لعدم وجود أيَّة تفاصيل عن ذلك سواء في القرآن أو في السنة، أو بنقل الروايات الخرافيّة والإسرائيليّات عن جهلاء اليهود والنصاري العرب، وبين القول بحقيقة صلبه كما جاء في الكتاب المقدّس، أو بصلبه وعدم موته علي الصليب، مع اعتراف القائلين بالصلب بعدم معقوليّة ومنطقيّة إلقاء شبهه علي آخر !!!
2 - الإجابة المسيحية : وهي كما أوضح لنا الكتاب المقدس والتاريخ بصفة عامة أنَّ المسيح قبض عليه فعلاً ومات حقًـا وقام حقًـا ، وأنَّه لو أراد الله إنقاذه من الصلب والموت لكان هناك آلاف الوسائل التي كان في إمكانه استخدامها دون اللجوء للطرق التي لا تليق بعظمة الله وجلاله والتي تؤدّي بالبشريّة إلي الضلال. فقد كان في إمكان السيد المسيح، وهو يعلم أنَّ يهوذا ذهب ليُرشد مُسَلّميه إلي مكان اجتماعه، أنْ لا يذهب إلي ذلك المكان بالمرّة أو أنْ يخرج من أورشليم نهائيًا، كما سبق وحدث، كما يقول الكتاب " وَكَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ بَعْدَ هَذَا فِي الْجَلِيلِ لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ. " ( يو7/1 )، لأنَّ ساعته لم تكنْ قد جاءت بعد. كما كان في إمكان الله أنْ يصرف نظر اليهود عن ذلك، كما حدث أكثر من مرة، يقول الكتاب " فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَداً عَلَيْهِ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. " ( يو7/30 )، " هَذَا الْكلاَمُ قَالَهُ يَسُوعُ فِي الْخِزَانَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ. وَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. " ( يو8/20 ) .
كما كان في إمكانه أن يترك مُسَلّمِيه مُلقين علي الأرض ويذهب مع تلاميذه بسلام. وكان للسيد المسيح مع اليهود عدّة مواقف أثناء خدمته قرّروا فيها إعدامه سواء بقتله أو إلقائه من علي الجبل أو رجمه ومع ذلك نجا منهم بقوة إلهيّة دون اللجوء إلي خديعتهم وخديعة المؤمنين بعد ذلك ومن أهم هذه المواقف ما يلي :
1 - كانت أولي محاولات قتل المسيح وهو طفل عندما قرّر هيرودس قتله فأمر الملاك يوسف النجار خطيب مريم العذراء أنْ يأخذ الطفل وأمّه ويهرب إلي أرض
ــــــــــ
-88-
مصر قائلا " قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ " ففعل يوسف كما أمره الملاك وظل في مصر حتى مات هيرودس ( مت 2/7-15 ) .
وهكذا نجا الطفل يسوع من القتل، بحسب ترتيب الله ومشورته الإلهيّة، دون اللجوء إلي أي وسيلة لا تتفق مع جلال الله وعظمته.
2 - وفي مجمع الناصرة وبّخ اليهود علي عدم إيمانهم، يقول الكتاب : " فَامْتَلأَ غَضَباً جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ حِينَ سَمِعُوا هَذَا . فَقَامُوا وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى حَافَّةَِ الْجَبَلِ الَّذِي كَانَتْ مَدِينَتُهُمْ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ حَتَّى يَطْرَحُوهُ إِلَى أَسْفَلُ. أَمَّا هُوَ فَجَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى. " ( لو4/28-30 ) !!!
لقد قرّروا قتله بإلقائه من علي الجبل وأخذوه إلي هناك وهمّوا بطرحه من علي الجبل ولكنّه بقوّة إلهيّة " جَازَ فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى " دون أنْ تستطيع مدينة بأكملها أنْ تمسّه، وذلك دون اللجوء لوسيلة لا تتفق مع جلال الله وعظمته !!!
ألم يكن في استطاعته أنْ يفعل ذلك عندما جاءوا للقبض عليه في البستان ؟!!
3 - وفي الهيكل في أورشليم كان يقف ويعلّم جهارًا ومع أنَّه كان هناك أمرًا بالقبض عليه وقتله وكانت الجموع تتساءل أليس هذا هو الذين يطلبون أنْ يقتلوه ؟ " ، ولما طلبوا " أن يمسكوه " يقول الكتاب : " وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَداً عَلَيْهِ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. " ( يو7/30 )، وهنا ألقي الله في قلوبهم أنْ لا يمسكوه لأنَّ الوقت المعيّن من قِبَل الله لذلك لم يكن قد حان بعد.
ألم يكن في استطاعة الله أنْ يفعل ذلك ثانية لو أراد إنقاذه من الصلب ؟!!
4 - وفي الهيكل أيضًا قال السيد لليهود : " قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ " ففهموا من كلامه إعلاناً للألوهيّة في ذاته فقرّروا رجمه بتهمة أنَّه جَدَّف علي الله وبالفعل شرعوا في التنفيذ " فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ." وهموا بذلك، ويقول الكتاب :
ــــــــــ
-89-
" أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازاً فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هَكَذَا. " ( يو8/58-59 ) . لقد رفعوا حجارة ليرجموه وهو وحده في وسطهم ومع ذلك اختفى،وهو وسطهم، وإجتاز في وسطهم، دون أنْ تستطيع يدًا واحدةً أنْ تلقي عليه حجرًا ومضى دون أنْ يمسّوه !! ألم يكن في استطاعته أنْ يكرّر ذلك قبل الصليب ؟!!
5 - ولما قال لهم في الهيكل : " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ " ، " فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. … لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً … فَطَلَبُوا أَيْضاً أَنْ يُمْسِكُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ " ( يو10/30و 31 و33و 39 ). خرج من أيديهم برغم أنَّه كان في الهيكل، في وسطهم، ومع هذا خرج بقوة إلهيّة إعجازيّة من أيديهم دون أنْ يمسّوه!!!!!
ألم يكن في استطاعته أنْ يفعل ذلك عندما جاءوا للقبض عليه ؟!!
6 – وعندما جاءوا للقبض عليه في البستان ، يقول الكتاب " قَالَ يَسُوعُ هَذَا وَخَرَجَ مَعَ تلاَمِيذِهِ إِلَى عَبْرِ وَادِي قَدْرُونَ حَيْثُ كَانَ بُسْتَانٌ دَخَلَهُ هُوَ وَتلاَمِيذُهُ. وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ يَعْرِفُ اَلْمَوْضِعَ لأَنَّ يَسُوعَ اِجْتَمَعَ هُنَاكَ كَثِيراً مَعَ تلاَمِيذِهِ. فَأَخَذَ يَهُوذَا اَلْجُنْدَ وَخُدَّاماً مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ اَلْكَهَنَةِ وَاَلْفَرِّيسِيِّينَ وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ. فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: { مَنْ تَطْلُبُونَ؟ } أَجَابُوهُ: { يَسُوعَ اَلنَّاصِرِيَّ }. قَالَ لَهُمْ: { أَنَا هُوَ }. وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: { إِنِّي أَنَا هُوَ} رَجَعُوا إِلَى اَلْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى اَلأَرْضِ. فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً: { مَنْ تَطْلُبُونَ؟ } فَقَالُوا: { يَسُوعَ اَلنَّاصِرِيَّ }. أَجَابَ: { قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ }. لِيَتِمَّ اَلْقَوْلُ اَلَّذِي قَالَهُ: { إِنَّ اَلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَداً }. ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ اَلْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ اَلْيُمْنَى. وَكَانَ اِسْمُ اَلْعَبْدِ مَلْخُسَ. فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: { اِجْعَلْ سَيْفَكَ فِي اَلْغِمْدِ. اَلْكَأْسُ اَلَّتِي أَعْطَانِي اَلآبُ ألاَ أَشْرَبُهَا؟ }. ثُمَّ إِنَّ اَلْجُنْدَ وَاَلْقَائِدَ وَخُدَّامَ اَلْيَهُودِ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ وَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ إِلَى حَنَّانَ أَوَّلاً لأَنَّهُ كَانَ حَمَا قَيَافَا اَلَّذِي كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ اَلسَّنَةِ. وَكَانَ قَيَافَا هُوَ اَلَّذِي أَشَارَ عَلَى اَلْيَهُودِ أَنَّهُ خَيْرٌ أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ اَلشَّعْبِ. وَكَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَاَلتِّلْمِيذُ اَلآخَرُ يَتْبَعَانِ يَسُوعَ وَكَانَ ذَلِكَ اَلتِّلْمِيذُ مَعْرُوفاً عِنْدَ رَئِيسِ اَلْكَهَنَةِ فَدَخَلَ مَعَ يَسُوعَ إِلَى دَارِ رَئِيسِ اَلْكَهَنَةِ. " ( يو18/1-13 ) .
ــــــــــ
-90-
ويذكر القديس لوقا إبراء أذن ذلك العبد التي قطعها بطرس " وَضَرَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى. فَقَالَ يَسُوعُ: «دَعُوا إِلَى هَذَا!» وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا. " ( لو22/50-51 ). ويضيف القديس متى " فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ " ( مت26/52-53 ) .
وهنا لنا تعليقين : الأول هو أنَّه لو أراد الله إنقاذ المسيح من الموت سواء عن طريق الصليب أو عن طريق أي وسيلة إعدام أخري، كما يقول هو له المجد، لكان الله قد قدم له " أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ " !!! وإذا كانت الكتيبة الرومانية في ذلك الوقت تتكون من 6000 جندي وضابط فكم وكم يكون عدد جيشا كاملاً ؟؟!!! وإذا كان ملاكًا واحدًا قد أهلك من جيش الآشوريين مئة ألف وخمسة وثمانين ألفا في ليلة واحدة ( 2مل19/ 35) ، فماذا يفعل " أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ " مع الذين جاءوا للقبض عليه لو أراد الله إنقاذه من أيديهم ؟؟؟!!!
والثاني هو قوله " فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟ " ( مت26/54 ) ، أو كما قال ليهوذا " إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. " ( مت26/24 )، أو كما يقول الكتاب " أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى. " ( يو13/1 ) .
هذه بعض المواقف التي تقرّر فيها إعدام المسيح وقتله ومع ذلك نجا منها بقوّة إلهيّة أمام الجميع دون اللجوء إلي الطرق التي لا تتفق مع جلال الله وعدله وعظمته، وبالطبع لو أراد الله إنقاذه من الصلب لكان في إمكانه أنْ يفعل ذلك بإحدي الوسائل والطرق أو غيرها مما يتّفق مع جلال الله وعظمته وبما لا يوقع ملايين
ــــــــــ
-91-
ــــــــــــــــــــــــ
- 93 -