صلب المسيح وقيامته هما قلب الإيمان المسيحي وجوهر رسالة المسيحية :
يقول الكتاب المقدس في أوَّل قانون إيمان مكتوب في الكنيسة صدر يوم الخمسين لقيامة السيد المسيح ودونَّه القدّيس بولس الرسول بالروح القدس في رسالته الأولي إلي كورنثوس والتي يُجمع العلماء والنقّاد علي أنَّها كُتبتْ حوالي سنة 55م أي بعد خمسة وعشرين سنة من القيامة والتي تشهد علي إيمان الكنيسة في فجرها الباكر حيث تسلّم القدّيس بولس نفسه هذا الإيمان في السنة الثالثة للقيامة " وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ وَقَبِلْتُمُوهُ وَتَقُومُونَ فِيهِ وَبِهِ أَيْضاً تَخْلُصُونَ إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثاً! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ وَأَنَّهُ دُفِنَ وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ للإثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إِلَى الآنَ. وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ. وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا. " ( 1كو15/1-8 ) .
فالصلب والقيامة هما أساس الإيمان المسيحيّ وجوهر رسالة المسيحيّة ودعوتها لأنّها قامت علي هذا الأساس. وقد سجَّل لنا العهد الجديد في كلِّ أسفارِه وكذلك التقليد وكتابات آباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولي وقوانين الآباء الرسل أحداث وتفاصيل الصلب والقيامة ومغزاها بالنسبة للإيمان المسيحي، بل وكانت أوَّل عظة بعد حلول الروح القدس هي عن الصلب والقيامة، بل وكان أوَّل ما كُتِبَ في الإنجيل بأوجهه الأربعة، بإجماع العلماء، هي أحداث الصلب والقيامة، ويتلخّص هذا الإيمان فيما جاء في قانون مجمع نيقية المُنعقد سنة 325م " وصُلِبَ عَنَّا عَلَي عَهْدِ بيلاطس البنطي، وتألَّم وقُبِرَ، وقَامَ من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلي السموات " .
ــــــــــ
- 160 –
2 - موقف التلاميذ والرسل قبل القيامة وبعدها :
قدَّم مُعظم التلاميذ والرسل حياتهم ثمنًا لدعوتهم في المسكونة كلّها بأنَّ المسيح صُلِبَ ومات وقام من الموت وصعد إلي السماء، وذهبوا إلي السماء شهودًا وشهداء، ولكن هؤلاء التلاميذ والرسل لم يكونوا قبل القيامة بهذا الحماس وهذه القوَّة، كما لم يكونوا علي حافة الإيمان وينتظرون من يُحَرِّكهم حتي يقوموا بدعوتهم وإنما العكس تمامًا، فقد كانوا مُتَشَكِّكين ويائسين وخائفين وفاقدي الأمل وضعفاء وقد تركوا السيّد عند القبض عليه " كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا. " ( مت26/56 ). ولم يدخل معه المحكمة إلاَّ يوحنا لأنَّه " كَانَ ذَلِكَ التِّلْمِيذُ مَعْرُوفاً عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ " ( يو18/15 )، أمَّا بطرس فقد تبعه عن بُعد وأنكره عندما إنكشف أمره. وعند صلبه وموته ودفنه لم يظهر أحد منهم علانية سوي يوحنَّا والنساء ( يو18/25 )، وكانوا في حزن شديدٍ وغمٍ واكتئابٍ وقد فقدوا الرجاء في قيامته برغم أنَّه كرَّر أمامهم، ولهم خاصَّةً، مرَّات عديدة أنَّه سيقوم من الموت في اليوم الثالث وأغلقوا علي أنفسهم الأبواب خوفًا من اليهود لئلا يفعلوا بهم نفس ما فعلوه بسيِّدهم وتشتَّت البعض وعاد البعض إلي قراهم وتحقَّق فيهم ما سبق وأنبأهم به السيِّد " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ وَلَكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ. اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ. فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضاً فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ. " ( يو16/20-22 )، كما وعدهم.
وكان السيد أيضًا قد سبق ووعدهم أنَّه بعد قيامته سيظهر لهم وحدهم " بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ 000 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ. " ( يو14/19 ).
وبعد أنْ قام السيِّد وظهر لهم وحدهم حسب وعده الصادق لهم وتوالى ظهوره لهم
ــــــــــ
- 161 –
مرات عديدة تحوَّلوا إلي النقيض تمامًا، فتحوَّل حزنهم إلي فرح، ونسوا بعد القيامة الشدَّة التي عاشوها قبلها وامتلأوا بالفرح الذي لم يُنْزَع منهم إلي الأبد. وبعد حلول الروح القدس عليهم، حسب وعد معلمهم لهم (1) ، يوم الخمسين عندما حلَّ الروح القدس عليهم وتحوَّلوا إلي شجعان أقوياء ووقفوا أمام العالم كلَّه وليس في أيديهم سوي الإنجيل وانتصروا علي هذا العالم بقواته الروحيّة الشريرة والماديّة، فقد حوَّل مجد القيامة وقوتها هؤلاء الحزاني الضعفاء إلي أعظم منتصرين وقادهم السيد " مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ " ( 2كو 2/14 )، وشحنهم الروح القدس بطاقة روحيّة وكان معهم في كل مكان وزمان كما زوَّدهم السيِّد بالآيات والمعجزات التي برهنت علي صحَّة إيمانهم.
3 - مواجهة الرسل للعالم بحقيقة الصلب والقيامة :
وقف القدّيس بطرس الرسول مع التلاميذ والرسل جميعًا، بعد أنْ حلَّ عليهم الروح القدس في يوم الخمسين ونادوا في قلب أورشليم، التي صُلِبَ فيها المسيح منذ سبعة أسابيع فقط، أمام الآلاف الغفيرة من اليهود وقال: " أَيُّهَا الرِّجَالُ الْيَهُودُ وَالسَّاكِنُونَ فِي أُورُشَلِيمَ أَجْمَعُونَ000 اسْمَعُوا هَذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا أَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ. هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ الْمَوْتِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ000 لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً.000 فَإِذْ كَانَ نَبِيّاً وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً. فَيَسُوعُ هَذَا أَقَامَهُ اللهُ وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذَلِكَ. " ( أع 2/14-32 ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ( يو16:14، 17، 26، 15، 16، 7؛ لو 49:24؛ أع 4:1، 1:2-4) .
ــــــــــ
- 162 –
وفي نفس الأسبوع صعد القدّيسان بطرس ويوحنا إلي الهيكل عند صلاة الساعة التاسعة (الثالثة ظهراً) وشفيا الأعرج من بطن أمه فإندهش الناس لذلك فقال لهم القديس بطرس: " إِلَهَ آبَائِنَا مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاَطُسَ وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقِهِ. وَلَكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذَلِكَ. " ( أع 3/13-15 ).
ولما قُبض عليهما وحوكما أمام رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ " حِينَئِذٍ امْتَلأَ بُطْرُسُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَقَالَ لَهُمْ: «يَا رُؤَسَاءَ الشَّعْبِ وَشُيُوخَ إِسْرَائِيلَ 000 لْيَكُنْ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ بِذَاكَ وَقَفَ هَذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحاً. " ( أع 4/8 و 10 ) .
وبعد سجن بطرس الرسول وإخراج الملاك له من السحن وقف الرسل ثانية أمام رؤساء الكهنة وقالوا لهم " قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هَذَا الإِنْسَانِ " فقال لهم الرسل " لَهُ آبَائِنَا أَقَامَ يَسُوعَ الَّذِي أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ. هَذَا رَفَّعَهُ اللهُ بِيَمِينِهِ 000 وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَالرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضاً " ( أع 5/28 و 30-32 ) .
وكذلك وقف القديس إستفانوس وهو يُحاكم أمام السنهدرين وقال لهم " أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ " ( أع 7/52 ).
وكانت نتيجة هذه العظات وغيرها هي انضمام آلاف اليهود بما فيهم كهنه ورؤساء كهنة وغيرهم من رجال الدين إلي المسيحيّة، ثم حدوث اضطهاد عظيم علي الكنيسة في أورشليم وتشتَّت المؤمنون، عدا الرسل، إلي خارجها. وفي كل الحالات لم يجرؤ اليهود علي مواجهة الرسل بأي شئ يمكن أنْ يُناقض إيمانهم سوي القتل والاضطهاد، الذي صار بركة للكنيسة. كما أنَّ إيمان الآلاف منهم
ــــــــــ
يقول الكتاب المقدس في أوَّل قانون إيمان مكتوب في الكنيسة صدر يوم الخمسين لقيامة السيد المسيح ودونَّه القدّيس بولس الرسول بالروح القدس في رسالته الأولي إلي كورنثوس والتي يُجمع العلماء والنقّاد علي أنَّها كُتبتْ حوالي سنة 55م أي بعد خمسة وعشرين سنة من القيامة والتي تشهد علي إيمان الكنيسة في فجرها الباكر حيث تسلّم القدّيس بولس نفسه هذا الإيمان في السنة الثالثة للقيامة " وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ وَقَبِلْتُمُوهُ وَتَقُومُونَ فِيهِ وَبِهِ أَيْضاً تَخْلُصُونَ إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثاً! فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ وَأَنَّهُ دُفِنَ وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ للإثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إِلَى الآنَ. وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ. وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا. " ( 1كو15/1-8 ) .
فالصلب والقيامة هما أساس الإيمان المسيحيّ وجوهر رسالة المسيحيّة ودعوتها لأنّها قامت علي هذا الأساس. وقد سجَّل لنا العهد الجديد في كلِّ أسفارِه وكذلك التقليد وكتابات آباء الكنيسة في القرون الثلاثة الأولي وقوانين الآباء الرسل أحداث وتفاصيل الصلب والقيامة ومغزاها بالنسبة للإيمان المسيحي، بل وكانت أوَّل عظة بعد حلول الروح القدس هي عن الصلب والقيامة، بل وكان أوَّل ما كُتِبَ في الإنجيل بأوجهه الأربعة، بإجماع العلماء، هي أحداث الصلب والقيامة، ويتلخّص هذا الإيمان فيما جاء في قانون مجمع نيقية المُنعقد سنة 325م " وصُلِبَ عَنَّا عَلَي عَهْدِ بيلاطس البنطي، وتألَّم وقُبِرَ، وقَامَ من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلي السموات " .
ــــــــــ
- 160 –
2 - موقف التلاميذ والرسل قبل القيامة وبعدها :
قدَّم مُعظم التلاميذ والرسل حياتهم ثمنًا لدعوتهم في المسكونة كلّها بأنَّ المسيح صُلِبَ ومات وقام من الموت وصعد إلي السماء، وذهبوا إلي السماء شهودًا وشهداء، ولكن هؤلاء التلاميذ والرسل لم يكونوا قبل القيامة بهذا الحماس وهذه القوَّة، كما لم يكونوا علي حافة الإيمان وينتظرون من يُحَرِّكهم حتي يقوموا بدعوتهم وإنما العكس تمامًا، فقد كانوا مُتَشَكِّكين ويائسين وخائفين وفاقدي الأمل وضعفاء وقد تركوا السيّد عند القبض عليه " كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا. " ( مت26/56 ). ولم يدخل معه المحكمة إلاَّ يوحنا لأنَّه " كَانَ ذَلِكَ التِّلْمِيذُ مَعْرُوفاً عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ " ( يو18/15 )، أمَّا بطرس فقد تبعه عن بُعد وأنكره عندما إنكشف أمره. وعند صلبه وموته ودفنه لم يظهر أحد منهم علانية سوي يوحنَّا والنساء ( يو18/25 )، وكانوا في حزن شديدٍ وغمٍ واكتئابٍ وقد فقدوا الرجاء في قيامته برغم أنَّه كرَّر أمامهم، ولهم خاصَّةً، مرَّات عديدة أنَّه سيقوم من الموت في اليوم الثالث وأغلقوا علي أنفسهم الأبواب خوفًا من اليهود لئلا يفعلوا بهم نفس ما فعلوه بسيِّدهم وتشتَّت البعض وعاد البعض إلي قراهم وتحقَّق فيهم ما سبق وأنبأهم به السيِّد " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ وَلَكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ. اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ. فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضاً فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ. " ( يو16/20-22 )، كما وعدهم.
وكان السيد أيضًا قد سبق ووعدهم أنَّه بعد قيامته سيظهر لهم وحدهم " بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ 000 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ. " ( يو14/19 ).
وبعد أنْ قام السيِّد وظهر لهم وحدهم حسب وعده الصادق لهم وتوالى ظهوره لهم
ــــــــــ
- 161 –
مرات عديدة تحوَّلوا إلي النقيض تمامًا، فتحوَّل حزنهم إلي فرح، ونسوا بعد القيامة الشدَّة التي عاشوها قبلها وامتلأوا بالفرح الذي لم يُنْزَع منهم إلي الأبد. وبعد حلول الروح القدس عليهم، حسب وعد معلمهم لهم (1) ، يوم الخمسين عندما حلَّ الروح القدس عليهم وتحوَّلوا إلي شجعان أقوياء ووقفوا أمام العالم كلَّه وليس في أيديهم سوي الإنجيل وانتصروا علي هذا العالم بقواته الروحيّة الشريرة والماديّة، فقد حوَّل مجد القيامة وقوتها هؤلاء الحزاني الضعفاء إلي أعظم منتصرين وقادهم السيد " مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ " ( 2كو 2/14 )، وشحنهم الروح القدس بطاقة روحيّة وكان معهم في كل مكان وزمان كما زوَّدهم السيِّد بالآيات والمعجزات التي برهنت علي صحَّة إيمانهم.
3 - مواجهة الرسل للعالم بحقيقة الصلب والقيامة :
وقف القدّيس بطرس الرسول مع التلاميذ والرسل جميعًا، بعد أنْ حلَّ عليهم الروح القدس في يوم الخمسين ونادوا في قلب أورشليم، التي صُلِبَ فيها المسيح منذ سبعة أسابيع فقط، أمام الآلاف الغفيرة من اليهود وقال: " أَيُّهَا الرِّجَالُ الْيَهُودُ وَالسَّاكِنُونَ فِي أُورُشَلِيمَ أَجْمَعُونَ000 اسْمَعُوا هَذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللهِ بِقُوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللهُ بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ كَمَا أَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ. هَذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ الْمَوْتِ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ000 لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً.000 فَإِذْ كَانَ نَبِيّاً وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً. فَيَسُوعُ هَذَا أَقَامَهُ اللهُ وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذَلِكَ. " ( أع 2/14-32 ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ( يو16:14، 17، 26، 15، 16، 7؛ لو 49:24؛ أع 4:1، 1:2-4) .
ــــــــــ
- 162 –
وفي نفس الأسبوع صعد القدّيسان بطرس ويوحنا إلي الهيكل عند صلاة الساعة التاسعة (الثالثة ظهراً) وشفيا الأعرج من بطن أمه فإندهش الناس لذلك فقال لهم القديس بطرس: " إِلَهَ آبَائِنَا مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاَطُسَ وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاَقِهِ. وَلَكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذَلِكَ. " ( أع 3/13-15 ).
ولما قُبض عليهما وحوكما أمام رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ " حِينَئِذٍ امْتَلأَ بُطْرُسُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَقَالَ لَهُمْ: «يَا رُؤَسَاءَ الشَّعْبِ وَشُيُوخَ إِسْرَائِيلَ 000 لْيَكُنْ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ بِذَاكَ وَقَفَ هَذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحاً. " ( أع 4/8 و 10 ) .
وبعد سجن بطرس الرسول وإخراج الملاك له من السحن وقف الرسل ثانية أمام رؤساء الكهنة وقالوا لهم " قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هَذَا الإِنْسَانِ " فقال لهم الرسل " لَهُ آبَائِنَا أَقَامَ يَسُوعَ الَّذِي أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ. هَذَا رَفَّعَهُ اللهُ بِيَمِينِهِ 000 وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَالرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضاً " ( أع 5/28 و 30-32 ) .
وكذلك وقف القديس إستفانوس وهو يُحاكم أمام السنهدرين وقال لهم " أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ " ( أع 7/52 ).
وكانت نتيجة هذه العظات وغيرها هي انضمام آلاف اليهود بما فيهم كهنه ورؤساء كهنة وغيرهم من رجال الدين إلي المسيحيّة، ثم حدوث اضطهاد عظيم علي الكنيسة في أورشليم وتشتَّت المؤمنون، عدا الرسل، إلي خارجها. وفي كل الحالات لم يجرؤ اليهود علي مواجهة الرسل بأي شئ يمكن أنْ يُناقض إيمانهم سوي القتل والاضطهاد، الذي صار بركة للكنيسة. كما أنَّ إيمان الآلاف منهم
ــــــــــ