............
بهذا تنتهي رسالتي ولكن، ما دمنا نتحدث عن "إرادة الله"، فلابد أن نتذوق ولو رشفة من الأعماق أيضا. ولو رشفة صغيرة من هذا البحر. لأننا، نعم، في كل ما سبق ما زلنا في الحقيقة نلعب كالأطفال على الشاطئ!
أيضا للأمانة مع كل الأحباء، فموضوع الإرادة عميق جدا ولعل بين الحضور من يحمل عقلا فلسفيا يتوق بالفعل إلى هذه الأعماق الساحرة المجهولة.
***
باختصار نلاحظ أن أباءنا على الطريق الروحي والصوفيين المسيحيين عموما كلما نموا في النعمة وتقدموا، كلما صاروا يُحيلون كل شيء إلى الله وإرادة الله. لا تكاد تخلو عبارة واحدة على ألسنتهم من ذكره: يارب لتكن مشيئتك.. هذه إرادة الله.. كله حسب تدبيره.. نفعل ذلك إن شاء الرب.. وهكذا. فما سبب هذا الظاهرة؟
تقول الأم الغالية أمـة في رسالتها: كل شي يحصل هو بعلم الله المُسبق لأنه غير مقيد بالزمن مثلنا، إنما الماضي والحاضر والمستقبل عنده سيان.
وهذا بالطبع صحيح. ولكن إذا لم يكن عند الله زمن، فليس عنده "سببية" أيضا. من وجهة نظر الله، إذا جاز التعبير، لا شيء "يسبب" أي شيء آخر. لأن كل شيء، ـ بالنسبة له ـ هو "الآن وهنا" في علمه الأزلي، في شبكة واحدة تمتد أبديا فوق الزمان والمكان.
هذه بالطبع فلسفة لا نريد الخوض فيها، لا سيما أن شروط العقل هي الزمان والمكان والسببية، ومن ثم فنحن لا نستطيع حتى أن نتخيل علم الله أو طرقه ورؤيته، أو أي شيء عموما لا يخضع لهذه الشروط الثلاثة.
فقط أضيف باختصار أن بعض الفلاسفة ـ كانط بوجه خاص ـ ذهبوا بالفعل إلى أنه لا سببية حقا في العالم. السببية هي فقط "طريقتنا" نحن في تفسير العالم وكيف ينتظم، ولكن ليس لها أي وجود حقا.
ولكن... إذا سقطت السببية، فما معنى "الإرادة" إذاً، سيان إرادتنا أو إرادة الله؟
وهنا نعود بالتالي إلى أبائنا وشيوخنا الصوفيين. هل أدركوا ـ قلبيا لا عقليا ـ كل هذه المعاني؟
الصوفي، ولو بلسان الحال، كأنه يقول: كل شيء بإرادة الله.
اللاهوتي يرد: نعم، إن كان خيرا. ولكن هل يريد الله الشر أيضا؟
الصوفي يبتسم: أين هذا الشر؟ أنا لا أرى شرا على الإطلاق!
الصوفي ببساطة لا يعرف ولا يذكر ولا حتى يرى سوى الله وحكمة الله وجمال الله! هكذا ـ ودون فلسفة، ودون حتى وعي بما يفعل ـ فهو يُحيل كل شيء ببساطة إلى الله وإرادة الله، بما في ذلك حتى "ما يبدو" شرا بالنسبة لنا ولبقية العالم!
***
من هنا أعتقد أخيرا ـ ربما، لست جازما، بل فقط أعتقد ـ أن خطأ الغالية نعومة في البداية (عندما قالت «لا احد يصاب بعارض ما الا بسماح من الله بل انها ارادة الله»)، أعتقد أن مصدره هو هذا العمق الصوفي الغامض بقلبها، والتي لا تستطيع هي نفسها شرحه بالطبع أو الدفاع عنه لو أن بقيتنا من اللاهوتيين هنا عارضوها وحاصروها. 
كان هذا بالطبع خطأ لا شك، ولا أقصد أبدا بكلامي أي اعتراض ـ صراحة أو ضمنا ـ على رسالة الأم أمة، أو أنها مثلا دون هذا الفهم أو البصيرة، حاشا. الأم الجميلة أمة ـ لمن لا يعرف ـ قلبها بالعكس قلب صوفي وروحاني كبير جدا، يفيض بالنعمة وبالمحبة فيضا. لكن عقلها أيضا كبير جدا، وقد كان عليها ـ على الأقل كإدارية هنا ـ أن تعترض بالفعل وأن تكتب كل ما كتبت.
فقط كنت أحاول ـ أخيرا على الهامش ـ شرح ما حدث وقراءته قراءة أخرى. لعل هذا الخطأ لم يكن حقا من باب الجهل أو الخلط كما يبدو ظاهريا.
***
أشكر الجميع ختاما على هذه الصحبة العاطرة. أشكر الغالية نعومة على سؤالها الهام، كذلك كل الأحباء الذين شاركوا وأضاف كل منهم عطره الخاص ولمسته الجميلة المباركة. هذه إن شاء الرب آخر رسائلي لبعض الوقت، فكل عام والجميع بكل خير وعلى المحبة دائما نلتقي. ♥