تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
25:20 فَقَالَ لَهُ التّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: «قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ». فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ لاَ أُومِنْ».

‏الإنجيل لم يذكر لنا حادثة توما هذه المخجلة لكي يحط من قدر توما, بل لكي يوضح صعوبة الإيمان بالقيامة. فإنجيل القديس متى يذكر أن أكثر من واحد منهم شكوا: «ولما رأوه سجدوا له، ولكن بعضهم شكوا» (مت17:28). هذه هي صراحة الإنجيلي في روايته، التي من واقعها ندرك صدق الرواية وصدق القيامة ذاتها. وانجيل القديس مرقس لم تفته هذه المحنة الإيمانية لدى ‏البعض، فهي جزء لا يتجزأ من الحقيقة: «أخيرا ظهر للأحد عشر وهم متكئون ووبخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم, لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام» (مر14:16)
‏وهنا يزيد القديس مرقس من لوم التلاميذ الذين لم يؤمنوا إذ كان يجب أن يصدقوا الذين نظروه قد قام. وهذه تعود وتنعكس علينا لا محالة، فنحن أمام هذه الحالة عينها. فرواية القيامة بلغتنا على يد شهود عيان كثيرين, فالايمان بها أصبح يحفه القبول من اليمين بالمديح، كما يحفة الشك من الشمال بالتوبيخ. أما الطوبى أي السعادة، فهي نصيب الذين يؤمنون ولا يطلبون لا العيان ولا شهادة العيان، لأن الحق يضيء قلوبهم.
‏إذا، فرواية توما لا تخص توما ولا التلاميذ، بل هي حدثت لتكون ركناً ركيناً في استعلان شخص المخلص، كجزء حي في درجات سلم استعلان قيامة المسيح، كطوق نجاة للذين ستعصف بهم شكوك مثل شكوك توما!
‏والقديس يوحنا يقدم لنا رواية توما على التوازي مع رواية تلميذي عمواس التي قدمها القديس لوقا. فكل من الروايتين حظت بظهور الرب خاصة. ولكن حظى كل منهما بالتوبيخ المناسب.
«قد رأينا الرب»: نفس ما قالته المجدلية: «قد رأيت الرب».
‏لم تكن رؤيا وحسب بل وفرحاً، هي شهادة ستبقى خالدة أبد الدهر ترددها كلمة «آمين»، من كل من في السموات والأرض، بانتظار الاستعلان المنظور الذي تراه كل عين آمنت أو لم تؤمن. أما التي آمنت, فبتهليل تردد صداه السموات وسماء السمورات, وأما التي لم تؤمن فبالبكاء والنحيب على الذي طعنوه بلسانهم أو جحودهم أو ارتدادهم.
‏لم تقع هذه البشارة المفرحة عند توما موقع التصديق، عن قصد من النعمة, ليكون أباً ومرشداً لكل الذين صاروا بعقولهم قوامين على قلوبهم، ومدوا أيديهم وأصابعهم عوض البصيرة ليتحسسوا بها طريق الحق. لقد صار توما في تاريخ الإيمان إمام الشكاكين. ولكن يا ليت كل من يشك، ينطق بالنهاية بما نطق به توما.
«فقال لهم: إن لم ابصر في يديه أثر المسامير, وأضع إصبعي في أثر المسامير, وأضع يدي في جنبه لا أؤمن»: جروح الصليب مميتة، فكيف تصبح علامة حياة؟ إنه تعجيز!! ولكنها هى حقاً معجزة!! توما يطلب المستحيل بالعيان واللمس, يطلب اقتران الموت بالحياة والحياة بالموت، فكان له ما شاء!! إنها حقاً القيامة!!
‏توما أراد أن يمسك بنار اللاهوت، فمسك ولم يحترق، إنه فضل التجسد ومجد القيامة!!
توما أراد أن يمثل بيده طعنة الحربة، وكمثل يد موس، دخلت برصاء بعدم الإيمان, وخرجت تضيء بصراخ الإيمان (خر6:4). إن أهوال الصلبوت ضيعت من عقل توما كل معقولية الحياة من بعد الموت، لقد أصابت المسامير فكر توما بأكثر مما أصابت به يد الفادي، الفادي قام بيديه في ملء الحركة والحياة، وفكر توما تسمر بالموت وبقي بلا حراك. الجنب المفتوح بالحربة صار كهوة في إيمان توما، تفصل الميت عن الحياة، مع أن الدم والماء النازفين منه كفيلان بأن يُحيي كل الأموات.
«لا أُؤمن»: ‏لقد جازف توما بكل إيمانه، لقد وضع إيمانه بالمسيح قائماً من الموت في كفة، ورؤية عينيه ولمس يده لآثار المسامير وطعنة الحربة في الكفة المقابلة! لقد ظن توما أن الإيمان بالقيامة رهن نظر العين ولمس اليد!!
‏ولكن السيح نفسه عنما ظهر للتلاميذ المجتمعين «أراهم يديه وجنبه», فتوما وان كان يطالب بحقه الرسولى، كتلميذ له، في الرب المقام ما كان للباقين في غيابه، إلا أن ما كان ينقص توما حقاً والذي وبخه المسيح على فقدانه, كما وبخ الآخرين, فقد كان هو الإيمان: «ووبخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام» (مر24:16)، وهنا يستحيل الأخذ بنموذج توما ليكون نموذجاً لنا للايمان. ولكن نموذج توما الذي شك واشترط لإيمانه الرؤيا واللمس، هو نموذج رسولي وحسب، قرره الرب أن يكون، وقرر له الاستجابة، فظهر له بمقتضى نفس شروطه, ليؤمن، فلا يبقى هو, ولا أحد غيره، غير مؤمن بعد!!
‏أما ما انتهت إليه خبرة القديس توما والتي ينبغي أن تنتقل إلينا، أنه ليس بالعيان ولا باللمس يكون الإيمان بل بتصديق الخبر الإنجيلي، بطاعة الكلمة، بالاستجابة لنداء الروح القدس «طوبى للذين آمنوا ولم يروا.» (يو29:20)
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
25:20 فَقَالَ لَهُ التّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: «قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ». فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ لاَ أُومِنْ».

‏الإنجيل لم يذكر لنا حادثة توما هذه المخجلة لكي يحط من قدر توما, بل لكي يوضح صعوبة الإيمان بالقيامة. فإنجيل القديس متى يذكر أن أكثر من واحد منهم شكوا: «ولما رأوه سجدوا له، ولكن بعضهم شكوا» (مت17:28). هذه هي صراحة الإنجيلي في روايته، التي من واقعها ندرك صدق الرواية وصدق القيامة ذاتها. وانجيل القديس مرقس لم تفته هذه المحنة الإيمانية لدى ‏البعض، فهي جزء لا يتجزأ من الحقيقة: «أخيرا ظهر للأحد عشر وهم متكئون ووبخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم, لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام» (مر14:16)
‏وهنا يزيد القديس مرقس من لوم التلاميذ الذين لم يؤمنوا إذ كان يجب أن يصدقوا الذين نظروه قد قام. وهذه تعود وتنعكس علينا لا محالة، فنحن أمام هذه الحالة عينها. فرواية القيامة بلغتنا على يد شهود عيان كثيرين, فالايمان بها أصبح يحفه القبول من اليمين بالمديح، كما يحفة الشك من الشمال بالتوبيخ. أما الطوبى أي السعادة، فهي نصيب الذين يؤمنون ولا يطلبون لا العيان ولا شهادة العيان، لأن الحق يضيء قلوبهم.
‏إذا، فرواية توما لا تخص توما ولا التلاميذ، بل هي حدثت لتكون ركناً ركيناً في استعلان شخص المخلص، كجزء حي في درجات سلم استعلان قيامة المسيح، كطوق نجاة للذين ستعصف بهم شكوك مثل شكوك توما!
‏والقديس يوحنا يقدم لنا رواية توما على التوازي مع رواية تلميذي عمواس التي قدمها القديس لوقا. فكل من الروايتين حظت بظهور الرب خاصة. ولكن حظى كل منهما بالتوبيخ المناسب.
«قد رأينا الرب»: نفس ما قالته المجدلية: «قد رأيت الرب».
‏لم تكن رؤيا وحسب بل وفرحاً، هي شهادة ستبقى خالدة أبد الدهر ترددها كلمة «آمين»، من كل من في السموات والأرض، بانتظار الاستعلان المنظور الذي تراه كل عين آمنت أو لم تؤمن. أما التي آمنت, فبتهليل تردد صداه السموات وسماء السمورات, وأما التي لم تؤمن فبالبكاء والنحيب على الذي طعنوه بلسانهم أو جحودهم أو ارتدادهم.
‏لم تقع هذه البشارة المفرحة عند توما موقع التصديق، عن قصد من النعمة, ليكون أباً ومرشداً لكل الذين صاروا بعقولهم قوامين على قلوبهم، ومدوا أيديهم وأصابعهم عوض البصيرة ليتحسسوا بها طريق الحق. لقد صار توما في تاريخ الإيمان إمام الشكاكين. ولكن يا ليت كل من يشك، ينطق بالنهاية بما نطق به توما.
«فقال لهم: إن لم ابصر في يديه أثر المسامير, وأضع إصبعي في أثر المسامير, وأضع يدي في جنبه لا أؤمن»: جروح الصليب مميتة، فكيف تصبح علامة حياة؟ إنه تعجيز!! ولكنها هى حقاً معجزة!! توما يطلب المستحيل بالعيان واللمس, يطلب اقتران الموت بالحياة والحياة بالموت، فكان له ما شاء!! إنها حقاً القيامة!!
‏توما أراد أن يمسك بنار اللاهوت، فمسك ولم يحترق، إنه فضل التجسد ومجد القيامة!!
توما أراد أن يمثل بيده طعنة الحربة، وكمثل يد موس، دخلت برصاء بعدم الإيمان, وخرجت تضيء بصراخ الإيمان (خر6:4). إن أهوال الصلبوت ضيعت من عقل توما كل معقولية الحياة من بعد الموت، لقد أصابت المسامير فكر توما بأكثر مما أصابت به يد الفادي، الفادي قام بيديه في ملء الحركة والحياة، وفكر توما تسمر بالموت وبقي بلا حراك. الجنب المفتوح بالحربة صار كهوة في إيمان توما، تفصل الميت عن الحياة، مع أن الدم والماء النازفين منه كفيلان بأن يُحيي كل الأموات.
«لا أُؤمن»: ‏لقد جازف توما بكل إيمانه، لقد وضع إيمانه بالمسيح قائماً من الموت في كفة، ورؤية عينيه ولمس يده لآثار المسامير وطعنة الحربة في الكفة المقابلة! لقد ظن توما أن الإيمان بالقيامة رهن نظر العين ولمس اليد!!
‏ولكن السيح نفسه عنما ظهر للتلاميذ المجتمعين «أراهم يديه وجنبه», فتوما وان كان يطالب بحقه الرسولى، كتلميذ له، في الرب المقام ما كان للباقين في غيابه، إلا أن ما كان ينقص توما حقاً والذي وبخه المسيح على فقدانه, كما وبخ الآخرين, فقد كان هو الإيمان: «ووبخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام» (مر24:16)، وهنا يستحيل الأخذ بنموذج توما ليكون نموذجاً لنا للايمان. ولكن نموذج توما الذي شك واشترط لإيمانه الرؤيا واللمس، هو نموذج رسولي وحسب، قرره الرب أن يكون، وقرر له الاستجابة، فظهر له بمقتضى نفس شروطه, ليؤمن، فلا يبقى هو, ولا أحد غيره، غير مؤمن بعد!!
‏أما ما انتهت إليه خبرة القديس توما والتي ينبغي أن تنتقل إلينا، أنه ليس بالعيان ولا باللمس يكون الإيمان بل بتصديق الخبر الإنجيلي، بطاعة الكلمة، بالاستجابة لنداء الروح القدس «طوبى للذين آمنوا ولم يروا.» (يو29:20)
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
26:20 وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: «سلاَمٌ لَكُمْ»

‏لا يزال التلاميذ في أورشليم ولا يزالون مجتمعين! إن حقائق القيامة وظهور الرب ربطت قلوبهم بالمكان الذى ظهر فيه، لم يعووا قادرين على مبارحة أورشليم. كانوا ينتظرون بناغ الصبر مزيدا من الاستعلان والظهور. لقد بدأت تتبلور في قلوبهم رسالتهم، ولكن لم يكونوا حائزين بعد ‏على «القوة» اللازمة للحركة.
‏كان يوم الأحد الذي قام فيه الرب وظهر لهم فيه «أيضاً» في المساء, كان قد أخذ قدسية خاصة زادت بصورة مؤكدة بعد أن ظهر لهم وللمرة الثانية في نفس المكان ونفس المساء, مساء الأحد. وهكذا تقررت علية أورشليم أن تكون مركز ميلاد الكنيسة في أورشليم, كما تقرر يوم الأحد ليكون يوم الرب، يوم القيامة، يوم الظهور والاستعلان.
فى هذا يقول القديسرر كيرلس الكبير: [إذا، هو لسبب صالح لنا عادة أن يكون لنا اجتماعات مقدسة في الكنائس في اليوم الثامن (الأحد). ويُستحب أن نستعير لغة التشبيه بالإنجيل فنقول، وكما تستلزمه الحاجة، نحن نقفل الأبواب. وبالرغم من ذلك يأتي المسيح ويظهر لنا جيعا منظوراً وغير منظور بآن واحد, غير منظور بصفته الإلهية ومنظورا بالجسد (في الإفخارستيا). ويجيز لنا أن نلمس جسده المقدس ويعطيه لنا أيضاً. لأننا بنعمة الله, ونحن نؤهل أن نشترك في الافخارستيا المقدسة، نستقبل المسيح في أيدينا بغرض أن نؤمن يقيناً أنه حقآ أقام هيكل جسده].
‏كان اجتماع التلاميذ وتوما معهم بمثابة داع دعا الفادي للظهور: «حيثما اجتمح اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم» (مت20:18). ولكن هنا ليس اثنان أو ثلاثة، بل «أول كنيسة» تجتمع بكامل هيئتها, ليعطي لها المسيح أول درس في الإيمان غير المعتمد علي المنظور.
«فجاء يسوع والأبواب مغلقة, ووقف في الوسط»: اللغة التي صيغت بها هذه المعلومة «فجاء يسوع» توضح في اللغة اليونانية أنه كان هناك نوع من الترقب؛ وهذا ما نعتقده نحن بكل تأكيد. فالآن قد حاز التلاميذ على عطية الروح القدس الكفيل أن يجعلهم يشعرون «بالأمور الآتية»، وخاصة فيما للرب ومجيئه. ولكن الذي يلهب قلوبنا نحن أيضاً، هو كيفية ظهوره بكامل عظمة هيئته، وفي وداعة بشريته ولطف محبته، بل ونقول بروح نشيد الأ نشاد: يا لطلعته البهية، يا لبأس منظر عينيه كغالب الموت وقاهر الهاوية، يا لبهاء نور الآب الذي يشع من كل كيانه, تخرج من جروح يديه ورجليه طاقات وموجات من الأشفية والأدواء لعلاج كل أوجاع البشرية، ومن خلف جنبه منظر كنهر الحياة ليعطي كل أمم وشعوب الأرض للاغتسال بغسل الحياة، لاستنشاق نسيم روح الله. هكذا جاء يسوع خصيصآ ليتحادث مع توما بشأن عدم لياقة عدم إيمانه، بعد سنين هذا عددها وهو يسقيه فيها من روح نعمته.
‏جاء يسوع ووقف «في الوسط», صحيح أنه جاء خصيصآ لتوما، ولكن حينما يظهر المسيح يظهر في الوسط فهو للجميع والجميح له. ليس كبير أو صغير بينهم ، فالكل فيه كبير والكل فيه كريم مُكرم.
‏«وقال سلام لكم»: ليست هي مجرد تحية، ولكنها وديعة يستودعها الرب لكنيسته: «سلامي أعطيكم», فالرب لا يقرىء السلام, بل يعطيه، بل يسكبه ويبثه بثاً، ليسري في القلوب والأفكار والأرواح، ليبقى ويدوم ويترسخ داخل النفس، نلتجىء إليه يوم العاصفة فتجده، ونستغيث به في الضيقة فنسربل به.
‏ويلزم أن ننتبه أن التلاميذ كانوا لا يزالون خائفين, لأن الآبواب كانت لا تزال مغلقة عليهم. فكان المسيح، بإعطائهم السلام، كمن يقول لهم: «أما خوفهم فلا تخافوه، ولا تضطربوا ، بل قدسوا الرب الإله في قلوبكم.» (ابط14:3-15)
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
26:20 وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: «سلاَمٌ لَكُمْ»

‏لا يزال التلاميذ في أورشليم ولا يزالون مجتمعين! إن حقائق القيامة وظهور الرب ربطت قلوبهم بالمكان الذى ظهر فيه، لم يعووا قادرين على مبارحة أورشليم. كانوا ينتظرون بناغ الصبر مزيدا من الاستعلان والظهور. لقد بدأت تتبلور في قلوبهم رسالتهم، ولكن لم يكونوا حائزين بعد ‏على «القوة» اللازمة للحركة.
‏كان يوم الأحد الذي قام فيه الرب وظهر لهم فيه «أيضاً» في المساء, كان قد أخذ قدسية خاصة زادت بصورة مؤكدة بعد أن ظهر لهم وللمرة الثانية في نفس المكان ونفس المساء, مساء الأحد. وهكذا تقررت علية أورشليم أن تكون مركز ميلاد الكنيسة في أورشليم, كما تقرر يوم الأحد ليكون يوم الرب، يوم القيامة، يوم الظهور والاستعلان.
فى هذا يقول القديسرر كيرلس الكبير: [إذا، هو لسبب صالح لنا عادة أن يكون لنا اجتماعات مقدسة في الكنائس في اليوم الثامن (الأحد). ويُستحب أن نستعير لغة التشبيه بالإنجيل فنقول، وكما تستلزمه الحاجة، نحن نقفل الأبواب. وبالرغم من ذلك يأتي المسيح ويظهر لنا جيعا منظوراً وغير منظور بآن واحد, غير منظور بصفته الإلهية ومنظورا بالجسد (في الإفخارستيا). ويجيز لنا أن نلمس جسده المقدس ويعطيه لنا أيضاً. لأننا بنعمة الله, ونحن نؤهل أن نشترك في الافخارستيا المقدسة، نستقبل المسيح في أيدينا بغرض أن نؤمن يقيناً أنه حقآ أقام هيكل جسده].
‏كان اجتماع التلاميذ وتوما معهم بمثابة داع دعا الفادي للظهور: «حيثما اجتمح اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم» (مت20:18). ولكن هنا ليس اثنان أو ثلاثة، بل «أول كنيسة» تجتمع بكامل هيئتها, ليعطي لها المسيح أول درس في الإيمان غير المعتمد علي المنظور.
«فجاء يسوع والأبواب مغلقة, ووقف في الوسط»: اللغة التي صيغت بها هذه المعلومة «فجاء يسوع» توضح في اللغة اليونانية أنه كان هناك نوع من الترقب؛ وهذا ما نعتقده نحن بكل تأكيد. فالآن قد حاز التلاميذ على عطية الروح القدس الكفيل أن يجعلهم يشعرون «بالأمور الآتية»، وخاصة فيما للرب ومجيئه. ولكن الذي يلهب قلوبنا نحن أيضاً، هو كيفية ظهوره بكامل عظمة هيئته، وفي وداعة بشريته ولطف محبته، بل ونقول بروح نشيد الأ نشاد: يا لطلعته البهية، يا لبأس منظر عينيه كغالب الموت وقاهر الهاوية، يا لبهاء نور الآب الذي يشع من كل كيانه, تخرج من جروح يديه ورجليه طاقات وموجات من الأشفية والأدواء لعلاج كل أوجاع البشرية، ومن خلف جنبه منظر كنهر الحياة ليعطي كل أمم وشعوب الأرض للاغتسال بغسل الحياة، لاستنشاق نسيم روح الله. هكذا جاء يسوع خصيصآ ليتحادث مع توما بشأن عدم لياقة عدم إيمانه، بعد سنين هذا عددها وهو يسقيه فيها من روح نعمته.
‏جاء يسوع ووقف «في الوسط», صحيح أنه جاء خصيصآ لتوما، ولكن حينما يظهر المسيح يظهر في الوسط فهو للجميع والجميح له. ليس كبير أو صغير بينهم ، فالكل فيه كبير والكل فيه كريم مُكرم.
‏«وقال سلام لكم»: ليست هي مجرد تحية، ولكنها وديعة يستودعها الرب لكنيسته: «سلامي أعطيكم», فالرب لا يقرىء السلام, بل يعطيه، بل يسكبه ويبثه بثاً، ليسري في القلوب والأفكار والأرواح، ليبقى ويدوم ويترسخ داخل النفس، نلتجىء إليه يوم العاصفة فتجده، ونستغيث به في الضيقة فنسربل به.
‏ويلزم أن ننتبه أن التلاميذ كانوا لا يزالون خائفين, لأن الآبواب كانت لا تزال مغلقة عليهم. فكان المسيح، بإعطائهم السلام، كمن يقول لهم: «أما خوفهم فلا تخافوه، ولا تضطربوا ، بل قدسوا الرب الإله في قلوبكم.» (ابط14:3-15)
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
27:20 ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِناً».

‏عجيب أن الرب يعيد نفس الكلمات التي نطق بها توما وهو يتحدث مع زملائه، فكأن الرب كان واقفاً يستمع إلى شروط توما المغلظة، لم يعاتبه ولا حتى آخذه, بل بلطف يفوق كلق لطف، أخضح جسده الذي ترتعب منه الأجناد السماوية لرؤية عين توما, ويلمس أصابعه. عرى جروحه، وجنبه المفتوح جعله في متناول يده!
‏وهكذا احتفظ الرب بعلامات الموت ليجعلها برهان الحياة، وآثار الذلة والانسحاق ليجعلها أسباب المجد!
‏ولعل إخضاع الرب جروحه النازفة للمس أصابع توما، كان قمة استعلان الموت في الحياة وقمة الحياة في الموت. وهذه هي القيامة نصا وفصا. ثم، أما كان القديس يوحنا صادقاً في رؤياه لما قال في افتتاح إنجيله: «وكان الكلمة الله»؟ وهكذا بقيت هذه الحقيقة العظمى تحتاج إلى برهان، إلى أن تجسد الكلمة وذُبح على الصليب وقام، إلى أن باشرها توما بالروح والعين المفتوحة قبل أصابح يديه، فصرخ: «ربي والهي».
‏ولكن ماذا كان وقع كلمات الرب المقام على توما، حينما ردد على مسامعه كل الكلام والشروط التي قالها للتلاميذ، متحدياً جيعهم ليؤمن بقيامة الرب؟ أعتقد أنها فوق أنها أخجلته، فقد جعلته في غير حاجة لأن يمد يده أو إصبعه. ولكن حينما مدها وحينما لمس إطاعة للأمر الذي صدر له، كان قد بلغ الإيمان في قلبه حد الصراخ بالشهادة. خبرة العين الروحية ابتلعت خبرة عين الجسد، ولمسة الروح في القلب طغت على لمسة اليد.
‏«لا تكن غير مؤمن, بل مؤمناً»: لم يكن توما غير مؤمن، لهذا ظهر له الرب. وإلا لو كان فعلاً غير مؤمن، لما ظهر له الرب على الإطلاق, لقد قلنا إن عطية الروح القدس التي نفخها الرب في التلاميذ كانت جماعية لا فردية، كانت في جسم الجماعة المتحدة، وليس على مستوى فرد دون فرد. وهكذا انتقلت من فم المسيح للرسل، ومن الرسل للكنيسة، ككل، كجسد حي. القديس توما, إذاً، لم يكن غريباً عن جسم التلاميذ، جسم الكنيسة, ولا عن عطية الروح القدس، ولكن لما استبد به الشك, كونه استثني من رؤية الرب، كان يطلب حقه في الرؤيا العينية, وزاد عليها لمس الأصابع، إمعاناً في الوثوق الذي يطلبه. بمعنى أن توما كان في طريقه إلى الإيمان في حالة حصوله على ما احتاجه إيمانه: «أؤمن يا سيد, فأعن عدم إيماني» (مر24:4)
‏الرب تنازل إلى مستوى شروط توما، ليقطع على توما, وعلى كل من يذهبث مذهبه, الطريق إلى عدم الإيمان!
ولكن الذي اعتاد على أسلوب القديس يوحنا في التلطيف الفائق الوصف عند سرد سلوك التلاميذ خاصة، يدرك كيف يخفف هذا الإنجيلي الوديع المحب من عنف أسلوب المسيح في مقارعة التلاميذ الذين قسوا قلوبهم, ولم يبلغوا سريعا إلى درجة الإيمان الفوري حسب رواية القديس مرقس: «أخيراً ظهر للأحد عشر(توما في الحسبان) وهم متكئون (ثاني مرة أي الأحد الثامن)، ووبخ عدم ايمانهم وقساوة قلوبهم, لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام.» (مر14:16)
‏ولكن هاتين الرؤيتين لكلام الرب، هما في الحقيقة لموضوع واحد رآه القديس مرقس بما كان من ضعف التلاميذ، ورآه القديس يوحنا بما سيكون من لطف المسيح للتلاميذ، الأول رآه يستحق التعنيف، والآخر رآه يستحق التشجيع.
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
28:20 أَجَابَ تُومَا: «رَبِّي وَإِلَهِي».

«هو يدعو باسمى. وأنا أجيبه. أقول هو شعبي, وهو يقول الرب إلهي» (زك9:13)
‏هذا الخطاب الموجه للمسيح رأساً من القديس توما هو، نصاً وحرفاً، نفس الخطاب الموجه من أي إسرائيلي نحو يهوه الله. وهكذا بلغ الإنجيل بالفعل والقول إلى أقصى ما عبر عنه المسيح أن يكون: «لكي يكرم الجميع الابن، كما يكرمون الآب» (يو23:5). وتم بالفعل قول المسيح الذي قال: «فقال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان, ‏فحينئذ تفهمون أني أنا هو(يو28:8)
‏إن نطق القديس توما: «ربي والهي» يكون قد وقع على المنظور الحي ما قاله القديس يوحنا في رؤياه للكلمة «وكان الكلمة الله».
‏هذه هى قمة الاستعلانات التي تتبعها هذا الإنجيلي الدقيق الدؤوب. إنها قمة إنجيل القديس يوحنا، التي ما أن بلغها هذا القديس، حتى تنفس الصعدا، وأرخى الفكر وسجل الخاتمة: «وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه.» (يو30:20-31)
والذي يزيد من قيمة هذا الاستعلان الذي استلهمه القديس توما من رؤية الرب المقام, أنه يأتي بعد أسبوع كامل من عذاب الشك وليل الظنون. فهو وان تاخر عن التلاميذ ثمانية أيام في التعرف على القيامة وتصديقها، إلا أنه سجل للكنيسة أول اعتراف علني بألوهية المسيح، خرج منه بتلقائية تعبر عن الحق الذي رآه كاعتراف إيمان بلغ الذروة, ليس في كل الإناجيل ما يضاهيه.
‏يتفق معظم الشراح في أن القديس توما لم يمد يده نحو الجسد المقدس، ولم يكن في حاجة أن يتفرس في ثقوب المسامير باليدين، ولا تحسس الجنب المفتوح, وإن خالف ذلك كثيرون أيضاً؛ بل إنه, حال ظهور الرب والأبواب مغلقة، أخذ في دهشة، وانفتحت بصيرته في الحال فنطق بما نطق. لقد شعر، والرب أمامه بلحمه وعظامه، بهيئته الجديدة المجيدة وبصوته هو هو، أن كل مطاليب ضعف إيمانه السابق من جهة رؤية أثر المسامير والجروح والجنب المفتوح، هي أتفه من الحقيقة المعلنة أمامه.
‏إن ظهور الرب بحال قيامته كان كفيلاً بأن يغير, لا فكر توما بل روحه وحياته. إن ظهور الرب قوة، فالقيامة هي المجال الإلهي الفائق، الذي إذا دخله الإنسان يفقد رؤيته لنفسه والعالم, وكأنها أقنعة يخلعها ليرى الحقيقة الدائمة ولا يعود يرى نفسه إلا في الله : «ربي والهي».
‏إنه يذكر نفسه بياء الملكية مرتين «ربي وإلهي»، تأكيدا منه أن من يراه واقفاً أمامه، يرى نفسه فيه ويراه هو في نفسه، وكأنه يردد بلسان صاحب شيد الآنشاد: «أنا لحبيبي، وحبيبي لى» (نش3:6‏). إنه تعبير عن إيمان حي محسوس وشخصي. وقول توما للمسيح: «إلهي» إنما يعبر تعبيراً حياً صادقاً منظوراً بالروح لقول الميسح: «الذي رآني فقد رأى الآب.» (يو9:14)
‏لقد صار له المسيح وصار هو للمسيح ، فاستعلن له المسيح في ذاته رباً وإلهاً. لقد تعرف على الله في المسيح، وتعرف على المسيح في الله!!
‏وأخيراً, أدرك توما أن المسيح ليس للمس اليد أو نظر العين!! فهو الملء الذي يملأ الروح والبصيرة والقلب، الملء الذي لا تسعه عين ولا يحيطه فكر.
‏وكان رد المسيح على اعتراف توما: «ربي والهي» أن أمن على إيمانه، موافقاً على إعلانه ‏بلاهوته كمن أصاب الحقيقة بكلمة، فلو لم يكن المسيح إلها بالحق, ما كان قد ارتضى بهذا الإعلان!! ولو لم يكن المسيح والآب واحد، ما رأى توما ما رأى!! لقد رأى توما المسيح كما يريد المسيح نفسه أن يُرى!
اما «ربي» فهي تخص إيمان توما بالمسيح «المعلم» الذي أكل وشرب معه, وها هو واقف أمامه. إنها صرخة المجدلية «ربوني»، تعبر عن إيمان القيامة. وأما «إلهي» فتخصه مستعلناً في حقيقته الأزلية, إذ ارتفع توما بإعلان حازه, به رأى الله فى المسيح! انهأ رؤية حق، للحق، لقد واجه توما المسيح في حقيقة ذاته: «الذى رآنى فقد رأى الآب.» (يو9:14)
‏وهكنداء بقدر ما انحط إيمان توما حتى شك في القيامة، بقدر ما أعطى للقيامة معيارها الإلهي العالي. وهكذا أثمر ظهور الرب للتلميذ الضعيف الإيمان قوة إيمانية باقية تسند الكنيسة على مدى الأزمان.
‏ولكن حذار أن نفهم من هذا أن ظهور الرب لتوما كان ظهور «العيان»، إذ يتحتم أن نفهم أن الظهور الإلهي الذي كان يظهر به المسيح بعد القيامة لم يكن ظهوراً تتحكم فيه العين البشرية وتفحصه. إنه ظهور إعجازي، يحتاج إلى عين روحية مفتوحة، إلى وعي روحي فائق عن وعي الجسد والحواس؛ يحتاج إلى عمل الروح: «وحينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب» (لو45:24). أو القول الآخر الأكثر انطباقاً الذي تم بالحرف الواحد لتلميذي عمواس: ففي الأول كان المسيح سائراً معهم ولم يعرفاه: «ولكن اُمسكت أعينهما عن معرفته» (لو16:24). ولكن، في النهاية، تمت المعجزة من خلال إفخارستيا: «فلما اتكأ معهما، أخذ خبزاً، وبارك، وكسر، وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه, ثم اختفى عنهما.» (لو30:24-31)
‏بهذه الرؤيا وحدها، يمكن التعرف على المسيح كإله، على أساس الآية التي قالها الرب: «الذي يراني يرى الذي أرسلني» (يو45:12). هنا يستحيل أن تكون رؤية العين هي التي ترى من أرسله الرب؛ إنها حتما وبالضرورة رؤية الروح، «الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله» (اكو10:2). وهذه هي رؤية الإيمان، بمعنى رؤية منشؤها التصديق، ونهايتها التعرف على الله في المسيح والمسيح في الله. هنا بلغ توما عن حق رؤية المسيح الإله: «ربي وإلهى».
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
28:20 أَجَابَ تُومَا: «رَبِّي وَإِلَهِي».

«هو يدعو باسمى. وأنا أجيبه. أقول هو شعبي, وهو يقول الرب إلهي» (زك9:13)
‏هذا الخطاب الموجه للمسيح رأساً من القديس توما هو، نصاً وحرفاً، نفس الخطاب الموجه من أي إسرائيلي نحو يهوه الله. وهكذا بلغ الإنجيل بالفعل والقول إلى أقصى ما عبر عنه المسيح أن يكون: «لكي يكرم الجميع الابن، كما يكرمون الآب» (يو23:5). وتم بالفعل قول المسيح الذي قال: «فقال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان, ‏فحينئذ تفهمون أني أنا هو(يو28:8)
‏إن نطق القديس توما: «ربي والهي» يكون قد وقع على المنظور الحي ما قاله القديس يوحنا في رؤياه للكلمة «وكان الكلمة الله».
‏هذه هى قمة الاستعلانات التي تتبعها هذا الإنجيلي الدقيق الدؤوب. إنها قمة إنجيل القديس يوحنا، التي ما أن بلغها هذا القديس، حتى تنفس الصعدا، وأرخى الفكر وسجل الخاتمة: «وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه.» (يو30:20-31)
والذي يزيد من قيمة هذا الاستعلان الذي استلهمه القديس توما من رؤية الرب المقام, أنه يأتي بعد أسبوع كامل من عذاب الشك وليل الظنون. فهو وان تاخر عن التلاميذ ثمانية أيام في التعرف على القيامة وتصديقها، إلا أنه سجل للكنيسة أول اعتراف علني بألوهية المسيح، خرج منه بتلقائية تعبر عن الحق الذي رآه كاعتراف إيمان بلغ الذروة, ليس في كل الإناجيل ما يضاهيه.
‏يتفق معظم الشراح في أن القديس توما لم يمد يده نحو الجسد المقدس، ولم يكن في حاجة أن يتفرس في ثقوب المسامير باليدين، ولا تحسس الجنب المفتوح, وإن خالف ذلك كثيرون أيضاً؛ بل إنه, حال ظهور الرب والأبواب مغلقة، أخذ في دهشة، وانفتحت بصيرته في الحال فنطق بما نطق. لقد شعر، والرب أمامه بلحمه وعظامه، بهيئته الجديدة المجيدة وبصوته هو هو، أن كل مطاليب ضعف إيمانه السابق من جهة رؤية أثر المسامير والجروح والجنب المفتوح، هي أتفه من الحقيقة المعلنة أمامه.
‏إن ظهور الرب بحال قيامته كان كفيلاً بأن يغير, لا فكر توما بل روحه وحياته. إن ظهور الرب قوة، فالقيامة هي المجال الإلهي الفائق، الذي إذا دخله الإنسان يفقد رؤيته لنفسه والعالم, وكأنها أقنعة يخلعها ليرى الحقيقة الدائمة ولا يعود يرى نفسه إلا في الله : «ربي والهي».
‏إنه يذكر نفسه بياء الملكية مرتين «ربي وإلهي»، تأكيدا منه أن من يراه واقفاً أمامه، يرى نفسه فيه ويراه هو في نفسه، وكأنه يردد بلسان صاحب شيد الآنشاد: «أنا لحبيبي، وحبيبي لى» (نش3:6‏). إنه تعبير عن إيمان حي محسوس وشخصي. وقول توما للمسيح: «إلهي» إنما يعبر تعبيراً حياً صادقاً منظوراً بالروح لقول الميسح: «الذي رآني فقد رأى الآب.» (يو9:14)
‏لقد صار له المسيح وصار هو للمسيح ، فاستعلن له المسيح في ذاته رباً وإلهاً. لقد تعرف على الله في المسيح، وتعرف على المسيح في الله!!
‏وأخيراً, أدرك توما أن المسيح ليس للمس اليد أو نظر العين!! فهو الملء الذي يملأ الروح والبصيرة والقلب، الملء الذي لا تسعه عين ولا يحيطه فكر.
‏وكان رد المسيح على اعتراف توما: «ربي والهي» أن أمن على إيمانه، موافقاً على إعلانه ‏بلاهوته كمن أصاب الحقيقة بكلمة، فلو لم يكن المسيح إلها بالحق, ما كان قد ارتضى بهذا الإعلان!! ولو لم يكن المسيح والآب واحد، ما رأى توما ما رأى!! لقد رأى توما المسيح كما يريد المسيح نفسه أن يُرى!
اما «ربي» فهي تخص إيمان توما بالمسيح «المعلم» الذي أكل وشرب معه, وها هو واقف أمامه. إنها صرخة المجدلية «ربوني»، تعبر عن إيمان القيامة. وأما «إلهي» فتخصه مستعلناً في حقيقته الأزلية, إذ ارتفع توما بإعلان حازه, به رأى الله فى المسيح! انهأ رؤية حق، للحق، لقد واجه توما المسيح في حقيقة ذاته: «الذى رآنى فقد رأى الآب.» (يو9:14)
‏وهكنداء بقدر ما انحط إيمان توما حتى شك في القيامة، بقدر ما أعطى للقيامة معيارها الإلهي العالي. وهكذا أثمر ظهور الرب للتلميذ الضعيف الإيمان قوة إيمانية باقية تسند الكنيسة على مدى الأزمان.
‏ولكن حذار أن نفهم من هذا أن ظهور الرب لتوما كان ظهور «العيان»، إذ يتحتم أن نفهم أن الظهور الإلهي الذي كان يظهر به المسيح بعد القيامة لم يكن ظهوراً تتحكم فيه العين البشرية وتفحصه. إنه ظهور إعجازي، يحتاج إلى عين روحية مفتوحة، إلى وعي روحي فائق عن وعي الجسد والحواس؛ يحتاج إلى عمل الروح: «وحينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب» (لو45:24). أو القول الآخر الأكثر انطباقاً الذي تم بالحرف الواحد لتلميذي عمواس: ففي الأول كان المسيح سائراً معهم ولم يعرفاه: «ولكن اُمسكت أعينهما عن معرفته» (لو16:24). ولكن، في النهاية، تمت المعجزة من خلال إفخارستيا: «فلما اتكأ معهما، أخذ خبزاً، وبارك، وكسر، وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه, ثم اختفى عنهما.» (لو30:24-31)
‏بهذه الرؤيا وحدها، يمكن التعرف على المسيح كإله، على أساس الآية التي قالها الرب: «الذي يراني يرى الذي أرسلني» (يو45:12). هنا يستحيل أن تكون رؤية العين هي التي ترى من أرسله الرب؛ إنها حتما وبالضرورة رؤية الروح، «الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله» (اكو10:2). وهذه هي رؤية الإيمان، بمعنى رؤية منشؤها التصديق، ونهايتها التعرف على الله في المسيح والمسيح في الله. هنا بلغ توما عن حق رؤية المسيح الإله: «ربي وإلهى».
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
29:20 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى للَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا».

‏أخيراً ظهرت رنة التوبيخ والعتاب في صوت المسيح لتوما؛ لأنه ما كان لائقاً بتلميذ عاشر الرب، وسمع منه أنباء القيامة العتيدة، بل ورأى قوتها عيانأ عند قبر لعازر، مع تنبيه دائم ركز عليه الرب: «قلت لكم قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون» (يو29:14). فلما «كان» ما سبق وأنبأ عنه المسيح، وحدث كما قال، لا آمن توما ولا صدق من رأوا وآمنوا !!
‏لقد شابه توما بطرس في ضعف إيمانه، فذاك صلى المسيح من أجله، حتى لا يفنى بصيص إيمانه الذي كان كفتيلة مدخنة، ودخانها يعمي العيون: «فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف إني لا أعرف هذا الرجل!!» (مت47:26؛ مر71:14). أما هذا، فظهر المسيح له خصيصاً، وأراه جروحه، وأخضعها للمس يده، حتى يصير مؤمناً ولا يكون غير مؤمن بعد!!
‏ولكن شكرأ لك أيها القديس توما، لأن بشكك ورثتا الطوبى، أحسن الطوبى!
‏«أنتم الذين بقوة الله محروسون بإيمان, لخلاص مستعد أن يستعلن في الزمان الأخير، الذي به تبتهجون, مع أنكم الآن إن كان يجب تحزنون يسيراً بتجارب متنوعة ... الذي وان لم ترؤه تحبونه. ذلك, وان كنتم لا ترونه الآن, لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا يُنطق به ومجيد.» (ابط5:1-8)
‏وفي نهاية هذه الآية المجيدة التي ورثتنا الطوبى، نلفت نظر القارىء أنها تحمل بين طياتها عزم المسيح على الأنسحاب الأخير، بحيث لا يراه أحد، بعد، إلا بالإيمان. وهكذا عبر إنجيل القديس يوحنا عن الصعود دون أن يصفه.
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
القصد الأساسي من كتابة إنجيل القديس يوحنا (30:20-31)
30:20 وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ.

‏والآن، وقد أنهى القديس يوحنا إنجيله الذي كشف فيه من الآيات ذات المدلول الإلهي، وخاصة آيات القيامة, رفع عينيه نحو الأفق, نحو مستقبل الأجيال القادمة الذين كتب لهم هذا «الكتاب» بكل صدق الروح وحراسة النعمة، وكتب هذه الكلمات. إنه الآن يخاطبك أيها القارىء السعيد، باعتبارك أنك بُلغت الرسالة.
‏لقد سبق القديس يوحنا وأن وقف هذه الوقفة عينها، ناظراً إلى الماضي بكل آياته ومعجزاته الباهرة، ولكن ليس في غمرة فرح القيامة لبشارة الأمم كما هو هنا الآن، إنما في أسى وحزن، وقد امتد ظل الصليب ليغطي كل الآيات التي صنع، ليلقى عليها مسحة من الجحود والعمى والصمم التي أصابت الأمة المختارة: «ومع أنه كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها, لم يؤمنوا به ليتم قول إشعياء النبي الذي قاله: يا رب من صدق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع الرب. لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا. لأن إشعياء قال أيضأ قد أعمى عيونهم, وأغلظ قلوبهم، لئلا يبصروا بعيونهم, ويشعروا بقلوبهم، ويرجعوا فأشفيهم.» (يو37:12-40)
‏ولكن هنا يسجل لنا القديس يوحنا, كتلميذ أمين ومحبوب، شهادة ذات وزن رسولي وانجيلي، أن الآيات التي صنعها المسيح سواء وسط الشعب في اليهودية أو أورشليم (يو23:2‏) أو الجليل شيء لا يحصره عدد وبوجه خاص يذكر هنا «قدام تلاميذه»، وهو بصدد الظهور للقديس توما، لكي يرفق بها ظهورات الرب بعد القيامة، كنوع هام وممتاز من المعجزات التي اعتبرها آيات تتكلم وتشير إلى لاهوته بلا نزاع. ومعلوم, على وجه العموم، أن المسيح اقتصر ظهوره على تلاميذه بعددهم الرمزي (الاثني عشر)، وأيضاً بعد ذلك بعددهم العام نحو «خمسائة أخ» (1كو3:15-8) معتبراً أن هذه الظهورات كانت آيات تشير كلها وتتكلم عن صحة موته وقيامته، تأكيدا لرسالة الفداء التي أكملها كابن الله المتجسد.
‏ويلاحظ القارىء كيف جعل القديس يوحنا هذه الآية: «وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه»، تأتي ملتحمة بشهادة القديس توما «ربي وإلهى», لكي تصير كنموذج يؤكد به للقارىء القصد من كل الآيات التي اختارها وسجلها: «لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله»، معتبراً أن اعتراف توما بإلوهية المسيح هو المعيار النهائي للانجيل كله.
‏ويعود القديس يوحنا ويذكرنا أن إنجيله الذي كتبه، إنما لا يمثل كل أعمال الرب، بل هو مختارات من آياته قولا وعملا، وكأنما يعتذر القديس يوحنا للقارىء الذي كان يريد أن يطلع على كل أعمال الرب. فهو بصريح العبارة يعترف أنه لم يكتب سيرة المسيح، ولكن اختار للقارىء، الذي يريد أن يؤمن بابن الله ويكون له الحياة الأبدية، ما يكفي لإيمانه. أما بقية أمجاد المسيح وأعماله فهو يتركها للمؤمن لكي يتسلمها من المسيح رأساً، ألم يستلم بولس الرسول ما يكاد أن يكون إنجيلاً بأكمله, ما لم يستلمه الآخرون؟ إذن، يكفي للقديس يوحنا أن يوصلنا إلى المسيح الحي، والباقي يتركه للمسيح الذي حسب قول القديس بولس الذي لم يره: «أحبني وأسلم نفسه لأجلي.» (غل20:2‏)
‏وهذا الأسلوب أيضأ نقرأه للقديس لوقا: «وبأشياء أخر كثيرة كان يعظ الشعب ويبشرهم.» (لو18:3)
‏وفي هذه اللفتة العميقة في نهاية إنجيله، يريد القديس يوحنا أن يسرب إلى وجداننا «غنى المسيح الذي لا يٌستقصى» (أف8:3)، والملء الذي يملأ الكل (أف23:1)، من ذا الذي يستطيع أن يحيط به؟؟
‏والقديس يوحنا بهذا التقرير, إنما يلفت نظرنا إلى استعداد المسيح أن يكمل ويستزيد من الآيات والعلم والمعرفة لمن أصبح مستحقاً للكمال والاستزادة، أليس هو القائل: «إن لي أمورا كثيرة أيضا، لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن» (يو12:16)؟
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
31:20 وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ
‏هدفان أساسيان كانا يعملان في قلب هذا القديس ويملكان عليه كل تفكيره، عندها كان يكتب إنجيله، لكي يخرج بهما القارىء من قراءته:
‏الأول: الإيمان بيسوع أنه هو المسيح ابن الله، وهذا هو جوهر المسيحية.
‏الثاني: وهو مترتب على الأول، أن تكون له حياة أبدية، وهذا هو جوهر الخلاص، فلا مسيحية بدون خلاص.
‏أما الهدف الأول، وهو الإيمان بأن يسوع هو المسيح ابن الله، فاعتبره القديس يوحنا في رسالته الأولى أنه هو غلبة العالم: «من هو الذي يغلب العالم إلا الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله.» (ايو33:16)
‏ما معنى هذا؟ معناه أن العالم بأمجاده وغروره وشهواته قادر ان يبتلع حياة الإنسان, وأنه لا توجد أية قوة أو وسيلة تنقذ الإنسان من طغيان العالم، إلا الإيمان بابن الله! لماذا؟ لأنه هو الذي تجسد وصار إنساناً، وغلب العالم بموته عن العالم: «ثقوا أنا قد غلبت العالم» (يو33:16)
‏وما هي غلبة العالم؟ هي الحصول على الحياة الأبدية مع الله، التي لا يمكن أن يعرفها العالم أو يعطيها. فالمسيح, وهو ابن الله، مات عن العالم وقام حياً, إذ كان لا بد أن يقوم، فافتتح بحياته الحياة الأبدية لكل من يؤمن بموته (يسوع) وقيامته (المسيح ابن الله).
وهكذا، فالهدف الثاني الذي من أجله كتب القديس يوحنا إنجيله: أن «تكون لكم, إذا آمنتم» حياة باسمه». فـ «الإيمان» بالمسيح ابن الله يعمل في شهادته غلبة المسيح عل العالم، يحمل قوة موت المسيح عن العالم، كما يحمل قوة قيامة المسيح من الأموات، أي يحمل الخلاص بكل معناه ومبناه، وبالتالى يحمل حياة المسيح ابن الله التي انفتحت على كل من يؤمن به: «لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.» (يو15:3)
«حياة باسمه»: اسم المسيح حينما ننطقه فهو شهادة واعتراف وصك إيمان وشركة معه بالحب في موته وحياته. واسم الله، بحسب لاهوت العهد القديم, هو الله حاضراً وقائماً وفعالاً. لذلك كان محظوراً أن ينطق اليهودي باسمه، لأن النطق باسم الله هو استدعاء لحضرته, أو بمثابة الدخول في حضرته التي لا يطيقها أي إنسان مهما كان طاهراً. أما اسم المسيح، وهو على التوازي، بل التساوي مع اسم الله، فهو الحامل لحضرة المسيح الحي. ولكن المسيح مات من أجل كل خاطىء ليحييه: «إني أنا حي فأنتم ستحيون» (يو19:14)، لذلك أصبح اسم المسيح الذي يحمل وجوده الشخصي، هو هو الحياة الأبدية.
القديس يوحنا يحاصرنا منذ بدء إنجيله بهذه الحقيقة، حيث يبدأ في تعريفنا بالمسيح، وهو الكلمة اللوغس بقوله: «فيه كانت الحياة»، ولما تجسد وابتدأ «يتكلم»، قال هو عن نفسه: «إن الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة» (يو63:6‏)، ولما تكلم مع الأعمى أبصر، ولما سمع لعازر الميت صوته قام حياً. هذا هو المسيح الذي يقدمه للقارىء في ختام إنجيله: «لكي تكون لكم، إذا أمنتم، حياة باسمه».
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
الصورة الإنجيلية العاهة لظهورات الرب
‏والتسجيلات التي أزدحمت بها أسفار العهد الجديد عن مفردات عقيدة القيامة
بحسب الإيمان الذي ورثته الكنيسة من شهادة الرسل والتلاميذ
حتى كتابة إنجيل يوحنا سنة 95-100 م
وكلها بشهادة شهود، وبالتدرج بحسب التاريخ الزمني تقريباً

1- «ولما قالت هذا، التفتت إلى الوراء، فنظرت يسوع واقفاً ولم تعلم أنه يسوع. فقال لها يسوع: يا أمرأة لماذا تبكين, من تطلبين. فظنت تلك أنه البستاني فقالت له: يا سيد، إن كنت أنت قد حملته، فقل لى أين وضعته، وأنا آخذه. قال لها يسوع: يا مريم. فالتفتت تلك وقالت له: ربوني، الذي تفسيره يا معلم ... فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب, وأنه قال لها هذا.» (يو14:20-18)
+ ظلت حواء تبكي على الفردوس المفقود، وتطلب لنفسها ذلك الفادي الذي يعود بها إلى شجرة الحياة, حتى وُلد لها في المجدل بنت ورثت بكاءها في طلب الفادي. هذه لما رأته رؤيا العين ظنته البستاني، مع أنه هو هو شجرة الحياة بعينها. فناداها باسمها، فعرفت فيه صوت الله. ولما أرادت أن تأخذه لنفسها، أرسلها لتدعو آدم أولاً.

2- «فحيئذ دخل أيضاً التميذ الآخر (يوحنا)، الذي جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن.» (يو8:20)
+ أول إيمان ورثته الكنيسة, ورثته من قلب التلميذ المحبوب. لم ير المسيح، ولم ير الجسد، بل رأى قبراً فارغاً ولفائف ملفوفة بلفتها في مكان الجسد وبوضعه. فأدرك القيامة، قبل أن يرى القائم من الأموات, ووثق بنصرة الحياة على الموت، قبل أن يشهد ويرى ويلمس الحياة التي كانت عند الآب. إيمانه صار إيمان الكنيسة, إيمان الحب والبتولية، إذ جعلت الرهبنة أساساً لها، ولا تزال ترضع من ثدي تعزيات آباء الصحاري، والقيامة هي لنا, كما كانت لهم, حياتنا كلنا ورجاؤنا كلنا.

3- «جاء يسوع، ووقف في الوسط, وقال لهم: سلام لكم. ولما قال هذا، أراهم يديه وجنبه، ففرح التلاميذ، إذ رأوا الرب.» (يو19:20-20)
‏+ أول تسجيل جماعي للقيامة: الكنيسة الأولى بالأحد عشر وُلدت، فاقدة للخائن، فصدق فيها القول أنها بلا عيب كسيدها. ظهور المسيح المُقام ملك لكل من يراه؛ فلا يقول أحد بعد لأخيه اعرف الرب، لأن «الجميع يكونون متعلمين من الله» (راجع يو45:6). أراهم يديه ملآنة جروحاً، ومن الجروح يفيض نبع سرور، وأراهم أيضاً جنبه المفتوح نابعاً منه «نهر صاف من ماء حياة لامعاً كبلور خارجاً من عرش الله والخروف.» (رؤ5:28-10)
‏‏
4- «فأجاب الملاك وقال للمرأتين: لا تخافا أنتما، فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا، لأنه قام كما قال، هلما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعاً فيه، واذهبا سريعاً قولا لتلاميذه إنه قد قام من الأموات ... وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه، إذا يسووع لاقاها، وقال: سلام لكما. فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له. فقال لهما يسروع: لا تخافا، اذهبا قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني.» (مت5:28-10)
+ شهادة الملاك بقيامة الرب تُحدث عن صدى القيامة, كيف أذيعت أولاً في السموات، والنسوة كن أول من تلقين الخبر على الأرض من فم الملاك. امتزج عندهما الخوف بالفرح العظيم، لما علمتا بالقيامة، فمهد الفرح العظيم في قلبيهما لانفتاح أعينهما لرؤية الرب لما لاقاهما. فلما أمسكتا بقدميه كانتا كمن أمسكتا بالحياة الأبدية, وسجدتا, وكان سجودها أول عبادة بالروح قُدمت للمسيح على الأرض. وانطلقت حواء تبشر آدم بالعودة إلى الفردوس.

5- «واذا اثنان منهم كانا منطلقين في ذلك اليوم إلى قرية بعيدة عن أورشليم ستين غلوة اسمها عمواس ... وفيما ها يتكلمان ويتحاوران اقترب اليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما. ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته ... فقال لهما: أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الايمان بجميح ما تكلم به الأنبياء، أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده. ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء، يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب ... فلما اتكأ معهما، أخذ خبزا, وبارك، وكسر، وناولهما, فانفتحت أعينهما, وعرفاه, ثم اختفى عنهما ... فقاما في تلك الساعة (في الغروب) ورجعا إلى أورشليم, ووجدا الأحد عشر مجتمعين هم والذين معهم، وهم يقولون إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان. وأما هما فكانا يخبران بما حدث في الطريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز.» (لو13:24-35)
+ القيامة أنشأت هيئة أخرى جديدة للإنسان تختلف عن هيئته الأولى, لأن نوع الحياة تغيرت, فبيئة الأرض شيء نحن نعلمه, وبيئة القيامة هي السماء. وحواسنا لم تتدرب على معرفة السمائيات بعد، إلا كعطية خاصة.
+ باثنين معاً تصبح الشهادة بقيامة الرب, كانا منطلقين نحو عالم الإنسان، واليأس يملأ قلبيهما، بنية العودة إلى العمل اليومي شبه المائت. قابلهما الرب في منتصف الطريق ليردهما مرة أخرى إلى الصليب والبشارة بقيامته، كانت عبوستهما نوعاً من الغباء الذي تنشئه القراءة في الأسفار دون معرفة وايمان. والقيامة تسير بجوارها على استعداد أن تتجاوزهما، إن هما أبطأ أكثر في غبائهما. ولكن إلحاحهما وتوسلهما ومحبتهما للغرباء واستعداد ضيافتهما, أنقذهما من ابتعاد القيامة عنهما. فلما ألزما القيامة أن تحلق عندهما, حتى في جهلهما بها, حلت، ولم تستعلن نفسها لهما إلا في الإفخارستيا, وفي لحظة القسمة، أي كسر الخبز.
‏والغبيان صارا عالمين بسر الله، والبطيئا الإيمان في القلب انطلقا بالشهادة.

6- «وأما الأحد عشر تلميذاً فانطقوا إلى الجليل إلى الجبل، حيث أمرهم يسوع. ولما رأوه سجدوا له, ولكن بعضهم شكوا. فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دُفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم بام الآب والابن والروح القدس.» (مت16:28-19)
‏‏+ استعلان القيامة ينشىء في الحال عند الإنسان روح عبادة حارة لا تنطفىء، لأنه يسكن القلب: «وان كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنأ فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم» ‏(رو11:8). واستعلان القيامة هو استعلان لسلطان المسيح المتفوق على السماء والأرض. واستعلان سلطان المسيح يتحول في القلب إلى قوة كرازية، تكفي لكرازة جميع الأمم، ولصبغ كل من يؤمن بصبغة الحياة الأبدية.

7- وبعد ثمانية أيام كان تلاميذه أيضأ داخلاً وتوما معهم. فجاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال: سلام لكم. ثم قال لتوما: هات إصبعك إلى هنا، وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً. أجاب توما وقال له: ربي والهي.» (يو26:10-28‏)
+ القيامة أعطت الإنسان الجديد سلطاناً على مغاليق عقل وقلب وباب العالم، وحررته من ‏قيود وقوانين الطبيعة. وغياب القيامة أنشأ الخوف والرعبة في قلب التلاميذ، فالإيمان بالصليب بدون القيامة لا يغير شيئاً من طبيعة الإنسان العتيق.
‏دخول القيامة في القلب الخائف المغلق يعطيه «السلام». توما هو نظير العالم الشكاك. وأصبع الشك إذ تلامس مع إصبع الله في جرح الصليب, أنتج الإيمان بربوبية المسيح. واليد الجاحدة حينما مست الجنت المفتوح, أحست بدم الفداء النازف من القلب المطعون, فحق لها الصراخ بألوهية الفادى.

8- «بعد هذا أظهر أيضاً يسوع نفسه للتلاميذ على بحر طبرية ... فقال لهم يسروع: يا غلمان, ألعل عندكم إداماً (صيد), أجابوه: لا. فقال لهم: ألقوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن, فتجدوا. فألقوا، ولم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السك. فقال ذلك التلميذ الذي كان يسوع يحبه لبطرس: هو الرب ...» (يو1:21-24‏). حينئذ جرى حديث المسيح للقديس بطرس خاصة.
+ واضح أن القيامة هنا تعتمد على فعل فائق من جهة المسيح، يجعل جسده ظاهراً لمن يختاره لكي يراه، رؤية طبيعية بحواسه الطبيعية, وإنما بفعل وسيط من طرف المسيح.
‏القيامه هنا للتلاميذ الحانثين والراجعين إلى مهنتهم القديمة في الصيد, بعد أن قال لهم: هلم أجعلكم صيادين للناس، هي لتوبيخهم وردهم إلى السير المستقيم. فالمركب هي السيرة، والصيد في الشمال هو الأنحراف نحو الخطأ والفشل الذي انتهى بهم إلى الإخفاقالكلى. والصيد على اليمين، هو تعديل المسار لصيد الناس، والكرازة بالذي يلهمهم الصواب، وليس بهواجس الفكر والجري وراء الذات. والصيد الكثير، هو الصيد الروحي. والمئة والثلاث والخمسون سمكة: الثلاث سمكات لليهودية والمائة والخمسون لشعوب الأرض كلها.

9- «الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به إلى اليوم الذي ارتفع فيه، بعدما أوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم، الذين أراهم أيضاً نفسه حياً ببراهين كثيرة، بعدما تألم, وهو يظهر لهم أوبعين يوماُ, ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله...»» (أع1:1-3)
+ القيامة هنا كان لها عملان رئيسيان: الأول استعلان شخصيته القائمة من الأموات ببراهين كثيرة ولمدة طويلة ولأشخاص منتخبين قادرين على الشهادة. والثاني استكمال استعلان الأمور الختصة بملكوت الله التي كان قد أجل التعليم بها.

10- «فينبغي أن الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذي فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج, منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذي ارتفع فيه عنا, يصير واحد منهم شاهداً معنا بقيامته...» (أع21:1-22)
+ واضح هنا أن التلاميذ أحسوا بعظم أهمية الشهادة الكاملة لقيامة الرب كعمل كرازي بالأساس، للكنيسة التي هي عامود الحق وقاعدته المؤسسة على الاثني عشررسولاً. كما أنه واضح، هنا، ذكر الصعود، باعتباره الارتفاع الذي به أنهى المسيح رسالته التعليمية ووجوده المنظور على الأرض الدنيا، كما رأوه بأعينهم.

11- «يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم، كما أنتم أيضاً تعلمون. هذا أخذتموه مُسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق, وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه. الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منه.» (أع22:2-23)
+ هنا يعلن القديس بطرس أن عملية الصلب والموت هي أصلاً خطة موضوعة بمشورة الله, تصوررها النبوات، وكل دقائقها محسوبة حسب علم الله السابق, وكذلك بالضرورة قيامته المرسومة بكل تأكيد. فالله، بعد أن أكمل بالمسيح ابنه عقوبة الموت وأوجاعه على بني الإنسان, فألغى العقوبة، أقام المسيح من الموت الذي لم يكن ممكناً أن يُمسك منه، لأنه حي بالله، فقام منتصراً على عدو الإنسان الأول والأخير الذي هو الموت.

12- «أيها الرجال الإخوة يسوغ أن يقال لكم جهاراً عن رئيس الآباء داود إنه مات ودُفن، وقبره عندنا حتى اليوم. فإذ كان نبيا وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صُلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه، سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه لم تُترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك.» (أع29:2-30‏)
+ ‏¬قول داود: «ولن تدع قدوسك يرى فساداً» لم يكن على داود، لأم داود أكله الدود، ولكن هذه النبوة استعلنت بكل وضوح وقوة في قيامة الرب من الأموات, التي أُعلنت في الحال أن الجسد لم يفسد، فصارت هذه النبةة هي التي تشير إلى القيامة مباشرة، والتي استشهد بها الرسل والتلاميذ بكلمة «حسب الكتب».

13- «ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار، وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه، الذي أقامه الله من الأموات. ونحن شهود لذلك.» (أع14:3-15)
+ هنا القيامة من الأموات جاءت في مواجهة إنكار لقداسة المسيح وبره والتجرؤ الأعمى على قتل من هوفي الحقيقة رئيس الحياة.

14- «إليكم أولأ م اذ أقام الله فتاه يسوع, أرسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره.» (أع26:3)
+ أصبحت قيامة المسيح استمراراً لكرازة المسيح، على مستوى التبكيت للتوبة والرجوع عن الخطية.

15- ‏«وبينما هما يخاطبان الشعب, أقبل عليهما الكهنة وقائد جند الهيكل والصدوقيون, متضجرين من تعليمهما الشعب وندائهما في يسوع بالقيامة من الأموات.» (أع1:4-2)
+ القيامة من الأموات صارت المسامير التي تدق كل يوم في قلب رؤساء الكهنة, وطعنة موجعة ‏في جنب الصدوقيين.

16- «فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل, أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأموات, بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً, هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون، الذي صار رأس الزاوية وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم اخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص.» (أع10:4-12)
+ أول فاعلية ظهرت واستعلنت علنا نتيجة لقيامة المسيح من الأموات، كانت في «قوة اسم» يسوع المسيح، الذي بمجرد أن استدعاه القديس بطرس حلت قوة قيامة المسيح على الأعرج من بطن أمه، قام في الحال ومشى وجرى أمام الناس. فصار معلوماً أن الدعاء باسم المسيح المقام من الأموات, هو بمثابة حضور المسيح شخصياً وبرهان دائم بقيامته. والإيمان بالقيامة، صار القوة الأساسية للكرازة بالعهد الجديد: «وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع, ونعمة عظيمة كانت على جميعهم.» (أع33:4)

17- «إله آبائنا أقام يسيوع, الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة. هذا رفعه الله بيمينه رئيسا ومخلصاً، ليعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا، ونحن شهود له بهذه الأمور, والروح القدس أيضاً الذي أعطاه الله للذين يطيعونه.» (أع30:5-32‏)
+ القيامة التي قامها المسيح بيمين الله، كوعده للأباه، هي في حقيقتها ارتفاع، أي تمجيد لاستعلان رئاسته الكلية والشاملة على السماء والأرض، ولاستعلان قوة الخلاص العامل للتوبة ومغفرة الخطايا التي كان يعيشها التلاميذ ويمارسونها بتفوق.

18- «يسوع الذي من الناصرة، كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس، لأن الله كان معه. ونحن شهود بكل ما فعل في كورة اليهودية وفي أورشليم، الذي أيضاً قتلوه معلقين إياه على خشبة. هذا ‏أقامه الله في اليوم الثالث, وأعطى أن يصير ظاهراً ليس لجميع الشعب» بل لشهود سبق الله فانتخبهم. لنا نحن الذي أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات.» (أع38:10-41)
+ القديس بطرس الرسول يقرر أن القيامة في اليوم الثالث كانت علنية، وصار المسيح ظاهراً، ولكن القيامة انحصرت في أشخاص انتخبهم المسيح ليكونوا شهوداً. هؤلاء أظهر المسيح نفسه لهم؛ ويقرر القديس بطرس أنه هو والتلاميذ أكلوا وشربوا معه بعد قيامته، وذلك إمعاناً في تقرير القيامة الجسدية، وفي حقيقة قيامة «اللحم والعظم»، كما شدد عليها المسيح.

19- «وأقوال الأنبياء التي تُقرأ كل سبت تمموها إذ حكموا عليه، ومع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت، طلبوا من بيلاطق أن يُقتل. ولما تمموا كل ما كُتب عنه أنزلوه عن الخشبة، ووضعوه في قبر. ولكن الله أقامه من الأموات, وظهر أياما كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهوده عند الشعب, ونحن نبشركم بالموعد الذي صار لآبائنا، إن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم، إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضاً فى المزمور الثانى ... أنه أقامه من الأموات غير عتيد أن يعود أيضاً إلى فساد... وأما الذي أقامه الله فلميتر فسادا.» (أع27:13-37‏)
+ قيامة المسيح بجسده وجروحه عليه، أثبتت صدق النبوة أنه قدوس ولم ير فساداُ في القبر، لذلك فقيامته هنا نهائية أبدية، لا يمكن أن الموت يسود عليه قط مرة أخرى. وهذا معناه أنه الآن حى ويبقى حيا إلى الأبد، وذلك لأجلنا «واما أنتم فترونني. إني أنا حي فأنتم ستحيون» (يو18:14). ويشدد بولس الرسول أن المسيح بعد القيامة ظهر أياماً كثيرة للذين اختارهم، ليكونوا شهوداً لدى الشعب والعالم، وبهذا تم وعد الله الذي وعده للآباء ولنا نحن أولادهم.

20- «إن يؤلم المسيح، يكن هو أول قيامة الأموات, مزمعا أن ينادى بنور للشعب وللأمم (أع23:26)
+ القيامة من الأموات تستعلن أن آلامه وموته كانا فدائيين, وهذه أول قيامة حدثت في تاريخ الإنسان، وهدفها إنارة اليهود والعالم.

21- «فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً، أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وأنه دُفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب, وأنه ظهر لصفا, ثم للاثني عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ, أكثرهم باق إلى الآن, ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وأخر الكل كأنه للسقط ظهرلى أنا.» (1كو3:15-8)
+ بولس الرسول يصثف ظهورات الرب هكذا: ظهر أولاً لبطرس، ثم الاثني عشر تلميذاً (ناقص واحد وهو يهوذا)، وهم الأخصاء جدا، ثم ظهر مرة واحدة لخمسمئة من الأخصاء التلاميذ كانوا مجتمعين، وبولس يعرف أكثرهم وربما قابلهم. وبعد ذلك ظهر ليعقوب، وواضح أنه أخو الرب، ثم ظهر لكل الرسل، وواضح أنه ظهر لهم تباعاً وليس مرة واحدة، وأخيرأ ظهر له. ويبدو أن ظهور الرب لبولس الرسول هنا: «أما رأيت الرب» هو غير الرؤية التي رآها وهو في طريقه إلى دمشق. وكان منطوق الاعتراف الإيماني الذي رسخ بالتسليم في الكنيسة الذي استلمه بولس من الرسل، يضم أربع فقرات: أن المسيح مات من أجل خطايانا، وأنه دُفن لثلاثة أيام في القبر، وأنه قام في اليوم الثالث، وأنه ظهر. وهذا الإيمان موقع على نبوات الكتب المقدسة.

22- «ولكن إن كان المسيح يُكرز به أنه قام من الأموات, فكيف يقول قوم بينكم إن ليس قيامة أموات. فإن لم تكن قيامة أموات, فلا يكون المسيح قد قام, وان لم يكن المسيح قد قام, فباطلة كرازتنا وباطل أيضأ إيمانكم, ونوجد نحن أيضاً شهود زور لله, لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح.» (1كو12:15-15)
+ نحن نؤمن بقيامة الأموات، لأن المسيح مات من أجلنا، وليس من أجل نفسه، وقام من أجلنا لأنه هو القيامة وجوهرها؛ وكان لا يمكن أن يبقى في الموت، فقيامة المسيح هي قيامتنا. فإن كنا لا نقوم، يكون هذا معناه أن المسيح لم يقم من الموت، وهذا تجديف على المسيح, وتكذيب للرسل، ولكل الذين شهدوا بقيامته.

23- «وتعين ابن الله، بقوة, من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات؛ يسوع المسيح ربنا» (رو4:1‏)
+ القيامة من الأموات استعلنت الروح القدس الذي أقامه، والروح القدس بالتالى استعلن حقيقة بنوته لله التي كرز بها.

24- «بل من أجلنا نحن أيضاً، الذين سيُحسب لنا (برا), الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات, الذي أُسلم من أجل خطايانا، وأقيم لأجل تبريرنا.» (رو24:4-25)
+ كل من يؤمن بموت المسيح، يُرفع عنه ثقل خطاياه, وكل من يؤمن بقيامته بقوة الله يتبرر، كما آمن إبراهيم بأمر الله, فقدم ابنه للموت على أساس أن الله قادر أن يقيمه من الموت، فحسب الله له إيمانه برا.

25- «وان كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم, فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم.» (رو11:8)
+ روح القيامة الذي كان في المسيح وهبه المسيح ليسكن فينا فيقيمنا من الموت

26- «والله قد أقام الرب وسيقيمنا نحن أيضاً بقوته.» (اكو14:6)
+ الله أقام المسيح بقوة خاصة خُصصت من أجلنا.

27- «عالمين أن الذي أقام الرب يسوع، سيقيما نحن أيضاً بيسوع ويُحضرنا معكم.» (2كو14:4)
+ القوة الإلهية التي أقامت جسد المسيح من بين الأموات، هي الآن عاملة فيا بالإيمان بالمسيح.

28- «وهو مات لأجل الجميع, لي يعيش الأحياء فيما بعد, لا لأنفسهم, بل للذي مات لأجلهم وقام.» (2كو15:5‏)
+ كنا نعيش كأموات للخطية، فمات لأجلنا لنعيش كأحياء له.

29- «لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش, لكي يسود علي الأحياء والأموات.» (9:14)
+ كان الأموات في الخطية أحراراً من المسيح، فلما مات المسيح من أجل الخطاة ملك على الأموات ليحييهم.

30- «لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام, فكذلك الراقدون بيسوع, سيحضرهم أيضاً معه.» (1تس14:4)
+ الذين ماتوا فى الإيمان بالمسيح، هم الآن أحياء معه وسيظهرون معه .

31- ‏«إن كنتم قد قمتم مع المسيح, فاطلبوا ما فوق, حيث المسيح جالس عن يمين الله» (كو1:3)
+ الذين يؤمنون بقيامة المسيح وجلوسه عن يمين الله، ارتبطت قلوبهم به.

32- «الذي مثاله (مثال فلك نوح) يُخلصنا نحن الآن, أي المعمودية, لا إزالة وسخ الجسد، بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح الذي هو في يمين الله, إذ قد مضى إلى السماء وملائكة وسلاطين وقوات مُخضعة له» (ابط21:3-22)
+ المعمودية أساسها دم المسيح الذي يطهر ضمير الإنسان تجاه الله, لأن المسيح دخل إلى الأقداس العليا ودمه علبه.

33- «اذكر يسوع المسيح المُقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي.» (اتي8:2)
+ ذكر قيامة المسيح بصورة منطبعة على القلب والذهن، هي أساس الحياة الجديدة للإنسان.

34- «واله السلام الذي أقام من الأموات راعي الخراف العظيم ربنا يسوع بدم العهد الأبدي.....» (عب20:13)
+ الله أقام المسيح بصفته الراعي ورئيس الكهنة الأعظم، أقامه ودمه عليه كعهد جديد أبدي للسلام بين الله والإنسان.
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
28:20 أَجَابَ تُومَا: «رَبِّي وَإِلَهِي».

«هو يدعو باسمى. وأنا أجيبه. أقول هو شعبي, وهو يقول الرب إلهي» (زك9:13)
‏هذا الخطاب الموجه للمسيح رأساً من القديس توما هو، نصاً وحرفاً، نفس الخطاب الموجه من أي إسرائيلي نحو يهوه الله. وهكذا بلغ الإنجيل بالفعل والقول إلى أقصى ما عبر عنه المسيح أن يكون: «لكي يكرم الجميع الابن، كما يكرمون الآب» (يو23:5). وتم بالفعل قول المسيح الذي قال: «فقال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان, ‏فحينئذ تفهمون أني أنا هو(يو28:8)
‏إن نطق القديس توما: «ربي والهي» يكون قد وقع على المنظور الحي ما قاله القديس يوحنا في رؤياه للكلمة «وكان الكلمة الله».
‏هذه هى قمة الاستعلانات التي تتبعها هذا الإنجيلي الدقيق الدؤوب. إنها قمة إنجيل القديس يوحنا، التي ما أن بلغها هذا القديس، حتى تنفس الصعدا، وأرخى الفكر وسجل الخاتمة: «وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تُكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه.» (يو30:20-31)
والذي يزيد من قيمة هذا الاستعلان الذي استلهمه القديس توما من رؤية الرب المقام, أنه يأتي بعد أسبوع كامل من عذاب الشك وليل الظنون. فهو وان تاخر عن التلاميذ ثمانية أيام في التعرف على القيامة وتصديقها، إلا أنه سجل للكنيسة أول اعتراف علني بألوهية المسيح، خرج منه بتلقائية تعبر عن الحق الذي رآه كاعتراف إيمان بلغ الذروة, ليس في كل الإناجيل ما يضاهيه.
‏يتفق معظم الشراح في أن القديس توما لم يمد يده نحو الجسد المقدس، ولم يكن في حاجة أن يتفرس في ثقوب المسامير باليدين، ولا تحسس الجنب المفتوح, وإن خالف ذلك كثيرون أيضاً؛ بل إنه, حال ظهور الرب والأبواب مغلقة، أخذ في دهشة، وانفتحت بصيرته في الحال فنطق بما نطق. لقد شعر، والرب أمامه بلحمه وعظامه، بهيئته الجديدة المجيدة وبصوته هو هو، أن كل مطاليب ضعف إيمانه السابق من جهة رؤية أثر المسامير والجروح والجنب المفتوح، هي أتفه من الحقيقة المعلنة أمامه.
‏إن ظهور الرب بحال قيامته كان كفيلاً بأن يغير, لا فكر توما بل روحه وحياته. إن ظهور الرب قوة، فالقيامة هي المجال الإلهي الفائق، الذي إذا دخله الإنسان يفقد رؤيته لنفسه والعالم, وكأنها أقنعة يخلعها ليرى الحقيقة الدائمة ولا يعود يرى نفسه إلا في الله : «ربي والهي».
‏إنه يذكر نفسه بياء الملكية مرتين «ربي وإلهي»، تأكيدا منه أن من يراه واقفاً أمامه، يرى نفسه فيه ويراه هو في نفسه، وكأنه يردد بلسان صاحب شيد الآنشاد: «أنا لحبيبي، وحبيبي لى» (نش3:6‏). إنه تعبير عن إيمان حي محسوس وشخصي. وقول توما للمسيح: «إلهي» إنما يعبر تعبيراً حياً صادقاً منظوراً بالروح لقول الميسح: «الذي رآني فقد رأى الآب.» (يو9:14)
‏لقد صار له المسيح وصار هو للمسيح ، فاستعلن له المسيح في ذاته رباً وإلهاً. لقد تعرف على الله في المسيح، وتعرف على المسيح في الله!!
‏وأخيراً, أدرك توما أن المسيح ليس للمس اليد أو نظر العين!! فهو الملء الذي يملأ الروح والبصيرة والقلب، الملء الذي لا تسعه عين ولا يحيطه فكر.
‏وكان رد المسيح على اعتراف توما: «ربي والهي» أن أمن على إيمانه، موافقاً على إعلانه ‏بلاهوته كمن أصاب الحقيقة بكلمة، فلو لم يكن المسيح إلها بالحق, ما كان قد ارتضى بهذا الإعلان!! ولو لم يكن المسيح والآب واحد، ما رأى توما ما رأى!! لقد رأى توما المسيح كما يريد المسيح نفسه أن يُرى!
اما «ربي» فهي تخص إيمان توما بالمسيح «المعلم» الذي أكل وشرب معه, وها هو واقف أمامه. إنها صرخة المجدلية «ربوني»، تعبر عن إيمان القيامة. وأما «إلهي» فتخصه مستعلناً في حقيقته الأزلية, إذ ارتفع توما بإعلان حازه, به رأى الله فى المسيح! انهأ رؤية حق، للحق، لقد واجه توما المسيح في حقيقة ذاته: «الذى رآنى فقد رأى الآب.» (يو9:14)
‏وهكنداء بقدر ما انحط إيمان توما حتى شك في القيامة، بقدر ما أعطى للقيامة معيارها الإلهي العالي. وهكذا أثمر ظهور الرب للتلميذ الضعيف الإيمان قوة إيمانية باقية تسند الكنيسة على مدى الأزمان.
‏ولكن حذار أن نفهم من هذا أن ظهور الرب لتوما كان ظهور «العيان»، إذ يتحتم أن نفهم أن الظهور الإلهي الذي كان يظهر به المسيح بعد القيامة لم يكن ظهوراً تتحكم فيه العين البشرية وتفحصه. إنه ظهور إعجازي، يحتاج إلى عين روحية مفتوحة، إلى وعي روحي فائق عن وعي الجسد والحواس؛ يحتاج إلى عمل الروح: «وحينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب» (لو45:24). أو القول الآخر الأكثر انطباقاً الذي تم بالحرف الواحد لتلميذي عمواس: ففي الأول كان المسيح سائراً معهم ولم يعرفاه: «ولكن اُمسكت أعينهما عن معرفته» (لو16:24). ولكن، في النهاية، تمت المعجزة من خلال إفخارستيا: «فلما اتكأ معهما، أخذ خبزاً، وبارك، وكسر، وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه, ثم اختفى عنهما.» (لو30:24-31)
‏بهذه الرؤيا وحدها، يمكن التعرف على المسيح كإله، على أساس الآية التي قالها الرب: «الذي يراني يرى الذي أرسلني» (يو45:12). هنا يستحيل أن تكون رؤية العين هي التي ترى من أرسله الرب؛ إنها حتما وبالضرورة رؤية الروح، «الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله» (اكو10:2). وهذه هي رؤية الإيمان، بمعنى رؤية منشؤها التصديق، ونهايتها التعرف على الله في المسيح والمسيح في الله. هنا بلغ توما عن حق رؤية المسيح الإله: «ربي وإلهى».
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
29:20 قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى للَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا».

‏أخيراً ظهرت رنة التوبيخ والعتاب في صوت المسيح لتوما؛ لأنه ما كان لائقاً بتلميذ عاشر الرب، وسمع منه أنباء القيامة العتيدة، بل ورأى قوتها عيانأ عند قبر لعازر، مع تنبيه دائم ركز عليه الرب: «قلت لكم قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون» (يو29:14). فلما «كان» ما سبق وأنبأ عنه المسيح، وحدث كما قال، لا آمن توما ولا صدق من رأوا وآمنوا !!
‏لقد شابه توما بطرس في ضعف إيمانه، فذاك صلى المسيح من أجله، حتى لا يفنى بصيص إيمانه الذي كان كفتيلة مدخنة، ودخانها يعمي العيون: «فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف إني لا أعرف هذا الرجل!!» (مت47:26؛ مر71:14). أما هذا، فظهر المسيح له خصيصاً، وأراه جروحه، وأخضعها للمس يده، حتى يصير مؤمناً ولا يكون غير مؤمن بعد!!
‏ولكن شكرأ لك أيها القديس توما، لأن بشكك ورثتا الطوبى، أحسن الطوبى!
‏«أنتم الذين بقوة الله محروسون بإيمان, لخلاص مستعد أن يستعلن في الزمان الأخير، الذي به تبتهجون, مع أنكم الآن إن كان يجب تحزنون يسيراً بتجارب متنوعة ... الذي وان لم ترؤه تحبونه. ذلك, وان كنتم لا ترونه الآن, لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا يُنطق به ومجيد.» (ابط5:1-8)
‏وفي نهاية هذه الآية المجيدة التي ورثتنا الطوبى، نلفت نظر القارىء أنها تحمل بين طياتها عزم المسيح على الأنسحاب الأخير، بحيث لا يراه أحد، بعد، إلا بالإيمان. وهكذا عبر إنجيل القديس يوحنا عن الصعود دون أن يصفه.
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
القصد الأساسي من كتابة إنجيل القديس يوحنا
30:20 وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ.


والآن، وقد أنهى القديس يوحنا إنجيله الذي كشف فيه من الآيات ذات المدلول الإلهي، وخاصة آيات القيامة, رفع عينيه نحو الأفق, نحو مستقبل الأجيال القادمة الذين كتب لهم هذا «الكتاب» بكل صدق الروح وحراسة النعمة، وكتب هذه الكلمات. إنه الآن يخاطبك أيها القارىء السعيد، باعتبارك أنك بُلغت الرسالة.
‏لقد سبق القديس يوحنا وأن وقف هذه الوقفة عينها، ناظراً إلى الماضي بكل آياته ومعجزاته الباهرة، ولكن ليس في غمرة فرح القيامة لبشارة الأمم كما هو هنا الآن، إنما في أسى وحزن، وقد امتد ظل الصليب ليغطي كل الآيات التي صنع، ليلقى عليها مسحة من الجحود والعمى والصمم التي أصابت الأمة المختارة: «ومع أنه كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها, لم يؤمنوا به ليتم قول إشعياء النبي الذي قاله: يا رب من صدق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع الرب. لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا. لأن إشعياء قال أيضأ قد أعمى عيونهم, وأغلظ قلوبهم، لئلا يبصروا بعيونهم, ويشعروا بقلوبهم، ويرجعوا فأشفيهم.» (يو37:12-40)
‏ولكن هنا يسجل لنا القديس يوحنا, كتلميذ أمين ومحبوب، شهادة ذات وزن رسولي وانجيلي، أن الآيات التي صنعها المسيح سواء وسط الشعب في اليهودية أو أورشليم (يو23:2‏) أو الجليل شيء لا يحصره عدد وبوجه خاص يذكر هنا «قدام تلاميذه»، وهو بصدد الظهور للقديس توما، لكي يرفق بها ظهورات الرب بعد القيامة، كنوع هام وممتاز من المعجزات التي اعتبرها آيات تتكلم وتشير إلى لاهوته بلا نزاع. ومعلوم, على وجه العموم، أن المسيح اقتصر ظهوره على تلاميذه بعددهم الرمزي (الاثني عشر)، وأيضاً بعد ذلك بعددهم العام نحو «خمسائة أخ» (1كو3:15-8) معتبراً أن هذه الظهورات كانت آيات تشير كلها وتتكلم عن صحة موته وقيامته، تأكيدا لرسالة الفداء التي أكملها كابن الله المتجسد.
‏ويلاحظ القارىء كيف جعل القديس يوحنا هذه الآية: «وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه»، تأتي ملتحمة بشهادة القديس توما «ربي وإلهى», لكي تصير كنموذج يؤكد به للقارىء القصد من كل الآيات التي اختارها وسجلها: «لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله»، معتبراً أن اعتراف توما بإلوهية المسيح هو المعيار النهائي للانجيل كله.
‏ويعود القديس يوحنا ويذكرنا أن إنجيله الذي كتبه، إنما لا يمثل كل أعمال الرب، بل هو مختارات من آياته قولا وعملا، وكأنما يعتذر القديس يوحنا للقارىء الذي كان يريد أن يطلع على كل أعمال الرب. فهو بصريح العبارة يعترف أنه لم يكتب سيرة المسيح، ولكن اختار للقارىء، الذي يريد أن يؤمن بابن الله ويكون له الحياة الأبدية، ما يكفي لإيمانه. أما بقية أمجاد المسيح وأعماله فهو يتركها للمؤمن لكي يتسلمها من المسيح رأساً، ألم يستلم بولس الرسول ما يكاد أن يكون إنجيلاً بأكمله, ما لم يستلمه الآخرون؟ إذن، يكفي للقديس يوحنا أن يوصلنا إلى المسيح الحي، والباقي يتركه للمسيح الذي حسب قول القديس بولس الذي لم يره: «أحبني وأسلم نفسه لأجلي.» (غل20:2‏)
‏وهذا الأسلوب أيضأ نقرأه للقديس لوقا: «وبأشياء أخر كثيرة كان يعظ الشعب ويبشرهم.» (لو18:3)
‏وفي هذه اللفتة العميقة في نهاية إنجيله، يريد القديس يوحنا أن يسرب إلى وجداننا «غنى المسيح الذي لا يٌستقصى» (أف8:3)، والملء الذي يملأ الكل (أف23:1)، من ذا الذي يستطيع أن يحيط به؟؟
‏والقديس يوحنا بهذا التقرير, إنما يلفت نظرنا إلى استعداد المسيح أن يكمل ويستزيد من الآيات والعلم والمعرفة لمن أصبح مستحقاً للكمال والاستزادة، أليس هو القائل: «إن لي أمورا كثيرة أيضا، لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن» (يو12:16)؟
 
التعديل الأخير:

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
31:20 وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ

‏هدفان أساسيان كانا يعملان في قلب هذا القديس ويملكان عليه كل تفكيره، عندها كان يكتب إنجيله، لكي يخرج بهما القارىء من قراءته:
‏الأول: الإيمان بيسوع أنه هو المسيح ابن الله، وهذا هو جوهر المسيحية.
‏الثاني: وهو مترتب على الأول، أن تكون له حياة أبدية، وهذا هو جوهر الخلاص، فلا مسيحية بدون خلاص.
‏أما الهدف الأول، وهو الإيمان بأن يسوع هو المسيح ابن الله، فاعتبره القديس يوحنا في رسالته الأولى أنه هو غلبة العالم: «من هو الذي يغلب العالم إلا الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله.» (ايو33:16)
‏ما معنى هذا؟ معناه أن العالم بأمجاده وغروره وشهواته قادر ان يبتلع حياة الإنسان, وأنه لا توجد أية قوة أو وسيلة تنقذ الإنسان من طغيان العالم، إلا الإيمان بابن الله! لماذا؟ لأنه هو الذي تجسد وصار إنساناً، وغلب العالم بموته عن العالم: «ثقوا أنا قد غلبت العالم» (يو33:16)
‏وما هي غلبة العالم؟ هي الحصول على الحياة الأبدية مع الله، التي لا يمكن أن يعرفها العالم أو يعطيها. فالمسيح, وهو ابن الله، مات عن العالم وقام حياً, إذ كان لا بد أن يقوم، فافتتح بحياته الحياة الأبدية لكل من يؤمن بموته (يسوع) وقيامته (المسيح ابن الله).
وهكذا، فالهدف الثاني الذي من أجله كتب القديس يوحنا إنجيله: أن «تكون لكم, إذا آمنتم» حياة باسمه». فـ «الإيمان» بالمسيح ابن الله يعمل في شهادته غلبة المسيح عل العالم، يحمل قوة موت المسيح عن العالم، كما يحمل قوة قيامة المسيح من الأموات، أي يحمل الخلاص بكل معناه ومبناه، وبالتالى يحمل حياة المسيح ابن الله التي انفتحت على كل من يؤمن به: «لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.» (يو15:3)
«حياة باسمه»: اسم المسيح حينما ننطقه فهو شهادة واعتراف وصك إيمان وشركة معه بالحب في موته وحياته. واسم الله، بحسب لاهوت العهد القديم, هو الله حاضراً وقائماً وفعالاً. لذلك كان محظوراً أن ينطق اليهودي باسمه، لأن النطق باسم الله هو استدعاء لحضرته, أو بمثابة الدخول في حضرته التي لا يطيقها أي إنسان مهما كان طاهراً. أما اسم المسيح، وهو على التوازي، بل التساوي مع اسم الله، فهو الحامل لحضرة المسيح الحي. ولكن المسيح مات من أجل كل خاطىء ليحييه: «إني أنا حي فأنتم ستحيون» (يو19:14)، لذلك أصبح اسم المسيح الذي يحمل وجوده الشخصي، هو هو الحياة الأبدية.
القديس يوحنا يحاصرنا منذ بدء إنجيله بهذه الحقيقة، حيث يبدأ في تعريفنا بالمسيح، وهو الكلمة اللوغس بقوله: «فيه كانت الحياة»، ولما تجسد وابتدأ «يتكلم»، قال هو عن نفسه: «إن الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة» (يو63:6‏)، ولما تكلم مع الأعمى أبصر، ولما سمع لعازر الميت صوته قام حياً. هذا هو المسيح الذي يقدمه للقارىء في ختام إنجيله: «لكي تكون لكم، إذا أمنتم، حياة باسمه».
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
الصورة الإنجيلية العاهة لظهورات الرب ‏والتسجيلات التي أزدحمت بها أسفار العهد الجديد عن مفردات عقيدة القيامة بحسب الإيمان الذي ورثته الكنيسة من شهادة الرسل والتلاميذ حتى كتابة إنجيل يوحنا سنة 95-100 م وكلها بشهادة شهود، وبالتدرج بحسب التاريخ الزمني تقريباً

1- «ولما قالت هذا، التفتت إلى الوراء، فنظرت يسوع واقفاً ولم تعلم أنه يسوع. فقال لها يسوع: يا أمرأة لماذا تبكين, من تطلبين. فظنت تلك أنه البستاني فقالت له: يا سيد، إن كنت أنت قد حملته، فقل لى أين وضعته، وأنا آخذه. قال لها يسوع: يا مريم. فالتفتت تلك وقالت له: ربوني، الذي تفسيره يا معلم ... فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب, وأنه قال لها هذا.» (يو14:20-18)
+ ظلت حواء تبكي على الفردوس المفقود، وتطلب لنفسها ذلك الفادي الذي يعود بها إلى شجرة الحياة, حتى وُلد لها في المجدل بنت ورثت بكاءها في طلب الفادي. هذه لما رأته رؤيا العين ظنته البستاني، مع أنه هو هو شجرة الحياة بعينها. فناداها باسمها، فعرفت فيه صوت الله. ولما أرادت أن تأخذه لنفسها، أرسلها لتدعو آدم أولاً.
2- «فحيئذ دخل أيضاً التميذ الآخر (يوحنا)، الذي جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن.» (يو8:20)
+ أول إيمان ورثته الكنيسة, ورثته من قلب التلميذ المحبوب. لم ير المسيح، ولم ير الجسد، بل رأى قبراً فارغاً ولفائف ملفوفة بلفتها في مكان الجسد وبوضعه. فأدرك القيامة، قبل أن يرى القائم من الأموات, ووثق بنصرة الحياة على الموت، قبل أن يشهد ويرى ويلمس الحياة التي كانت عند الآب. إيمانه صار إيمان الكنيسة, إيمان الحب والبتولية، إذ جعلت الرهبنة أساساً لها، ولا تزال ترضع من ثدي تعزيات آباء الصحاري، والقيامة هي لنا, كما كانت لهم, حياتنا كلنا ورجاؤنا كلنا.
‏3- «جاء يسوع، ووقف في الوسط, وقال لهم: سلام لكم. ولما قال هذا، أراهم يديه وجنبه، ففرح التلاميذ، إذ رأوا الرب.» (يو19:20-20)
‏+ أول تسجيل جماعي للقيامة: الكنيسة الأولى بالأحد عشر وُلدت، فاقدة للخائن، فصدق فيها القول أنها بلا عيب كسيدها. ظهور المسيح المُقام ملك لكل من يراه؛ فلا يقول أحد بعد لأخيه اعرف الرب، لأن «الجميع يكونون متعلمين من الله» (راجع يو45:6). أراهم يديه ملآنة جروحاً، ومن الجروح يفيض نبع سرور، وأراهم أيضاً جنبه المفتوح نابعاً منه «نهر صاف من ماء حياة لامعاً كبلور خارجاً من عرش الله والخروف.» (رؤ5:28-10)
‏‏4- «فأجاب الملاك وقال للمرأتين: لا تخافا أنتما، فإني أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب. ليس هو ههنا، لأنه قام كما قال، هلما انظرا الموضع الذي كان الرب مضطجعاً فيه، واذهبا سريعاً قولا لتلاميذه إنه قد قام من الأموات ... وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه، إذا يسووع لاقاها، وقال: سلام لكما. فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له. فقال لهما يسروع: لا تخافا، اذهبا قولا لإخوتي أن يذهبوا إلى الجليل وهناك يرونني.» (مت5:28-10)
+ شهادة الملاك بقيامة الرب تُحدث عن صدى القيامة, كيف أذيعت أولاً في السموات، والنسوة كن أول من تلقين الخبر على الأرض من فم الملاك. امتزج عندهما الخوف بالفرح العظيم، لما علمتا بالقيامة، فمهد الفرح العظيم في قلبيهما لانفتاح أعينهما لرؤية الرب لما لاقاهما. فلما أمسكتا بقدميه كانتا كمن أمسكتا بالحياة الأبدية, وسجدتا, وكان سجودها أول عبادة بالروح قُدمت للمسيح على الأرض. وانطلقت حواء تبشر آدم بالعودة إلى الفردوس.
5- «واذا اثنان منهم كانا منطلقين في ذلك اليوم إلى قرية بعيدة عن أورشليم ستين غلوة اسمها عمواس ... وفيما ها يتكلمان ويتحاوران اقترب اليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما. ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته ... فقال لهما: أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الايمان بجميح ما تكلم به الأنبياء، أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده. ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء، يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب ... فلما اتكأ معهما، أخذ خبزا, وبارك، وكسر، وناولهما, فانفتحت أعينهما, وعرفاه, ثم اختفى عنهما ... فقاما في تلك الساعة (في الغروب) ورجعا إلى أورشليم, ووجدا الأحد عشر مجتمعين هم والذين معهم، وهم يقولون إن الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان. وأما هما فكانا يخبران بما حدث في الطريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز.» (لو13:24-35)
+ القيامة أنشأت هيئة أخرى جديدة للإنسان تختلف عن هيئته الأولى, لأن نوع الحياة تغيرت, فبيئة الأرض شيء نحن نعلمه, وبيئة القيامة هي السماء. وحواسنا لم تتدرب على معرفة السمائيات بعد، إلا كعطية خاصة.
+ باثنين معاً تصبح الشهادة بقيامة الرب, كانا منطلقين نحو عالم الإنسان، واليأس يملأ قلبيهما، بنية العودة إلى العمل اليومي شبه المائت. قابلهما الرب في منتصف الطريق ليردهما مرة أخرى إلى الصليب والبشارة بقيامته، كانت عبوستهما نوعاً من الغباء الذي تنشئه القراءة في الأسفار دون معرفة وايمان. والقيامة تسير بجوارها على استعداد أن تتجاوزهما، إن هما أبطأ أكثر في غبائهما. ولكن إلحاحهما وتوسلهما ومحبتهما للغرباء واستعداد ضيافتهما, أنقذهما من ابتعاد القيامة عنهما. فلما ألزما القيامة أن تحلق عندهما, حتى في جهلهما بها, حلت، ولم تستعلن نفسها لهما إلا في الإفخارستيا, وفي لحظة القسمة، أي كسر الخبز.
‏والغبيان صارا عالمين بسر الله، والبطيئا الإيمان في القلب انطلقا بالشهادة.
6- «وأما الأحد عشر تلميذاً فانطقوا إلى الجليل إلى الجبل، حيث أمرهم يسوع. ولما رأوه سجدوا له, ولكن بعضهم شكوا. فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دُفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم بام الآب والابن والروح القدس.» (مت16:28-19)
‏‏+ استعلان القيامة ينشىء في الحال عند الإنسان روح عبادة حارة لا تنطفىء، لأنه يسكن القلب: «وان كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنأ فيكم، فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم» ‏(رو11:8). واستعلان القيامة هو استعلان لسلطان المسيح المتفوق على السماء والأرض. واستعلان سلطان المسيح يتحول في القلب إلى قوة كرازية، تكفي لكرازة جميع الأمم، ولصبغ كل من يؤمن بصبغة الحياة الأبدية.
7- وبعد ثمانية أيام كان تلاميذه أيضأ داخلاً وتوما معهم. فجاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال: سلام لكم. ثم قال لتوما: هات إصبعك إلى هنا، وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً. أجاب توما وقال له: ربي والهي.» (يو26:10-28‏)
+ القيامة أعطت الإنسان الجديد سلطاناً على مغاليق عقل وقلب وباب العالم، وحررته من ‏قيود وقوانين الطبيعة. وغياب القيامة أنشأ الخوف والرعبة في قلب التلاميذ، فالإيمان بالصليب بدون القيامة لا يغير شيئاً من طبيعة الإنسان العتيق.
‏دخول القيامة في القلب الخائف المغلق يعطيه «السلام». توما هو نظير العالم الشكاك. وأصبع الشك إذ تلامس مع إصبع الله في جرح الصليب, أنتج الإيمان بربوبية المسيح. واليد الجاحدة حينما مست الجنت المفتوح, أحست بدم الفداء النازف من القلب المطعون, فحق لها الصراخ بألوهية الفادى.
8- «بعد هذا أظهر أيضاً يسوع نفسه للتلاميذ على بحر طبرية ... فقال لهم يسروع: يا غلمان, ألعل عندكم إداماً (صيد), أجابوه: لا. فقال لهم: ألقوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن, فتجدوا. فألقوا، ولم يعودوا يقدرون أن يجذبوها من كثرة السك. فقال ذلك التلميذ الذي كان يسوع يحبه لبطرس: هو الرب ...» (يو1:21-24‏). حينئذ جرى حديث المسيح للقديس بطرس خاصة.
+ واضح أن القيامة هنا تعتمد على فعل فائق من جهة المسيح، يجعل جسده ظاهراً لمن يختاره لكي يراه، رؤية طبيعية بحواسه الطبيعية, وإنما بفعل وسيط من طرف المسيح.
‏القيامه هنا للتلاميذ الحانثين والراجعين إلى مهنتهم القديمة في الصيد, بعد أن قال لهم: هلم أجعلكم صيادين للناس، هي لتوبيخهم وردهم إلى السير المستقيم. فالمركب هي السيرة، والصيد في الشمال هو الأنحراف نحو الخطأ والفشل الذي انتهى بهم إلى الإخفاقالكلى. والصيد على اليمين، هو تعديل المسار لصيد الناس، والكرازة بالذي يلهمهم الصواب، وليس بهواجس الفكر والجري وراء الذات. والصيد الكثير، هو الصيد الروحي. والمئة والثلاث والخمسون سمكة: الثلاث سمكات لليهودية والمائة والخمسون لشعوب الأرض كلها.
9- «الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به إلى اليوم الذي ارتفع فيه، بعدما أوصى بالروح القدس الرسل الذين اختارهم، الذين أراهم أيضاً نفسه حياً ببراهين كثيرة، بعدما تألم, وهو يظهر لهم أوبعين يوماُ, ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله...»» (أع1:1-3)
+ القيامة هنا كان لها عملان رئيسيان: الأول استعلان شخصيته القائمة من الأموات ببراهين كثيرة ولمدة طويلة ولأشخاص منتخبين قادرين على الشهادة. والثاني استكمال استعلان الأمور الختصة بملكوت الله التي كان قد أجل التعليم بها.
10- «فينبغي أن الرجال الذين اجتمعوا معنا كل الزمان الذي فيه دخل إلينا الرب يسوع وخرج, منذ معمودية يوحنا إلى اليوم الذي ارتفع فيه عنا, يصير واحد منهم شاهداً معنا بقيامته...» (أع21:1-22)
+ واضح هنا أن التلاميذ أحسوا بعظم أهمية الشهادة الكاملة لقيامة الرب كعمل كرازي بالأساس، للكنيسة التي هي عامود الحق وقاعدته المؤسسة على الاثني عشررسولاً. كما أنه واضح، هنا، ذكر الصعود، باعتباره الارتفاع الذي به أنهى المسيح رسالته التعليمية ووجوده المنظور على الأرض الدنيا، كما رأوه بأعينهم.
11- «يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم، كما أنتم أيضاً تعلمون. هذا أخذتموه مُسلماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق, وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه. الذي أقامه الله ناقضاً أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يُمسك منه.» (أع22:2-23)
+ هنا يعلن القديس بطرس أن عملية الصلب والموت هي أصلاً خطة موضوعة بمشورة الله, تصوررها النبوات، وكل دقائقها محسوبة حسب علم الله السابق, وكذلك بالضرورة قيامته المرسومة بكل تأكيد. فالله، بعد أن أكمل بالمسيح ابنه عقوبة الموت وأوجاعه على بني الإنسان, فألغى العقوبة، أقام المسيح من الموت الذي لم يكن ممكناً أن يُمسك منه، لأنه حي بالله، فقام منتصراً على عدو الإنسان الأول والأخير الذي هو الموت.
12- «أيها الرجال الإخوة يسوغ أن يقال لكم جهاراً عن رئيس الآباء داود إنه مات ودُفن، وقبره عندنا حتى اليوم. فإذ كان نبيا وعلم أن الله حلف له بقسم أنه من ثمرة صُلبه يقيم المسيح حسب الجسد ليجلس على كرسيه، سبق فرأى وتكلم عن قيامة المسيح أنه لم تُترك نفسه في الهاوية ولا رأى جسده فساداً. فيسوع هذا أقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك.» (أع29:2-30‏)
+ ‏¬قول داود: «ولن تدع قدوسك يرى فساداً» لم يكن على داود، لأم داود أكله الدود، ولكن هذه النبوة استعلنت بكل وضوح وقوة في قيامة الرب من الأموات, التي أُعلنت في الحال أن الجسد لم يفسد، فصارت هذه النبةة هي التي تشير إلى القيامة مباشرة، والتي استشهد بها الرسل والتلاميذ بكلمة «حسب الكتب».
13- «ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار، وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل. ورئيس الحياة قتلتموه، الذي أقامه الله من الأموات. ونحن شهود لذلك.» (أع14:3-15)
+ هنا القيامة من الأموات جاءت في مواجهة إنكار لقداسة المسيح وبره والتجرؤ الأعمى على قتل من هوفي الحقيقة رئيس الحياة.
14- «إليكم أولأ م اذ أقام الله فتاه يسوع, أرسله يبارككم برد كل واحد منكم عن شروره.» (أع26:3)
+ أصبحت قيامة المسيح استمراراً لكرازة المسيح، على مستوى التبكيت للتوبة والرجوع عن الخطية.
15- ‏«وبينما هما يخاطبان الشعب, أقبل عليهما الكهنة وقائد جند الهيكل والصدوقيون, متضجرين من تعليمهما الشعب وندائهما في يسوع بالقيامة من الأموات.» (أع1:4-2)
+ القيامة من الأموات صارت المسامير التي تدق كل يوم في قلب رؤساء الكهنة, وطعنة موجعة ‏في جنب الصدوقيين.
16- «فليكن معلوماً عند جميعكم وجميع شعب إسرائيل, أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأموات, بذاك وقف هذا أمامكم صحيحاً, هذا هو الحجر الذي احتقرتموه أيها البناؤون، الذي صار رأس الزاوية وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم اخر تحت السماء قد أعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص.» (أع10:4-12)
+ أول فاعلية ظهرت واستعلنت علنا نتيجة لقيامة المسيح من الأموات، كانت في «قوة اسم» يسوع المسيح، الذي بمجرد أن استدعاه القديس بطرس حلت قوة قيامة المسيح على الأعرج من بطن أمه، قام في الحال ومشى وجرى أمام الناس. فصار معلوماً أن الدعاء باسم المسيح المقام من الأموات, هو بمثابة حضور المسيح شخصياً وبرهان دائم بقيامته. والإيمان بالقيامة، صار القوة الأساسية للكرازة بالعهد الجديد: «وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع, ونعمة عظيمة كانت على جميعهم.» (أع33:4)
17- «إله آبائنا أقام يسيوع, الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة. هذا رفعه الله بيمينه رئيسا ومخلصاً، ليعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا، ونحن شهود له بهذه الأمور, والروح القدس أيضاً الذي أعطاه الله للذين يطيعونه.» (أع30:5-32‏)
+ القيامة التي قامها المسيح بيمين الله، كوعده للأباه، هي في حقيقتها ارتفاع، أي تمجيد لاستعلان رئاسته الكلية والشاملة على السماء والأرض، ولاستعلان قوة الخلاص العامل للتوبة ومغفرة الخطايا التي كان يعيشها التلاميذ ويمارسونها بتفوق.
18- «يسوع الذي من الناصرة، كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس، لأن الله كان معه. ونحن شهود بكل ما فعل في كورة اليهودية وفي أورشليم، الذي أيضاً قتلوه معلقين إياه على خشبة. هذا ‏أقامه الله في اليوم الثالث, وأعطى أن يصير ظاهراً ليس لجميع الشعب» بل لشهود سبق الله فانتخبهم. لنا نحن الذي أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات.» (أع38:10-41)
+ القديس بطرس الرسول يقرر أن القيامة في اليوم الثالث كانت علنية، وصار المسيح ظاهراً، ولكن القيامة انحصرت في أشخاص انتخبهم المسيح ليكونوا شهوداً. هؤلاء أظهر المسيح نفسه لهم؛ ويقرر القديس بطرس أنه هو والتلاميذ أكلوا وشربوا معه بعد قيامته، وذلك إمعاناً في تقرير القيامة الجسدية، وفي حقيقة قيامة «اللحم والعظم»، كما شدد عليها المسيح.
19- «وأقوال الأنبياء التي تُقرأ كل سبت تمموها إذ حكموا عليه، ومع أنهم لم يجدوا علة واحدة للموت، طلبوا من بيلاطق أن يُقتل. ولما تمموا كل ما كُتب عنه أنزلوه عن الخشبة، ووضعوه في قبر. ولكن الله أقامه من الأموات, وظهر أياما كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم الذين هم شهوده عند الشعب, ونحن نبشركم بالموعد الذي صار لآبائنا، إن الله قد أكمل هذا لنا نحن أولادهم، إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضاً فى المزمور الثانى ... أنه أقامه من الأموات غير عتيد أن يعود أيضاً إلى فساد... وأما الذي أقامه الله فلميتر فسادا.» (أع27:13-37‏)
+ قيامة المسيح بجسده وجروحه عليه، أثبتت صدق النبوة أنه قدوس ولم ير فساداُ في القبر، لذلك فقيامته هنا نهائية أبدية، لا يمكن أن الموت يسود عليه قط مرة أخرى. وهذا معناه أنه الآن حى ويبقى حيا إلى الأبد، وذلك لأجلنا «واما أنتم فترونني. إني أنا حي فأنتم ستحيون» (يو18:14). ويشدد بولس الرسول أن المسيح بعد القيامة ظهر أياماً كثيرة للذين اختارهم، ليكونوا شهوداً لدى الشعب والعالم، وبهذا تم وعد الله الذي وعده للآباء ولنا نحن أولادهم.
20- «إن يؤلم المسيح، يكن هو أول قيامة الأموات, مزمعا أن ينادى بنور للشعب وللأمم (أع23:26)
+ القيامة من الأموات تستعلن أن آلامه وموته كانا فدائيين, وهذه أول قيامة حدثت في تاريخ الإنسان، وهدفها إنارة اليهود والعالم.
21- «فإنني سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً، أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب، وأنه دُفن، وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب, وأنه ظهر لصفا, ثم للاثني عشر. وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمئة أخ, أكثرهم باق إلى الآن, ولكن بعضهم قد رقدوا. وبعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين. وأخر الكل كأنه للسقط ظهرلى أنا.» (1كو3:15-8)
+ بولس الرسول يصثف ظهورات الرب هكذا: ظهر أولاً لبطرس، ثم الاثني عشر تلميذاً (ناقص واحد وهو يهوذا)، وهم الأخصاء جدا، ثم ظهر مرة واحدة لخمسمئة من الأخصاء التلاميذ كانوا مجتمعين، وبولس يعرف أكثرهم وربما قابلهم. وبعد ذلك ظهر ليعقوب، وواضح أنه أخو الرب، ثم ظهر لكل الرسل، وواضح أنه ظهر لهم تباعاً وليس مرة واحدة، وأخيرأ ظهر له. ويبدو أن ظهور الرب لبولس الرسول هنا: «أما رأيت الرب» هو غير الرؤية التي رآها وهو في طريقه إلى دمشق. وكان منطوق الاعتراف الإيماني الذي رسخ بالتسليم في الكنيسة الذي استلمه بولس من الرسل، يضم أربع فقرات: أن المسيح مات من أجل خطايانا، وأنه دُفن لثلاثة أيام في القبر، وأنه قام في اليوم الثالث، وأنه ظهر. وهذا الإيمان موقع على نبوات الكتب المقدسة.
22- «ولكن إن كان المسيح يُكرز به أنه قام من الأموات, فكيف يقول قوم بينكم إن ليس قيامة أموات. فإن لم تكن قيامة أموات, فلا يكون المسيح قد قام, وان لم يكن المسيح قد قام, فباطلة كرازتنا وباطل أيضأ إيمانكم, ونوجد نحن أيضاً شهود زور لله, لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح.» (1كو12:15-15)
+ نحن نؤمن بقيامة الأموات، لأن المسيح مات من أجلنا، وليس من أجل نفسه، وقام من أجلنا لأنه هو القيامة وجوهرها؛ وكان لا يمكن أن يبقى في الموت، فقيامة المسيح هي قيامتنا. فإن كنا لا نقوم، يكون هذا معناه أن المسيح لم يقم من الموت، وهذا تجديف على المسيح, وتكذيب للرسل، ولكل الذين شهدوا بقيامته.
‏23- «وتعين ابن الله، بقوة, من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات؛ يسوع المسيح ربنا» (رو4:1‏)
+ القيامة من الأموات استعلنت الروح القدس الذي أقامه، والروح القدس بالتالى استعلن حقيقة بنوته لله التي كرز بها.
24- «بل من أجلنا نحن أيضاً، الذين سيُحسب لنا (برا), الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات, الذي أُسلم من أجل خطايانا، وأقيم لأجل تبريرنا.» (رو24:4-25)
+ كل من يؤمن بموت المسيح، يُرفع عنه ثقل خطاياه, وكل من يؤمن بقيامته بقوة الله يتبرر، كما آمن إبراهيم بأمر الله, فقدم ابنه للموت على أساس أن الله قادر أن يقيمه من الموت، فحسب الله له إيمانه برا.
25- «وان كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنا فيكم, فالذي أقام المسيح من الأموات سيحيي أجسادكم المائتة أيضاً بروحه الساكن فيكم.» (رو11:8)
+ روح القيامة الذي كان في المسيح وهبه المسيح ليسكن فينا فيقيمنا من الموت
26- «والله قد أقام الرب وسيقيمنا نحن أيضاً بقوته.» (اكو14:6)
+ الله أقام المسيح بقوة خاصة خُصصت من أجلنا.
27- «عالمين أن الذي أقام الرب يسوع، سيقيما نحن أيضاً بيسوع ويُحضرنا معكم.» (2كو14:4)
+ القوة الإلهية التي أقامت جسد المسيح من بين الأموات، هي الآن عاملة فيا بالإيمان بالمسيح.
28- «وهو مات لأجل الجميع, لي يعيش الأحياء فيما بعد, لا لأنفسهم, بل للذي مات لأجلهم وقام.» (2كو15:5‏)
+ كنا نعيش كأموات للخطية، فمات لأجلنا لنعيش كأحياء له.
29- «لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش, لكي يسود علي الأحياء والأموات.» (9:14)
+ كان الأموات في الخطية أحراراً من المسيح، فلما مات المسيح من أجل الخطاة ملك على الأموات ليحييهم.
30- «لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام, فكذلك الراقدون بيسوع, سيحضرهم أيضاً معه.» (1تس14:4)
+ الذين ماتوا فى الإيمان بالمسيح، هم الآن أحياء معه وسيظهرون معه .
31- ‏«إن كنتم قد قمتم مع المسيح, فاطلبوا ما فوق, حيث المسيح جالس عن يمين الله» (كو1:3)
+ الذين يؤمنون بقيامة المسيح وجلوسه عن يمين الله، ارتبطت قلوبهم به.
32- «الذي مثاله (مثال فلك نوح) يُخلصنا نحن الآن, أي المعمودية, لا إزالة وسخ الجسد، بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح الذي هو في يمين الله, إذ قد مضى إلى السماء وملائكة وسلاطين وقوات مُخضعة له» (ابط21:3-22)
+ المعمودية أساسها دم المسيح الذي يطهر ضمير الإنسان تجاه الله, لأن المسيح دخل إلى الأقداس العليا ودمه علبه.
33- «اذكر يسوع المسيح المُقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي.» (اتي8:2)
+ ذكر قيامة المسيح بصورة منطبعة على القلب والذهن، هي أساس الحياة الجديدة للإنسان.
34- «واله السلام الذي أقام من الأموات راعي الخراف العظيم ربنا يسوع بدم العهد الأبدي.....» (عب20:13)
+ الله أقام المسيح بصفته الراعي ورئيس الكهنة الأعظم، أقامه ودمه عليه كعهد جديد أبدي للسلام بين الله والإنسان.
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
الإصحاح الحادى والعشرين​

بَعْدَ هَذَا أَظْهَرَ أَيْضاً يَسُوعُ نَفْسَهُ لِلتّلاَمِيذِ عَلَى بَحْرِ طَبَرِيَّةَ. ظَهَرَ هَكَذَا: كَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَتُومَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ وَنَثَنَائِيلُ الَّذِي مِنْ قَانَا الْجَلِيلِ وَابْنَا زَبْدِي وَاثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ تلاَمِيذِهِ مَعَ بَعْضِهِمْ. قَالَ لَهُمْ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «أَنَا أَذْهَبُ لأَتَصَيَّدَ». قَالُوا لَهُ: «نَذْهَبُ نَحْنُ أَيْضاً مَعَكَ». فَخَرَجُوا وَدَخَلُوا السَّفِينَةَ لِلْوَقْتِ. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يُمْسِكُوا شَيْئاً. وَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ وَقَفَ يَسُوعُ عَلَى الشَّاطِئِ. وَلَكِنَّ التّلاَمِيذَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسُوعُ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَاماً؟». أَجَابُوهُ: «لاَ!». فَقَالَ لَهُمْ: «أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا». فَأَلْقَوْا وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَكِ. فَقَالَ ذَلِكَ التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُسَ: «هُوَ الرَّبُّ». فَلَمَّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ الرَّبُّ اتَّزَرَ بِثَوْبِهِ لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَاناً وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ. وَأَمَّا التّلاَمِيذُ الآخَرُونَ فَجَاءُوا بِالسَّفِينَةِ لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعِيدِينَ عَنِ الأرض إِلاَّ نَحْوَ مِئَتَيْ ذِرَاعٍ وَهُمْ يَجُرُّونَ شَبَكَةَ السَّمَكِ. فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى الأرض نَظَرُوا جَمْراً مَوْضُوعاً وَسَمَكاً مَوْضُوعاً عَلَيْهِ وَخُبْزاً. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «قَدِّمُوا مِنَ السَّمَكِ الَّذِي أَمْسَكْتُمُ الآنَ». فَصَعِدَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَجَذَبَ الشَّبَكَةَ إِلَى الأرض مُمْتَلِئَةً سَمَكاً كَبِيراً مِئَةً وَثلاَثاً وَخَمْسِينَ. وَمَعْ هَذِهِ الْكَثْرَةِ لَمْ تَتَخَرَّقِ الشَّبَكَةُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «هَلُمُّوا تَغَدَّوْا». وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ مِنَ التّلاَمِيذِ أَنْ يَسْأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ إِذْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الرَّبُّ. ثُمَّ جَاءَ يَسُوعُ وَأَخَذَ الْخُبْزَ وَأَعْطَاهُمْ وَكَذَلِكَ السَّمَكَ. هَذِهِ مَرَّةٌ ثَالِثَةٌ ظَهَرَ يَسُوعُ لِتلاَمِيذِهِ بَعْدَمَا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ. فَبَعْدَ مَا تَغَدَّوْا قَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ بُطْرُسَ: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلاَءِ؟» قَالَ لَهُ: «نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ». قَالَ لَهُ: «ارْعَ خِرَافِي». قَالَ لَهُ أَيْضاً ثَانِيَةً: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا أَتُحِبُّنِي؟» قَالَ لَهُ: «نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ». قَالَ لَهُ: «ارْعَ غَنَمِي». قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: «يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا أَتُحِبُّنِي؟» فَحَزِنَ بُطْرُسُ لأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً: أَتُحِبُّنِي؟ فَقَالَ لَهُ: «يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «ارْعَ غَنَمِي. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلَكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ». قَالَ هَذَا مُشِيراً إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يُمَجِّدَ اللَّهَ بِهَا. وَلَمَّا قَالَ هَذَا قَالَ لَهُ: «اتْبَعْنِي». فَالْتَفَتَ بُطْرُسُ وَنَظَرَ التِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ يَتْبَعُهُ وَهُوَ أَيْضاً الَّذِي اتَّكَأَ عَلَى صَدْرِهِ وَقْتَ الْعَشَاءِ وَقَالَ: « يَا سَيِّدُ مَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُكَ؟». فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ هَذَا قَالَ لِيَسُوعَ: «يَا رَبُّ وَهَذَا مَا لَهُ؟». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ فَمَاذَا لَكَ؟ اتْبَعْنِي أَنْتَ». فَذَاعَ هَذَا الْقَوْلُ بَيْنَ الإِخْوَةِ: إِنَّ ذَلِكَ التِّلْمِيذَ لاَ يَمُوتُ. وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ يَسُوعُ إِنَّهُ لاَ يَمُوتُ بَلْ: «إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ فَمَاذَا لَكَ؟». هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ. وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
مكان البشارة: الجليل بعد القيامة
صور مستيكية لمستقبل الكنيسة الرسولية​

‏كثير من الشراح عثروا في هذا الأصحاح، واعتبروه أنه مُضاف بيد غير يد القديس يوحنا. ولكن يتفق اكثر التقليديين منهم أنه من وضع القديس يوحنا وبنفس أسلوبه ولغته وبعض تعبيراته المحببة إليه.
‏والسبب الذي حدا بقول هؤلاء أنه مضاف بيد آخر، هو الأصحاح العشرون الذي أتى بخاتمة واضحة لرواية الإنجيل. ولكن إنجيل يوحنا، كإنجيل بحسب التقليد الرسولي، لا ينتهي عند آيات ظهور الرب لتلاميذه, بل هو يذكر حتماً الارسالية للعالم والأمم كنهاية للانجيل باعتباره البشارة المفرحة التي يلزم توصيلها تحت رعاية المسيح وبوعد مؤازرته، بل وبدوام حضوره، وذلك مثلما أتى ذكرها (أي ذكر الارسالية) في الأناجيل الثلاثة على مستوى الأمر:
‏إنجيل القديس متى: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والآبن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. آمين.» (مت19:28-20‏)
‏إنجيل القديس مرقس: «اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن. وهذه الآيات تتبع المؤمنين. يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة, يحملون حيات, وإن شربوا سماً مميتاً لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون. ثم إن الرب بعد ما كلمهم، ارتفع إلى السماء, وجلس عن يمين الله.» (مر15:16-19)
‏إنجيل القديس لوقا: «حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب (أسفار العهد القديم), وقال لهم: هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي، أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث وأن ‏يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميح الأمم، مبتدأ من أورشليم, وأنتم شهود لذلك. وها أنا أرسل إليكم موعد أبي, فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالى. وأخرجهم خارجاً إلى بيت عنيا، ورفع يديه, وباركهم؛ وفيما هو يباركهم انفرد عنهم, وأُصعد إلى السماء.» (لو45:24-51‏)
‏ولكن بشيء من التدقيق, نكتشف أن القديس لوقا سجل لنفس هذه الخاتمة كتابا آخر بأكمله، هو سفر الأعمال، ذاكراً فيه ظهور الرب وبركته للتلاميذ وارسماليته لهم والوعد بالروح القدس ومؤازرته لهم بقوة من الأعالى، ثم كرازة التلاميذ في أورشليم والسامرة، وإلى روما وأقصى الأرض, ومسجلاً للمسيح صورا رائعة لحضوره أثناء خدمة التلاميذ وتوعيته لهم وتشجيعهم .
‏ولكن ينفرد إنجيل القديس يوحنا في تقديم هذه الخاتمة عينها، وإنما في رموز من داخل قصة وحديث.
‏فالحقائق الجوهرية المختبئة في الرموز هي:
‏(أ) الإرسالية إلى العالم، ككنيسة معذبة في ليل التجارب, وتحت خطر الاعتماد على القدرات البشرية.
‏(ب) ثم حضور الرب الفعلي، بعد دروس التجارب, واعطاء المشورة الحسنة في وقتها الحسن.
(ج) طاعة الكنيسة لوصية المخلص على رجاء قوة كلمته وكيف تثمر.
‏(د) نجاح الكنيسة في اكتساب الأعداد الضخمة بقوة سرية تفوق التوقعات.
‏(ه) ذلك كله بوسائل الكرازة البسيطة وأمية التلاميذ، التي وراءها صنارة الروح القدس.
‏(و) وعيد الكنيسة الإفخارستي, الذي يكلل العمل بحضور الرب وخبزه جاهز في يديه يُشعل القلوب بجمر محبته.
‏أما الرموز في داخل القصة فهي في المقابل حرف بحرف ألف بألف وباء بباء:
‏(أ) قصة صيد سمك دعا إليه القديس بطرس، تعذبوا فيه طول الليل ولم يصطادوا شيئاً
(ب) في الصباح وقرب الشاطىء ظهر الرب, وقال: ألقوا الشبكة على الجانب الأيمن.
(ج) فألقوا الشبكة بالفعل على الجانب الأيمن.
‏(د) وجذبوا الشبكة، واذ هي ممتلئة سمكاً كبيراً 153 عداً.
(ه) ولم تتخرق الشبكة مع هذه الكثرة من السمك.
‏(و) ثم جاء يسوع, وأخذ الخبز، وأعطاهم، وكذلك السمك: ونظروا جمراً موضوعاً.
‏ثم يعود القديس يوحنا، وعلى ضوء قصة صيد السمك، يقدم حواراً حياً بين المسيح والكنيسة، ممثلة في بطرس، وهو في أضعف حالاته، يوصيها فيه بالرعية التي اؤتمنت عليها, وشروط الراعي:
‏(أ) المُرسل والخادم، الشرط الأساسي لتقدمه على الآخرين أن يكون أكثرهم حباً للمسيح: «يا سمعان بن يونا أتحبني أكثرمن هؤلاء؟ ... أطعم حملاني».
‏(ب) والكنية، رأس مالها في الرعاية هو محبة المسيح: «يا سمعان بن يونا أتحبني؟ ... ارع غنمي»
‏(ج) والكنيسة، قمة مسئوليتها هي أن تطعم كل الرعية من فائض حبها: «يا سمعان بن يونا ‏أتحبني؟ أطعم غنمي».
‏ثم يعود القديس يوحنا أيضاً ليعطي، من خلال اللغة السرية، كيف يتقدم الخادم أو الكا رز, وبالتالي الكنيسة، من حداثة الاعتماد على الذات إلى رزانة التسليم المطلق للروح القدس، لكي يقتاد بالروح حتى ضد هواه ليتبع المسيح حتى الصليب: «لما كنت أكثر حداثة (في الروح ) كنث تمنطق ذاتك، وتمشي حيث تشاء؛ ولكن متى شخت, فإنك تمد يديك, وآخر يمنطقك، ويحملك حيث لا تشاء. قال هذا مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يمجد الله بها. ولما قال هذا قال له: اتبعني.» (يو18:21-19)
‏وأخيرأ يلقي القديس يوحنا ضوءا على ركني الكنيسة الأساسيين:
‏الخدمة العاملة: ويمثلها القديس بطرس، والتي تعيش دائماً بانتظار الصليب.
‏وحياة التأمل الرهباني: ويمثلها القديس يوحنا، والتي تعيش وتبقى كما هي إلى أن يجيء الرب.
‏وهكذا، وبالنظرة الفاحصة، نجد أن الأصحاح الأخير في إنجيل يوحنا يستوفي شروط التقليد الرسولي في أصالة خاتمة الإنجيل، بطرح العمل الرسولي في شكله الإرسالي، تحت رعاية المسيح وتدخله المباشر، واعطاء شروطه ومواصفاته، ولكن في قالب القصة وبصياغة رمزية تنطق بالمضمون اللاهوتي والروحي.
‏تقسيم الأصحاح: ‏ينقسم الأصحاح إلى ثلاثة أقسام:
‏الأول: المسيح والتلاميذ: (1:21-14).
‏الثاني: المسيح والقديس بطرس: (15:21-19).
الثالث: المسيح والقديس يوحنا: (20:21-23‏).
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
القسم الأول
المسيح والتلاميذ (1:21-14)
1:21 بَعْدَ هَذَا أَظْهَرَ أَيْضاً يَسُوعُ نَفْسَهُ لِلتّلاَمِيذِ عَلَى بَحْرِ طَبَرِيَّةَ. ظَهَرَ هَكَذَا​

‏تجيء في هذه الآية لتربط بين ظهورات الرب في أورشليم بعد قيامته مباشرة، وبين ظهوره بعد ذلك في الجليل لتلاميذه أيضاً على بحر طبرية.
«أظهر أيضاً يسوع نفسه»: ‏واضح من هذا التعبير أنه بعد القيامة, يكون الجسد الروحي فائقاً عن الحواس البشرية، فلا يمكن رؤيته بالعينين الجسديتين. فلكي يمكن أن يعلن المسيح عن وجوده، يتحتم أن يُخضع جسده الروحاني للرؤية العينية. وهذا أيضاً ليس بكاف، بل يلزم أن تنفتح بصيرة الإنسان الروحية ليتحقق من الرؤية ومن شخص الواقف أمامه، وإلا فلن يمكنه أن يتعرف على شخص الرب؛ وهذا ما يقول عنه الإنجيل في مواضع أخرى عديدة بأنه: «أمسك عن عينيه»» فلم ير أو لم يتعرف على المسيح كالمجدلية، فهي أولاً ظنته أنه البستاني، وبعد ذلك أدركته فقط أنه «المعلم», ثم انفتحت بصيرتها وتحققت أنه الرب: »... أنها رأت الرب وأنه قال لها هذا.» (يو18:20)
‏فعمليات الظهور التي أجراها المسيح في نفسه بعد القيامة هي عمليات تنازلية يجريها في نفسه، وهي لا تقل إعجازاً عن بقية المعجزات، وهي قريبة الشبه من التجسد. أما القصد الأساسي منها، فهو الإيمان بأنه انتصر على الموت بنفس الجسد الذي مات به ليفتتح طريق الخلود والحياة الآبدية للبشرية, بأن يهب قوة قيامته للذين يؤمنون به: «الذي يحبني، يحبه أبي، وأنا أحبه، وأظهر له ذاتي.» ) يو21:14)
‏ويلاحظ أن قول الإنجيل: «أظهر أيضاً يسوع نفسه» يحمل معنى مسرة الإرادة، فالمسيح كان يُظهر ذاته لأحبائه عن مسرة: «سأراكم أيضأ، فتفرح قلوبكم» (يو22:16‏). وإظهار المسيح لنفسه وهو في حالة القيامة، تعني إنجيلياً وبحسب لاهوت القديس يوحنا، أن الحياة الآبدية نفسها قد استعلنت: «فإن الحياة أُظهرت, وقد رأينا، ونشهد، ونخبركم بالحياة الآبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا» (1يو2:1). فجسد القيامة كان يحمل الحياة الآبدية. وبظهور جسد القيامة، أُظهرت الحياة الآبدية التي كانت مخفية عند الآب. وفي نفس الوقت, فإن ظهور الحياة الأبدية يشمل حتماً وبالضرورة غلبة العالم وغلبة رئيس العالم: «لأجل هذا أُظهر ابن الله، لكي ينقض أعمال إبليس.» (1يو8:3)
‏حينما كان المسيح مع التلاميذ قبل الصليب، كان «يُظهر لهم مجده»، كما حدث في عرس قانا الجليل، لكي يتأكدوا من «لاهوته», وأنه «ابن الله»!! أما بعد القيامة المحسوبة أنها بحد ذاتها مجد، وأنها برهان بنوته لله (رو4:1‏)، فيكفي أن يُظهر نفسه ليتحققوا أنه هو يسوع المسيح.
‏حينما كان معهم قبل أن يُصلب، كانوا يقولون له: «يا معلم، كل»، فكان يرد عليهم: «أنا لى طعام لآكل، لستم تعرفونه أنتم» ‏(يو32:4)؛ أما بعد القيامة: «قال لهم: أعندكم هنا طعام؟ فناولوه جزءا من سمك مشوي وشيئاً من شهد عسل، فأخذ، وأكل، قدامهم.» (لو42:24-43)
‏في الأولى، أراد أن ينبه ذهنهم أنه ليس مجرد إنسان جاء ليأكل ويشرب، بل ليتمم رسالة إلهيةإ وفي الثانية أراد أن ينبه ذهنهم أنه لا يزال هو الإنسان, وأنه في ملء التجلي بالألوهية، وأن القيامة في مجد الله لم تلغ صفاته البشرية.
‏حينما كان ابن الله معهم قبل الصليب، قيل عنه أنه «أُظهر في الجسد» (اتي16:3)؛ أما بعد أن مات وقام, قيل أنه «أظهر نفسه». الحالة الاولى، وهي التجسد، كان وراءها معجزة الإخلاء ليظهر الله في جسد إنسان؛ والحالة الثانية هي بحد ذاتها معجزة التجلي، ليظهر جسد الإنسان الطبيعي في مجد الألوهية، وليثبث أن القيامة هي مجال حياة جديدة متوافقة مع طبيعة الإنسان، ولكن متفوقة بصورة عظمى عن واقع الماديات.
‏على بحر طيرية: القديس يوحنا, دون جميع الإنجيليين, ينسب بحر الجليل إلى مدينة طبرية، وهي مدينة استحدثت على بحر الجليل كعاصمة للمنطقة. وهي مدينة فخمة، ولكن خليعة, بناها هيرودس لنفسه عندما كان رئيس ربع على الجليل. وتسمى هذه البحيرة أيضاً في إنجيل يوحنا (1:5) بحيرة جنيسارت وتعني «جنة السرور». والقديس يوحنا لا يذكر متى عاد التلاميذ من أورشليم إلى الجليل حسب أمر الرب بعد القيامة.
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,471
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
2:21 كَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَتُومَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ وَنَثَنَائِيلُ الَّذِي مِنْ قَانَا الْجَلِيلِ وَابْنَا زَبْدِي وَاثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ تلاَمِيذِهِ مَعَ بَعْضِهِمْ.​

‏سبعة تلاميذ، خمسة منهم معروفون، وهم من ضمن «الا ثني عشر»، أما الا ثنان الآخران فيبدو أنهما من عامة التلاميذ غير الرسل، لذلك لم يشأ القديس يوحنا أن يربك القارىء باسميهما. أما كون الكاتب يذكر ابني زبدي في آخر المجموعة، مع أن «يوحنا» يُذكر دائماً بعد بطرس هو وأخوه يعقوب، فهذا يكشف عن هوية الكاتب أنه القديس يوحنا بعينه. ولكن ليس جزافاً أن يذكر الكاتب اسم سمعان بطرس مع توما على رأس هذه القائمة وهم ذاهبون في مأمورية مخجلة، فبطرس لا يزال تحيطه الشكوك بعد حادثة الجارية والديك, ومعه توما الذي أفرز نفسه من «الاثني عشر» في موضوع الإيمان بالقيامة, مما اضطر الرب أن يظهر من أجله خصيصاً حتى يداوي انفصاله عن
الجماعة ويرده إليها كصاحب شهادة، أما بطرس فإن عودته للجماعة استلزمت هذه القصة بكاملها, أما ابنا زبدي أي «يعقوب ويوحنا»، فقد رافقا بطرس في هذه الرحلة كارهين مكرهين، لأنهما مرتبطان ببطرس أصلاً من جهة هذه المهنة, مهنة الصيد: «وكذلك أيضاً يعقوب ويوحنا ابنا زبدي اللذان كانا شريكي سمعان.» (لو10:5)
‏ولكن ليفهم القارىء، أن ليس جميع هؤلاء السبعة أصحاب صيد، ولكنها كانت لهم بمثابة رحلة مع الرفاق، ولم يكن لهم دور ذو بال في هذه القصة كلها.
 
أعلى