْتُ وَحْدِي لأَنَّ الآبَ مَعِي. " ( يو16/32 ). فقال له بطرس " وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَداً». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» هَكَذَا قَالَ أَيْضاً جَمِيعُ التَّلاَمِيذِ. " ( مت26/31-35 ومر14/27-31 ). ثم عاد فأكّد بأكثر إيضاح ما سيحدث ‏الليلة وغدًا وأنَّه مقضيٌّ به ومحتومٌ " لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضاً هَذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ "( لو22/37مع إش53/12 ).‏

‏ وبعد هذه الإعلانات الرهيبة خيّم علي التلاميذ جوّ الحزن وساد عليهم وجوم فبدأ ‏يسوع يُعزّيهم ويُؤكّد لهم أنَّ حزنهم لن يطول لأنَّه سيقوم من الموت وسيروه ثانية " ‏ بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ». فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ تلاَمِيذِهِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَا هُوَ هَذَا الَّذِي يَقُولُهُ لَنَا: بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي وَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ؟». " ( يو16/16-17 ) .‏

‏ وقد صوّر حزنهم الحالي وفرحهم المُقبل بآلام المرأة التي تلد وحزنها لذلك ‏وفرحها بعد ميلاد الطفل " فَعَلِمَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْأَلُوهُ فَقَالَ لَهُمْ: «أَعَنْ هَذَا تَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ لأَنِّي قُلْتُ: بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ وَلَكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ. اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ.‏

ــــــــــ

‏-101-‏

فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضاً فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ. " ( يو16/19-22 ) .‏

‏ هذه أهم نبوّات وإعلانات الرب يسوع المسيح عن حتميّة آلامه وصلبه وموته ‏وقيامته من الموت في اليوم الثالث والتي كان يرددها دائمًا منذ بداية خدمته ‏الجهاريّة وحتي القبض عليه، وإنْ كان تكرارها قد إزداد كثيرًا في أيامه الأخيرة، ‏خاصّة في رحلته الأخيرة إلي أورشليم وقبل القبض عليه مباشرة، حتي يكون ‏التلاميذ علي بيّنة لكل ما سيحدث له. فهل يُمكن لأحد بعد ذلك أنْ يدّعِي غير ذلك ‏؟! أو أنْ يُنكر ما قاله الرب يسوع المسيح عن حتميّة آلامه وصلبه وقيامته ؟! ‏

‏ قال الأستاذ خالد محمد خالد " لقد كان الصليب الكبير الذي أعده المجرمون ‏للمسيح يتراءى له دومًا " ( معًا على الطريق ص 34،131 ) .‏

‏ وقال الأستاذ منصور حسين في كتابه دعوة الحق " أن المسيح عليه السلام كان ‏عالماً بأنَّه سيُصلب وبهذا أخبر تلاميذه ". ثم يُفاجئنا بعد ذلك أنَّه غيّر رأيه وتراجع ‏عن قراره وصُلب يهوذا بدلاً منه !!!!!!‏

‏ فهل يحتاج مثل هذا الكلام إلي تعليق ؟! قال الرب يسوع المسيح " اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلَكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ. " ( مر13/31 ) .‏

‏ـــــــــــــــــــــ

- 102 -‏

الفصل الثامن
نبوات العهد القديم ‏
عن صلب المسيح وقيامته
‏ تنبّأ أنبياء العهد القديم ابتداء من إبراهيم إلي ملاخي بكل تفصيلات حياة المسيح ‏وكانت قمّة نبوّاتهم عن صلب المسيح وقيامته. وهذه النبوّات التي سجّلوها بالروح ‏القدس في أسفارهم كان علماء اليهودية يعرفون بعضًا منها ولكن عندما جاء الرب ‏يسوع المسيح كشف عن كل هذه النبوّات وشرحها وفسّر مغزاها لتلاميذه ورسله، ‏كما فسر بعضها أمام الجموع وبصفةٍ خاصّةٍ أمام رؤساء الكهنة والكتبة والفرّيسيون‏‏. وقال لهم في أكثر من مناسبة :‏

• " فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. " ‏‏( يو5/39 ) .‏

• ‎ " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ " ( يو8/56 ) .‏

• ‎ " لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي " ( يو5/46 ) .‏

‏ وفي ( متى22/42-45 ) اتفق المسيح ورؤساء اليهود علي أنَّ داود تنبأ عن المسيح ‏ودعاه " ربه " " قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي " .‏

‏ وأكّد هذه الحقيقة أمام تلاميذه مرّات كثيرة مثل قوله " لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضاً هَذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ "( لو22/37 ). وفي العشاء قال لهم مشيرا إلي يهوذا " أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لَكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ. " ( يو13/18 ). وقال ليهوذا ‏محذرًا " إ ِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْراً لِذَلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ " ( مت26/24ومر14/21 ). ‏

‏ ــــــــــ

‏-103-‏

وفي الطريق إلي البستان صلّي للآب قائلا " حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ. " ‏‏( يو17/12 ) . ثم قال للتلاميذ " كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ. " ( مت26/31 ) . ولما حاول القديس ‏بطرس الدفاع عنه بالسيف قال له " أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟». " ( مت26/52-54 ) .‏

‏ وعندما قبضوا عليه قال لهم " كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ مَعَكُمْ فِي الْهَيْكَلِ أُعَلِّمُ وَلَمْ تُمْسِكُونِي! وَلَكِنْ لِكَيْ تُكْمَلَ الْكُتُبُ " ( مر14/49 ). وأخيرًا وعلي الصليب يقول الكتاب " بَعْدَ هَذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: «أَنَا عَطْشَانُ». " ( يو19/28 ) .‏

‏ وبعد قيامته من الموت وظهوره لتلاميذه ورسله، خاصّته، فسّر لهم كل ما سبق ‏أنْ تنبّأ به عنه أنبياء العهد القديم خاصّة ما يتعلّق بصلبه وموته وقيامته تفصيليًا، ‏فقال لتلميذى عَمّواس " أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهَذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟». ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ. " ( لو24/25-27 ) .‏

‏ وقال للأحد عشر " هُمْ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ " ( لو24/33 ) : " هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ». حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ: «هَكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ " ( لو24/44-46 ) .‏

‏ وعندما حلّ الروح القدس علي التلاميذ والرسل يوم الخمسين واجهوا اليهود في ‏الهيكل والمجامع بهذه النبوات مؤكّدين أنَّ كل ما حدث للمسيح من محاكمة وصلب ‏وموت وقيامة سبق وتنبّأ به أنبياء العهد القديم:‏

• " وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ " ( أع17/2-3 ) 000 من الكتب موضحًا ومبينًا أنَّه كان ينبغي أنْ ‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
المسيح يتألم ويقوم من الأموات. ( أع3/18 ) .‏

• " لأَنَّ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ وَرُؤَسَاءَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا هَذَا. وَأَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي تُقْرَأُ كُلَّ سَبْتٍ تَمَّمُوهَا إِذْ حَكَمُوا عَلَيْهِ.وَمَعْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا عِلَّةً وَاحِدَةً لِلْمَوْتِ طَلَبُوا مِنْ بِيلاَطُسَ أَنْ يُقْتَلَ. وَلَمَّا تَمَّمُوا كُلَّ مَا كُتِبَ عَنْهُ أَنْزَلُوهُ عَنِ الْخَشَبَةِ وَوَضَعُوهُ فِي قَبْرٍ. ‏‏" ( أع13/27-29 ) .‏

• " 000 تَكَلَّمَ الأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى أَنَّهُ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ: إِنْ يُؤَلَّمِ الْمَسِيحُ يَكُنْ هُوَ أَوَّلَ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ " ( أع26/22-23 ) .‏

• " الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا. " ( 1بط1/10-11 ) .‏

• " 000 أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ وَأَنَّهُ دُفِنَ وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ " ( 1كو15/3-4 ) .‏

‏ وهذه أهم النبوّات التي جاءت في أسفار العهد القديم عن الصلب والقيامة وطبّقها ‏تلاميذ المسيح ورسله علي أحداث القبض عليه ومحاكمته وصلبه وموته ودفنه ‏وقيامته من الأموات في اليوم الثالث. ونحن هنا لا نختار مجرّد آيات من العهد ‏القديم تتشابه مع أحداث العهد الجديد ولكن نعتمد علي ما طبّقه كُتّاب العهد الجديد ‏الموحي إليهم والمسوقين من الروح القدس بحسب ما سبق الرب يسوع وفسّره لهم ‏وبحسب ما قادهم وأرشدهم إليه الروح القدس :‏



‏1 - خيانة أحد تلاميذه له :‏

النبوّة : " رَجُلُ سَلاَمَتِي الَّذِي وَثَقْتُ بِهِ آكِلُ خُبْزِي رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ! " ( مز41/9 ) .‏

الإتمام : " أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لَكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ. 000 وَشَهِدَ (المسيح) وَقَالَ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِداً مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي ‏

ــــــــــ

‏-105-‏

‏ 000 اَلَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ». فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ. " ( يو13/18-26 ).‏

‏ " وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاِثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ. وَالَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلاً: «الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ». فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: «السَّلاَمُ يَا سَيِّدِي!» وَقَبَّلَهُ. " ( متى26/47-49 ) . ‏

‏ وعند اختيار الرسل لبديلٍ عن يهوذا قال القدّيس بطرس بالروح : " أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ الَّذِي سَبَقَ الرُّوحُ الْقُدُسُ فَقَالَهُ بِفَمِ دَاوُدَ عَنْ يَهُوذَا الَّذِي صَارَ دَلِيلاً لِلَّذِينَ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ " ( أع1/16 ).



‏ 2 - بيعه بثلاثين قطعة من الفضة :‏

النبوّة : " قُلْتُ لَهُمْ: إِنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلاَّ فَامْتَنِعُوا. فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ.. فَقَالَ لِي الرَّبُّ: أَلْقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ " ( زك11/12-13 ) .‏

الإتمام : " حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ. وَقَالَ: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. " ( مت26/14-15 ) .‏

‏ " حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ 000فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا: «لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ». فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ000 حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ 000 وَأَخَذُوا الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ ثَمَنَ الْمُثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَعْطَوْهَا عَنْ حَقْلِ الْفَخَّارِيِّ كَمَا أَمَرَنِي الرَّبُّ». " ( مت27/3-10 ).



‏ 3 - تركه من تلاميذه وأتباعه :‏

النبوّة : " اِسْتَيْقِظْ يَا سَيْفُ عَلَى رَاعِيَّ وَعَلَى رَجُلِ رِفْقَتِي يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. اضْرِبِ

‏ ــــــــــ

‏-106-‏

الرَّاعِيَ فَتَتَشَتَّتَ الْغَنَمُ 000 " ( زك13/7 ) . ‏

الإتمام : " وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ : أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ الْخِرَافُ " ( مر14/27 ) ، " وَأَمَّا هَذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ . حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا. " ( مت26/56 ).‏



‏ 4 - يقوم عليه شهود زور :‏

النبوّة : " شُهُودُ زُورٍ يَقُومُونَ وَعَمَّا لَمْ أَعْلَمْ يَسْأَلُونَنِي. يُجَازُونَنِي عَنِ الْخَيْرِ شَرّاً 000 " ( مز35/11-12 ) . ‏

الإتمام : " وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ لَمْ يَجِدُوا. وَلَكِنْ أَخِيراً تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ " ( مت 26/59-60 ).



‏ 5 - يُسخر منه ويُضرب :‏

النبوّة : " يَضْرِبُونَ قَاضِيَ إِسْرَائِيلَ بِقَضِيبٍ عَلَى خَدِّهِ. " ( ميخا5/1 ). " بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ. " ( إش50/6 ) . " ‏ مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحُزْنِ وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. " ( إش53/3 ) ، " كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَداً " ( إش52/14 ) .‏

الإتمام : " حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ . قَائِلِينَ: «تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا الْمَسِيحُ مَنْ ضَرَبَكَ؟». " ( مت26/67-68 ) ، " وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ 000 وَبَصَقُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ. " ( مت27/29-30 ).



‏ 6 - يصلب بتسمير يديه ورجليه :‏

النبوّة : " لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. " ( مز22/16 ) ، والأمر المدهش حقاً في هذه النبوّة التي تنبّأ بها داود النبي حوالي ‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا


‏-107-‏

سنة سنه 1000 ق م هو أنَّ حكم الإعدام في إسرائيل كان يتمّ بالرجم، وثقب ‏اليدين والرجلين لا يتمّ إلاَّ بالصلب الذي لم يكنْ يُعرف في ذلك الوقت ولم يعرفه ‏بنو إسرائيل إلاَّ بعد السبي البابلي سنه 400 ق م والغريب حقًا والمدهش أنْ يتنبّأ ‏داود عن الصلب دون أنّ يراه أو يعرف عنه شيئًا.‏

الإتمام : " وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ» صَلَبُوهُ هُنَاكَ " ( لو23/33 ) ، ‏وبعد القيامة " أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ . " أي أثر المسامير في يديه ورجليه ( لو 24/40 ). ‏وفي يوحنا يقول " وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ فَفَرِحَ التّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوُا الرَّبَّ. " ‏‏( يو20/20 ). ولكن توما لم يكن حاضراً ولم يري هذا الظهور ولما أبلغه التلاميذ بذلك ‏قال لهم " إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ لاَ أُومِنْ». وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: «سلاَمٌ لَكُمْ». ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِناً». " ( يو20/25-27 ).‏



‏ 7 - يصلب بين لصين :‏

النبوّة : " 000 وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ " ( إش53/12 ) .‏

الإتمام : " لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضاً هَذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ "( لو22/37 ) ، " حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ وَاحِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ الْيَسَارِ. " ‏‏( مت27/38 ).



‏ 8 - يصلى لأجل صالبيه :‏

النبوّة : " وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ. " ( إش53/12 ) .‏

الإتمام : " فَقَالَ يَسُوعُ: «يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». " ( لو23/34 ).

‏ ــــــــــ

‏- 108 -

‏‏ 9 - السخرية منه وهو على الصليب :‏

النبوّة : " وَأَنَا صِرْتُ عَاراً عِنْدَهُمْ. يَنْظُرُونَ إِلَيَّ وَيُنْغِضُونَ رُؤُوسَهُمْ ." ( مز109/25 ) ‏، " كُلُّ الَّذِينَ يَرُونَنِي يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ الشِّفَاهَ وَيُنْغِضُونَ الرَّأْسَ " ( مز22/7 ).‏

الإتمام : " وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ " ( مت27/39 ) .



‏ 10 - اقتسام ثيابه وإلقاء قرعه على لباسه :‏

النبوّة : " يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ. " ( مز22/18 ) .‏

الإتمام : " ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْماً. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضاً. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ مَنْسُوجاً كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لاَ نَشُقُّهُ بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ». لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». هَذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ. " ( يو19/23-24 ).



‏ 11 - يترك من الآب :‏

النبوّة : " إِلَهِي! إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي 000 " ( مز22/1 ) .‏

الإتمام: " وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: أَيْ: 000 إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ " ( مت27/46 ).



‏ 12- يعطش على الصليب ويشرب الخل :‏

النبوّة : " يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُوَّتِي وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي " ( مز22/15 ) ، " وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَماً وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاًّ. " ( مز69/21 ) .‏

الإتمام : " بَعْدَ هَذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: أَنَا عَطْشَانُ ‏‏000 مَمْلُوّاً خَلاًّ فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ . فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ» ." ( يو19/28-30 ).



‏ 13 - طعن جنبه بحربه وعدم كسر عظم من عظامه :‏

النبوّة : جاء عن خروف الفصح " وَلا يَكْسِرُوا عَظْماً مِنْهُ. " ( عدد9/12 ) ، وخروف‏

‏ ــــــــــ

‏- 109 -



الفصح كان رمزاً للمسيح " لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضاً الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا. " ( 1كو5/7 )، ‏وجاء في المزمور ( 34/20 ) " يَحْفَظُ جَمِيعَ عِظَامِهِ. وَاحِدٌ مِنْهَا لاَ يَنْكَسِرُ . "، ‏وعن طعنه بحربه جاء في زكريا ( 12/10 ) " فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ الَّذِي طَعَنُوهُ وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ ". ‏

الإتمام : " فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبَيْنِ مَعَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. لَكِنَّ وَاحِداً مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ 000 هَذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ» . وَأَيْضاً يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ: «سَيَنْظُرُونَ إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ» . " ( يو19/33-37 ).‏



‏ 14 - دفنه في قبر غني :‏

النبوّة : " وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. " ( أش53/9 ) .‏

الإتمام : " وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ 000 فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ. وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ " ( مت27/57-60 ).



‏ 15- موته على الصليب بإرادته :‏

النبوّة : " أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ " ( إش53/12 ) . " بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ. " ( إش50/6 ) .‏

الإتمام : " أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ000 ‏لِهَذَا يُحِبُّنِي الآبُ لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضاً. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. " ( يو10/11و 17-18 ).



‏ 16 - موته نيابة عن البشرية :‏

النبوّة : " وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ وَبِحُبُرِهِ (بجروحه ) شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ ‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
-

عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا 000 وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا . " ‏‏( إش53/5-6و11 ) ، " يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ " ( دا9/26 ) .‏

الإتمام : " الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. " ( 1بط2/24 ).



‏ 17 - قيامته من الموت :‏

النبوّة : " لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَاداً. " ( مز16/10 ).‏

الإتمام : " لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي لِكَيْ لاَ أَتَزَعْزَعَ. لِذَلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضاً سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً. عَرَّفْتَنِي سُبُلَ الْحَيَاةِ وَسَتَمْلأُنِي سُرُوراً مَعَ وَجْهِكَ. أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ جِهَاراً عَنْ رَئِيسِ الآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هَذَا الْيَوْمِ. فَإِذْ كَانَ نَبِيّاً وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً. فَيَسُوعُ هَذَا أَقَامَهُ اللهُ وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذَلِكَ. " ( أع 2/25-32 ) .‏

‏ مما سبق يتّضح لنا أنَّ أنبياء العهد القديم وبصفة خاصّة داود النبي (سنه 1000 ‏ق. م) وإشعياء النبي (سنه 700 ق.م) وزكريا النبي (سنه 536 ق.م) إلي جانب ‏موسى النبي (سنه 1500ق.م) وميخا النبي (سنه 700 ق.م) وغيرهم تنبّأوا عن أدقّ ‏تفاصيل القبض علي المسيح ومحاكمته وموته وصلبه وقيامته. وهذا بدوره يؤدّي ‏إلي إستحالة إنكار صلب المسيح وقيامته. وهذا ما جعل اليهود ينّضمون إلي ‏المسيحيّة أفواجًا خاصّة في عصورها الأولي.



‏ 18 - أناشيد المصلوب في المزامير وإشعياء :‏

‏ ذكرنا أعلاه نبوّات الأنبياء بما فيها نبوّات داود النبي وإشعياء النبي بحسب ‏

‏ ــــــــــ

‏- 111 -

العناوين الجانبية أعلاه ولكي تتّضح الصورة كاملة وتظهر قيمة نبوّات هذين النبيَّين ‏العظيمَين نذكر هنا أيضًا، إجمالاً، نبوّات مزمور 22 كاملة ونبوّات إشعياء عن ‏الصلب كاملة:‏

‏ (أ) مزمور (22) مزمور المصلوب وتطابقه مع أحداث صلب المسيح :‏

‏ 1 – " إِلَهِي! إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي 000 " ( 1 ) ." وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي إِيلِي لَمَا شَبَقْتَنِي» أَيْ إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ " ( مت27/46 ).‏

‏ 2 – " بَعِيداً عَنْ خَلاَصِي عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟ إِلَهِي فِي النَّهَارِ أَدْعُو فَلاَ تَسْتَجِيبُ. فِي اللَّيْلِ أَدْعُو فَلاَ هُدُوءَ لِي. " ( 1-2 ) . " وَإِذْ كَانَ فِي جِهَادٍ كَانَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ لَجَاجَةٍ وَصَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ. " ( لو22/44 ) .‏

‏ 3 – " أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ الْبَشَرِ وَمُحْتَقَرُ الشَّعْبِ. كُلُّ الَّذِينَ يَرُونَنِي يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ الشِّفَاهَ وَيُنْغِضُونَ الرَّأْسَ قَائِلِينَ: اتَّكَلَ عَلَى الرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ. لِيُنْقِذْهُ لأَنَّهُ سُرَّ بِهِ. " ( 6-8 ) ، " ‏ وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ: «يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». وَكَذَلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضاً َهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا». إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيبِ فَنُؤْمِنَ بِهِ! قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللَّهِ فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللَّهِ!». " ‏‏( مت27/39-43 ) .‏

‏ 4 – " أَحَاطَتْ بِي ثِيرَانٌ كَثِيرَةٌ. أَقْوِيَاءُ بَاشَانَ اكْتَنَفَتْنِي. فَغَرُوا عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ كَأَسَدٍ مُفْتَرِسٍ مُزَمْجِرٍ. كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ. انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي كَالشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي. يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُوَّتِي وَلَصِقَ لِسَانِي بِحَنَكِي وَإِلَى تُرَابِ الْمَوْتِ تَضَعُنِي. لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. " ‏‏( 12-16 ) . " وَالرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا ضَابِطِينَ يَسُوعَ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَهُمْ يَجْلِدُونَهُ وَغَطَّوْهُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَ وَجْهَهُ وَيَسْأَلُونَهُ: «تَنَبَّأْ! مَنْ هُوَ الَّذِي ضَرَبَكَ؟» وَأَشْيَاءَ ‏

‏ ــــــــــ

‏- 112 -

أُخَرَ كَثِيرَةً كَانُوا يَقُولُونَ عَلَيْهِ مُجَدِّفِينَ. " ، ( لو22/63-65 ) ، " فَمَضَى بِهِ الْعَسْكَرُ إِلَى دَاخِلِ الدَّارِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا كُلَّ الْكَتِيبَةِ. وَأَلْبَسُوهُ أُرْجُواناً وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَيْهِ وَابْتَدَأُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: «السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ!» وَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِقَصَبَةٍ وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْجُدُونَ لَهُ جَاثِينَ عَلَى رُكَبِهِمْ. وَبَعْدَمَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ نَزَعُوا عَنْهُ الأُرْجُوانَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ لِيَصْلِبُوهُ. " ( مر15/16-20 ) .‏

‏ 5 – " ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. (بتسميرهم) أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ. يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ. " ( 16-18 ) ، " فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ» حَيْثُ صَلَبُوهُ وَصَلَبُوا (سمروا يديه ‏وقدميه) اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ 000 ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْماً. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضاً. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ مَنْسُوجاً كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ000فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لاَ نَشُقُّهُ بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ». لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». هَذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ. " ( يوحنا 19/17-18 و 23-24 ) .‏



(ب) العبد المتألم عن خطايا البشرية :‏

• ‏جاء في نبوّة إشعياء النبي عنه قوله : " هُوَذَا عَبْدِي يَعْقِلُ يَتَعَالَى وَيَرْتَقِي وَيَتَسَامَى جِدّاً. كَمَا انْدَهَشَ مِنْكَ كَثِيرُونَ. كَانَ مَنْظَرُهُ كَذَا مُفْسَداً أَكْثَرَ مِنَ اَلرَّجُلِ وَصُورَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ. ه َكَذَا يَنْضِحُ أُمَماً كَثِيرِينَ. مِنْ أَجْلِهِ يَسُدُّ مُلُوكٌ أَفْوَاهَهُمْ لأَنَّهُمْ قَدْ أَبْصَرُوا مَا لَمْ يُخْبَرُوا بِهِ وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ فَهِمُوهُ . " ( إشعياء52/13-15 ). ‏

• " مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا وَلِمَنِ اِسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ اَلرَّبِّ؟. نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ (قاحلة ) لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيهِ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ (منبوذ ) مِنَ اَلنَّاسِ رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ اَلْحُزْنِ ‏

‏ ــــــــــ

‏- 113 -

وَكَمُسَتَّرٍ ( محتجبة ) عَنْهُ وُجُوهُنَا مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ . لَكِنَّ أَحْزَانَنَا ( عاهاتنا ) حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا . وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ اَلْلَّهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا . تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ وَبِحُبُرِهِ ( بجراحه ) شُفِينَا . كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا . ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى اَلذَّبْحِ وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. مِنَ اَلضُّغْطَةِ وَمِنَ اَلدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي؟ . وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ0 عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْماً وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ. أَمَّا اَلرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ ( بالأوجاع ) . إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ وَمَسَرَّةُ اَلرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ وَعَبْدِي اَلْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا . لِذَلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ اَلأَعِزَّاءِ وَمَعَ اَلْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي اَلْمُذْنِبِينَ. " ( إشعياء53 )

‏ والعبد المتألم هنا كما أجمع كل من علماء اليهود والمسيحيين هو شخص المسيح‏، المسيا الموعود والمنتظر الذي سيأتي من إسرائيل لخلاص البشريّة. وقد دُعي ‏بالعبد لأنَّه بتجسّده إتّخذ شكل العبد وصورته " الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. " ( في2/5-8 ) . فهي تقدّم لنا صورة واضحة لا لبس فيها ولا غموض عن ‏شخص آتٍ بلقب " عبد الرب "، هذا الشخص يرتفع ويتسامى جداً فوق البشر، ‏فهو عبدٌ بارٌ لم يعمل خطيّة ولم يُوجد في فمه غشّ ومع ذلك يقدّم نفسه ويقدمه الله ‏ذبيحة أثم، كحمل الله الذي يرفع خطية العالم. كما أنَّه سيتحمّل آلام البشريّة ‏وأوجاعها وأحزانها، سواء الجسمانيّة أو العقليّة، ويُجرح لأجل معاصينا ويُسحق ‏

ــــــــــ
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
بالأوجاع والآلام لأجل آثامنا ويشفينا بجروحه . ‏

‏ إنَّه المُعيّن من الله ليضع عليه كل آثام البشريّة الضالّة ويُضرب من أجل ذنب ‏شعبه ويَبْذُل نفسه للموت من أجل الخطايا، كما أنَّه سيتحمّل الآلام في صمتٍ ودون ‏أنْ يفتح فاه، فهو العبد البار الذي بمعرفته يُبَرَّر كثيرين وخطاياهم هو يحملها علي ‏أساس تقديم نفسه ذبيحة إثم نيابة عن الخطاة، وهو سيشفع في المذنبين ويحمل ‏خطية كثيرين بموته عن معاصي البشريّة. ومع ذلك يُحسب مع الأشرار عند موته ‏ولكنّه يفرح في النهاية مع المؤمنين به. وهذه الأمور لم تتم ولا يمكن أنْ تنطبق ‏علي أي أحد غير الرب يسوع المسيح :‏

‏ (1) فهو البار الذي أخلى ذاته أخذا صورة عبد وجاء في ملء الزمان مولودا من ‏امرأة ( غل4/4 ) ، وقدم نفسه فدية عن خطايا العالم ، يقول الكتاب " يَا أَوْلاَدِي، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضاً. " ( 1يو2/1-2 ). ‏

‏ (2) ويؤكّد العهد الجديد، أنَّ هذه النبوّة بحذافيرها تمّت حرفياً في الرب يسوع ‏المسيح، " حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ " ( يو1/29 ) ، فقد طبق الرب يسوع نصّ ‏النبوّة كاملاً علي نفسه قائلاً " لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضاً هَذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ. " ( لو22/37 ) . وقول ‏الكتاب " لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: «هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا " ‏‏( مت8/17 ) ، وأيضًا " تَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ». " ( مر15/28 ) . وقال القديس ‏يوحنا بالروح " لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: «يَا رَبُّ مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟» لِهَذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضاً: «قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ لِئَلَّا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ». قَالَ إِشَعْيَاءُ هَذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ. " أي المسيح ( يو12/38-41 ) . ‏

‏ كما طبّقها عليه تلاميذه في كرازتهم " وَأَمَّا فَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُهُ (الخصيّ )

‏ ــــــــــ

‏- 115 -

فَكَانَ هَذَا: «مِثْلَ شَاةٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ وَمِثْلَ خَرُوفٍ صَامِتٍ أَمَامَ الَّذِي يَجُزُّهُ هَكَذَا لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. فِي تَوَاضُعِهِ انْتَزَعَ قَضَاؤُهُ وَجِيلُهُ مَنْ يُخْبِرُ بِهِ لأَنَّ حَيَاتَهُ تُنْتَزَعُ مِنَ الأَرْضِ؟» فَسَأَلَ الْخَصِيُّ فِيلُبُّسَ: «أَطْلُبُ إِلَيْكَ: عَنْ مَنْ يَقُولُ النَّبِيُّ هَذَا؟ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ عَنْ وَاحِدٍ آخَرَ؟» فَابْتَدَأَ فِيلُبُّسُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ يُبَشِّرَهُ بِيَسُوعَ. " ( أع8/32-35 ). وكذلك القديس بولس بالروح " لَكِنْ لَيْسَ الْجَمِيعُ قَدْ أَطَاعُوا الإِنْجِيلَ لأَنَّ إِشَعْيَاءَ يَقُولُ: «يَا رَبُّ مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا؟» " ( رو10/16 ). وقال أيضًا " هَكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضاً، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ. " ( عب9/28 )، وأيضًا " الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنَا. " ( رو4/25 )، " فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ " ( 1كو15/3 )، " لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ. " ( 2كو5/21 ) . وقال القديس بطرس ‏بالروح " فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ " ( 1بط3/18 ) .‏

‏ (3) أن قوله " عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْماً وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ. أَمَّا اَلرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ ( بالأوجاع ) . إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ وَمَسَرَّةُ اَلرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. "، كما يؤكّد القديس بطرس بالروح هو الرب يسوع ‏المسيح " الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ، الَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضاً وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ. الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ، لَكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا. " ‏‏( 1بط2/22-25 ) . ‏

‏ (4) ويؤكد بقوله " بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ. " ( إش50/6 ). أما كون منظره " مفسداً " ، فهذا بسبب ما وقع عليه

‏‏ ــــــــــ

‏- 116 -

من جلد وضرب وبصق على وجهه وإكليل الشوك الذي وضع على رأسه ، ومن ‏ثم أصبح " لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ " برغم أنَّه " أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ. " ‏‏( مز45/2 ). أما قوله " كَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ " فليس معناه أنَّه لم ‏يتكلّم نهائيًا أثناء المحاكمة بل يعني أنَّه لم يُدافع عن نفسه أبدًا ضدّ كلّ ما أُتهم به ‏حتي تعجّب الوالي الروماني بيلاطس " وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدّاً " ( مت27/12-14 ). " وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ " ‏صلب المسيح بين لصين ودفنه في قبر أناس لم يكونوا قد أعلنوا إيمانهم به ‏‏( مت27/38 و57-60 ) .‏

‏ (5) كما أجمع علماء اليهود عبر تاريخهم السابق للمسيح واللاحق له أنَّ هذا ‏الإصحاح نبوّة عن المسيّا المنتظر، وقد لخصّ القمص روفائيل البرموسي في ‏كتابه " أمّا إسرائيل فلا يعرف ص 119 – 128 ) خلاصة رأي علماء اليهود كالآتي " ‏كل الرابيّين ما عدا راشي (الذي رأى أنَّ العبد المتألّم هو شعب إسرائيل ) – يرون ‏أنَّ هذه المقاطع من سفر إشعياء تصف آلام المسيّا كشخص فرديّ ". ويُضيف أنَّه ‏جاء في ترجوم يوناثان الذي يعود للقرن الأول " هوذا عبدي المسيا يعقل 00"، ‏كما أنَّ الرابي دون أتسحاق (حوالي 1500م) يقر و يقول بدون تحفظ " أنَّ غالبية ‏الرابيّين في ميدراشيهم يقرّون أنَّ النبوّة تشير إلي المسيّا ". وقال الرابي سيمون ‏ابن يوخّيا من القرن الثاني الميلادي [ في جنة عدن يوجد مكان يسمى " مكان أبناء ‏الأوجاع والآلام ". في هذا المكان سيدخل المسيّا ويجمع كل الآلام والأوجاع ‏والتأديبات التي لشعب إسرائيل، وكلها ستوضع عليه، وبالتالي يأخذها لنفسه ‏عوضًا عن شعب إسرائيل. لا يستطيع أحد أنْ يخلّص إسرائيل من تأديباته ‏لعصيانهم الناموس. إلا هو، المسيّا. وهذا هو الذي كتب عنه " لكن أحزاننا ‏حملها وأوجاعنا تحملها " ] . وينقل عن تلمود بابل، أنَّ المتألم ‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
هو [ " المسيّا " ما هو اسمه ؟ 000 إنَّه عبد يهوه المتألّم " . كما قيل عنه " ‏لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها "] 000 أمّا مدراش كوهين حينما يشرح ‏إشعياء 53/5 ، يضع الكلمات التالية علي فمّ إيليّا النبي، حيث يقول إيليّا للمسيّا [ ‏أنت أبرّ من أنْ تتألّم وتُجرح. كيف كلّي القدرة يُعاقب هكذا من أجل خطايا ‏إسرائيل، ويُكتب عنك " مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل أثامنا". إلي أنْ ‏يحين الوقت حيث تأتي نهاية الأمم ]. ويقول رابي يافيث ابن عالي " بالنسبة لرأيي ‏فأنا أنحاز إلي رأبي بنيامين النهاوندي في تفسيره لهذا الإصحاح كونه يشير إلي ‏المسيا. فالنبي إشعياء يريد أنْ يُفهمنا شيئَين: في المرحلة الأولى أنَّ المسيّا هو ‏الوحيد الذي سيصل إلي أعلي درجة من الكرامة والمجد، لكن بعد محن طويلة ‏ومريرة، ثانياً: هذه المحن ستُوضع عليه كعلامة، لدرجة لو وجد نفسه تحت نير ‏هذه المحن وظل مطيعًا وتقيًا في تصرفاته وأفعاله، يُعرف أنَّه هو المختار 000 ‏والتعبير " عبدي " يعود إلى المسيّا " . وفي كتاب " ‏ Bereshith Rabbah ‏ " يقول ‏مؤلّفه رابي موشى هادرشان، أنَّ القدّوس أعطى فرصة للمسيّا أنْ يُخلّص النفوس‏، ولكن بضربات وتأديبات عديدة، يقول [000 على الفور قَبِلَ المسيّا تأديبات ‏وضربات المحبّة، كما هو مكتوب " ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه " 000 عندما ‏أخطأ شعب إسرائيل، طلب المسيّا لهم الرحمة والمغفرة، كما هو مكتوب " ‏وبحبره شفينا " وقوله " وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين " ] . ‏

‏ وهكذا يؤكّد لنا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، من خلال نبوّات أنبياء ‏العهد القديم وتطبيق المسيح لها علي نفسه وتأكيد تلاميذه ورسله بعد ذلك علي أنَّ ‏اليهود عندما صلبوا المسيح فقد تمّموا كل ما سبق وتنبّأ به عنه جميع الأنبياء أنَّه ‏لابد " أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَأَلَّمُ كَثِيراً وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلُ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ " ( لو9/22 ) .‏



ــــــــــــــــــــ

- 118 -‏

الفصل التاسع ‏
القبض على المسيح ومحاكمته ‏
‏ كان رؤساء الكهنة والكتبة والفرّيسيّون منذ زمن يتحيّنون الفرصة للتخلّص من ‏السيّد المسيح وكانت أهم أسبابهم هي أولاً : قوله عن نفسه أنَّه " ابن الله " وكونه ‏ابن الله يعني المساواة بين الآب والابن، فاعتبروا ذلك تجديفُا علي الله " فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ. " ( يو5/18 )، ولذلك يستحق الرجم " أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً» " ( يو10/33 ).‏

ثانياً : لأنَّه كان دائمًا يتحدّي سلطانهم، خاصّة تحدّيه الكبير لهم بطرده الباعة من ‏الهيكل لتطهيره له إلي جانب انبهار الجموع بتعاليمه السامية ذات السلطان السماويّ ‏‏" وَسَمِعَ الْكَتَبَةُ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ فَطَلَبُوا كَيْفَ يُهْلِكُونَهُ لأَنَّهُمْ خَافُوهُ إِذْ بُهِتَ الْجَمْعُ كُلُّهُ مِنْ تَعْلِيمِهِ. " ( مر11/18 ). و " لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. " ‏‏( مت7/29 )، " وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي فِي الْهَيْكَلِ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ. وَقَالُوا لَهُ: «بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هَذَا وَمَنْ أَعْطَاكَ هَذَا السُّلْطَانَ حَتَّى تَفْعَلَ هَذَا؟» " ‏‏( مر11/27-28 ). ولما أفحمهم بسؤاله عن مصدر سلطان معموديّة يوحنا المعمدان ‏وعجزهم عن الردّ عليه قرّروا التخلص منه وإعدامه.‏

ثالثاً : كانت معجزاته وإيمان الجموع به وخوفهم من ضياع امتيازاتهم وتميّز أمّتهم ‏اليهوديّة نتيجة لإيمان الجميع به سببًا قويًا للتخلّص منه " فَجَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ مَجْمَعاً وَقَالُوا: «مَاذَا نَصْنَعُ؟ فَإِنَّ هَذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً. إِنْ تَرَكْنَاهُ هَكَذَا يُؤْمِنُ الْجَمِيعُ بِهِ فَيَأْتِي الرُّومَانِيُّونَ وَيَأْخُذُونَ مَوْضِعَنَا وَأُمَّتَنَا». فَقَالَ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ قَيَافَا كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ: «أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ شَيْئاً. ولاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا». 000 فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ‏‏‏‏

ــــــــــ

‏- 119 -

تَشَاوَرُوا لِيَقْتُلُوهُ. " ( يو 11/47-53 ) . وكانت إقامة لعازر من الموت من أسباب إيمان ‏الكثيرين به ومن أسباب قرار التخلّص منه أيضًا " فَتَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ لِيَقْتُلُوا لِعَازَرَ أَيْضاً. لأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا بِسَبَبِهِ يَذْهَبُونَ وَيُؤْمِنُونَ بِيَسُوعَ. " ‏‏( يو12/10-11 ) .‏

‏ ثم قرّروا التخلّص منه بعد عيد الفصح حتي لا يحدث شغب في العيد ( مت26/5 ) ‏الذي يحضره يهود من دول وبلاد كثيرة يزيد عددهم علي المليونين فرد .‏

‏ ولكن يهوذا الإسخريوطى قَلَبَ خطّتهم رأسًا علي عقب فقد ذهب إليهم قبل الفصح ‏مباشرة " قَرُبَ عِيدُ الْفَطِيرِ000 تَكَلَّمَ مَعَ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقُوَّادِ الْجُنْدِ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ إِلَيْهِمْ. " ( لو11/1 و 4 )، " وَقَالَ: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. " ( مت26/15 )‏، " وَكَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ خِلْواً مِنْ جَمْعٍ. " ( لو22/6 )، وكان ذلك فرصة ‏ذهبية لهم. وبعد أنْ غمس السيّد اللقمة وأعطاهم ليهوذا " فَذَاكَ لَمَّا أَخَذَ اللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ. وَكَانَ لَيْلاً. " ( يو13/30 ).‏



‏ 1 - صلاة يسوع في البستان :‏

‏ بعد العشاء، عشاء الفصح والعشاء الربانيّ، ذهب السيّد مع بقيّة تلاميذه إلي ‏جبل الزيتون ( لو22/39 ) إلي ضيعة تُدْعَي بستان " جثيمانى " وترك ثمانية من تلاميذه ‏وقال لهم " اجْلِسُوا هَهُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ " ( مت26/36 ) وأخذ معه بطرس ‏ويعقوب ويوحنا " ابْنَيْ زَبْدِي " ( مت26/37 )، وطلب من الجميع أن يصلوا " صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ " ( لو22/40 ). وطلب من بطرس وابني زبدى أنْ يمكثوا ‏معه ويسهروا " امْكُثُوا هَهُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي " ( مت26/38 )، " ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ». " ( مت26/39 ) ، وكرّر هذه الطلبة ثلاث مرات. ولم يكن ‏معني ذلك أنَّه يريد أنْ ينجو من الموت صلبًا، كلا وحاشا، فقد أعلن مرارًا أنَّ ‏

ــــــــــ

‏- 120 -

ذلك محتوم ومكتوب عنه، ولكنّه عبّر كإنسان عن قوّة وشدّة الآلام الآتية عليه، ‏كما عبّر عن قبوله وتسليمه لإرادة الآب " لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ " ( لو22/42 ) ، " وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ 000 لْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ " ( مت26/39 و 42 ). فقد ‏طلب أنْ تعبُر عنه " الكأس " بمعني أنْ " يجتازها " أي يشربها بحسب إرادة الآب ‏دون أنْ يكون لها سلطان عليه، وكما يقول أحدهم " وهذه الصلاة تُظهر بوضوح ‏أن يسوع قبل هذه التضحية بملء إرادته وحريّته وقد أكّد بإصرار أنَّه ليس عنده ‏أي رغبة سوي أنْ يتمّم مشيئة الله ". فقد أكّد أنَّه قدّم ذاته بإرادته متمّمًا إرادة الآب ‏فيه وتنفيذ مشيئته برغم قسوة وشدّة ما سيأتي عليه.‏

‏ و " ظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. " ( لو22/43 )، وكان ظهور الملاك له إعلانًا عن ‏قبوله المهمّة وعن رضا الآب لتحقيق إرادته كما أنَّه إعلانًا للرضا التام والحبّ ‏المتبادل بين الآب والابن.‏



‏2 ـ القبض على المسيح :‏

‏ بعد أنْ أنهي الرب يسوع المسيح صلاته وتأكيد قبوله لإرادة الآب قال لتلاميذه " هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. قُومُوا نَنْطَلِقْ. هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ " ( مت26/45-46 ) . ثم جاء يهوذا بالجند " وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ. " ( مت26/47 )، " وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ. " ( يو18/3 ). ولما اقتربوا تقدّم إليهم يسوع " وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ» . وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ» رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ . فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». أَجَابَ: « قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ ». " ‏‏( يو18/4-8 ).‏

‏ لقد تقدّم من الذي جاءوا للقبض عليه وقدم له ذاته بنفسه، فهو وحده سيّد مصيره ‏

‏ ــــــــــ
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
كما قال عن نفسه " لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً. " ( يو10/18 ). وأمام هذا المشهد الجليل والمهيب ‏بل والرهيب سقط الذين جاءوا للقبض عليه علي الأرض، فقد كان هو وحده سيّد ‏الموقف وصاحب السلطان. وهذا المشهد يؤكّد لنا إستحالة القبض علي غير المسيح ‏لأنَّ شخصه المهيب، في هذا الموقف بالذات، لا يمكن أنْ يختلط علي أحد، كما ‏كانت الإضاءة كافية بدرجة لا يمكن أنْ يُخطئ فيها أحد مثل هذه الشخصيّة ذات ‏الجلال والمهابة والعظمة، فقد كان القمر في تمام بدره (إذ كان ليلة 14 من الشهر ‏القمري) وذلك إلي جانب المشاعل والمصابيح الوهّاجة التي كانت مع الجموع. ‏وأمام موقف السيّد هذا وتسليمه لنفسه، مع أنَّه كان في إمكانه أنْ يذهب بتلاميذه ‏بسلام دون أنْ يستطيع أحد أنْ يمسّه أو يتقدّم منه، تقدّم منه يهوذا وقبّله إذ كان قد ‏أعطاهم علامة قائلاً " الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ " ( مت26/48 ) وذلك علي الرغم ‏من أنَّ شخصيّة السيّد أصبحت واضحة للجميع تمامًا، فقد كان السيد أيضًا إلي ‏جانب ما سبق يتميّز بصفات جسميّة وملامح خاصّة به كطول القامة ( لو2/52 ) وطول ‏الشعر المسدل علي كتفيه (لأنه كان نذيرا ( عد6/2 و 5؛ قض13/5؛1صم1/11 ) وقوّة نظرات ‏عينيه الناريّة التي لا تُنسى ( رؤ1/14؛ 2/18؛ 19/1 ).‏

‏ وقبّله يهوذا فقال له السيد معاتبًُا " يَا صَاحِبُ لِمَاذَا جِئْتَ؟ " ( مت26/50 )، " يَا يَهُوذَا أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟ " ( لو22/48 ) ، فلمّا رأى التلاميذ ذلك قالوا " يَا رَبُّ أَنَضْرِبُ بِالسَّيْفِ؟ " ( لو22/49 ) وبرغم أنَّه لم يكن معهم سوي سيفين إلاَّ أنَّ جلال السيّد ‏ومهابته وسلطانه علي مُسَلّميه شجّع التلاميذ علي ذلك ومن ثمّ استل بطرس سيفه " وَضَرَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. " ( لوقا22/50 ).وكان يمكن ‏لبطرس وبقية التلاميذ أنْ يتمادوا في ذلك، خاصة وأنَّ من جاءوا مع يهوذا كانوا ‏شبه مخدرين أمام جلال ومهابة السيد المسيح، ولكن المسيح رفض ذلك ووبّخ ‏بطرس عليه " فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ. " ( يو18/11 )، ولقّنه الدرس ‏الأبديّ وأنَّ المسيحيّة لا يمكن أنْ تنبني علي السيف:

‏‏ ــــــــــ

‏- 122 -

" لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟» ." ‏‏( مت26/52-54 ) . أي أنَّه لو أراد الله إنقاذه فيُرسل حتي لو إثنى عشر جيشًا من ‏الملائكة؟ مع أنَّ ملاكًا واحدًا لهذه المهمّة يكفي !! أمَا كان المسيح في إمكانه أنْ ‏يتركهم ويهرب وهم مرتمين علي الأرض مذعورين ؟! ثم أكّد له ( بطرس ) حتميّة القبض ‏عليه وصلبه " الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ ألاَ أَشْرَبُهَا؟ " ( يو18/11 )، هذه " الكأس " ‏التي صلّي توًا أنَّه قَبِلَها بحسب إرادة الآب. ثم مدّ يده بالشفاء و" أَبْرَأَ " ( لو 22/51 ) ‏الأذن المقطوعة في الحال، وسلّم نفسه للجنود الذين لما رأوه مستسلمًا هكذا ‏بإرادته " قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ وَأَوْثَقُوهُ " ( يو18/12 )، فقال لهم مشيرًا إلي الطريقة التي جاءوا ‏بها إليه " كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَكُمْ أُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ وَلَمْ تُمْسِكُونِي. " ( مت26/55 )، " وَلَكِنَّ هَذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ " ( لو22/53 ) ، " وَأَمَّا هَذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ " ( مت26/56 ). ‏وهنا يؤكّد السيّد حتميّة القبض عليه ومحاكمته وآلامه وصلبه وقيامته، هذه الحتميّة ‏التي أعلن عنها في كل كتب الأنبياء ( لو22/44-47 ). ولما وجد تلاميذه أنَّه قدّم نفسه ‏لمسلّميه تركوه وهربوا ( مت26/56 ).‏

‏ مما سبق يتّضح لنا بشكلٍ قاطعٍ وحاسمٍ أنَّ الشخص الذي قَبَضَ عليه اليهود لا ‏يمكن أنْ يكون سوي المسيح فقد كان شخصه واضحًا بلا لبسٍ ولا غموضٍ وكانت ‏الإضاءة من قمر في تمام بدره ومشاعل ومصابيح تُضئ المكان بقوّة وكانت هيبة ‏المسيح وجلاله مسيطرة علي الجموع تمامًا، وكان هو وحده الداعي إلي السلام ‏والرافض لاستخدام السيف، وكان هو وحده الذي شفي المريض وأبرأ أذنه وهو ‏وحده الذي اهتّم بسلامة التلاميذ، وهو وحده يعلم حتميّة صلبه وقيامته.



‏3 - محاكمة السيد المسيح :‏

‏ بعد القبض عليه مباشرة واجه السيد المسيح محاكمتَين مختلفتَين أمام محكمتَين ‏

‏‏ ــــــــــ

‏- 123 –

مختلفتَين لكل منها قوانينها الخاصّة المستقلّة ونظامها الخاصّ بها. فقد وقف أمام ‏محكمة يهوديّة تعتمد علي التقاليد اليهوديّة المستمدّة من شريعة موسي وقضاتها هم ‏رجال الدين من كهنة وفرّيسيين وكتبة، ومحكمة رومانيّة ذات صبغة مدنيّة ‏وعسكريّة وقاضيها هو الوالي الروماني بيلاطس البنطي. ومن ثمَّ فقد كانت التُهم ‏الموجّهة له أمام المحكمة اليهوديّة تختلف تمامًا عن التُهم الموجّهة له أمام الوالي ‏الروماني. وما كان يُعتبر إدانة في نظر اليهود لا يُعتبر كذلك في نظر الرومان. وما ‏كان يُدينه أمام الوالي الروماني يجعله بطلاً أمام اليهود !!‏

أولاً : محاكمته أمام المحكمة اليهودية :‏

‏ مضي الجند بالمسيح من بستان جيسثماني إلي حنّان رئيس الكهنة السابق (1) وحما ‏قيافا رئيس الكهنة، المعاصر لأحداث الصلب ( يو18/13 )، ثمّ أرسله حنّان " مُوثَقاً إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ " ( يو18/24 )، " فَأَخَذُوهُ وَسَاقُوهُ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى بَيْتِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ ‏‏" ( لو22/54 )، " حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ " ( مت26/57 )، وبدأوا في محاكمته ليلاً. ‏وكانت محاكمته أمام هذا المجلس، السنهدرين (2) ، محاكمة صوريّة لأنَّ رئيس ‏الكهنة، ومعظم الأعضاء كانوا قد قرّروا من قبل قتل السيّد المسيح وكانوا يُرسلون ‏الجواسيس وراءه في كل مكان " لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ. " ( مت22/15 )، ومن ثمَّ فقد " كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ " ‏‏( مت26/59 ).‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كانت رئاسة الكهنوت وراثية في نسل هارون فقط (عدد 10:3) ولكن تغير هذا النظام بعد أن انضمت اليهودية إلى سوريا وخضعت لواليها ولما صارت تحت حكم روما كان رؤساء الكهنة يُعينون ويُعزلون حسب موالاتهم للرومان ومن ثم فقد كان يوجد أكثر من رئيس كهنة سابق في وقت واحد مثل حنان هذا وأولاده الخمسة الذين تولوا بعده.

(2) السنهدرين هو المحكمة اليهودية منذ العصر الفارسي وخلال الحكم الروماني وقد كان أعلى سلطة دينية وسياسية وقضائية بعد الوالي الروماني، وقد جاءت الكلمة من "سندريون Synedrion – " اليونانية وتعني محكمة. أنظر محاكمة يسوع فرنك ج باول ترجمة إبراهيم سلامة ص 47-51 The Ixicon Webster Dic. Vol. 2 p. 850 - The International Bib. Ency. Vol. 4 p. 331

 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
124 –

وكانت الاتهامات الموجّهة إليه بحسب ما جاء في الإنجيل بأوجهه الأربعة ‏والتلمود والتقليد اليهودي هي : السحر والنبوة الكاذبة " فقالوا أن معه بعلزبول . ‏وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين " (3) ، ويُعلّم بدين جديد ويُنادي بعبادة الله ‏بطريقة تُخالف ناموس موسي ويَدّعي أنَّه ابن الله " لَنَا نَامُوسٌ وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ " ( يو19/7 ).‏

‏ وهذه الاتهامات سبق أنْ ردّ عليها مرّات عديدة مبرهنًا بالأقوال والأعمال صدق ‏رسالته وحقيقة كونه ابن الله " صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا. " ( يو14/11 )، " لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا هَذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي. 000 فَتِّشُوا الْكُتُبَ000 وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. " ( يو5/36-40 ). ومن ثمَّ فقد وقف في المحكمة صامتًا ‏ولم يُجِبْ عن شئ مما اتهموه به لأنَّه لم يكنْ هناك فائدة من الكلام وهذا ما عَبَّر ‏عنه بقوله لهم " إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ وَإِنْ سَأَلْتُ لاَ تُجِيبُونَنِي وَلاَ تُطْلِقُونَنِي. " ‏‏( لو22/67-68 )، فقد كان المجمع قد قرّر قتله والقضاء عليه منذ زمن كما كان حكم ‏الموت محتوم عليه منذ الأزل كما أعلن هو ذلك مرات كثيرة .‏

‏ " وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ لَمْ يَجِدُوا. " ( مت26/59-60 ). ولم ‏يتكلّم هو ولم يُعَلِّق علي شهادات الزور " وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتاً. " ( مت26/63 )، " فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هَذَانِ عَلَيْكَ؟» " ( مت26/62 ). ‏ولكنه تكلّم عندما سأله رئيس الكهنة عن تعليمه وتلاميذه بطريقةٍ خبيثةٍ تُوحي بأنَّه ‏يُعَلِّم تعليم سرِّي وأنَّ له تلاميذ في الخفاء، فقال له بصورة قاطعة " أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ علاَنِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِماً. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ. لِمَاذَا تَسْأَلُنِي أَنَا؟ اِسْأَلِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مَاذَا كَلَّمْتُهُمْ. هُوَذَا هَؤُلاَءِ يَعْرِفُونَ مَاذَا قُلْتُ أَنَا " ( يو18/20-21 ) .‏

‏ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3) مر22:3 وكانت عقوبة النبي الكاذب في الشريعة هي الموت "النبي الذي يطغى فيتكلم كلاماً لم أوصه أن يتكلم به…فيموت ذلك النبي " تث 20:18

ــــــــــ

‏- 125 –

وهو هنا يُشير لأعضاء المجمع باعتبارهم جميعًا سمعوه وشاهدوا أعماله ‏ويعرفون تلاميذه . ولكن هذه الإجابة لم تعجب " وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ كَانَ وَاقِفًا " فلطم السيّد علي خدّه، وقال له: " أَهَكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ؟ " فقال له يسوع " إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيّاً فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ وَإِنْ حَسَناً فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي؟ " ( يو18/22-23 ).‏

‏ وأخيرًا وبعد فشل المجمع في إدانة السيّد عن طريق الشهود الزور إتجّه رئيس ‏الكهنة إلي السيّد المسيح نفسه ليحصل منه علي اعتراف يُدينه في نظر المجمع ‏ويُؤدّي به إلي الموت فقال له " أَسْتَحْلِفُكَ بِاللَّهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؟ " ( مت26/63 )، وكانت إجابته بالإيجاب تعني حكم الموت لأنَّهم سبق أنْ حاولوا ‏قتله أكثر من مرّة بسبب إعلانه أنَّه " اِبْنَ اللَّه " وقالوا " نَرْجُمُكَ 000 لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً " ( يو10/33 )، وما كان من السيّد إلاَّ أنْ يُعلن ‏الحق ويتقدّم إلي الموت الذي لأجله جاء وقال له " أَنَا هُوَ " ( مر14/62 ) ، " أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضاً أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ وَآتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ " ( مت26/64 ) ، وهو هنا يُشير إلي ما تنبّأ به عنه دانيّال النبيّ " وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَاناً وَمَجْداً وَمَلَكُوتاً لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ. " ( دا 7/13-14 ) .‏

‏ ونظرًا لأنَّ رؤساء اليهود لم يُؤمنوا بأنَّ يسوع الناصري هو المسيح المنتظر ابن ‏الله وبعد أنْ نال رئيس الكهنة الإجابة المطلوبة التي تحقّق غرضهم في قتل المسيح ‏قام بحركة مسرحيّة فمزّق ثيابه لتضخيم الموقف أمام المجمع وموحيًا لهم بعظم ‏وخطورة الاعتراف " فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلاً: «قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! " ( مت26/65 )، ‏

‏ ــــــــــ

‏- 126 –

فأجمعوا علي أنَّه مستحقٌ الموت " فَأَجَابُوا: إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ " ( مت26/66 ). وبعد هذا الحكم ‏بصقوا علي وجهه ولطموه وسخروا منه وإستهزأوا به وجلدوه وجدفوا عليه ‏‏( مت26/67لو 22/63-65 ). ‏

‏ وبعد أنْ حكموا عليه بالموت تشاوروا في كيفيّة تنفيذه ثمّ قرّروا تقديمه إلي الوالي ‏الروماني بيلاطس لينفّذ هذا الحكم فيه لأنَّ السلطات الرومانيّة كانت قد سحبت من ‏المجالس اليهوديّة هذا الحق (4) . ‏

ثانياً : محاكمته أمام الوالي الروماني: (5)

‏ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(4) كان الولاة الرومان قد جردوا المحاكم اليهودية من سلطة الحكم على أحد بالموت الذي كان من حق الوالي الروماني وحده وهذا ما عبروا عنه بقولهم لبيلاطس " لا يجوز لنا أن نقتل أحد " ( يو18/31 ) .

(5) قال البعض زاعـماً " من المستحيل أن يكون بيلاطس قد خضع لمطالب اليهود بصلب المسيح وهو الذي كان يقمعهم بشدة وينزل بهم أحكام الإعدام دون محاكمة وكان يبطش بهم دون سبب لدرجة أن السلطات في روما استدعته لتحذيره من الاستمرار في سياسته التعسفية تلك " !! ونقول لهؤلاء أن اليهود وقفوا أمام بيلاطس يتهمون المسيح بثلاثة تهم خطيرة سياسيا ، وهي أنه ضد الإمبراطور الروماني قيصر ، كما أنه يريد أن ينصب نفسه ملكاً ويمنع أن تعطى الجزية لقيصر ، وبالتالي لو تساهل معه يكون هو ، بيلاطس نفسه بحسب هذه التهمة ، مشتركا معه في هذه الثورة ضد قيصر ومناهضا وضدا لقيصر .

ولم تكن هذه هي المرة الأولي التي يضطر فيها بيلاطس أن يرضخ لليهود بالرغم من قسوته وصرامته معهم فيذكر لنا المؤرخ والكاتب اليهودي يوسيفوس معاصر تلاميذ المسيح (36-100م) الأتي " نقل بيلاطس حاكم اليهودية الجيش من قيصرية إلى أورشليم ليقضي فترة إقامته الشتوية هناك ولكي يبطل الشرائع اليهودية . ولذلك أورد صور قيصر التي كانت تستعمل كشعارات وأدخلها المدينة حيث تمنعنا شريعتنا من عمل أية صورة . وكان الولاة السابقون لا يدخلون المدينة بمثل هذه الشعارات . وكان بيلاطس هو أول من أحضر هذه الصور إلى أورشليم وأقامها هناك . وقد حدث هذا بالفعل دون علم الجماهير لأنه تم أثناء الليل . ولكن ما أن علموا به حتى أتوا إلى قيصرية في جماعات كبيرة وظلوا عدة أيام يلتمسون من بيلاطس أن يزيل هذه الصور . وعندما رفض مطالبهم التي تعني الإساءة إلى قيصر لم ينصرفوا واستمروا في مطالبتهم . وفي اليوم السادس أمر جنوده بتجهيز أسلحتهم بينما جاء هو وجلس على كرسي القضاء الذي كان مجهزاً خارج المدينة بحيث لا يظهر الجيش الذي كان مستعداً للأطباق عليهم . وعندما عرض اليهود مطالبهم مرة أخرى أعطى الإشارة للجنود ليحيطوا بهم وهدد بألا تقل عقوبتهم عن الموت إذا لم يتوقفوا عن مضايقتهم ويعودوا إلى منازلهم . ولكنهم ألقوا بأنفسهم على الأرض وعرضوا رقابهم للموت . وقالوا أنهم يرحبون بالموت أفضل من التعدي على شرائعهم . وقد تأثر بيلاطس بتصميمهم على عدم المساس بشرائهم وأمر في الحال بإعادة الصور من أورشليم إلى قيصرية . وهكذا أنهزم بيلاطس في أول صدام بينه وبين اليهود " (محاكمة يسوع للفقيه الإنجليزي فرانك ج باول ، ترجمة إبراهيم سلامة ص136و137) .

ــــــــــ
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا


ذهب أعضاء مجلس السنهدرين ومعهم جمهور غفير إلى بيلاطس البنطي " ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ 000 خَرَجَ بِيلاَطُسُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيَّةَ شِكَايَةٍ تُقَدِّمُونَ عَلَى هَذَا الإِنْسَانِ؟» " ( يو18/28-29 ) .‏

‏ فقالوا له " لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرٍّ لَمَا كُنَّا قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ!» فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ». فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَداً». " ‏‏( يو18/30-31 )، ويُعلق القديس يوحنا الإنجيلي علي هذه العبارة الأخيرة بالوحي قائلاً ‏‏" لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ الَّذِي قَالَهُ مُشِيراً إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَمُوتَ. " ( يو18/32 )، ‏ أي أنَّه يجب أنْ يموت صلبًا لأنَّه لو كان الرومان سمحوا لليهود بقتل أحد لكانوا قد ‏قتلوا السيد المسيح رجمًا بالحجارة كما فعلوا بالقديس إستيفانوس الذي رجموه في ‏غيبة الوالي الروماني ( أع7/58 ).‏

‏ وكانت عريضة الاتهام المقدمة ضده تتضمن الاتهامات الثلاثة الآتية :‏

‏1 - أنَّه يُفسد الأمّة.‏

‏2 - يمنع أنْ تُعطي الجزية لقيصر.‏

‏3 - يجعل نفسه ملكًا، " وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ:إِنَّنَا وَجَدْنَا هَذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ " ( لو23/2 ). وواضح هنا ‏أنَّهم غيَّروا الاتهام الموجّه ضده من التجديف الذي يُدينه حسب الناموس إلي الخيانة ‏للحكم الروماني والتي عقوبتها الموت حسب القانون الروماني، فقد كان هدفهم ‏القضاء عليه بأيَّة وسيلة، لفّقوا له هذه التُهم والتي هم أوَّل من يعرف إنَّها كاذبة فقد ‏شهدوا هم أنفسهم بوداعته وعظمته وسموّ تعاليمه " لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا الإِنْسَانِ " ( يو7/46 )، وعندما سألوه قائلين " أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟ نُعْطِي أَمْ لاَ نُعْطِي؟ " قال لهم " أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ " ( مر12/14و27 )، ‏وعندما حاولوا أن " يَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ. " ‏‏( يو6/15 ).

‏ ــــــــــ

‏- 128 –

رافضًا أنْ يكون ملكًا أرضيًا فقد كان هو ملكًا سماويًا " مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. " ( يو18/36 ).‏

‏ وقف الرب يسوع المسيح صامتًا كما فعل أمام السنهدرين لكذب الاتهامات ‏وإصرار اليهود علي قتله كما كان قد أعلن من قبل مرات عديدة أنَّه لابد أنْ يُصلب ‏ويموت ويقوم في اليوم الثالث. ولمّا أراد بيلاطس أنْ يتحقّق من الاتهام الموجّه ‏إليه القائل أنَّه " مسيح ملك " دخل إلي دار الولاية " دَعَا يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هَذَا أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟» أَجَابَهُ بِيلاَطُسُ: «أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟ أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا».فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». " ‏‏( يو18/33-37 ). هذا الحوار أكد لبيلاطس أكثر براءة السيد وجعله يشعر أنَّه يقف ‏أمام أكثر من مجرّد إنسان، ومن ثمّ قال " مَا هُوَ الْحَقُّ؟ " ( يو18/38 ). ثمّ خرج ليُعلن ‏براءته أمام الجموع " أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً. " ( يو18/38 ). ولكن هذا لم يرضيِ ‏اليهود. " فَكَانُوا يُشَدِّدُونَ قَائِلِينَ: «إِنَّهُ يُهَيِّجُ الشَّعْبَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئاً مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى هُنَا» " ( لو 23/5 )، " وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدّاً. " ( مت27/12-14 ). وكانت عبارة " مِنَ الْجَلِيلِ " بمثابة ‏طوق نجاة لبيلاطس الذي ظنَّ أنَّه سيتخلّص من هذه القضيّة ويُريح ضميره، فسأل " هَلِ الرَّجُلُ جَلِيلِيٌّ؟ " و " وَحِينَ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ سَلْطَنَةِ هِيرُودُسَ أَرْسَلَهُ إِلَى هِيرُودُسَ إِذْ كَانَ هُوَ أَيْضاً تِلْكَ الأَيَّامَ فِي أُورُشَلِيمَ. " ( لو23/6-7 ).‏

‏ كان هيرودس قد سمع عن الرب يسوع المسيح وعن أعماله بعد قتله ليوحنا ‏المعمدان وكان يتساءل عنه " وَكَانَ يَطْلُبُ أَنْ يَرَاهُ. " ( لو9/9 )، ولمّا وقف أمامه " ‏ فَرِحَ جِدّاً لأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ مِنْ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَنْ يَرَاهُ لِسَمَاعِهِ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً وَتَرَجَّى أَنْ يَرَاهُ يَصْنَعُ آيَةً.

ــــــــــ

‏- 129 –

وَسَأَلَهُ بِكَلاَمٍ كَثِيرٍ "، ولكن السيد" لَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. "( لو23/8-9 ).‏

أولاً : لأنَّ هيرودس هذا هو هيرودس أنتيباس قاتل يوحنا المعمدان وكان يعيش مع ‏هيروديا في علاقة تحرمّها الشريعة وقد وبّخه يوحنا المعمدان بسببها علانية فقبض ‏عليه وأودعه السجن ثم قطع رأسه ( مت 14/3-12 ) والذي سبق أنْ وصفه السيد ‏المسيح بالثعلب ( لو 13/31-33 وأنظر ص11 ).‏

وثانياً : لأنَّه تعامل مع المسيح كمشعوذ، فأراد أنْ يرى آية تُصنع منه وأنْ يستمع ‏لأقواله لا لكي يؤمن بل ليتفرج كما يتفرج علي المشعوذين في البلاط، كان ‏مدفوعًا لذلك بفضوله ولكن المسيح أرفع من ذلك وأعظم. وفي نفس الوقت " وَقَفَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ بِاشْتِدَادٍ فَاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ مَعَ عَسْكَرِهِ وَاسْتَهْزَأَ بِهِ وَأَلْبَسَهُ لِبَاساً لاَمِعاً وَرَدَّهُ إِلَى بِيلاَطُسَ. " ( لو23/10-11 ). لم يعامله ‏هيرودس كمجرم بل كمتهوّس دينيّ يستحق الاحتقار والإزدراء.‏

‏ " فَدَعَا بِيلاَطُسُ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالْعُظَمَاءَ وَالشَّعْبَ. وَقَالَ لَهُمْ: «قَدْ قَدَّمْتُمْ إِلَيَّ هَذَا الإِنْسَانَ كَمَنْ يُفْسِدُ الشَّعْبَ. وَهَا أَنَا قَدْ فَحَصْتُ قُدَّامَكُمْ وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذَا الإِنْسَانِ عِلَّةً مِمَّا تَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَلاَ هِيرُودُسُ أَيْضاً لأَنِّي أَرْسَلْتُكُمْ إِلَيْهِ. وَهَا لاَ شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ صُنِعَ مِنْهُ. فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ». " ( لو23/13-16 ).‏

‏ وكانت لهم عادة أنّ يُطلق لهم الوالي أسيرًا واحدًا يطلبوا أنْ يطلقه لهم في الفصح ‏‏( مت27/15،مر15/6؛ لو23/17 )، وكان هناك اسيرًا مشهورًا يُدعي باراباس أُمسك في ‏فتنة حدث فيها قتل فطالبوا بيلاطس أنْ " أَنْ يَفْعَلَ كَمَا كَانَ دَائِماً يَفْعَلُ لَهُمْ " ( مر15/8 ) ، ‏فخيّرهم بيلاطس بين باراباس ويسوع " مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً. " ‏‏( مت27/17-18 ). ولكن حدث شئ عجيب أذهل بيلاطس وجعله يتأكّد أكثر وأكثر من ‏براءة المسيح وعظمته وسموّه " وَإِذْ كَانَ جَالِساً عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً:

‏ ــــــــــ

‏- 130 –

«إِيَّاكَ وَذَلِكَ الْبَارَّ لأَنِّي تَأَلَّمْتُ الْيَوْمَ كَثِيراً فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِهِ» " ( مت27/19 )‏، فازداد إصرارا على أن يطلقه ولكن الجموع صرخت طالبة باراباس بتحريض ‏من رؤساء الكهنة والشيوخ ، فقال لهم بيلاطس " وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟ . أني لم أجد ‏علة للموت . فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ " ( لو23/22 ). فكانوا يلجون بأصوات عظيمة طالبين ‏أنْ يُصلب. " فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئاً بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ. أَبْصِرُوا أَنْتُمْ».فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا». " ( مت27/24-25 ) وأطلق باراباس .‏

‏ جلد بيلاطس السيد وألبسه العسكر إكليلاً من الشوك وألبسوه ثوب أرجوان ‏ووضعوه قصبة في يمينه وكانوا يسخرون ويستهزئون به وبصقوا علي وجهه ‏ولطموه علي خده وضربوه علي رأسه وكانوا يسجدون له قائلين السلام يا ملك ‏اليهود وأخرجه إليهم بيلاطس " وَقَالَ لَهُمْ: «هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً». " ظاناً أنَّهم سيكتفون بذلك ولكنّهم صرخوا قائلين " «اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً». أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَنَا نَامُوسٌ وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ». فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هَذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ خَوْفاً " . كان بيلاطس متيقنًا من براءة المسيح وكان يرى ‏فيه أكثر من مجرّد إنسان ولما سمع أنَّه " ابْنَ اللَّهِ " ازْدَادَ خَوْفاً " فَدَخَلَ أَيْضاً إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَقَالَ لِيَسُوعَ: «مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟» وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُعْطِهِ جَوَاباً. فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَاناً أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَاناً أَنْ أُطْلِقَكَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: « لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ. لِذَلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ». " ، هذا زاد بيلاطس إصرارًا أنْ يُطلقه ولكن اليهود وضعوه ‏في مكان لا يستطيع الهروب منه " لَكِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ: «إِنْ أَطْلَقْتَ هَذَا فَلَسْتَ مُحِبّاً لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكاً يُقَاوِمُ قَيْصَرَ» . ومعنى هذا انه لو ‏أطلقه بيلاطس يكون متهماً بالخيانة العظمى لقيصر وعقوبتها الموت ومع هذا حاول ‏محاولة أخيرة فأخرج يسوع إليهم قائلاً " هُوَذَا مَلِكُكُمْ " ، فَصَرَخُوا: «خُذْهُ! خُذْهُ اصْلِبْهُ!» ‏

‏ ــــــــــ
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟» أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ: «لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرُ». فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ. " ( يو 19/1-16 ) .‏

‏ مما سبق يتّضح لنا أنَّ الشخص الذي حُوكم أمام السنهدرين وأمام بيلاطس لم يكن ‏سوي المسيح فقد أعلن أنَّه المسيح ابن الله الحي وتكلّم عن ملكوته الأبديّ وأشار ‏إلي ما جاء عنه في نبؤه دانيال النبي كما صمت في المواقف التي لا يصمت فيها ‏أي بشر وتكلّم حين دعت الضرورة لإعلان ذاته ومجده وملكوته أمام أعضاء ‏مجلس السنهدرين وأعلن أيضًا عن ملكوته السماوي أمام بيلاطس وأنَّه جاء ليشهد ‏للحق وقال لبيلاطس أنَّه ليس له سلطان عليه وأعلن خطيئة الذين أسلموه إلي ‏بيلاطس، كما شهد بيلاطس لبرّه وسموّه وعظمته وتألمت زوجة بيلاطس في حلم ‏من أجله وشهدت لبرّه بالوحي الإلهي. كان متهمًا في عيون اليهود ولكنه سبّب ‏الخوف والرعب ووقعت رهبته وخشيته علي الذين حاكموه، فهل يمكن أنْ يكون ‏سوي المسيح ؟؟؟!!!‏

ـــــــــــــــــــــــ

‏ - 132 -‏

الفصل العاشر
الصليب والمصلوب
‏1- لمحة تاريخية :‏

‏ كلمة الصليب في اليونانيّة ستاوروس ‏ ‎ (stauros) ‎ ‏ وهو آلة إعدام وتعذيب قاسية ‏جدًا وتطبّق علي مقترفي الآثام الخطيرة، وقد إستخدمها الفينيقيّون، كما يذكر ‏المؤرّخ اليونانيّ هيرودوت (1) ، ويري كثيرون أنَّ الفُرس هم أوَّل من إخترعها ‏وطبّقها في القرنَين السادس والخامس قبل الميلاد (2) ، واستُخدمت في مصر في ‏القرن الخامس قبل الميلاد (3) ، واستخدمها بعد ذلك الإسكندر الأكبر وأهل قرطاجنة ‏بشمال أفريقيا وأخذها عنهم الرومان واستخدموها بكثرة. ولأنَّ هذه العقوبة كانت ‏قاسية جدًا ورهيبة فلم تُطبَّق قطّ علي الأحرار سواء الإغريق أو الرومان وإنما ‏طُبِّقَت علي العبيد والثوّار غير الرومانيّين، ونظرًا لأنَّها أقسي العقوبات وأكثرها ‏ردعًا وإرهابًا فقد طُبِّقَتْ بكثرة علي الثوّار المطالبين باستقلال بلادهم عن الدولة ‏الرومانيّة، ويذكر المؤرّخ اليهودي يوسيفوس المعاصر لتلاميذ المسيح (36-‏‏100م) أنَّها طُبِّقَتْ مرّات كثيرة جدًا علي ثوّار اليهوديّة (4) .‏

‏ وكان هناك ثلاثة أنواع من الصلبان، نوع علي شكل حرف ‏ T ‏ ‏ ‎ (Crux ‎ Commissa) ‎ ‏ وآخر علي شكل حرف ‏ X ‏ والمسمّي بصليب القديس إندراوس ‏ ‎ (Crux decussata) ‎ ‏ والثالث يتكوّن من عارضتَين متقاطعتَين + ‏ ‎ (Thecrux ‎ immissa) ‎ ‏ وهذا النوع هو الذي صُلِبَ عليه السيّد المسيح وهذا ما يؤكّده لنا موقع ‏العنوان الذي سُمِّر علي الصليب أعلي رأس السيّد المسيح ( يو19/19 )، وهذا ما‏ يؤكّده التقليد أيضًا بصورةٍ قاطعةٍ (5) .‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) Herodotus 3: 125

(2) Ibid 4:43

(3) Ibid 3:159 & Thucydides 1:110

(4) Josephas Ant. 2:261, 266. 267: 17:295; 20:102. 161; Wars 5:449-451

(5) See Arenaeus Ag. 2:24, 4.

ــــــــــ

‏- 133 –

‏2 - الجلد وطريق الصليب :‏

‏ بعد الحكم بإدانة متهم والحكم عليه بالإعدام صلبًاً كان لابد أنء يُجْلَد حسب عادة ‏الرومان حتي يسيل الدم من معظم أجزاء جسده، وعملية الجلد هذه كانت تُسْرِع ‏بالموت وتُقلّل من سكراته. وكان عليه بعد ذلك أنْ يحمل خشبة الصليب الأفقيّة ‏التي ستُسَمَّر عليها يداه إلي مكان الصلب وهو عادة خارج المدينة كما كان عليه أنْ ‏يمرّ بأكبر عدد ممكن من شوارع المدينة وحواريها وطرقها الأكثر ازدحامًا ليراه ‏أكبر عدد ممكن من الناس، كما كان يُصْلَب عادةً في مكان مرتفع وعام ليراه ‏العامة من مسافات كافية، حتي يكون عبرة لكل من تسوّل له نفسه مخالفة القانون ‏الروماني أو الثورة علي الإمبراطوريّة المستعمرة، وكان يتقدّم أمامه أحد الضبّاط ‏أو الجنود يحمل لوحة مكتوب عليها التهمة الموجّهَة ضدَّه والتي تُلصَق بعد الصلب ‏علي الصليب ليراها الجميع، وعندما كان يصل إلي ساحة الإعدام يُجَرَّد المصلوب ‏من ملابسه وتُقَسَّم علي الجنود القائمين بعملية الصلب وتُسْتَر عَوْرَتُه فقط بقطعة من ‏القماش ثم يوضع علي الأرض وتُسَمِّر يديه بقسوة وفظاعة بالمسامير الكبيرة ‏والسميكة أو تُربَط بالحبال في العارضة الأفقيّة، التي كان يحملها، ثم تُرْفَع ‏العارضة والمصلوب لتُثَبِّت بالخشبة القائمة والتي كانت مثبتة في الأرض وفي ‏منتصفها كتلة خشبية بارزة صغيرة تُسَمَّي السرج ليستقر عليها ردفَي المصلوب ‏ولتحفظ وزن الجسم حتى لا تُمزِّق المسامير يديه، وتُثَبِّتْ قدمَيه بمسمارٍ ضخم من ‏خلال مشطي القدم معًا أو تُسَمِّر كل قدمٍ منفصلة (6) .‏

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6) أكتشف سنه 1968م في جيف آت ها – مفتار بأورشليم بقايا عظام من القرن الأول الميلادي في معظمه (كان تجمع فيه عظام الموتى) تعطينا تفصيلات عن طرق الصلب زمن المسيح، تضم عظمتين لعقب قدم شخص صلب في القرن الأول ما يزالا مثبتين معاً بمسمار حديد وأخد بطول 14سم. the International St. B. Ency. VOL. 1, P, 829 .

ــــــــــ

‏- 134 –

وبعد أنْ يُعَلَّق المصلوب علي الصليب كان يُعاني آلامًا رهيبةً قاسيةً من آثار ‏المسامير والجروح التي تأخذ في التورم والتلف إلي جانب التعرّض للحشرات ‏المختلفة والطيور الجارحة والحيوانات المتوحّشة وغيرها، وكذلك من التعرّض ‏للطقس الذي يكون أحيانًا شديد الحرارة وأحيانًا أخري شديد البرودة، ويُترَك وحيدًا ‏غير قادر علي أي شئ بالمرة بما في ذلك خدمة الوظائف الجسديّة، ومما يُزيد من ‏آلامه التعرّض للإهانة والسخرية من الذين كانوا يشاهدون عملية الصلب. وكانت ‏الآلام الجسديّة والنفسيّة والعقليّة التي يتضمنّها هذا الموت الرهيب البطيء لا يمكن ‏تخيّلها ولا تُوصف والتي قد يُصاب المصلوب من جرّائها بالجنون أو الصرع أو ‏التشنّج. ويستمر المصلوب في هذا العذاب القاسي الرهيب والذي كان يعانيه ‏ويستمر فيه علي الصليب مدّة من 36 ساعة إلي أربعة أيّام وقد إستمر بعض ‏المصلوبين أسبوعًا. وماتوا مثل المجانين. وكانت عملية الجلد التي تتم قبل ‏الصلب ودرجة كثافتها إلي جانب قوّة بنية الجسم والطريقة التي يُصْلَب بها ‏المصلوب سواء كانت بتسمير يديه ورجليه أو بربطهم بالحبال هي التي تحدّد طول ‏المدة التي يقضيها المصلوب علي الصليب. وبعد موته كان يُتْرَك جسده ليتعفَّن ‏علي الصليب إنْ لم يُطالب أحد بدفنه.‏



‏3 - الصلب والناموس اليهودي :‏

‏ لم تُوجَد عقوبة الصلب في الناموس وإنما طبّقها عليهم الرومان بكثرة، حتي ‏أصبحت معتادة عندهم. وكان الناموس ينصّ علي قتل المجدّفين رجمًا بالحجارة ثم ‏يُعَلَّقون بعد ذلك علي شجرة كعقوبة إضافيّة دلالة علي أنَّهم كانوا مجدِّفين علي الله ‏ومتّهمين من قِبَلَه. وكان لابد أنْ تُدْفَن الجثة في نفس اليوم حتي لا تُدَنِّس الأرض ‏لأنَّ المُعَلَّق كان يُعْتَبَر ملعونًا، " وَإِذَا كَانَ عَلى إِنْسَانٍ خَطِيَّةٌ حَقُّهَا المَوْتُ فَقُتِل وَعَلقْتَهُ عَلى خَشَبَةٍ فَلا تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلى الخَشَبَةِ بَل تَدْفِنُهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لأَنَّ المُعَلقَ مَلعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلا تُنَجِّسْ أَرْضَكَ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيباً» ." ( تث21/22-23 ) .‏

‏ ــــــــــ

‏- 135 –

‏4 - في الطريق إلى الجلجثة (الجمجمة) :‏

‏ بعد الحكم علي الرب يسوع المسيح بالصلب وجلده خرج من دار الولاية حاملاً ‏صليبه الذي سيُصْلَب عليه وسار به في شوارع أورشليم وطرقها الأكثر ازدحامًا ‏وسط حرّاسه من أربعة جنود وقائد مائة ومحاطًا بجماهير غفيرة لا حصر لها، ‏ونظرًا لأنَّه كان قد قضى أسبوعًا مثيرًا في أورشليم إنتهي بمعاناته في البستان ‏وهروب تلاميذه عند القبض عليه وظلَّ يُحاكم طوال الليل من الساعة الواحدة ليلاً ‏وحتى التاسعة صباحًا ( بتوقيتنا الحالي ) أمام رؤساء الكهنة والسنهدرين وأمام ‏بيلاطس البنطي وهيرودس وقد عاني أثناء هذه المحاكمات كل صنوف الإهانة ‏والسخرية من سبٍّ ولطمٍ وركلٍ وضربٍ وبصقٍ علي وجهه وجلدٍ، وكان ظهره ‏متورِّمًا ومتهرئًا وممزقًا من شدّة وقسوة سياط الجلادين المركب بها قطع من ‏الرصاص أو العظم انغرست في لحمه بقسوة وعنف إلي جانب آلام إكليل الشوك ‏الذي انغرست أشواكه في رأسه فسببت له آلاماً شديدة وصارت تنزف بغزارة، ‏وكما كان جسده ينزف كان قلبه يُدْمِى بسبب ما لاقاه من نكران وجحود، فنال منه ‏التعب والإجهاد الشديد ولم يقوَ علي حمل الصليب فسقط به علي الأرض عدَّة ‏مرات، كما يؤكِّد التقليد، فسَخَّر الجند الرومان أحد المارة، وهو سمعان القيراوني‏، ليحمل معه الصليب " وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَاناً قَيْرَوَانِيّاً اسْمُهُ سِمْعَانُ فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. " ( مت27/32 ) ، " أَمْسَكُوا سِمْعَانَ رَجُلاً قَيْرَوَانِيّاً كَانَ آتِياً مِنَ الْحَقْلِ وَوَضَعُوا عَلَيْهِ الصَّلِيبَ لِيَحْمِلَهُ خَلْفَ يَسُوعَ. " ‏‏( لو23/26 ) .‏

‏ كان سمعان هذا من مدينة القيروان بشمال أفريقيا والتي كان بها مستعمرة تضمّ ‏عددًا كبيرًا من اليهود وقد جاء ليحضر الفصح في أورشليم ولزيارة الهيكل ولما ‏سخَّره الجنود الرومان ليحمل الصليب خلف السيّد لم يكن يجرؤ أنْ يرفض طلبهم ‏هذا فحمل الصليب مُسَخَّرًا ولكن شئ عجيب قد حدث، لا ندركه، جعل سمعان ‏يري ما لم يره الجند ويجد في شخص السيد المسيح المتجِّه إلي ساحة الإعدام ما ‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا


جعله يُؤمن به ويُصبح هو وأولاده وزوجته من أتباعه بل ومن المتقدّمين في ‏الكنيسة، والمعروفين في كنيسة رومية بالذات، فيقول عنه القدّيس مرقس في ‏إنجيله الذي دوّنَه في رومية " سِمْعَانُ الْقَيْرَوَانِيُّ أَبُو أَلَكْسَنْدَرُسَ وَرُوفُسَ " ‏‏( مر15/21 )، ويكتب القدّيس بولس في رسالته إلى رومية مسلمًا علي روفس هذا ابن ‏سمعان وعلي أمّه زوجة سمعان التي يعتبرها أمّه، " سَلِّمُوا عَلَى رُوفُسَ الْمُخْتَارِ فِي الرَّبِّ وَعَلَى أُمِّهِ أُمِّي. " ( رو16/13 ). فقد استطاع السيّد. المحكوم عليه بالإعدام صلبًا، ‏وهو حامل صليب العار والهوان أنْ يحوِّل سمعان هذا إلي أحد اتباعه المؤمنين به‏‏. فهل يمكن أنْ يكون آخر غير المسيح ؟؟!! كلا. لأنَّه لا يستطيع أنْ يفعل ذلك ‏سوي المسيح وحده.‏

‏ وفي الطريق إلي الجلجثة، " وَتَبِعَهُ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَلْطِمْنَ أَيْضاً وَيَنُحْنَ عَلَيْهِ. " ( لو23/27 )، وكان ضمن هؤلاء كثيرون من الذين اِتّبعوه ‏عندما دخل أورشليم ظافرًا منتصرًا وكثيرون من أتباعه غير المعروفين لرؤساء ‏الكهنة وبعض اتباعه الذين كانوا يتابعونه من بعيد، كما فعل بطرس وقت المحاكمة ‏‏( لو22/54 )، وكثيرات من النسوة اللواتي كن ينحن عليه، وبرغم ما كان يقاسيه من ‏آلام جعلته يسقط تحت حمل الصليب إلا أنَّه أشفق عليهن وعلي المصير القادم علي ‏أورشليم واتجه إليهن، محذرًا من الدينونة الآتية عليها بسبب رفضها للمسيح ‏وتسليمها له ليموت ميته العار والهوان ، وقال " يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ لاَ تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ لأَنَّهُ هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُونَ فِيهَا: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ وَالْبُطُونِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَالثُّدِيِّ الَّتِي لَمْ تُرْضِعْ. حِينَئِذٍ يَبْتَدِئُونَ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا وَلِلآكَامِ: غَطِّينَا. لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هَذَا فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟». " ( لو23/28-31 ).‏

‏ وهو هنا يشفق ويتنبّأ ويحذِّر برغم الآلام الرهيبة التي كان يُعانيها والموت ‏الرهيب الذي كان ذاهبًا إليه، فقد أشفق عليهُنَّ من المصير الأتي علي المدينة ومن ‏

‏ ــــــــــ

‏- 137 –

فيها وتنبَّأ بالحصار والدمار والمصير المظلم الذي ستواجهه والويلات التي سيعانيها ‏سكانها لدرجة أنَّ النساء اللواتي لم يحبلن ولم ينجبن يكنَّ محظوظات في تلك الأيام ‏التي ستكون فيها قسوة الحصار والويلات التي يُعانيها الشعب بسببه وقسوة الرومان ‏العظيمة حتي أنَّ الناس سيبحثون عن الموت من الجوع والعطش واليأس الذي ‏يوصل بعضهم إلي درجة يأكلون فيها لحوم البشر بعد أن يكونوا قد أكلوا جميع ‏الحيوانات الطاهرة والنجسة. ويُوضِّح ذلك بما لاقاه هو نفسه علي أيدي صالبيه، ‏فإنْ كانوا قد عاملوه بهذه القسوة وهم يعلمون أنَّه برئ فكيف سيتعاملون مع العصاة ‏والمتمردين والثوار في زمن ذلك الحصار والدمار الذي تنبَّأ به، كما يتضمَّن قوله ‏أيضًا أنَّه إذا كان بنو إسرائيل قد فعلوا ذلك بملكهم الإلهي الذي استقبلوه بالمزامير ‏وسعف النخل فكم وكم ستكون دينونة الله عليهم وهم الأشرار العصاة.‏

‏ وقد تمَّ ما تنبَّأ به السيّد المسيح حرفيًا سنه 70م فقد حاصر الرومان المدينة ‏ودمّروها وأحرقوا الهيكل وهلك في أورشليم أكثر من مليون يهودي في أيام قليلة. ‏والسؤال الآن : هل يمكن أنْ يكون هذا الشخص، الذي حوَّل سمعان المُسَخَّر لحمل ‏صليبه إلي أحد المؤمنين به والذي أشفق علي الباكيات عليه وعلي مصير أورشليم ‏والذي تنبَّأ عن ما سيحدث لهذا الشعب وهذه المدينة في المستقبل القريب، وهو في ‏هذا الموقف الرهيب، إنسانًا آخر غير المسيح ؟؟!! والإجابة : كلا، لا يمكن أنْ ‏يكون هذا سوي المسيح " رب المجد " الذي يقدر علي كل شئ في أي وقت وتحت ‏أي ظرف، خاصة وأنَّه وضع نفسه تحت هذه الظروف بإرادته.‏



5 - على الصليب بين لصين :‏

‏ ثم وصلوا بالسيّد إلى " مَوْضِعِ «جُلْجُثَةَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ مَوْضِعُ «جُمْجُمَةٍ». " ( مر15/22 ) ‏وجردوه من ملابسه وقسمها الجنود الأربعة على أنفسهم ثم القوا قرعة على ‏القميص " أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْماً. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضاً. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ مَنْسُوجاً كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ.

‏‏ ــــــــــ

‏- 138 –

فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لاَ نَشُقُّهُ بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ». " ( يو19/23-24 )، ولم يبقَ له سوي مئزر - ساتر ‏عورة - كما يقول التقليد.‏

‏ ثم قدموا له " أَعْطَوْهُ خَلاًّ مَمْزُوجاً بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. . " وذلك لتخفيف آلامه (7) ‏ولكنه " وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ " ( مت27/34 )، لأنَّه لم يردْ تخفيف آلامه بل فضَّل ‏أنْ يشرب الكأس حتي الثمالة ثم ألقوه علي خشبة الصليب بقسوة وفظاظة وعنف ‏ودقُّوا المسامير الطويلة والغليظة في يديه ورجليه مُعَلَّقين إيَّاه علي الصليب أو كما ‏يقول القدّيس بولس الرسول " مُسَمِّراً ايَّاهُ بِالصَّلِيبِ " ( كو2/14 ). " وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ وَاحِداً عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. " ( مر15/27 )، " وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ. " ‏‏( يو19/18 ) وذلك للتشهير به وزيادة في تحقيره وكان صليبه مرتفعًا عنهما زيادة في ‏السخرية.‏

‏ وكان الجميع يعيِّرونه وكذلك أيضًا اللصان المصلوبان معه ( مر15/29-32؛ ‏مت27/39-44 ). ولكنه هو كان يفكر بصورةٍ أخري وبأسلوبٍ آخر يتّفق مع جلاله ‏وعظمته وشخصيّته الإلهيّة:‏

‏ 1 - فبينما كان الجنود يدقُّون المسامير في يدَيه ورجلَيه بقسوةٍ وعنفٍ صلي لهم ‏وقال " يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ " ( لو23/34 ) ، ولو كان ‏المصلوب شخصًا آخر غير المسيح لصرخ بجنون وسبَّ ولَعَنَ وجدَّف ولكنَّه كان ‏يعلم أنَّهم يفعلون به ذلك وهم يجهلون حقيقته " لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ. ‏‏" ( 1كو2/8 )، كما أنَّه وهو في هذه الظروف الرهيبة طبَّق كما سبق أنْ نادى به " ‏ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ " ( مت5/44 ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

‏(7) كانت بعض سيدات أورشليم الرحيمات يحضرون هذا المشروب ليعمل كمخدر ومخفف لآلام بعض المصلوبين عملاً بقول سليمان الحكيم "أعطوا مسكراً لهالك وخمراً لمرى النفس" أم
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
وأثناء تجديف أحد اللصين عليه أشرق نوراً في قلب الآخر ، اللص اليمين كما ‏يذكر التقليد، وأدرك حقيقة المسيح والذي يبدو أنَّه شاهد وسمع أقواله أو علي الأقل ‏سمع عن أعماله وأقواله قبل القبض عليه كما أنَّه شاهده علي الصليب في سموّ ‏وجلال وعظمة غير معهودين في المصلوبين العاديين فأدرك أنَّه أكثر من مجرَّد ‏إنسان بل وأدرك أنَّه المسيح الآتي إلي العالم والذي له السلطان والملكوت، كما ‏تنبأ دانيال النبي (دا 7/13-14)، فوبخ زميله قائلاً " أوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ». ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: «اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ». " ( لو23/40-42 )، ‏عرف السيّد صدق كلمات اللص وقبل توبته ووعده بأنَّه سيكون معه في الفردوس " ‏ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ». " ( لو23/43 ) أي ‏في مقرِّ أرواح الأبرار والقديسين، وهنا بدأ يتحقق قول المسيح " وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ " ( يو12/32 ).‏

‏ 3 - وكان يقف بالقرب من الصليب المعلَّق عليه كثيرات من النساء اللواتي صعدن ‏معه من الجليل منهن أُمه مريم العذراء وأخت أمه مريم زوجة كلوبا وسالومي ‏ومريم المجدلية ( مر15/40-41 )، وكان يقف هناك أيضًا يوحنا الحبيب ابن زبدي، ‏التلميذ الذي كان معروفًا عند رئيس الكهنة ( يو18/15 ). وكانت العذراء في تلك ‏اللحظة تعاني مما سبق وتنبَّأ به سمعان الشيخ عندما ذهبت به إلى الهيكل لتقدم له ‏ذبيحة كما حسب الناموس ، قائلاً " وَأَنْتِ أَيْضاً يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ " ( لو2/22-35 )‏، فأشفق السيّد علي أمّه (برغم ما كان يعانيه من آلام) من الحزن والوحدة ومما قد ‏يحدث لها من اليهود فسلّمها لتلميذه الحبيب يوحنا " فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً قَالَ لِأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ. " ( يو19/26-27 ).‏

‏ 4 - ثم عمَّت الظُلمة الأرض كلها من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة ‏‏( مت27/45 ) ، أي من الساعة الثانية عشرة إلي الثالثة ظهرًا بتوقيتنا الحالي.‏

‏ ــــــــــ

‏- 140 –

‏ اختفت الشمس في عزّ الظهر ورفضت أنْ تُشرق علي الأرض التي يتألّم عليها ‏سيّد الكون وعبَّرت الطبيعة عن حزنها لآلام الفادي كما سبق أنْ عبَّرت عن فرحها ‏بميلاده فأشرق نجمًا من المشرق وأضاء السماء ( مت2/2و10 ) ابتهاجًا بذلك الميلاد. ‏وفي أثناء ساعات الظلمة الثلاث هذه إجتاز الآلام النفسيّة والروحيّة وإحتجب وجه ‏الآب عنه كنائب وبديل عن الخطاة. فقد كان في هذه الساعات كما قال يوحنا ‏المعمدان " حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ. " ( يو1/29 )، وكما تنبَّأ إشعياء النبي " مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. " ( إش53/5 )، برغم أنَّه البار الذي لم ‏يعرف خطية، إجتاز المرحلة التي كان يجب أنْ يدخلها الخطاة، مرحلة الآلام ‏الروحيّة واحتجاب وجه الآب ومن ثمَّ صرخ مصليًا إلي الآب كنائب عن البشرية " ‏ إِيلِي إِيلِي لَمَا شَبَقْتَنِي» أَيْ: إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ " ( مت27/46 )، فقد بذل نفسه كما ‏قال " فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ " ( مت20/28 ).‏

‏ 5 - وبعد أن قضى على الصليب ست ساعات ذاق فيها الآلام الرهيبة وعانى ‏طوالها من سكرات الموت وفقد فيها معظم الدم والسوائل التي في جسده وتعرض ‏خلالها إلى حرارة الظهيرة ، خاصة في الساعات الثلاث الأولى التي لم تغرب فيها ‏الشمس ، فشعر بعطش شديد، خاصة من الحمى الشديدة التي انتابته ، وقال " أَنَا عَطْشَانُ " ، يقول الكتاب " بَعْدَ هَذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: «أَنَا عَطْشَانُ». وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعاً مَمْلُوّاً خَلاًّ فَمَلَأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ. " ( يو19/28-29 ).‏

‏ 6- وبعد أنْ أخذ الخلَّ رأي أنَّ كلّ شيء قد كَمُل إذ قد تمَّم كلّ ما جاء لأجله كما ‏سبق وخاطب الآب قائلاً " الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. " ( يو17/4 ) ، وعلي ‏الصليب كان عمل الفداء قد تمَّ ومن ثمَّ فقد نطق كلماته الأخيرة بصوتٍ عالٍ ‏وبصرخةِ النصر " قَدْ أُكْمِلَ " ( يو19/30 ).‏

ــــــــــ

‏- 141 –

7 - ثم أحني رأسه وصلي صلاته الأخيرة علي الصليب مستودعًا روحه بإرادته بين يدي الآب " وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا أَبَتَاهُ فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي». وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ ." ( لو23/46 ). أسلم روحه الإنسانيّة بإرادته ورِضاه واِختياره كما ‏سبق أنْ قال " لِهَذَا يُحِبُّنِي الآبُ لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضاً. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً. هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي». " ‏‏( يو10/17-18 ).‏



‏6 - العجائب والمعجزات التي رافقت عملية الصلب :‏

‏ حدثت عدَّة ظواهر عجيبة أثناء الصلب وبعد وفاة المسيح مباشرة، فقد اِختفت ‏الشمس وعَمَّتْ الظُلمة علي الأرض مدَّة الثلاث ساعات الثانيّة لصلبه ولحظة موته " ‏ أَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسَطِهِ. " ( لو23/45 )، " وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ. " ( مت27/51-53 ).‏

أ - احتجاب الشمس: هذه الظاهرة التي حدثت أثناء صلبه وعند موته مباشرة تُعْلِن ‏لنا عن غضب الطبيعة بل والكون علي شرِّ الإنسان الذي صَلَبَ البار، وكان ذلك ‏معجزة بكل المقاييس تُبرهن علي أنَّ المصلوب لم يكن سوى "رب المجد " .‏

ب - انشقاق حجاب الهيكل: وحجاب الهيكل هذا هو ستارة سميكة جدًا بسمك ‏راحة اليد وبطول 60 قدم وبعرض 30 قدم وهو كما يقول التلمود والمؤرّخ الكنسي ‏الذي من أصل يهودي أدرشيم (8) ، مُكَوَّن من 72 مربعًا منسوجًا معًا وكان ثقيلاً ‏لدرجة أنَّه يحتاج إلي 300 كاهن ليُعمل كل منها، وهو ضخم وغالي الثمن جدًا، ‏ويقول المؤرّخ اليهودي والكاهن المعاصر لتلاميذ المسيح يوسيفوس (9) أنَّه ستارة ‏بابليّة من نسيج مُطَرَّز بالكتان النقي وباللون الأزرق والقرمزيّ والأرجوانيّ ‏ومُزَيَّن برسومٍ مُطَرَّزة بصورةٍ رائعةٍ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(8) J.D wight Pentecost, The Words and Works of Jesus. ch. P. 488

(9) The Jewish Wars B. 5:4, 5 .
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
وكان يفصل بين القُدْس الذي تقام فيه ‏العبادة اليوميّة وقدس الأقداس، الذي يُوجد به تابوت العهد وكرسي الرحمة، ‏والذي يُمثِّل الحضور الإلهي ولا يُفتح إلا مرَّةً واحدةً في السنة في يوم عيد الكفارة ‏ولا يدخله إلا رئيس الكهنة هذه المرة الواحدة فقط ليُقَدِّم دم ذبيحة عيد الكفارة ‏العظيم ( خر26/33؛لا16/14 ) التي تعني أنْ تقدم الخطاة إلي الله لا يكون إلا بدمّ الذبائح " وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ! " ( عب ‏‏9/22 ). وقد استمرَّت هذه الذبيحة الدمويّة تُقدَّم من موسي إلي المسيح، ولكن عند ‏موت المسيح إنشقَّ حجاب الهيكل من أعلي إلي أسفل بقوَّة إلهيّة دون تدخّل أي قوّة ‏ماديّة أو بشريّة فقد إنشقَّ حجاب الهيكل قبل الزلزال مباشرة ولم يكن في إمكان أي ‏قوَّة بشريَّة أو ماديَّة أنْ تشق هذه الستارة التي في سمك راحة اليد والمصنوعة من ‏الكتان الثمين بأي وسيلة ماديّة، وإنما شقتهُ قوَّة إلهيَّة علويَّة علامة علي أنَّ عهد ‏الذبائح قد إنتهي فقد أُزِيلَ الحاجز الذي كان يفصل بين الله والناس بدمِّ المسيح الذي ‏قَدَّم ذاته نيابة عن الخطاة فوُجِدَ فداءً أبديًا.‏

ج - الزلزال وتفتت الصخور: وتلي انشقاق حجاب الهيكل تزلزل الأرض وتشقق ‏الصخور، وهذا الزلزال الذي يفوق الطبيعة أعطى برهاناً واضحاً أنه تم بعمل الله ، ‏وتشققت الصخور إعلاناً بأن الأرض ارتعبت في تلك اللحظة الرهيبة التي حدثت ‏فيها هذه الجريمة المخزية للعالم .‏

د - قيام أجساد بعض القديسين الراقدين: وقام بعض القدّيسين الراقدين من الموت ‏لحظة موته وظهروا للكثيرين بعد قيامته، خاصَّة لتلاميذه، وكانت قيامتهم علامة ‏إلهيَّة ومعجزة سمائيَّة رافقت موته علي الصليب وبرهنت علي أنَّه القادر علي إحياء ‏الموتي حتي عندما فارقت روحه جسده، كما برهنت علي القيامة العامة وعلي أنَّهم ‏كانوا أوَّل ثمار انتصاره علي الموت (10) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(10) ) أولئك الموتى الذين عادوا إلى الحياة يرى البعض أنهم من قديسي العهد القديم (أنظر 2بط 4:3) ، ويرى البعض الآخر أنهم من الذين شاهدوا المسيح وآمنوا أنه المسيح الآتي إلى العالم وقد ماتوا قبل صلبه ، ولما قاموا من الموت ظهروا للكثيرين الذين كانوا يعرفونهم وهم أحياء . بينما يرى كثيرون من أباء الكنيسة ومن مفسري العصر الحديث أن أولئك الموتى هم الذين بشرهم المسيح عند نزوله إلى الهاوية بعد موته (1بط 19:3) واصطحبوه إلى المجد عندما صعد إلى السماء .

ــــــــــ

‏- 143 –

‏7 - حقيقية وتاريخية هذه المعجزات والعجائب :‏

‏ ولأنَّ هذه المعجزات والعجائب، أو الظواهر الإعجازيّة التي حدثت وقت صلبه ‏وموته، غير عاديّة، وقد برهنت بصورة قاطعة علي أنَّ المصلوب لم يكن سوي ‏رب المجد، المسيح، فقد زعم البعض عدم صحّتها، بحُجَّة أنَّها، كما يزعمون، ‏غير مُدَوَّنّة في التاريخ العام، فقال أحدهم " هذه حادثة عظيمة لو صحَّت لدوَّنها ‏التاريخ العامّ الذي لم يُشِرْ إلي المسيح بكلمة (حسب إدّعائه). ولو صحَّت أيضًا ‏لآمن الرومان واليهود 000 ولكن (حسب زعمه) لم تردْ أخبار بإيمان أحد من ‏اليهود علي أثر تلك البيِّنات الباهرات!! ". وهذا الإدعاء المبني علي الهوي وغير ‏المدروس لا أساس له من الصحة ويتجاهل حقائق التاريخ المؤكدة .‏

أولاً: لأنَّه عندما صُلب المسيح وحدثت هذه الظواهر الإعجازيَّة لم تكنْ بشارته ‏ورسالته المسيحيّة قد خرجت خارج نطاق فلسطين وسوريا وكان في نظر أهل هذه ‏البلاد مُجَرَّد " نبي اليهود " (11) أو " النبي الذي من ناصرة الجليل " (12) ، وبالتالي فلم ‏يكن أحد قد سمع به كثيرًا خارج فلسطين أو سوريا. كما أنَّ عمليّة القبض عليه ‏ومحاكمته وصلبه وموته لم تستغرق أكثر من 20 ساعة، من بعد عشاء الخميس ‏إلي ما قبل غروب شمس يوم الجمعة، فقد تمَّ كلّ شئ بصورة مفاجئة وسريعة، ‏وهذا لم يجعل أحدًا خارج أورشليم يعرف شيئًا عمَّا حدث إلا بعد ذلك بأيَّام فما بالنا ‏بالعالم الوثنيّ خارج فلسطين.‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(11) يقول الكتاب انه " كان عندهم مثل نبي " (مت5:14؛46:21) .

(12) ) متى 11:21 ولم يطلب السيد من تلاميذه أن يذهبوا إلى العالم أجمع وإلى أقصى الأرض كلها إلا بعد قيامته (متى29:28؛ أع8:1). كما أن طلب منهم أن لا يبرحوا أورشليم إلا بعد أن يحل عليهم الروح القدس (لو 49:24).

ــــــــــ

‏- 144 –

ثانياً: وبالرغم من أنَّ كثيرين من كتَّاب التاريخ وعلماء الفلك المعاصرين سجَّلوا ‏حدوث هذه الظواهر وقت حدوثها وفي نفس تاريخها المذكور في الإنجيل إلاَّ إننا لا ‏نتوقَّع منهم أنْ ينسبوا سبب حدوثها لصلب المسيح وموته لأنَّهم لم يكونوا قد سمعوا ‏عنه، وقتها، وإنما نتوقَّع، كما حدث بالفعل، أنْ ينسبوا سبب حدوثها لآلهتهم ‏الوثنيّضة أو يعتبرونها ظواهر طبيعيَّة غير عاديَّة دون أنْ ينسبوا سبب حدوثها لأحد ‏أو لشيء. وهذا ما حدث بالفعل، وعلى سبيل المثال فقد نقل لنا يوليوس الأفريقي ‏ Juluis Africanus ‏ (200-245م) شهادة اثنين من معاصري هذه الأحداث :‏

‏1 - فليجون ‏ Phlegon ‏ والذي سجَّل أنَّه " في زمن طيباريوس قيصر، والقمر في ‏تمامه، حدث كسوف تام للشمس من الساعة السادسة إلي الساعة التاسعة " (13) .‏

‏2 - تالوس ‏ Thallus ‏ الذي سجَّل في الكتاب الثالث من تاريخه الظلمة التي حدثت ‏في ذلك اليوم. وإعتقد أنَّ ما حدث كان " كسوفًا للشمس "، وذلك دون أنْ يذكر ‏سبب هذا الكسوف. ويُعلق يوليوس علي ذلك بقوله " أنَّ العبريّين يحتفلون بعيد ‏الفصح يوم 14 للقمر وقد حدثت آلام المسيح في اليوم السابق للفصح، وكسوف ‏الشمس يحدث فقط عندما يأتي القمر تحت الشمس، وهذا لا يمكن أنْ يحدث إلا في ‏الفترة ما بين اليوم الأخير من الشهر القمري السابق واليوم الأول من الشهر ‏القمري الجديد، وليس في أي وقت آخر " (14) .‏

‏ وهذه الحادثة كانت مُسجَّلة في سجَّلات الرومان الرسميَّة؛ إذ يقول القسّ ترتليان ‏‏(140-220م) من قرطاج بشمال أفريقيا؛ أنَّه في نفس الساعة التي أسلم فيها ‏المسيح روحه علي الصليب " اختفي ضوء النهار والشمس في أوج إشراقها 000 ‏وأنتم أنفسكم (أيها الرومان) لديكم وصف لأعجوبة العالم (هذه) مُدوَّن في سجَّلاتكم ‏‏" (15) .‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(13) Antes N.F. Vol.6 p. 137.

(14) Ibid p. 136.

(15) Apology: 21.

ــــــــــ

‏- 145 –

كما أنَّ الذين دوََّنوا هذه الظواهر في حينها ونسبوها للآلهة أو اعتبروها ظواهر ‏طبيعيَّة غير عاديّة وآمنوا بالمسيحيّة بعد ذلك وعرفوا أنَّ سبب حدوثها هو صلب ‏المسيح وموته ظلَّت شهادتهم، هذه، محفوظة لنا ولكن في سجّلات المسيحيّة ومن ‏هؤلاء القديس ديوناسيوس الأثيني الذي كان وثنيًا وكان عالمًا في الفلك وقد ذهب ‏إلي مصر ليتبحّر في ذلك العلم وعندما كان في مدينة هيرابوليس يرصد النجوم في ‏وقت صلب المسيح كسفت الشمس علي غير عادتها فإندهش لهذا الكسوف الغير ‏عادي والغير متوقّع والذي دام لمدّة ثلاث ساعات فصرخ قائلاً " إمَّا أنَّ إله الطبيعة ‏يتألَّم أو أنَّ العالم أوشك أنْ ينهدم " وعندما عاد إلي أثينا وسمع القديس بولس ‏الرسول ( أع17/34 ) يتحدَّث عن صلب المسيح وموته وما رافق ذلك من معجزات ‏وعجائب أدرك مغزي ما سبق أنْ شاهده وسجّضله وآمن بالمسيحيَّة وسجَّل لنا هذه ‏الشهادة في رسالته السابعة وصار أوَّل أسقف لأثينا. ‏

ثالثاً: وسُجّلت هذه الظواهر الإعجازية، أيضًا، في الكتب المسيحيّة غير القانونيّة ‏وفي كتب التاريخ اليهودية وفي التلمود اليهودي؛ فقد جاء في الكتاب الأبوكريفي ‏‏(المزيف - المنحول - غير القانوني) والمسمى بـ " الإنجيل بحسب العبرانيين " ‏والذي إقتبس منه القديس جيروم (16) سكرتير بابا روما في نهاية القرن الرابع ‏الميلادي، وكذلك في الكتاب الأبوكريفي المسمى بـ "إنجيل الناصريين " والذي إقتبس منه هيمو الأكسيري سنة 850 م أنَّ العتبة العليا ذات الحجم الضخم ورائعة ‏النقوش والمثبت بها حجاب الهيكل قد انشطرت في اللحظة التي مات فيها المسيح ‏وتحوّلت إلي قطع متناثرة " أنَّه في الوقت الذي مات فيه المسيح إنشطرت عتبة ‏الهيكل العليا ذات الحجم الضخم " (17) . وهذا نفس ما ذكره المؤرخ اليهودي ‏يوسيفوس (18) ، ويُضيف، أيضًا أنَّ أصوات علويَّة مرعبة سُمعت تقول " لنرحل من ‏ هذا المسكن " (19) ، أي الهيكل .

‏ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(16) The Pulpit com. Vol. 15 p. 594.

(17) N. T. Apoc. Vol. 1p. 150.

(18) Ibid 153.
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
وجاء في التلمود اليهودي ما نصَّه " قبل خراب الهيكل بأربعين سنة انفتحت ‏أبواب الهيكل من تلقاء ذاتها، حتى وبَّخ الحبر يوحنان بن زكاي قائلاً: أيها الهيكل ‏‏00 أيها الهيكل 00 لماذا تضطرب منزعجًا؟ أنا أعلم نهايتك وشيكة الحدوث. لقد ‏تنبأ عنك زكريا بن عدو ( زك11/1 ) حين قال:" اِفْتَحْ أَبْوَابَكَ يَا لُبْنَانُ فَتَأْكُلَ النَّارُ أَرْزَكَ. ‏‏" (20) .‏

‏ وذكر المؤرّخ والكاهن اليهوديّ يوسيفوس معاصر تلاميذ المسيح (36-100م) ‏والذي عاصر وعاش بنفسه أحداث خراب أورشليم ودمار الهيكل أنَّه حدثت ‏علامات كثيرة في عيد الفصح تُنْذر وتُنْبِئ بخراب الهيكل القادم، فيذكر أنَّ نجمًا ‏ظهر كسيف ووقف فوق أورشليم واستمر النجم المذنب عام كامل، ثم يتحدَّث عن ‏نور أشرق في الساعة التاسعة من الليل حول المذبح والهيكل وإستمر ساطعًا كضوء ‏النهار لمدة نصف ساعة وإعتبره البسطاء فأل حسن، ولكن الخبراء رأوا فيه نذيرًا ‏بما هو قادم ويذكر أنَّه أثناء نفس العيد وُلدت بقرة، قُدمت للذبيحة، حملاً في وسط ‏الهيكل وأنَّ البوابة الشرقية للرواق الداخلي والتي كانت مصنوعة من نحاس سميك ‏وضخمة جدًا لدرجة أنَّها كانت تحتاج إلي عشرين رجلاً لتحريكها كل ليلة وكانت ‏تُغلق بالمتاريس والقضبان الحديديّة وكان لها أذرع حديدية تغوص بعمق العتبة ‏الصخرية الصلدة، هذه البوابة الضخمة شاهدها الحراس وهي تنفتح ذاتها فأسرعوا ‏وأبلغوا القائد وتمكَّنوا من إغلاقها بجهدٍ شاقٍ وظنَّ غير الخبراء أنَّ هذا فأل حسن ‏وأنَّ الله فتح لهم أبواب السعادة ولكن الحكماء أدركوا أنَّ أمن الهيكل قد إنكسر من ‏ذاته وأنَّ ذلك مقدِّمة لخراب الهيكل القادم (21) .‏

‏ وما جاء في التلمود وما ذكره يوسيفوس إلى جانب ما ذكر في الأناجيل ‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(19) Jos. The Jewish W. B6 :5,299.

(20) المسيح في يوسيفوس ص49.

(21) Jos. The Jewish W. B6 :5, 288-295.



ــــــــــ

‏- 147 –

الأبوكريفية يتطابق تماماً مع ما جاء في الإنجيل ولا يتعارض معه ويؤكِّد حقيقية ‏وتاريخية حدوث هذه العجائب والمعجزات .‏

‏ تقرير بيلاطس البنطي إلي الإمبراطور طيباريوس قيصر: أرسل بيلاطس البنطي ‏الوالي تقريرًا إلي الإمبراطور الروماني المعاصر طيباريوس قيصر شرح فيه ‏بإيجاز شديد ما فعله المسيح من أعمال ومعجزات وما حدث في أثناء محاكمته ‏وصلبه وموته وقيامته وقد ذكر هذا التقرير ترتليان (145-220م) (22) ، كما ذكره ‏أيضًا المؤرخ الكنسي يوسابيوس (264-340م) والذي قال عنه " ولما ذاع في ‏الخارج خبر قيامة مخلصنا العجيبة وصعوده ، فإنَّه جريًا علي العادة القديمة التي ‏سرت بين حكام المقاطعات نحو إرسال تقرير للإمبراطور عن كل الحوادث الجديدة ‏التي تحدث فيها لكي لا يخفي عليه شئ ‏ ‎ – ‎ ‏ جريًا علي هذه العادة بعث بيلاطس ‏البنطي إلي طيباريوس بالأنباء التي ذاعت في الخارج في كل أرجاء فلسطين ‏المتعلقة بقيامة مخلصنا يسوع المسيح من الأموات. وقد أعطي وصفًا أيضًا عن ‏عجائب أخري عرفها منه، وكيف اعتقد الكثيرون نتيجة قيامته من الأموات أنَّه إله ‏‏" (23) . وهذا نصَّ ما جاء في رسالة بيلاطس كما جاء في مجموعة آباء ما قبل ‏نيقية (24) عما حدث وقت صلبه.‏

‏ " وعندما صُلب كانت هناك ظلمة علي الأرض تمامًا واختفت الشمس تمامًا وبدت ‏السماء مظلمة علي الرغم من أنَّ ذلك كان بالنهار، وظهرت النجوم وكان ضوؤها ‏معتمًا في آنٍ واحدٍ، وكما أعتقد فإنَّ عظمتكم لا تجهلون ذلك، لأنَّه أضيئت ‏مصابيح في العالم كله من الساعة السادسة (12ظهراً) حتى المساء وبدا القمر مثل ‏الدم ولم يضئ طوال الليل برغم أنَّ البدر كان في تمامه . وناح أوريون ‏ Orion ‏ ‏والنجوم أيضًا علي اليهود للشرِّ الذي فعلوه ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(22) Apol. 1:21 .

(23) يوسابيوس ك 2ف 1:2،2 .

(24) Ante N.F. vol. 8p. 4632.



‏ ــــــــــ

‏- 148 –

رابعاً: واليهود، من رؤساء كهنة وفريسيين وكتبة وغيرهم، الذين شاهدوا هذه ‏الظواهر الإعجازيّة، وخاصّة ما حدث في الهيكل، آمنوا بالمسيحيّة بعد قيامة ‏المسيح وبعد حلول الروح القدس يوم الخمسين وانضموا إليها بالآلاف وكانوا هم ‏أوَّل من حملوا لواءها إلي العالم أجمع. وهذا ما دُوِّن لنا في سفر أعمال الرسل ‏وفي تاريخ الكنيسة في القرون الأولي. ويُعلِّق هيلد ‏ Held ‏ علي هذه الحقائق ‏الإنجيلية وما حدث في الهيكل بقوله أنَّ هذا النذير ذا المغزي كان بلا شك التفسير ‏لحقيقة أنَّ عدد كبير من الكهنة تحوّلوا إلي المسيحيّة في الأزمنة الرسوليّة الأولي.‏

‏ أما من جهة قيامة كثير من أجساد القديسين الراقدين لحظة موته وظهورهم ‏لكثيرين بعد قيامته فقد سجل لنا القديس أغناطيوس تلميذ بطرس الرسول الذي ‏أستشهد سنة 107م أنَّ المسيح أقام أنبياء من الموت عند مجيئه إلى العالم " أنَّ ‏أنبياء كتلاميذه بالروح كانوا ينتظرونه كمعلم ولأنَّه رجاؤهم فقد أقامهم عند مجيئه ‏‏" (25) . كما سجَّل بابياس الذي عاش في بداية القرن الثاني الميلادي (70-155م) ‏وكما نقل لنا عنه المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري أنَّه سمع " قصة عجيبة من ‏بنات فيلبس (الرسول) . لأنّه يقول أنَّ واحدًا قام من الأموات في عصره (عصر ‏فيلبس) " (26) .‏



‏ 8 ‏ ‎ – ‎ ‏ إيمان قائد المئة وبقية الجنود الرومان الذين كانوا يحرسون ‏ الصليب : ‏

‏ وكما آمن الآلاف من اليهود وانضموا إلي المسيحيّة بسبب ما حدث من قوات ‏وعجائب وقت صلب المسيح وموته، هكذا أيضًا آمن الكثيرون من الرومان بسبب ‏حدوث هذه المعجزات والعجائب، يقول الكتاب " وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوُا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ خَافُوا جِدّاً وَقَالُوا: «حَقّاً كَانَ هَذَا ابْنَ اللَّهِ». " ‏‏( مت27/54 )،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(25) Magnesians ch.9.

(26) يوسابيوس ك 3ف 9:39

ــــــــــ

‏- 149 –

لقد أدرك قائد المئة والجنود أنَّ ما حدث علي الصليب وأثناء عملية ‏الصلب وما حدث عن موت السيّد المسيح يدلّ علي أنَّ المصلوب لم يكنْ مُجَرَّد ‏إنسان عاديّ، بلّ أكثر من ذلك وأعظم، فقد سمعوا بآذانهم كلمات المسيح علي ‏الصليب وشاهدوا بعيونهم ما حدث ومن ثم فهموا ما قاله رؤساء الكهنة وهم ‏يسخرون منه " إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ! " ( مت27/40 )، وربما كانوا أيضًا ‏قد سمعوا قولهم لبيلاطس " يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ " ( يو19/7 )، فآمنوا ‏أنَّـه حقًا كـان " ابْنَ اللَّهِ ".‏



‏9 ‏ ‎ – ‎ ‏ أقوال المصلوب وتصرفاته هل يمكن أن تكون لغير المسيح ؟

‏ بعد أنْ استعرضنا عمليّة الصلب من جميع جوانبها نأتي إلي هذا السؤال الهام: ‏

هل يمكن أنْ تحدث تلك الظواهر الإعجازيّة لو كان المصلوب إنسان آخر غير ‏المسيح؟

وهل يمكن أنْ يتصرف هذا الآخر نفس التصرّفات وتخرج منه نفس ‏الأقوال التي صدرت من فم المصلوب؟

والإجابة بالقطع كلا، فلا يمكن أنْ تغيب ‏الشمس في عزّ الظهيرة ولا أنْ تتزلّزل الأرض ولا أنْ تنشق الصخور ولا أنْ ‏ينشقّ حجاب الهيكل لموت أيّ إنسان مهما كان، إلاَّ لموت المسيح فقط، فهو البار ‏وربّ المجد.‏

ولا يمكن أنْ تخرج الكلمات التي خرجت من فمه الطاهر من فم مصلوب آخر، فقد ‏كان ينتاب المصلوبين نوبات من الهلع والجنون والصرع والتشنج وكان يخرج من ‏أفواههم، نتيجة لذلك، سبّ وتجديف وصراخ، وهذا ما فعله اللصَّان اللذان صُلِبَا ‏معه والتي وصلت بهما درجة الهلع واليأس إلي التجديف علي المسيح ذاته حتي ‏أدرك اللصّ اليمين، في لحظات نورانيّة خطأه وتاب، بينما كان المسيح برغم كثرة ‏الآلام وسكرات الموت هو الحمل الوديع محبّ البشر، فقد غفر لصالبيه وشفع فيهم ‏لدي الآب، وقَبِلَ توبة اللصّ التائب ووعده بالفردوس في نفس اليوم، وترفَّق بأمِّه ‏العذراء وسلَّمها لتلميذه الحبيب، وفي ساعات الظلمة صرخ معلنًا احتجاب وجه ‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا


‏- 150 –

الآب عنه بسبب اجتيازه الآلام الروحيّة كنائب عن البشريّة، وفي النهاية أعلن أنَّ ‏كلّ ما جاء لأجله قد أُكمل، وعندما أسلم روحه البشريّة بإرادته استودعها في يَدَيّ ‏الآب.‏

والغريب أنَّ المعارضين لصلب المسيح أدركوا ذلك ولم يعترضوا علي أي تصرّف ‏أو قول صدر من المسيح أو نسبوه لغيره ولكن أحدهم زعم " أنَّ التلاميذ كانوا ‏واقفين من بعيد ولم يقترب أحد منهم إلي المصلوب ولم يتحدّث إليه "، وإعتبر أنَّ ‏ما ذُكر في الإنجيل هو من روايات التلاميذ أنفسهم !! ونقول لهذا وأمثاله هل يقبل ‏عقل إنسان مؤمن بوحي الله والكتب الموحي بها أنَّ التلاميذ الحواريّين الذين قيل ‏عنهم " وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي (المسيح) قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ ‏بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ " ( المائدة: 111 ) . وأنَّهم " أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ " ( آل عمران: 52 )، ‏وأنصار المسيح ، وأنَّهم قالوا " رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ (المسيح) فَاكْتُبْنَا ‏مَعَ الشَّاهِدِينَ " ( آل عمران: 53 ) . والذين قال لهم المسيح " وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ " ( أع1/8 )، هل يمكن أنْ ‏يكونوا ملفّقي روايات ؟!! بالطبع كلا وحاشا.‏

‏ كما أنَّ كثيرين من أتباع المسيح كانوا قريبين من الصليب بدرجة كافية ليروا كل ‏شئ ويسمعوا كل ما قاله وعلي رأس هؤلاء مريم العذراء التي خاطبها مباشرة ‏وعندما سلَّمها لتلميذه يوحنا وتلميذه الحبيب ابن زبدي الذي تسلَّم منه مباشرة أُمه ‏العذراء والذي تابع محاكمة المسيح وصلبه عن قرب ودون خوف لأنه كان معروفاً ‏عند رئيس الكهنة ( يو15/18 )، وكان هناك أيضًا العشرات من تلاميذ المسيح غير ‏المعروفين (27) والذين قصُّوا لبقيَّة التلاميذ ما حدث أثناء عمليّة الصلب. وكذلك ‏العشرات من رؤساء الكهنة الذين آمنوا ولكن خفية بسبب الخوف من الطرد من ‏المجمع اليهودي ( يو12/42 )،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(27) يذكر القديس بولس الرسول أن السيد المسيح بعد قيامته ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ (1كو 6:15) وبالطبع كان العشرات من هؤلاء عند الصليب وقريبين منه جداً دون خوف لأنهم كانوا غير معروفين لرؤساء الكهنة'.

ــــــــــ

‏- 151 –

ولكنهم علي أيَّة حال كانوا تلاميذه وانضموا إلي ‏المسيحيّة بعد قيامته، هؤلاء كانوا واقفين دون خوف وشاهدوا كل شئ وسمعوا كل ‏ما قيل بكل دقة وقصُّوه علي بقيّة التلاميذ. وهذه الحقائق تؤكِّد بصورة جازمة أنَّ ‏المصلوب لم يكن سوي شخص السيد المسيح. كما أنَّ كثيرين من الجماهير التي ‏كانت محتشدة حول الصليب وشاهدوا ما حدث وسمعوا ما قاله السيد ندموا لأنهم ‏وافقوا رؤساء الكهنة على صلبه " وَكُلُّ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ لِهَذَا الْمَنْظَرِ لَمَّا أَبْصَرُوا مَا كَانَ رَجَعُوا وَهُمْ يَقْرَعُونَ صُدُورَهُمْ. " ( لو23/48 ) ، ‏حزنًا وندمًا وأسفًا.



‏10 - دفن جسد المسيح وشهادة يوسف الرامي ونيقوديموس :‏

أ - التأكد من موته وطعن جنبه بحربة :‏

‏ حسب عادة الرومان كان يجب أنْ يظلّ المصلوبين علي الصليب حتي يموتوا ‏ويتعفّنوا أو يدفنهم أحد. ولكن حسب الناموس اليهودي كان يجب أنْ لا تبيت جثث ‏المصلوبين علي الصليب، ونظرًا لأنَّ عمليّة الصلب تمّت يوم الجمعة وكان يوم ‏استعداد واليوم التالي هو يوم السبت المقدّس عند اليهود وكان هذا السبت بالذات هو ‏بداية عيد الفصح العظيم والذي كان يوم الجمعة استعدادًا له لذا كان يجب أنْ يموت ‏المصلوبين ويُدفنوا قبل غروب شمس يوم الجمعة؛ " وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ إِذْ كَانَ الاِسْتِعْدَادُ - أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْتِ - " ( مر15/42 ). وكانت عمليّة كسر سيقان المصلوبين ‏عمليّة قانونيّة في القانون الروماني تسمى " بضربة الرحمة"، وكذلك كان الطعن ‏بالحربة، وكانت هذه العمليّة تتمّ بضرب الساقين بمطرقة خشبيّة ثقيلة، وبرغم ‏فظاعة هذه الضربة كانوا يرون أنَّها تُعجّل بموت المصلوبين وتُنهي عذابهم علي ‏الصليب " فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبَيْنِ مَعَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. " ( يو19/32-33 )، لقد مات ‏المسيح في زمن قياسي ولم يبقَ علي الصليب إلا ستّ ساعات فقط فلمَّا أتي العسكر ‏إليه ليكسروا ساقيه ليعجلوا بموته وجدوه قد مات ، نعم مات هكذا سريعًا لسببين ‏

‏ ــــــــــ

‏- 152 –

الأول هو أنَّه قَبِلَ الموت بإرادته واَسْلَم روحه للآب بإرادته كما سبق أن أكد " لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً. " ( يو10/18 ) ، والثاني راجع لما عاناه ‏طوال حوالي 20 ساعة متواصلة من آلام نفسيّة وجسديّة، خاصّة وأنَّه قُبض عليه ‏وحُوكم ليلاً وأُهين إلي جانب ما لاقاه من ضربٍ ولطمٍ ولكمٍ والذي انتهي بجلده ‏جلدات وحشيّة قطعت لحمه في معظم أجزاء جسده إضافة إلي إكليل الشوك الذي ‏إنغرست أشواكه في رأسه. وبرغم أنَّ الجنود تأكدوا تمامًا من موته بخبرتهم إلاَّ ‏أنَّ واحد منهم أراد أنْ يكون مطمئن تمامًا إلي موته، خاصَّة وأنَّ الأمر بالتعجيل ‏بموت المصلوبين كان صادرًا من الوالي الروماني، كما أنَّ المصلوب ذاته كان ذا ‏أهميّة قصوي لكل من اليهود والوالي، لذا طعن جنبه بحربة اخترقت القلب ومزقته ‏تمامًا " لَكِنَّ وَاحِداً مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ. " ( يو19/34 )‏، كان الجندي مدربًا علي هذه الطعنة. والتي يقول العلماء أنَّها ‏كانت تُطعن من اليمين إلي اليسار لكي تخترق القلب وتمزّقه، وعلي إثر هذه ‏الضربة التي اخترقت القلب ومزقته " خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ. " من جنبه بالرغم من أنَّه كان ‏قد مات، وهذه علامة أخري تؤكِّد لنا أنَّه بالرغم من أنَّ الجسد كان ميتًا إلاَّ أنَّه لم ‏ير فسادًا ؛ يقول العلامة أوريجانوس (185-254م) : " في الأجساد الميتة الأخري ‏يتجمد الدم ولا يخرج منه ماء نقي. ولكننا نجد العجب في حالة الجسد الميت ‏ليسوع فإنَّه حتي بعد الموت كان في الجسد دم وماء، خرجا من جنبه " (28) ، ويقول ‏وستكوت العالم وأسقف كرسي درهام بإنجلترا :‏

‏ " نحن نؤمن أنَّه من اللحظة التي مات فيها المسيح بدأ جسد الرب يأخذ استعداده ‏بالتغيرات التي انتهت بإستعلان القيامة. وأنَّ خروج دم وماء من جنبه يلزم أنْ ‏يُعتبر كعلامة حياة من موت " (29) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(28) Ag. Celsus 2:36.

(29) شرح إنجيل القديس يوحنا، الأب متى المسكين جـ 1226:2

‏‏ ــــــــــ

‏- 153 –

والعجيب أنَّ ما طلبه رؤساء اليهود هنا صار شهادة عليهم وعلي من يزعمون ‏الآن أنَّ المسيح لم يمتْ علي الصليب، لأنَّه بإصرارهم علي إنهاء حياة المصلوبين ‏بكسر سيقانهم كذلك طعن الجندي المدرب جيدًا لجنب المسيح بحربة مدببة اخترقت ‏القلب ومزّقته فقد حرموا من موقف كان يمكن أنْ يستغلوه ويزعموا، بعد قيامته، ‏مع القائلين الآن، أنَّ المسيح لم يمتْ علي الصليب وإنما كان قد أغمي عليه فقط ثم ‏فاق من غيبوبته في القبر، ولكن بعدما حدث وتأكَّد بصورة قاطعة لا لبس فيها أنَّ ‏المسيح قد مات حقًا علي الصليب فقد حرم كلاهما من هذه الفرصة التي تناسب ‏خبثهم المعهود وأفكارهم الضالة، حيث إنَّهما، كليهما، يقولون ما لا يؤمنون به ‏لمجرد التشكيك.‏

ب ‏ ‎ – ‎ ‏ الدفن :‏

‏ بعد ذلك جاء يوسف الرامي وطلب من بيلاطس الإذن بدفن جسد المسيح، وهذا ‏الرجل كان غنيًا ومشيرُا وشريفًا وصالحًا بارًا وعضوًا في السنهدرين، كما كان ‏أيضًا منتظرًا لملكوت السموات وتلميذًا خفيًّا للسيّد المسيح ومن ثمَّ فلم يكن موافقًا ‏علي القبض علي المسيح ومحاكمته وصلبه، يقول الكتاب : " وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ - وَكَانَ هُوَ أَيْضاً تِلْمِيذاً لِيَسُوعَ. " ( مت27/57 )، " ‏ جَاءَ يُوسُفُ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ مُشِيرٌ شَرِيفٌ وَكَانَ هُوَ أَيْضاً مُنْتَظِراً مَلَكُوتَ اللَّهِ " ‏‏( مر15/43 )، " وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ يُوسُفُ وَكَانَ مُشِيراً وَرَجُلاً صَالِحاً بَارّاً - هَذَا لَمْ يَكُنْ مُوافِقاً لِرَأْيِهِمْ وَعَمَلِهِمْ وَهُوَ مِنَ الرَّامَةِ مَدِينَةٍ لِلْيَهُودِ. وَكَانَ هُوَ أَيْضاً يَنْتَظِرُ مَلَكُوتَ اللهِ. " ( لو23/50-51 )، " ‏ ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ وَلَكِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ " ( يو19/38 ) . هذا الرجل الذي ‏كان تلميذًا للسيد المسيح ولكن لم يعلنْ الحقيقة مثله مثل المئات من رؤساء اليهود، ‏فقد " آمَنَ بِهِ (المسيح) ذَلِكَ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضاً غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ لِئَلا يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ " ( يو12/42 )، هذا الرجل تجاسر ‏عند موته " فَتَجَاسَرَ وَدَخَلَ إِلَى بِيلاَطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. " ‏‏( مر15/43 ). ‏
 

ميرنا

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أكتوبر 2005
المشاركات
22,034
مستوى التفاعل
564
النقاط
0
الإقامة
عند اقدامك اجثوا
كان لابد أنْ يحصل علي إذن الوالي التي كانت الأمور في يده فدخل علي بيلاطس الوالي ‏الروماني، بحكم موقعه كأحد رؤساء اليهود وكأحد أثريائهم " وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ " ‏، إذ أنَّه بعدما شاهد بنفسه ما حدث من عجائب ومعجزات حدثت عند صلب المسيح ‏وموته زال عنه كل خوف وعمل ما لم يستطيع تلاميذ المسيح عمله غير عابيء بما ‏سيُقال عنه أو يُتخذ ضده، فقد كان الله قد أعدَّه لهذه المهمّة لأنَّه لو لم يفعل ذلك ‏لكان اليهود قد دفنوا السيد في إحدي المقبرتَين العامّتَين وكان طلب يوسف الرامي ‏هذا سبب تعجّب واندهاش من الوالي فلما تأكد من قائد المئة أنَّه مات هكذا سريعًا ‏وعلي غير المعتاد أمر " فَأَمَرَ بِيلاَطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ. " ( مت27/58 )، " فَتَعَجَّبَ بِيلاَطُسُ أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعاً. فَدَعَا قَائِدَ الْمِئَةِ وَسَأَلَهُ: «هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ؟» وَلَمَّا عَرَفَ مِنْ قَائِدِ الْمِئَةِ وَهَبَ الْجَسَدَ لِيُوسُفَ. " ( مر 15/44-45 ) دون تردّد.‏

‏ " وَجَاءَ أَيْضاً نِيقُودِيمُوسُ الَّذِي أَتَى أَوَّلاً إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرٍّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَناً. " ( يو19/39 )، وكان نيقوديموس هذا " مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ 000 رَئِيسٌ لِلْيَهُودِ. ‏‏" ( يو3/1 )، وكان من المؤمنين بيسوع المسيح وسبق له أنْ قابله ليلاً " هَذَا جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللَّهِ مُعَلِّماً لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَهُ». " ( يو3/2 )، وإستفسر منه عن أمورٍ روحيّة، كما سبق ‏له أنْ دافع عنه في مجلس السنهدرين الذي كان عضوًا فيه عندما أدانوا السيد دون ‏أنْ يستمعوا له فقال لهم، " وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَاناً لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلاً وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ؟ " ( يو7/50-51 )، ولكنّه صمت أمام إرهابهم. ‏

‏ هذا الرجل ظهر علي مسرح الأحداث دون خوف أو تردّد وقام بعملية تحنيط ‏الجسد ودهنه بالأطياب، فقد توزّعت الأدوار بينه وبين يوسف الرامي الذي حصل ‏علي إذن الوالي بدفن الجسد وإشترى كفنًا من الكتان الفاخر وأنزل الجسد عن ‏الصليب ( مر15/46 ) بينما ذهب هو إلي المدينة وإشترى كميّة كبيرة من الأطياب ‏غالية الثمن جدًا " مَزِيجَ مُرٍّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَناً. فَأَخَذَا جَسَدَ يَسُوعَ وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الأَطْيَابِ كَمَا لِلْيَهُودِ عَادَةٌ أَنْ يُكَفِّنُوا. " ( يو19/39-40 ) .‏

ــــــــــ

‏- 155 –

كانت عادة اليهود أن~ يدهنوا موتاهم بالأطياب والحنوط عند تكفينهم وذلك لحفظ ‏الجسد سليمًا لفترة ولكن ليس كالمصريين القدماء الذين أخذوا عنهم هذه العادة بل ‏لمجرّد تكريم الجسد ومن ثم فلم ينزعوا من الجسم المخ والأحشاء والأجزاء القابلة ‏للفساد بل كانوا يدهنون الجسد من الخارج فقط.‏

‏ وقد إستخدم نيقوديموس في دهان جسد المسيح بالأطياب كمية كبيرة من " المر " ‏والذي له مفعول طبي مطهر، وكان يُستخدم كأحد مواد التحنيط الأساسيّة عند ‏قدماء المصريين (30) ، و" العود " وكان غالي الثمن جدًا وله رائحة نفّاذة تظلّ عالقة ‏بالجسد لسنوات عديدة، "نحو مئة منًا " أي حوالي 36 كيلو .‏

‏ وبعد دهن الجسد بالأطياب ولفُّه بالكتّان والأربطة وضعاه في قبر يوسف الرامي ‏الجديد والمنحوت في الصخر والذي لم يدفن فيه أحد من قبل ( مت27/60؛ ولو 23/53 ). ‏وهذا القبر كان في نفس موقع الصليب مما جعله مناسبًا ليتمّ دفن جسد المسيح فيه ‏قبل غروب الشمس وبداية سبت الفصح العظيم " وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ. فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ لِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ الْيَهُودِ لأَنَّ الْقَبْرَ كَانَ قَرِيباً. " ( يو19/41-42 ). ثم وضع حجرًا ضخمًا علي ‏القبر ( مت27/60 ) لمنع أيّ خطر قد يتعرّض له الجسد المقدّس سواء من إنسان أو من ‏حيوان.‏

‏ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(30) كانت عملية تحنيط جثة الميت عند قدماء المصريين تتم بسحب المخ من الجمجمة بإدخال آلة حديدية من فتحتي الأنف ثم بتنظيف الجمجمة وغسلها بالعقاقير، وكذلك إخراج محتويات البطن من خلال فتحة تُعمل بطول الخاصرة وغسلها بالعرقي (خمر النخيل) ثم بسكب العطور المسحوقة، وبعد ذلك يملأ تجويف البطن بالمر مع السنا Cassia ومختلف الأطياب، عدا البخور، وتغلق الفتحة وتنقع الجثة في النطرون مدة سبعين يوماً، وبعدها تغسل وتلف وتربط بالكتان الفاخر الذي يثبتونه في الجثة باللبان، الذي يستخدمه المصريين عامة بدلاً من الصمغ العربي، وتوضع الجثة في تابوت خشبي على شكلها ثم يوضع التابوت قائماً أمام حائط المقبرة. ( Herodotus B. 2:86 ) .

ــــــــــ

‏- 156 –

وكان هناك بعض النساء اللواتي كنّ يتابعنّ دفن الجسد المقدس " وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ. فَرَجَعْنَ وَأَعْدَدْنَ حَنُوطاً وَأَطْيَاباً (إضافية) وَفِي السَّبْتِ اسْتَرَحْنَ حَسَبَ الْوَصِيَّةِ " ( لو23/55-56 ).‏

‏12 - ختم القبر ووضع حراسة مشددة عليه :‏

‏ عاد رؤساء اليهود من كهنة وفرّيسيين إلي منازلهم سعداء ليستعدّوا للفصح بعد أنْ ‏ظنُّوا أنَّهم قضوا علي المسيح، خاصّة وأنَّهم تأكَّدوا من صلبه وموته ودفنه، ولكن ‏كان بداخلهم شعور غير مريح من أنَّه قد يظهر ثانية كما قال، فقد تذكّروا ما سبق ‏أنْ أعلنه وردّده مرّات كثيرة من أنَّه سيقوم من الموت في اليوم الثالث. فقرّروا أنْ ‏يطلبوا من الوالي الروماني بيلاطس البنطي أنْ يختم القبر ويضع حراسة عليه " ‏ وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاِسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاَطُسَ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذَلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِئَلا يَأْتِيَ تَلاَمِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ فَتَكُونَ الضَّلاَلَةُ الأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الأُولَى!» فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ». فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ. " ( مت27/62-66 ). وهكذا وضعوا حراسة مشددة علي القبر وختموا الحجر ‏بالشمع حتي لا يمكن أنْ يتحرّك من مكانه بدون كسر هذه الأختام، وقد تصوّروا ‏أنَّهم بذلك قد منعوا تحقيق نبواته وقيامته في اليوم الثالث دون أنْ يدروا أنَّ ما فعلوه ‏كان برهانًا علي حقيقة موته واستحالة خروج جسده من القبر سواء بالسرقة أو ‏التواطؤ لأنَّ الجنود الرومان حرسوا القبر بأوامر مشدّدة من السنهدرين وتحت ‏قيادته مع موافقة الوالي وسلطانه، وهؤلاء جميعًا أعطوا البرهان الأوَّل لحقيقة ‏قيامته من الموت فقد حرسوا جسده بكل عناية ولما قام من الموت كان من ‏المستحيل عليهم جميعًا أنْ يمنعوا خروجه من القبر وهو الذي انتصر علي الموت ‏والهاوية.‏

ــــــــــ

‏- 157 –

‏13 - انتحار يهوذا :‏

‏ بعد أن برهنَّا تفصيليًا علي صحَّة موت المسيح علي الصليب يتبقّي لنا أنْ نُعَلِّق ‏علي الزعم القائل بأنَّ الذي صُلِبَ هو يهوذا وليس المسيح، يقول لنا الكتاب " حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ قَائِلاً: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً». فَقَالُوا: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!» فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا: «لاَ يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ». فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً لِلْغُرَبَاءِ. لِهَذَا سُمِّيَ ذَلِكَ الْحَقْلُ «حَقْلَ الدَّمِ» إِلَى هَذَا الْيَوْمِ. " ( مت27/3-8 ). فقد إنتحر يهوذا ندمًا وحزنًا بأنْ خنق نفسه، ويقول الكتاب ‏أيضًا أنَّه سقط وانسكبت أحشاؤه " إِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسَطِ فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا. " ، وكان جميع سكان أورشليم يعرفون هذه الحقيقة " وَصَارَ ذَلِكَ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ " ، كما أن الحقل الذي تم شراؤه بالثلاثين من ‏الفضة كان معروفاً أيضا لجميع سكان أورشليم " حَتَّى دُعِيَ ذَلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ «حَقْلَ دَمَا» (أَيْ: حَقْلَ دَمٍ). " ( أع 1/18-19 ).‏

‏ كان صلب المسيح وموته علي الصليب معروفًا لجميع سكان أورشليم كما كان ‏انتحار يهوذا أيضًا وانسكاب أحشائه وشراء حقل الدم الذي جُعل مقبرة للغرباء ‏بالثمن الذي باع به المسيح معروفًا لجميع سكان أورشليم وكلا الحادثتَين تمَّا في ‏مكانَين مختلفَين وبعلم ومعرفة جميع سكان أورشليم، وهذا في حدّ ذاته يردّ علي ‏كلّ إدّعاء ويُبْطِل الأقوال المبنيّة علي الخيال والأوهام والبعيدة تمامًا عن الحقيقة ‏والواقع.‏

ــــــــــــــــــــ

‏- 158 -‏

الفصل الحادي عشر
صلب المسيح حقيقة مؤكدة
مسيحياً وتاريخياً ووثائقياً
إنَّ حقيقة صلب المسيح كحادثة تاريخيّة بمغزاها التاريخيّ والعقيديّ واللاهوتيّ تشكل ثلث الإنجيل بأوجهه الأربعة وبقيّة أسفار العهد الجديد، بل وتكرّرت كلمة صليب عن المسيح ومرادفاتها؛ الصليب وصلب ويصلب وصلبوا وصلبوه ومصلوب والمصلوب أكثر من ثمانين مرّة، وكانت عقيدة صلب المسيح وفدائه للبشريّة هي محور وجوهر وقلب الإنجيل المُبَشَّر به للعالم كله.

كما شهد لها، إلي جانب التاريخ المسيحيّ، التاريخ اليهوديّ والرومانيّ واليونانيّ والسوريّ ، ولدينا الوثائق التاريخيّة التي سجّلت ذلك.

يتكلّم أصحاب نظريّة الشبه ونُقّاد الكتاب المقدّس بصفة عامة عن الكتاب المقدّس وعقائده وكأنَّها خرجت من زاوية مغمورة في مكان مغمور وفي زمن شبه مجهول !!!!! ويتجاهلون حقيقة أنَّ أحداث الإنجيل تمَّت وسط عشرات الآلاف بل وملايين البشر، وأنَّ الجماهير الغفيرة كانت تحيط بالمسيح دائمًا " حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَدُوسُ بَعْضاً " ( لو12/1 )، كما يقول القديس لوقا، كما أنَّ أحداث صلب المسيح لم تتمَّ سرًا ولا في زاوية، بل تمَّت في أورشليم وفي عيد الفصح اليهودي الذي كان يحضره، بحسب تقدير المؤرّخ والكاهن اليهوديّ يوسيفوس، حوالي 2 مليون ونصف يهودي من جميع بلاد الإمبراطوريّة الرومانيّة. ومن ثمَّ كان الناس، سواء في فلسطين أو سوريا، منذ الأيام الأولي لكرازة الرسل يعرفون هذه الأحداث جيدًا. لذا فعندما وقف القديس بولس الرسول يُحاكم أمام الملك هيرودس أغريباس قال له " لأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ هَذِهِ الأُمُورِ عَالِمٌ الْمَلِكُ الَّذِي أُكَلِّمُهُ جِهَاراً إِذْ أَنَا لَسْتُ أُصَدِّقُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لأَنَّ هَذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي زَاوِيَةٍ.
 
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
أعلى