تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
شرح إنجيل القديس يوحنا
للأب متى المسكين
الإصحاح الأول
1- فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله
‏يفتتح القديس يوحنا إنجيله بهذه الآية ذات الثلاث وصلات المتناسقة والموزونة على موسيقى الشعر العبري. وهي تعطينا صورة عن طابع إنجيل القديس يوحنا بل وعن القديس يوحنا نفسه. ويلاحظ أن في الثلاث الجمل يتكرر الفاعل (الكلمة) كما يتكرر الفعل (كان) الدال على الكينونة وليس على الزمن, وتترابط الجمل بحرف عطف لتنضغط إلى أقل حيز ممكن. ومن هذا التركيب القوي المقصود قصدا، يظهر مقدار الجهد الفكري الذي يبغ أقصى حدود الإجهاد لإبراز أفخم المعاني التي يمكن أن يبلغها الإتساع الفكري البشري، وذلك للتعرف على أسس طبيعة (‏الكلمة) في علاقته بالزمن, وفي كيانه الذاتي بالله وفي جوهره الإلهي.
كان في البدء، كان مع الله، كان هو الله.
وعندما نستمر في قراءة الأصحاح الأول نجد أن هذه الجمل الثلاث التي تزدحم بها هذه الآية الاولى، جاءت لترد في النهاية وتتوازن مع ثلاث جمل جاءت في الآية 14 لحظة التجسد: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا"
‏فالكلمة الذي "كان" (في كينونة دائمة أزلية خارج الزمن) "صار" أي دخل الزمن، والكلمة الذي كان الله (أي في طبيعة الله) "صار جسداً" أي في طبيعة الإنسان، والكلمة الذي كان "عند الله" (حال فى الله) حل بيننا.
‏وبهذه الآية الاولى وما احتوته من استعلان كامل عن "الكلمة" يكون القديس يوحنا قد وضع أساس إنجيله، وبالتالى دستور الإيمان المسيحي فيما يخص شخص السيد المسيح باعتباره الكلمة المتجسد.
‏فالسيد المسيح "الكلمة" لم يتخذ شخصيته بالميلاد الجسدي ولا حتى لحظة الخلق. أي أنه ليس مخلوقا ولا محدثاً, بل كان في البدء قائماً منذ الأزل.
‏والسيد المسيح "‏الكلمة" لا ينفرد بوجوده من دون الله؛ بل هو كائن في الله.
‏والسيد المسيح "الكلمة" بظهوره في الجسد لم يكن مجرد إنسان أو نبي. بل هو بطبيعة الله وجوهره, قد تجسد.
‏وبهذه المؤهلات صار للكلمة المتجسد، أي السيد المسيح، القدرة والسلطان أن يستعلن كل حقائق الله.

يتبع
 
التعديل الأخير:

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
فِي الْبَدْءِ:
‏يتجه القديس يوحنا بهذه اللفظة ‏التى تُنطق بالعبرية (براشيت) إلى الأسم التقليدى عند اليهود لسفر التكوين الذي يبدأ بهذه الكلمة (فى البدء خلق الله) وهذا هو الأسلوب السرى (المستيكى) للقديس يوحنا, أما القصد فواضح، فهو سيتكلم بإنجيله عن الخليقة الجديدة. وبدء الخليقة الجديدة عند القديس يوحنا هو السيد المسيح: «انا هو .. البداية والنهاية»، «انا هو الأول والآخر», «انا هو الألف والياء» (رؤ 8:1 و 8:2). وبحسب القديس كيرلس الكبير فهو البدء الذى بلا بدء.
و"البدء" فى إنجيل يوحنا ليس هو البدء فى سفر التكوين, لأن بدء سفر التكوين هو الخلق, أى بدء الزمن, أما البدء فى إنجيل يوحنا فهو ما قبل الخلق والزمن والتاريخ والأدراك, وليس قبل الخلق إلا الله.

ولكن القديس يوحنا لم يكتب فى البدء كان الله, لأنه لم يكن بصدد الحديث أو الإعلان عن الله, بل قال "فى البدء كان الكلمة" لأنه سيتكلم حالا عن الخلق الذى تم "بكلمة" الله, ولكن لن يتوقف عن الخلق, كسفر التكوين, بل سيتجاوزه حالا الى الخلاص الذى تم بتجسد "الكلمة". من هنا كان هم القديس يوحنا أن يعرفنا بالكلمة قبل أن يتجسد, ليستعلن لنا قيمة قيمة وجلال التجسد وعظمة وقوة الخلاص الذى تم. ولكن من أين أتى القديس يوحنا بمفهوم هذا البدء اللازمنى قبل الخليقة.
قطعا ذلك لم يكن من العهد القديم؛ فالعهد القديم وإن كان سجل بدء الخلق, لكنه لم يتعرض لما قبل الخلق. والعهد القديم أضطلع بعمل الكلمة ولم يضطلع بطبيعة الكلمة, ولما تعرض لكلمة الله لم يتعرض لها بوصفها الاقنومي الذاتى المطلق بل كفعل قوة في حدوث الحدث الزمنى، إذ كان "الكلمة" الذاتي المطلق غائبأ غيابا كاملا عن الوعي ا‏ليهودى. أشعياء النبي أحس بهذا الغياب إحساسا مؤلماً فقال (حَقّاً أَنْتَ هُوَ إِلَهٌ يَحْجِبُ نَفْسَهُ، إِلَهُ إِسْرَائِيلَ الْمُخَلِّصُ- إش 15:45).
لذلك نحن نرى, وبالتأكيد, أن تأثير السيد المسيح بجلال مقولاته كان هو المصدر الأساسى فى تكوين فكر القديس يوحنا اللاهوتى, سواء من جهة أقنومية الكلمة الأزلى، أو من جهة مفهوم وجوده قبل الزمن "فى البدء". وإنه من واقع إستعلان السيد المسيح لنفسه أستعلن القديس يوحنا الكلمة, فمرر آيتين ظاهرتين وبارزتين فى أقوال السيد المسيح يتضح أصل ومفهوم "البدء" اللازمنى ليكمله فى إنجيل يوحنا:
‏الآية الأولى: وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ. (يو 5:17)
الآية الثانية: أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ. (يو 24:17).

يتبع
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
«كان الكلمة»:

كان هنا لا تدل على فعل زمني بل على الكينونة الدائمة وهي تخص الوجود اللازمني، وتستخدم للدلالة على الأمور المطلقة أى غير المخلوقة.
فعندما نقول ‏«في البدء كان الكلمة» يعني أن للكلمة كينونة أو كياناً قائماً فى البدء أى فى الأزل. وهنا يتجه الفكر مباشرة إلى التعريف الذى عرّف الله به نفسه لموسى لما سأله هذا عن أسمه, فكان الرد « أهيه الذى أهيه»، وتفسيره حسب ما جاء في طبعة الكتاب المقدس (أكون الذى أكون) والقصد من هذا التعبير واضح غاية الوضوح وهو «أنا الكائن بذاتى, أو كما فى الترجمة الإنجليزية (I am the being) أى أنا الكينونة

فـ «فى البدء كان الكلمة» تعني أن الكلمة كائن منذ الأزل, وهذا يسلمنا مباشرة إلى التعريف الى القول إنه لم يكن بمفرده, بل «كان عند الله». ويلاحظ هنا أنها جاءت «كان» وليس «كانت» لتناسب مونث الكلمة العربية لأن «الكلمة» أصلا فى اللغة العبرية مذكرة = «قول» وتُرجمت باليونانية وهي مذكر ايضاً .

«الكلمة»: اللوغس
«فى البدء كان الكلمة» هذا الإصطلاح العميق المختصر من اين اتى به القديس يوحنا؟
‏لقد لجأ الشُراح في ذلك إلى عدة مصادر, ولكن من المصادر الواضحة امامنا التى مهدت لهذا القديس الرائي نسميته للمسيح «بالكلمة»» مصدرين:
‏أولاً: سفر الرؤية, اذ سمع باذنيه ما يقوله الروح واصفاً المسيخ وهو متجند للحرب, راكبا على فرس أبيض, دلالة على المقاصد السلامية، وعلى رأسه تيجان كثيرة. رمزاً للنصرة المتعددة المكاسب لحساب الانسان, وعيناه كلهيب نار تذيب القلوب الصخرية، «وله أسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو, وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويُدعى اسمه «كلمة الله» (رؤ12:19-13)
وهنا يظهر أن أسم «الكلمة» متعاظم الشأن لدى السمائيين, فهو صفة السيد المسيح المحاربة والديانة المتسلطة والقائدة, لأنه يقول فى بقية الآية: ‏«وَكَانَ الأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ يَتْبَعُونَهُ رَاكِبِينَ خُيُولاً بَيْضَاءَ، وَلاَبِسِينَ كَتَّاناً نَقِيّاً نَاصِعَ الْبَيَاضِ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ سَيْفٌ حَادٌّ لِيَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ وَيَحْكُمَهُمْ بِعَصاً مِنْ حَدِيدٍ، وَيَدُوسَهُمْ فِي مَعْصَرَةِ شِدَّةِ غَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَقَدْ كُتِبَ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ» (رؤ 14:19-16). وهذه الصورة تمثل واقع «الكلمة» لدى السمائيين, والثوب المغموس بالدم علامة أبدية لأنهزام وقهر العدو لأنها تذكار الصليب. فهى شهادة لغلبته على العالم «ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يو 33:16) و «وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْحَمَلِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ.» (رؤ 11:12)

ولكن يُلاحظ هنا أن أسمه «كلمة الله» يٌعبر عن حالة خروج من الله وإرسال للإعلان عن مشيئة الله وتتميمها بقوة واقتدار, فهو اسم «الكلمة» بعد أن أضطلع بالعمل والرسالة, لذلك جاء أسمه «كلمة الله».

أما أسم «الكلمة» فقط الذى كتبه القديس يوحنا فى إنجيله بوحى الروح فهو يعبر عن ما قبل الخروج والأرسال والإعلان عن الله, فهو أسم له كفاءة واستحقاق ذاتى لكل ملئ اللاهوت خلول من عمل أو رسالة.

ثانيا: والمصدر الثانى فى الأكثر أثرا فى تكوين الفكر اللاهوتى للقديس بوحنا بخصوص «الكلمة اللوغس» فهو تشديد السيد المسيح بصور متكررة أنه كلمة الله بصورة ذاتية وشخصية, وأن كلامه الذى يقوله هو «روح وحياة». وبالرجوع للآيات فى نصها اليونانى يظهر بوضوح أن السيد المسيح يعتبر كل ما يقوله هو «اللوغس», وأنه هو اللوغس أى «الكلمة».

وسنعيد كتابة الآيات فى نصها اليونانى لنرى مدى وضوح حقيقية اللوغس عند السيد المسيح, لأن الترجمة العربية اخطأت وتجاوزت لفظ «اللوغس» المفرد = «كلمة» وجعلته بالجمع «كلام», فاختفى المعنى.

علاقة اللوغس بالسيد المسيح من واقع كلامه:

# «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ (كلاَمِي) كلمتى وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ. (يو 24:5)
المعنى ينصب هنا على أن الذى يقبل اللوغس السيد المسيح ويؤمن بالله الذى ارسله يكون له الحياة الأبدية. ومعروف أن الذى يقبل «كلمة» أو لوغس السيد المسيح فهذا يعنى أنه يقبل السيد المسيح. هنا السيد المسيح واللوغس على التساوى.
# أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ (الْكلاَمِ) الكلمة = اللوغس الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ. (يو 3:15)
مجرد سماع الكلمة اللوغس هنا وإدراكه فهذا ينقى القلب, حيث أن المعنى يتمحور حول قبول السيد المسيح والإيمان به.
# اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ (كلاَمِي) كلمتى فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ». (يو 51:8).
ومعروف أن الذى بؤمن بالسيد المسيح فهو الذى لن يرى الموت. فاللوغس والسيد المسيح هنا متساويان.
# فَقَالَ يَسُوعُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ: «إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي (كلاَمِي) كلمتى فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تلاَمِيذِي, وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ». (يو 31:7-32).
هنا الثبات فى كلمة السيد المسيح أى اللوغس يكشف عن التلمذة الحقيقية للمسيح, أى أن التلمذة لكلمة المسيح هى التلمذة بعينها.
ومعروف من آيات أخرى كثيرة أن الثبوت فى كلمة المسيح هو الثبوت فى السيد المسيح نفسه (إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ. - يو 15:7)
# الَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كلاَمِي. (وَالْكلاَمُ) الكلمة الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.
يوضح السيد المسيح هنا أن كلمته أى اللوغس ليس منقردا من دون الله فهو اللوغس الذى أرسله الله سواء شخصه أو كلمته فهما واحد.
# أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كلاَمَكَ (كلمتك) وَالْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ. (يو 14:17)
ومعروف أن العالم أبغض السيد المسيح وبالتالى أبغض الذين قبلوا كلمة الله اى اللوغس. هنا السيد المسيح ولوغس الله متساويان.
# قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. (كلاَمُكَ) كلمتك هُوَ حَقٌّ. (يو17:17)
ومعروف أن السيد المسيح أعلن بكل قوة ووضوح «أنا هو ....الحق» (قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي – يو 6:14). واللوغس والسيد المسيح متساويان هنا تساوى مطلق, بل يظهر أن السيد المسيح هو اللوغس مباشرة.
ومعروف أيضا أن السيد المسيح أعطى الحق أى اللوغس فى كلامه عموماً, أى أن حديثه كان يحوى سر «الكلمة», سر «اللوغس», سر «المسيح» وهذا يتضح من الآية الآتية:
# لِمَاذَا لاَ تَفْهَمُونَ كلاَمِي؟ لأَنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا (قَوْلِي) كلمتى . (يو 43:8)
واضح هنا أن كلمة السيد المسيح شىء و(الكلمة) أى اللوغش الكائن فى كلام السيد المسيح شىء آخر. فالكلمة اللوغس هو سر الله وهو السيد المسيح وهو الحق المخفى فى الكلام. فالذى يسمع لصوت الله وسره, أى الحق, من وسط الكلام يفهم كل الكلام فى الحال.

ومن هنا نستخلص أن (الكلمة) اللوغس هو محور كل تعاليم السيد المسيح وهو القلب النابض فى إنجيل القديس يوحنا وعليه يقوم الإنجيل كله, ولذلك وإن كان يتهيأ لجميع الشراح أن القديس يوحنا لم يستخدم أصطلاح (الكلمة) إلا فى موضعين فى مقدمة إنجيله فى الإصحاح الأول, إلا أن الواقع والحقيقة أن اللوغس هو محور إنجيل القديس يوحنا وملخص قكره اللاهوتى.
فكما أن كلمة الله اللوغس, وبالعبرية «قؤل إلوهيم»، جاء في الأسفار المقدسة قديما منطوقاً بفم الأنبياء وكان يحمل الحياة للذين يثبتون فيه، فقد جاء الكلمة اللوغس بنفسه في شخص يسوع المسيح معلنأ الحق ومعطيأ الحياة. ولكن يظل هناك فارق بين الكلام المقول واللوغس المحتوى داخله: (وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ وَلاَ أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ, وَلَيْسَتْ لَكُمْ كَلِمَتُهُ ثَابِتَةً فِيكُمْ لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ لَسْتُمْ أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِهِ, فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي – يو 37:5-39)

المسيح هنا يتسعلن نفسه بمنتهى الحذق الإلهي أنه هو اللوغس, فهو يوضح أن كلمة الله اللوغس التي يفتشون عليها في الكتب (الأسفار) لكي تعطيهم حياة أبدية أخطاوا إليها فأخطاوها، ولم ينتبهوا إليها حينما استعلنها المسيح في نفسه لما جاء بنفسه إليهم: «إلى خاصته جاء»، فلم يأتوا هم إليه، مع أنه بصفته اللوغس الذي يبحثون عنه قادر ان يعطيهم الحياة الآبدية.
‏لذلك، فجوهر الإستعلان في إنجيل يوحنا محكوم بمستوى السماع الروحي للكلمة «اللوغس» وهو الحق المثبت في كلام المسيح، على أن هذا «اللوغس» هو سر الإنجيل وسر الله وسر المسيح، ‏وهو لا يوجد جامداً أو ساكناً, بل على الدوام ينطق من بين السطور والكلمات, كومضات من نور أو دفقات حياة تنطلق بلا توقف.

وبهذا نرى أذ اللوغس في إنجيل يوحنا لا يحتاج إلى شرح أو تعريف أو فهم، فهو هو المسيح، والروح واقف عل استعداد أن يأخذ ما للمسيح «اللوغس» ويخبركم. والمسيح لا يعطي لا يعطى كلام الحق ليُفهم، بل هو يًعطى الحق ليُعاش؛ ولا يعطى كلاماً يصلح للحياة بل يعطى الحياة. فهذا هو سر كلامه: « روح وحياة»، وهذا يوصلنا إلى مقدمة الإنجيل بكل هدوء, فالميسح هو «الكلمة اللوغس».

فإذ كان القديس يوحنا قد أعطى للمسيح اسم «الكلمة» اللوغس فهو فعل ذلك من واقح استعلان المسيح لنفسه من خلال تعليمه. على أن قدرة القديس يوحنا عل استشفاف هذا الاسم وطرحه في مستهل إنجيله, ليس على أنه «كلمة الله», بل على أنه «الكلمة» اللوغس يعتبر إلهاماً إلهياً وعلى مستوى المساهمة العظمى للاهوت المسيحي، وهي جرأة يستحيل أن يأتيها عقل بشر؛ فهي جرأة من رأى وعاين أن «يسوع المسيح هو الكلمة»: «هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ.» (يو 24:21)

وهذه المعلومة البسيطة في مظهرها صارت هي الحقيقة الإلهية العظمى في تاريخ معرفة الإنسان لله!
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
«كان الكلمة»:

كان هنا لا تدل على فعل زمني بل على الكينونة الدائمة وهي تخص الوجود اللازمني، وتستخدم للدلالة على الأمور المطلقة أى غير المخلوقة.
فعندما نقول ‏«في البدء كان الكلمة» يعني أن للكلمة كينونة أو كياناً قائماً فى البدء أى فى الأزل. وهنا يتجه الفكر مباشرة إلى التعريف الذى عرّف الله به نفسه لموسى لما سأله هذا عن أسمه, فكان الرد « أهيه الذى أهيه»، وتفسيره حسب ما جاء في طبعة الكتاب المقدس (أكون الذى أكون) والقصد من هذا التعبير واضح غاية الوضوح وهو «أنا الكائن بذاتى, أو كما فى الترجمة الإنجليزية (I am the being) أى أنا الكينونة

فـ «فى البدء كان الكلمة» تعني أن الكلمة كائن منذ الأزل, وهذا يسلمنا مباشرة إلى التعريف الى القول إنه لم يكن بمفرده, بل «كان عند الله». ويلاحظ هنا أنها جاءت «كان» وليس «كانت» لتناسب مونث الكلمة العربية لأن «الكلمة» أصلا فى اللغة العبرية مذكرة = «قول» وتُرجمت باليونانية وهي مذكر ايضاً .

«الكلمة»: اللوغس
«فى البدء كان الكلمة» هذا الإصطلاح العميق المختصر من اين اتى به القديس يوحنا؟
‏لقد لجأ الشُراح في ذلك إلى عدة مصادر, ولكن من المصادر الواضحة امامنا التى مهدت لهذا القديس الرائي نسميته للمسيح «بالكلمة»» مصدرين:
‏أولاً: سفر الرؤية, اذ سمع باذنيه ما يقوله الروح واصفاً المسيخ وهو متجند للحرب, راكبا على فرس أبيض, دلالة على المقاصد السلامية، وعلى رأسه تيجان كثيرة. رمزاً للنصرة المتعددة المكاسب لحساب الانسان, وعيناه كلهيب نار تذيب القلوب الصخرية، «وله أسم مكتوب ليس أحد يعرفه إلا هو, وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويُدعى اسمه «كلمة الله» (رؤ12:19-13)
وهنا يظهر أن أسم «الكلمة» متعاظم الشأن لدى السمائيين, فهو صفة السيد المسيح المحاربة والديانة المتسلطة والقائدة, لأنه يقول فى بقية الآية: ‏«وَكَانَ الأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ يَتْبَعُونَهُ رَاكِبِينَ خُيُولاً بَيْضَاءَ، وَلاَبِسِينَ كَتَّاناً نَقِيّاً نَاصِعَ الْبَيَاضِ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ سَيْفٌ حَادٌّ لِيَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ وَيَحْكُمَهُمْ بِعَصاً مِنْ حَدِيدٍ، وَيَدُوسَهُمْ فِي مَعْصَرَةِ شِدَّةِ غَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. وَقَدْ كُتِبَ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ» (رؤ 14:19-16). وهذه الصورة تمثل واقع «الكلمة» لدى السمائيين, والثوب المغموس بالدم علامة أبدية لأنهزام وقهر العدو لأنها تذكار الصليب. فهى شهادة لغلبته على العالم «ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يو 33:16) و «وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْحَمَلِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ.» (رؤ 11:12)

ولكن يُلاحظ هنا أن أسمه «كلمة الله» يٌعبر عن حالة خروج من الله وإرسال للإعلان عن مشيئة الله وتتميمها بقوة واقتدار, فهو اسم «الكلمة» بعد أن أضطلع بالعمل والرسالة, لذلك جاء أسمه «كلمة الله».

أما أسم «الكلمة» فقط الذى كتبه القديس يوحنا فى إنجيله بوحى الروح فهو يعبر عن ما قبل الخروج والأرسال والإعلان عن الله, فهو أسم له كفاءة واستحقاق ذاتى لكل ملئ اللاهوت خلول من عمل أو رسالة.

ثانيا: والمصدر الثانى فى الأكثر أثرا فى تكوين الفكر اللاهوتى للقديس بوحنا بخصوص «الكلمة اللوغس» فهو تشديد السيد المسيح بصور متكررة أنه كلمة الله بصورة ذاتية وشخصية, وأن كلامه الذى يقوله هو «روح وحياة». وبالرجوع للآيات فى نصها اليونانى يظهر بوضوح أن السيد المسيح يعتبر كل ما يقوله هو «اللوغس», وأنه هو اللوغس أى «الكلمة».

وسنعيد كتابة الآيات فى نصها اليونانى لنرى مدى وضوح حقيقية اللوغس عند السيد المسيح, لأن الترجمة العربية اخطأت وتجاوزت لفظ «اللوغس» المفرد = «كلمة» وجعلته بالجمع «كلام», فاختفى المعنى.

علاقة اللوغس بالسيد المسيح من واقع كلامه:

# «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ (كلاَمِي) كلمتى وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ. (يو 24:5)
المعنى ينصب هنا على أن الذى يقبل اللوغس السيد المسيح ويؤمن بالله الذى ارسله يكون له الحياة الأبدية. ومعروف أن الذى يقبل «كلمة» أو لوغس السيد المسيح فهذا يعنى أنه يقبل السيد المسيح. هنا السيد المسيح واللوغس على التساوى.
# أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ (الْكلاَمِ) الكلمة = اللوغس الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ. (يو 3:15)
مجرد سماع الكلمة اللوغس هنا وإدراكه فهذا ينقى القلب, حيث أن المعنى يتمحور حول قبول السيد المسيح والإيمان به.
# اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ (كلاَمِي) كلمتى فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ». (يو 51:8).
ومعروف أن الذى بؤمن بالسيد المسيح فهو الذى لن يرى الموت. فاللوغس والسيد المسيح هنا متساويان.
# فَقَالَ يَسُوعُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ: «إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي (كلاَمِي) كلمتى فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تلاَمِيذِي, وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ». (يو 31:7-32).
هنا الثبات فى كلمة السيد المسيح أى اللوغس يكشف عن التلمذة الحقيقية للمسيح, أى أن التلمذة لكلمة المسيح هى التلمذة بعينها.
ومعروف من آيات أخرى كثيرة أن الثبوت فى كلمة المسيح هو الثبوت فى السيد المسيح نفسه (إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ. - يو 15:7)
# الَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كلاَمِي. (وَالْكلاَمُ) الكلمة الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.
يوضح السيد المسيح هنا أن كلمته أى اللوغس ليس منقردا من دون الله فهو اللوغس الذى أرسله الله سواء شخصه أو كلمته فهما واحد.
# أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كلاَمَكَ (كلمتك) وَالْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ. (يو 14:17)
ومعروف أن العالم أبغض السيد المسيح وبالتالى أبغض الذين قبلوا كلمة الله اى اللوغس. هنا السيد المسيح ولوغس الله متساويان.
# قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. (كلاَمُكَ) كلمتك هُوَ حَقٌّ. (يو17:17)
ومعروف أن السيد المسيح أعلن بكل قوة ووضوح «أنا هو ....الحق» (قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي – يو 6:14). واللوغس والسيد المسيح متساويان هنا تساوى مطلق, بل يظهر أن السيد المسيح هو اللوغس مباشرة.
ومعروف أيضا أن السيد المسيح أعطى الحق أى اللوغس فى كلامه عموماً, أى أن حديثه كان يحوى سر «الكلمة», سر «اللوغس», سر «المسيح» وهذا يتضح من الآية الآتية:
# لِمَاذَا لاَ تَفْهَمُونَ كلاَمِي؟ لأَنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا (قَوْلِي) كلمتى . (يو 43:8)
واضح هنا أن كلمة السيد المسيح شىء و(الكلمة) أى اللوغش الكائن فى كلام السيد المسيح شىء آخر. فالكلمة اللوغس هو سر الله وهو السيد المسيح وهو الحق المخفى فى الكلام. فالذى يسمع لصوت الله وسره, أى الحق, من وسط الكلام يفهم كل الكلام فى الحال.

ومن هنا نستخلص أن (الكلمة) اللوغس هو محور كل تعاليم السيد المسيح وهو القلب النابض فى إنجيل القديس يوحنا وعليه يقوم الإنجيل كله, ولذلك وإن كان يتهيأ لجميع الشراح أن القديس يوحنا لم يستخدم أصطلاح (الكلمة) إلا فى موضعين فى مقدمة إنجيله فى الإصحاح الأول, إلا أن الواقع والحقيقة أن اللوغس هو محور إنجيل القديس يوحنا وملخص قكره اللاهوتى.
فكما أن كلمة الله اللوغس, وبالعبرية «قؤل إلوهيم»، جاء في الأسفار المقدسة قديما منطوقاً بفم الأنبياء وكان يحمل الحياة للذين يثبتون فيه، فقد جاء الكلمة اللوغس بنفسه في شخص يسوع المسيح معلنأ الحق ومعطيأ الحياة. ولكن يظل هناك فارق بين الكلام المقول واللوغس المحتوى داخله: (وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ وَلاَ أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ, وَلَيْسَتْ لَكُمْ كَلِمَتُهُ ثَابِتَةً فِيكُمْ لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ لَسْتُمْ أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِهِ, فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي – يو 37:5-39)

المسيح هنا يتسعلن نفسه بمنتهى الحذق الإلهي أنه هو اللوغس, فهو يوضح أن كلمة الله اللوغس التي يفتشون عليها في الكتب (الأسفار) لكي تعطيهم حياة أبدية أخطاوا إليها فأخطاوها، ولم ينتبهوا إليها حينما استعلنها المسيح في نفسه لما جاء بنفسه إليهم: «إلى خاصته جاء»، فلم يأتوا هم إليه، مع أنه بصفته اللوغس الذي يبحثون عنه قادر ان يعطيهم الحياة الآبدية.
‏لذلك، فجوهر الإستعلان في إنجيل يوحنا محكوم بمستوى السماع الروحي للكلمة «اللوغس» وهو الحق المثبت في كلام المسيح، على أن هذا «اللوغس» هو سر الإنجيل وسر الله وسر المسيح، ‏وهو لا يوجد جامداً أو ساكناً, بل على الدوام ينطق من بين السطور والكلمات, كومضات من نور أو دفقات حياة تنطلق بلا توقف.

وبهذا نرى أذ اللوغس في إنجيل يوحنا لا يحتاج إلى شرح أو تعريف أو فهم، فهو هو المسيح، والروح واقف عل استعداد أن يأخذ ما للمسيح «اللوغس» ويخبركم. والمسيح لا يعطي لا يعطى كلام الحق ليُفهم، بل هو يًعطى الحق ليُعاش؛ ولا يعطى كلاماً يصلح للحياة بل يعطى الحياة. فهذا هو سر كلامه: « روح وحياة»، وهذا يوصلنا إلى مقدمة الإنجيل بكل هدوء, فالميسح هو «الكلمة اللوغس».

فإذ كان القديس يوحنا قد أعطى للمسيح اسم «الكلمة» اللوغس فهو فعل ذلك من واقح استعلان المسيح لنفسه من خلال تعليمه. على أن قدرة القديس يوحنا عل استشفاف هذا الاسم وطرحه في مستهل إنجيله, ليس على أنه «كلمة الله», بل على أنه «الكلمة» اللوغس يعتبر إلهاماً إلهياً وعلى مستوى المساهمة العظمى للاهوت المسيحي، وهي جرأة يستحيل أن يأتيها عقل بشر؛ فهي جرأة من رأى وعاين أن «يسوع المسيح هو الكلمة»: «هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ.» (يو 24:21)

وهذه المعلومة البسيطة في مظهرها صارت هي الحقيقة الإلهية العظمى في تاريخ معرفة الإنسان لله!
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ:

‏قلنا أن «في البدء» تفيد ما قبل الخلق، وبالتالي ما قبل الزمن، فتكون بالتحديد هي الآزلية، وقلنا أن (كان) لا تفيد فعل الزمن الماضي الناقص ولكن تفيد الكينونة الدائمة للمطلق. أي أن الكلمة اللوغس هو«كائن أزلي». فمن أين أتى القديس يوحنا بهذا التوصيف الخطير للمسيح.
‏أمامنا مصدران واضحان استثف منهما القديس يوحنا وصف المسيح بالكينونة الآزلية:
‏الاول: قول المسيح صراحة لليهود: «أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ», فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟». قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يو 56:8-58)

قول المسيح «أنا كائن»» كشف عن كينونته اللازمنية الآزلية. لأنه لوكان قد قال: «أنا كنت‏» لدخل المعنى في إطار الزمن وأصبح مجرد أسبقية زمنية، ولكن بقولو: «أنا كائن» أصبحت المقارنة بين إبراهيم والمسيح شاسعة جداً وبلا قياس، فهي مقارنة بين مخلوق ‏وغير مخلوق, بين زمني وأزلى, إذن، فهو كائن قبل كل الآباء والأنبياء وكل الخليقة.

هذا القول الذي قاله المسيح «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» انطبع في قلب القديس يوحنا وأخذ الآولوية على كل ما عداه من الأوصاف التي استعلنها المسيح في ذاته.

الثاني: أما الموضع الثاني الذي عزز صورة المسيح في ذهن يوحنا وإيمانه بصفته الكائن الآزلي، فهو قوله المملوء سراً وجلالاً ورهبة: «إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ» (يو 24:8)

هنا نرجو القارىء الرجوع لشرح سر التسمية في كتاب "المدخل لشرح إنجيل يوحنا" ص 218-246 ويكفي هنا أن نقول أن هذا هو نفسه اسم الله الشخصي الذي قاله لموسى في مستهل سفر الخروج 13:3-14
(فَقَالَ مُوسَى لِلَّهِ: «هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلَهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟». فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ».

وهذا الاسم صار توضيحه في هامش الكتاب المقدس هكذا: "أكون الذى أكون" وترجتها بالإنجليزية I am the being وتفهم بالعربية «أنا الكائن بذاتي» = هذا هو اسم الله.

ويلاحظ في هذا الشرط الخطير الذي قدمه المسيح لليهود لكي تغفر خطاياهم أنه يتحتم أن يؤمنوا بأنه يقدم لهم في منظوره الشخصي الله غير المنظور ذا الجلال والعظمة، وأن وجوده المنظور أمامهم يجمع كل الكيان اللامحدود والمحدود، المنظور وغير المنظور، وإلا فإنهم يموتون في خطاياهم. لماذا؟ لأنه هو الذي سيحمل كفارة خطاياهم, ولأنه هو هو "الله ظهر فى الجسد"(1تى 16:3)

وفي رد المسيح التالي على اليهود يتضح أكثر تأكيد المسيح على استعلان شخصيته الأزلية: فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِهِ». (يو 25:8 ‏). ويشرحها القديس أغسطينوس باختصار هكذا:(صدقونى أنني أنا البداية لأني قلت لكم هذا).

كما يلاحظ أنه قبل أن يستعلن المسيح وجوده الأزلي بقوله "أنا هو" = "أنا الكائن بذاتي" فى الآية 24:8 قدم لهذا القول بالأية: قَالَ لَهُمْ: « أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. (يو 23:8). هذا كله يعزز استعلانه لذاته أنه كائن بذاته منذ البدء.
‏لقد انطبع هذا الاستعلان أيضأ في ذهن القديس يوحنا وأدرك بيقين أن شخصية المسيح تحمل الكيان الإلهي الأزلى، وأنه يحمل اسم ذات الله بكل جلاله وأنه منذ البدء وبلا بداية. لذلك استهل القديس يوحنا إنجيله بقوله: «في البدء كان الكلمة» . وكان هذا حصيلة معرفه اليقينية ‏بالمسيح عن قرب، إذ لم يكن عن إملاء من الروح نفسه.

يتبع
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
«كان الكلمة»:

‏لماذا لم يكتب القديس يوحنا «كلمة الله» كما هي معروفة في جميع الأسفار القديمة؟
‏يلاحظ القارئ أن القديس يوحنا يقدم المسيح قبل التجسد، وقبل إبراهيم: "أنا كائن"، ويقدمه قبل "كل شيء ‏به كان" أي قبل الخليقة جميعها في الأرض وفي السموات، أي قبل الزمن: "في البدء", الأزلى. قبل التاريخ، قبل الفهم والإدراك عموماً, وذلك لأنه لم يكن بعد للكلمة إرسالية خارج الله، فهو يصفه في كيانه أو كينونته في الذات الإلهية وحسب. ولأنه, أي "الكلمة" لم يبدأ في استعلان الله أو يخبر عن الله أو عما عند الله، إذ لم تكن توجد خليقة ما تسمع أو تفهم. لذلك فلا يجوز أن يوصف بأنه الكلمة المرسلة أو كلمة الله الخارجة لتعمل لحساب الله. بل ‏كان «الكلمة» مكتفياً بالوجود المطلق في الله.
وبمجرد أن بدأ الخلق، بدأ عمل الكلمة في العالم المخلوق يشهد لإرادة الله بالقوة التي فيه، وهذا يصفه القديس يوحنا بـ "النور". بدأ الكلمة عمله في العالم المخلوق كنور وحياة, وهذا هو ‏الاستعلان الثاني «للكلمة».
وجاءت خلقة الإنسان على صورة الله، فهيمأ وناطقاً وسامعاً، وهنا بدأ عمل "الكلمة" في الإنسان (العهد القديم بكل أسفار) باعتباره "كلمة الله" المرسلة المسموعة والمفهومة, وهذا هو الاستعلان الثالث «للكلمة».
وقد جاء كلمة الله إلى خاصته، أي شعب إسرائيل، متكلماً في الأنبياء، فلما لم يقبلوه "تجسد الكلمة", وهذا هو الاستعلان الرابع للكلمة" وذلك ليعلن ويخبر عن الله جهاراً وعلانية دون وسيط, لا كلمة الله المجردة المرسلة المسموعة والمفهومة فقط أي قوة غير مشخصة, ولكن الله الكلمة الشخص المسموع والمنظور والملموس أيضاً. "الَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ"االذي راني فقد رأى الآب" (يو 9:14)

لذلك حينما قال القديس يوحنا «في البدء كان الكلمة»، فهو يقول عن شخص «»الكلمة»» اللوغس في ذاته وفي البدء، وليس في عمله بعد!, معُرفال با "ال" ولكن ليس معرفاً بعمل.

يتبع
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
«والكلمة كان عند الله»:

كلمة «عند» كما يرى العلماء في اللغة وشراح الكتاب المقدس, لا تفيد مجرد الوجود معأ كإثنين يعيشان في شركة، ولا حتى تعني اتحادا بالمفهوم العام, أو وجوداً مكانيأ بأية علاقة كانت. ولكن هي تفيد علاقة متصلة، يشرحها المسيح نفسه في موضح آخر بعد التجسد بقوله: «الحق الحق أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظرا الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك.» (يو 19:5‏)
‏وهذا يفيد في نظر العالم أن الوجود الشخصي لكلمة كان يتحقق في اتصال فعال دائم وشركة كاملة`مع الله، وهذه هي حقيقة "الكلمة" عند الله قبل أن يبدأ يستعلن الله.
‏وقد ورد هذا الاصطلاح: «عند» في موضع مماثل يعتبر بحد ذاته أقدم وأوضح شرح لمعنى «والكلمة كان عند الله»، وذلك في الأية التي كتبها القديس يوحنا في رسالته الاولى عن الحياة الأبدية التي "كانت عند الآب" و"أُظهرت". وها يتضح أن الحياة الآبدية التي كانت عند الآب كانت تحقق ذاتها في علائق الاتصال الداخلي بالله. وهذا هو بعينه الذي يعنيه الروح بقول الإنجيل: "والكلمة كان عند الله".

‏ويقول العالم شناكنبرج: "إن "عند" لا تفيد هنا الحركة تجاه هدف ما بل إنها تأتي مُعادلة وبالتبادل أحياناً مع ( ) كما قالها المسيح في صلاته: «والأن مجدني أنت أيها الأب عند ذاتك ( ) بالمجد الذي كان لى عندك ( ) قبل كون العالم» (يو 5:17)
‏ويقول شناكنبرج: (إن هذا المجد الذي كان له عند الآب هو هو اتصاله الوثيق بالله وهو قائم باتصال الحياة الأبدية المعطاة بالحب (يو 24:17). لذلك فإن في هذه المقدمة يتأكد أن كينونة اللوغس, بالأصل, هو وجود فعال بالحب، له مل حياة الله والمجد معه.
‏ويشرحها القديس يوحنا ذهبي الفم قائلاً: ( إن الكلمة هو وجود شخصي جوهري صادر بدون تألم من الأب نفسه, فهذا كما سبق وأن أشرت هو اصطلاح «الكلمة«. وأيضاً قوله «في البدء كان الكلمة« هذا يوضح أزليته. كذلك أيضأ »والكلمة كان عند الله» يكون بذلك قد أعلن لنا أنه معه في الأزلية حتى إذا سمعتم أنه ««في البدء كان الكلمة» لا تخطئون في تصوركم أن حياة الأب عنه (عن الكلمة) بأي مسافة زمنية أو أي امتداد، فيتحدد بذلك خطأ بدء خاص للابن الوحيد، ولذلك أردف يقول: "والكلمة كان عند الله". ولهذا فهو أزلي كالأب نفسه لأن «الأب» لم يكن أبدأ بدون «الكلمة»»» بل كان الله مع الله، كل في أقنومه الخاص.

ومن هذا اشرح لذهبي الفم نفهم أن "عند" تساوي مفهوم "المعية الآزلية"، أي أن الكلمة كان مع الأب في الآزل دون افتراق.
‏ومن هذه الشروحات على قول القديس يوحنا "والكلمة كان عند الله (الآب)" قيما قبل الخلق وقبل حركة الكلمة في الإعلان عن الله سواء في الخليقة عامة أو في الإنسان؛ نرى أن لا الله ولا الكلمة كان في حاجة إلى خلقة العالم, وانما الخلقة جائت كإرادة حب "هكذا أحب الله العالم" (يو 16:3) لأن كل منهما كان في اكتفا كلي بالآخر، شركة المجد المتصل، وشركة الفهم والإدراك المتبادل، وشركة الحياة المتصلة، وشركة الآزلية الدائمة، جعلت «الله والكلمة» كُلاً واحداً كي المجد، مُدرك كامل كلي الحياة، وهو نفس مستوى الآب والابن كما سنرى, فيما بعد, كون طبيعة الحب المتفجرة والمتبادلة بين الابوة والبنوة جعلت ذات الله المتكاملة كلية الاكتفاء وكلية الحب والكرامة والمجد.

"والكلمة كان عند الله" تعطينا تصوراً أن الكلمة, اللوغس, قبل الخليقة يمثل القوة المدركة لكل مشيئة الله والقائمة الدائمة على أتم استعداد لتنفيذ هذه المشيئة.
‏أو يمكن أن نرى اللوغس قبل الخليقة أيضأ، القائم الدائم المؤتمن على كل خطط الله الأزلية، وهو على أتم استعداد لإخراجها للوجود عندما يحين ميعادها.
‏كذلك يمكن, من قول بولس الرسول, أن نرى اللوغس قبل تأسيس العالم وهو قائم عند الله, يحمل صوراً وقوائم بأسماء كل الذين اختارهم الله ليمارس دوره معهم وفيهم بكل وسائل التقديس, ليقفوا أمام الله يوماً ما بلا لوم حسب سخاء محبته: "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة." (أف 3:1-4)

بهذا يتضح أمامنا أنه حتى وقبل خلقة السموات والآرض وقبل كل الدهور, وقبل أذ يًرسل ليعلن مشيئة الله, كان "للكلمة" اللوغس عمل خاص من جهة الخلاص، واهتمام بالمفديين، وتدبير الخطط مع الله لتكميل مسرة حب الله: "حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته لنكون لمدح مجده، نحن الذين قد سبق رجاؤنإ في المسيح" (أف 11:1-12)
وعلى أساس هذه الصلات الجوهرية والوثيقة بين (الكلمة _ اللوغس) والله، والتي هي على مستوى الوحدة الخصبة ذات الفعالية، أصبح "للكلمة" اللوغس, حينها أُرسل بعد ذلك ليعلن الله ومشيئته, أن يقول: "الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر" (يو 18:1). هذه الآية تشرح, على المستوى الشخصي والعاطفي, مركز اللوغس عند الله, فهو وجود ملتحم ودائم ولكن متميز وشخصي.

يتبع
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
وكان الكلمة الله:

هنا كلمة "الله" جاءت في الأصل اليوناني ( ) غير معرفة بـ ألـ بعكس الجملة الجملة السابقة «والكلمة كان عند الله»، حيث كلمة الله معرفة بـ الـ. ففي الجملة الاولى "والكلمة كان عند الله" نجد أن «الكلمة» مُعرفه بـ الـ و"الله" ‏معرف بـ الـ توضيحاً أن لكل منهما وجوده الشخصي، وحيث «الله» المعرف بـ الـ يحمل معنى الذات الكلية. أما في الجملة الثانية فالقصد من قوله «وكان الكلمة الله» هو تعيين الجوهر اي طبيعة «الكلمة» أنها إلهية، ولا يقصد تعريف الكلمة أنه هو الله من جهة الذات.

‏وهنا يحذر أن نقرأ "الله" معرفا بـ الـ في "وكان الكلمة الله" وإلا يكون لا فرق بين الكلمة والله، وبالتال لا فرق بين الآب والابن، وهذه هي بدعة سابليوس الذي قال أنها مجرد أسماء، في حين أن الإيمان المسيحي يقول أن الآقانيم في الله مميزة: فالآب ليس هو الابن ولا الابن هو الآب، وكل أقنوم له اختصاصة الإلهي. كذلك فالله ليس هو الكلمة, ليس هو الله (الكلي).
وها يقابلنا قصور مكشوف في اللغة العربية، فلا توجد كلمة «الله» بدون التعريف بـ الـ .
وقد يتراءى للبعض أنه يمكن أذ يقال «وكان الكلمة إلهاً»، وهذا أيضاً أنحراف لأن الكلمة اللوغس (أو الابن) ليس إلهاً «آخر» أو««ثان» غير الله الواحد، كما أن الله ليس فيه آلهة, بالثنى أوالجمع, فالله إله واحد آب وابن وروح قدس.
والمعنى يكون أن الكلمة اللوغس ليس بمفرده الذات الكلية لله، ولكن الله والكلمة هو "الله". وكما نقول ان الابن والله الأب الله. يمكن أن نقول «الله الكلمة» أو "الكلمة االله" لتعريف ماهية الكلمة، وذلك بقصد التفريق بين طبيعة الخليقة سواء في السماء أو الأرض أو الإنسان وبين طبيعة «الكلمة» اللوغسى. فالكلمة كان الله ولم يكن العالم أو الخليقة أو الإنسان. لأنه يجدر بنا هنا أن نوجه نظر القارىء أنه في أيام القديس يوحنا كانت هذه الثلاث البدع موجودة. فكان هناك من ينادي بأن (الكلمة اللوغس هو العالم)، ومن يقول أنه (كان رئيس ملائكة)، ومن يقول أنه (كان إنساناً). وبهذا يتضح جداً المعنى والقصد من قول القديس يوحنا: "وكان الكلمة الله".

ولينتبه القارىء، لأن طبيعة الله ليست كطبيعة أعلى المخلوقات مهما غلت وسمت هذه المخلوقات، فطبيعة الملائكة والإنسان فيها الفرد والجمع, فيها الملاك وربوات الملائكة، وفيها الإنسان وملايين الناس. أما طبيعة الله فهي طبيعة مطلقة لا تقبل المفرد ولا المثنى ولا الجمع العددي، فهي منزهة عن العددية، طبيعة بسيطة غير مركبة، وهي واحدة لأنها وحيدة لواحد مطلق. والكلمة فيها متحد بالله اتحاداً مطلقأ, فالله والكلمة هو الله الواحد الأحد.
مقارنة بين كلمة الله وكلمة الإنسان.

* "الكلمة" في الإنسان تصور شخصية الإنسان تصويراً جزئياً، وقد تخطئ فتبقى كلمة الإنسان شيئاُ ويبقى الإنسان شيئتً آخر.
‏أما "كلمة الله" فهي صورة كاملة لله كمالاً مطلقاً، حيث التطابق بين الله وكلمته يفوق حد التساوي في المفهوم البشري, لأن التطابق في المطلق, أي الله, غير المحدود هو أعلى مفهوم للتساوي الذي هو الوحدة عينها، لأنه لا توجد ثنائية قط في المطلقات وبالضرورة في الله.
‏لذلك فالتطابق بين إرادة الله وفعل كلمته يبغ من التساوي حد التطابق المطلق. فالكلمة يقول ويعمل بحسب مشيئة الله بالتمام والكمال، وهذا نسمعه في وصف المسيح لنفسه باستمرار: «لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً: مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ. وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ هِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. فَمَا أَتَكَلَّمُ أَنَا بِهِ فَكَمَا قَالَ لِي الآبُ هَكَذَا أَتَكَلَّمُ» (يو 49:12-50). هذا من جهة الكلام» كذلك من جهة العمل: "فَقَالَ يَسُوعُ لَهُمُ: «لاَ يَقْدِرُ الاِبْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ». هنا تطابق كلي في القول والعمل, ومن هنا الوحدة الطلقة الكلية: «أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟ الْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ.» (يو 10:14)

* وكلمة الإنسان مهما بلغت في تعبيرها عن حالة الإنسان ومداخله، فهي في طبيعتها مجرد ظاهرة أو مظهر مسموع أو مكتوب أومعمول لا يمل طبيعة الإنسان تمثيلاً كلياً؛ ولكن كلمة الله, اللوغس, يحمل طبيعة الله يعبر عن ذاته تعبيراً كلياً مطلقاً، فإذا خرج اللوغس من لدن الله فهو خروج غير زمي وغير محدود، وهو يظل قائماً في الله ويعمل خارج الله، فهويل الحضرة الإلهية بكل طبيعتها وقوتها وجلالها، يعمل اسم الله وسلطانه كذات الله.

وهكذا فكون «كلمة الله» هو أقنوم (شخص) _عند الله وفي الله_ بحد ذاته، فهذا امتياز لطبيعة الله الفائقة عن طبيعتنا. لذلك فالفارق يفوق تصورنا جداً, لأنه ليس له مثيل في طبيعتنا. وهذا أيضاً أحد كمالات الله وخصائصه واتساع قدراته التي تزيد كثيراغً من تصورنا.

* كذلك، إذا كانت كلمة الإنسان كريمة عند نفسه وعزيزة لديه, وهو يطالب بكرامتها وحتمية تنفيذها لأنها تعتبر عن ذاته؛ فكم بالحرى تكون كلمة الله؟
‏وهذا نسمعه تماماً في تعاليم المسيح عن نفسه, باعتباره «الكلمة» والابن المرسل: «لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الاِبْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي كَذَلِكَ الاِبْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَداً بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلاِبْنِ. لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الاِبْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الاِبْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ.» (يو 20:5-23) & «الَّذِي يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي. والَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي.» (يو 44:12-45) & «أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» (يو30:10) & «الَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ» (يو 9:14).

والآن، أنظر أيها القارىء، وأعد النظ على ضوء ما قلناه في قول القديس يوحنا: "وكان الكلمة الله"
‏أما إذا تبادر إلى ذهنك: ولماذا بدأ الإنجيل بـ "الكلمة" ولم يبدأ بوصف "الابن"؟ فالجواب هو أن القديس يوحنا يتتبع المسيح قبل التجسد وقبل الأنبياء وقبل الخليقة ليجعلك تراه في حقيقة شخصه قبل الخلق وهو قائم في الأزلية عند الله, تمهيداً لاستعلان بنوته.
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
2- هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ الله.

‏«هذا» هنا تكرار مقصود به ‏«اللوغس» في القول السابق: ‏«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ»، ليؤكد أمرين غاية في الأهمية بالنسبة لما هو مزمع أن يقوله عن الكلمة بالنسبة للخلق: الأمر الاول أن الكلمة أزلى, والثاني أن الكلمة هو من جوهر الله وطبيعته, ومؤكداً مرة أخرى أن «هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ» أي قبل أن يكون العالم وكافة المخلوقات.
وتأكيد القديس يوحنا على «عِنْدَ اللَّهِ» لثاني مرة لا يخلو من إشارة ذكية، أن هذه العلاقة القائمة الدائمة بين الكلمة والله هي بحد ذاتها سر من أسرار الخلق.
‏كما أن التأكيد عل أزلية الكلمة مع الله تقطع بالهوة السحيقة التي تفصل بين "الكلمة" وبين "الخلق المحدث الزمنى", المخلوق بالكلمة.
‏وفي التعليق عل قول الإنجيل: «هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ» يشرح القديس يوحنا ذهبي الفم: (لقد أعاد ثاية القول «هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ» أي أزلى تماماً كالآب، لأن الأب لم يكن قط بدون الكلمة، بل كان الكلمة الله مع الله كل بشخصه.).
ونحن نرى أن العودة إلى «الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ» مرة أخرى هي حارس يحرس التعبير من الإنحراف نحو الثنائية بين الكلمة والله.
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
3- كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.
وَقَدْ جَعَلْتُ أَقْوَالِي فِي فَمِكَ (اللوغس) وَبِظِلِّ يَدِي َستَرْتُكَ لِغَرْسِ السَّمَاوَاتِ
وَتَأْسِيسِ الأَرْضِ وَلِتَقُولَ لِصِهْيَوْنَ: «أَنْتِ شَعْبِي» (أش 16:51).

وهكذا ينحدر القديس يوحنا سريعاً من تحليقه فيما وراء الزمن في الآزلية، ومن الشخوص الفائق ‏في كيان اللوغس عند الله الذي أوقفنا أمامه وفي مواجهته لحظة، لينزل بنا إلى واقعنا المادي إل الخليقة بكافة أشكالها وأنواعها فيما يُرى وما لا يُرى .
‏ولا يخفى على الدارس للفكر اليهودي القديم أن يلمح في هذه الأية تقابل الوزن العبري بالإيجاب ثم السلب باتصال, ليغوص بنا في أعماق وأطراف العنى، وليجمع بينهما فكر واحد متكامل محبوك لا يأتيه الشك من أي جانب: «كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان»، حيث لا يزال التركيز هنا على الكلمة اللوغس باعتباره العامل الوحيد في الخلق. فكل الخليقة أخذت وجودها وكيانها المرئي وغير المرئي منه», لا توجد خليقة قط يمكن أن تتخذ لها وجوداً بدونه.
‏وبينما يظل الكلمة أزليا كما هو، أخذت منه الخليقة مبدأها الزمني، وارتبطت به ارتباط الوجود والكيان والحركة والدوام على ستوى الزمن، وظل هو حراً منها لا يحده زمان أو كيان.
* هنا "كل شيء" يفيد كل شيء بمفرداته واحداً واحداً، وليس كل شىء كجمع كلي، وإلا كانت تُكتب ( )، كما جاءت في رسالة بولس الرسول "فإنه فيه خُلق الكل..." (كو16:1). وبالتأكيد فإن "كل شيء" هنا يعود عل تنوع الخلائق من روحية وبشرية ومادية ، ليقطع خط الرجعة على بدع القائلين أن اللوغس هو العالم أو أنه كان ملاكاً أو ‏كان مجرد إنسان.
* "به كان" والآصح بحسب الاصول والمعنى اليوناني «به صار».
‏والمعنى المقصود هو "به خُلق"، لأن "كان" هنا كما جاءت في اللغة العربية توقعنا في خطأ وارتباك لأنها لم تجيء في اليوناية ( ) التي تفيد الكينونة، بل ( ) وتعني »«صار» أو "ظهر في الوجود" أو "خًلق".
‏وبحسب العالم وستكوت فإن فعل "خلق" يأتي عل ثلاث صور من الأفعال:
‏الاول: يخلق ( ) والثاني: يصنع ( ) وذلك بالسبة للخالق. والثالث: يصير ( ).

يتبع
 
التعديل الأخير:

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
وبهذا تكون الخليقة قائمة تحت عاملين:
‏العامل الاول: الاعتماد الكلي على الترسط الإلهي بواسطلة الكلمة.
العامل الثاني: الحضرة الإلهية الدائمة التي تقيم وتحفظ كيانها.

فالخليقة أولاً صارت إلى الوجود بواسطة الكلمة، ثم أخذت وتأخذ قيامها وتماسكها ودوامها معاً بالكلمة أيضاً.
‏هذا الأمر توضحه الرسالة إل العبرانيين عندما يقول:" الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ. الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ"(عب 2:1-3)؛ حيث «بة»» توضح سر بقاء ودوام الخليقة كونها محمولة بقوة الكلمة . فهنا سر الخلق، وسرقيام الخلق، وسر دوام الخلق.

ويزيد القديس بولس الرسول هذا الوضع الأخير وضوحاً بقوله: «لأننا به نحيا, ونتحرك, ونوجد» (أع 28:17)
‏نفهم من هذا صحة قول بولس الرسول أن الله موجود وظاهر في الخليقة بصورة تجعل تجاهله دينونة على الإنسان _ أي إنسان في العالم _ "إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ. لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ".(رو 19:1-20)

ثم وجود الخليقة في مجال العمل الإلهي بل والوجود الإلهي أيضأ، الذي منه تأخذ كيانها ووجودها وحياتها وحركتها وكل تدبيرها الذي تحكمه مئات بل ألوف بل ملايين الملايين من ‏القوانين والقياسات والضوابط والصفات الموروثة والمكتسبة والموهوبة، التي بلغ الإنسان إلى معرفتها والتي لم يبلغ إليها بعد والتي لن يبلغ إليها في هذا الدهر قط، والتي تتحكم في سير الكون بل الأكوان بسمائه ومجراته والأرض وما عليها من جوامد وأحياء نباتية وحيوانية والإنسان، ناهيك عن السماء الروحانية بكل أجنادها، هذه كلها لولا الضبط الإلهي الذي بالكلمة ما صارت وما سارت.

أما السؤال التقليدي الذي أثاره الإنسان في كل عصوره وعلى كل مستوياته الخلقية والدينية: هل العالم مُحدث أم أزلى؟
‏فيرد القديس أوغسطينوس على هذا بقوله أنه محدث بالنسبة لواقعه الظاهري، ولكنه كان موجوداً عند الله كخطة ونظام قبل أن يكون ويظهرفي الوجود.
‏والقديس يوحنا باختياره فعل "صار" لتوضيح خلقة الله لكل أشياء العالم واحدة واحدة بواسطة الكلمة، يقطع خط الرجعة على نظرية أفلاطون بأزلية العالم، كما يقطع خط الرجعة على نظرية كل من الغنوسيين وفيلو اليهودي بثنائية خلقة العالم بين شر وخير، وأيضا ينتفي أن يكون لغير الكلمة اللوغس أي وساطة أخرى في الخلق, خاصة بتشديده على استحالة الخلقة بدون «الكلمة» باستخدامه النفي للتأكيد «وبغيره لم يكن شيء مما كان».

كما ولينتبه القارىء كيف بدأ القديس يوحنا بوضع الأساس في حقيقة الخلق والخليقة بقوله: "والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله". حتى إذا جاء إلى الخلق وقال أن ««به»» _أي بواسطة الكلمة_ خلق الله العالم، لا يكون أمام القارىء أي فرصة ليظن أن الكلمة أقل من الله الخالق حينما يكون عمل «الكلمة» هو توسطي فقط أي «بواسطة» الكلمة. لأن المعنى في كُليته يكون بالنهاية: بواسطة الله خلق الله العالم.
والقديس ذهبي الفم يرى أن ذكر القديس يوحنا لخلقة العالم هنا, لا يركز بالدرجة الاولى على عمل الكلمة كما يركز على وحدة العمل الخلقي مع الله إمعاناً في إظهار لاهوته وتفوقه فوق كل الخلائق.
كما تنبري جملة النفي: «وبغيره لم يكن شيء مما كان»، لتؤكد أن ««توسط» الكلمة في الخلق أساسي بالدرجة الاولى، إذ بدونه يستحيل الخلق أو دوام الخليقة.

والقديس بولس الرسول يرى بالروح وبالرؤية السماوية الفائقة علاقة المسيح بالخليقة الاولى، ما رآه القديس يوحنا بصورة محققة وكاملة، فلا يكتفي بأن يجعل عمل المسيح « الكلمة» توسطياً بمفهوم مستوى المساعدة الآلية لله، بل يرفع رؤيتنا لنرى الخليقة كلها حتى الروحانية كلها قائمة فيه تتخذ منه وجودها وحركتها وبقاءها ودوامها: «فإنه فيه خُيق الكل ما في السموات وما على الأ رض, ما يُرى وما لا يُرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل "به" وقد خلق» الذي هو قبل كل شيء "وفيه" يقوم الكل.» (كو 16:1-17)
وليلاحظ القارىء هذه ‏الحروف الئلاثة: "فيه وبه وله" التي تحكم العلاقة بين الخليقة والخالق.
وسفر الرؤيا يعطينا صورة إضافية حية مبدعة تنطق بمستوى خضوع كافة الخليقة الروحانية بالنسبة للمسيح الخالق لها، فكافة الأجناد السماوية تتبعه: «والأجناد الذين في السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض لابسين بزا أبيض ونقياً.» ‏(رؤ 14:19).

وهنا يجدر بنا أن نتأمل في هذه الخليقة كلها المتعددة الممالك: سمائية بجندها الروحاني وبنجومها وأقمارها وأفلاكها ومجراتها التي يتوه فيها عقل الإنسان، والأ رض بجمادها ونباتها وحيوانها وإنسانها، كيف يتبناها الله جيعاً كأب ويدبرها الكلمة كراع أعظم ما فيها, والأعظم في الخليقة فوق حدود تصور الإنسان, كأقل ما فيها، حتى العصفور له موضع في قلب الله ومكانة وعناية: «هكذا أحب الله العالم ......» (يو 16:3)

ثم اسمع ما يقوله المسيح كخبيرفي شئون خلقته: «أليس عصفوران يباعان بفلس وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدولأ أبيكم؟ وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جيعها محصاة. فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة» (مت 29:10-31‏). ويزيد على هذا القول نفسه القديس لوقا في إنجيله من جهة هذه العصافير أيضأ ويقول: «واحد منها ليس منسيا أمام الله» (لو 6:12).
‏أما من جهة الإنسان الذي خلقه على صورته كشبهه, فتقول الحكمة (الكلمة _ اللوغس): «لمَّا وَضَعَ لِلْبَحْرِ حَدَّهُ فَلاَ تَتَعَدَّى الْمِيَاهُ تُخْمَهُ لَمَّا رَسَمَ أُسُسَ الأَرْضِ. كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعاً وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ فَرِحَةً دَائِماً قُدَّامَهُ. فَرِحَةً فِي مَسْكُونَةِ أَرْضِهِ وَلَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ.» (أم 29:8-31)
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
4- فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ
.

فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ. (تث 20:30)
لأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ. بِنُورِكَ نَرَى نُوراً. (مز 9:36)​

هنا يكشف القديس يوحنا عمقاً إلهياً فى أعماق «الكلمة». فالكلمة في الحياة أصلاً وأساماً كإحدى خصائص الجوهر الإلهي الآزلى.
وقد كشف المسيح سرها هكذا: « لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ (حياة ذاتية)، كَذَلِكَ أَعْطَى الاِبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ (أي حياة ذاتية غير مكتسبة)» (يو 26:5).
‏وجوهر الحياة في الكلمة ليس كالحياة التي نعيشها ونعرفها، بل هي الحياة الأبدية التي من أخص خصائصها أنها تُحيي» أي لها القدرة على خلق الحياة التي نعرفها ونعيش لوناً من ألوانها في عمرنا الزمني على الأرض، والتي عرفها المسيح بقوله: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذَلِكَ أَعْطَى الاِبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ." (يو 21:5)

وحينما يقول القديس يوحنا أن «فيه كانت الحياة‏» فإنه يشرح بدقة وبصورة مباشرة ما جاء في الأية التى قبلها: ""كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو 3:1). إذن، سر قوة الخلق لدى اللوغس الكلمة متمركز بصورة أساسية في امتلاك الكلمة لجوهر الحياة امتلاكاً ذاتياً.
وعلى القارىء أذ يلاحظ أنه لم يقل: «فيه "حياة" أي "حي" وحسب، بل «فيه الحياة» كينبوع: "أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ. أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ مَجَّاناً. " (رؤ 6:21)

وحينما يقول القديس يوحنا أن «فيه كانت الحياة» بعد قوله : «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ» ، فهو يشير ضمنأ إلى علة الارتباط الجوهري بين الخليقة والكلمة، بصورة دائمة، وأيضاً ارتباط الكلمة بالخليقة كمصدر الحياة فيها ولها وبصورة دائمة أيضاً، فهو قوام حياتها: «لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضاً: لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ.» (أع 28:17).

وللأسف الشديد فنحن لا ندرك الآن من هذه الحياة إلآ صورها الظاهرة المربوطة بالزمن، أما جوهرها غير المنظور وغير الزمني الذي هو لها الامتداد الأسمى، والأكثر بهاء وجمالاً، الذي لا يشوبه حزن ولا كآبة ولا تنهد، والروحاني الصرف؛ فهو، وان كنا نعيشه بالايمان، إلآ أنه محجوز عن فكرنا كما هو محجوز عن أعيننا، بانتظار استعلانه في الآبدية.
‏ولكن ما يقصده القديس يوحنا من قوله: "فيه كانت االحياة"، ليس هو الحياة التي هي قوام المخلوقات، لأن «حياة» المخلوقات هي الحياة المخلوقة، أما الحياة في الكلمة فهي "الحياة الخالقة" أي جوهر الحياة الفعال والتي نعرفها بـ «الحياة الآبدية»: «فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا.» (1يو 2:1)

يتبع
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
4- فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ
.

فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ. (تث 20:30)
لأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ. بِنُورِكَ نَرَى نُوراً. (مز 9:36)​

هنا يكشف القديس يوحنا عمقاً إلهياً فى أعماق «الكلمة». فالكلمة في الحياة أصلاً وأساماً كإحدى خصائص الجوهر الإلهي الآزلى.
وقد كشف المسيح سرها هكذا: « لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ (حياة ذاتية)، كَذَلِكَ أَعْطَى الاِبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ (أي حياة ذاتية غير مكتسبة)» (يو 26:5).
‏وجوهر الحياة في الكلمة ليس كالحياة التي نعيشها ونعرفها، بل هي الحياة الأبدية التي من أخص خصائصها أنها تُحيي» أي لها القدرة على خلق الحياة التي نعرفها ونعيش لوناً من ألوانها في عمرنا الزمني على الأرض، والتي عرفها المسيح بقوله: "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذَلِكَ أَعْطَى الاِبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ." (يو 21:5)

وحينما يقول القديس يوحنا أن «فيه كانت الحياة‏» فإنه يشرح بدقة وبصورة مباشرة ما جاء في الأية التى قبلها: ""كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (يو 3:1). إذن، سر قوة الخلق لدى اللوغس الكلمة متمركز بصورة أساسية في امتلاك الكلمة لجوهر الحياة امتلاكاً ذاتياً.
وعلى القارىء أذ يلاحظ أنه لم يقل: «فيه "حياة" أي "حي" وحسب، بل «فيه الحياة» كينبوع: "أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ. أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ مَجَّاناً. " (رؤ 6:21)

وحينما يقول القديس يوحنا أن «فيه كانت الحياة» بعد قوله : «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ» ، فهو يشير ضمنأ إلى علة الارتباط الجوهري بين الخليقة والكلمة، بصورة دائمة، وأيضاً ارتباط الكلمة بالخليقة كمصدر الحياة فيها ولها وبصورة دائمة أيضاً، فهو قوام حياتها: «لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضاً: لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ.» (أع 28:17).

وللأسف الشديد فنحن لا ندرك الآن من هذه الحياة إلآ صورها الظاهرة المربوطة بالزمن، أما جوهرها غير المنظور وغير الزمني الذي هو لها الامتداد الأسمى، والأكثر بهاء وجمالاً، الذي لا يشوبه حزن ولا كآبة ولا تنهد، والروحاني الصرف؛ فهو، وان كنا نعيشه بالايمان، إلآ أنه محجوز عن فكرنا كما هو محجوز عن أعيننا، بانتظار استعلانه في الآبدية.
‏ولكن ما يقصده القديس يوحنا من قوله: "فيه كانت االحياة"، ليس هو الحياة التي هي قوام المخلوقات، لأن «حياة» المخلوقات هي الحياة المخلوقة، أما الحياة في الكلمة فهي "الحياة الخالقة" أي جوهر الحياة الفعال والتي نعرفها بـ «الحياة الآبدية»: «فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا.» (1يو 2:1)

يتبع
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ

"الرب نورى وخلاصى" (مز 1:27)
"قد جعلتك نوراً للأمم لتكون خلاصى إلى أقصى الأرض" (إش 6:49)​

‏بنفس تدرج مراحل الخلق في سفر التكوين يضع القديس يوحنا الإنسان كختام لكل الخليقة. وفي الحال يربط خلقة الإنسان بالحياة الأبدية، الأساس الذي خلق عليه الإنسان إذ خلقه الله على صورته، وبالتالي ليبقى معه ويحيا أمامه إلى الأبد ، وذلك بقوله: "وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ". فالحياة الطبيعية الزمنية التي كانت لكل الخليقة والتي أخذ منها الإنسان نصيبه، أضاف الله عليها نصيباً مختاراً عن فائق الخلائق، بأن وهبه نور الحياة الأبدية الذي به يدرك الله ويستمع إليه ويتكلم معه.

ولكن هنا في الأية: «والحياة كانت نور الناس»، يختزل القديس يوحنا مرحلة الحياة الأرضية كلها ولا يستبقي من عطية الله في الخلق بالنسبة للانسان إلا نور معرفته: الأمر الذي هو رسالة الكلمة اللوغس بالدرجة الاولى، بل ورسالة إنجيل يوحنا برمته: «وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ» (يو3:17)

وإنجيل يوحنا هنا تزدحم فيه الأسرار. فالإنسان المدلل الذي خُلق في جنة عدن تحت ظلال شجرة الحياة التي كان مزمعاُ أن يأكل منها ويحيا إلى الآبد، لكنه حرم نفسه منها بإرادته، مع أنها غُرست له وهو خُلق لها؛ وهو الذي كانت تفطيه سحابة الحياة النيرة، تُضيء فكره وروحه فيرى الله ويتحدث إليه، ولكنه أخطأ وغطى نفسه حتى لا يراه الله ولا يرى هو الل؛؟ ولكن الله عاد فتذكر وعده وتذكر حبه, فأرسل "الكلمة" في ملء الزمان، لا كشجرة حياة بل «خبز الحياة», فأكل الانسان منه وارتدت روح الله فيه وعاش إلى الأبد؟ وانفتحت عيناه وعاين "انورالحياة" ‏وعرف الحياة الأبدية.

وهكذا يشير القديس يوحنا في هذه الأية: «فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ» إشارة قديرة بليغة إلى الأصول الاولى من جهة السر الذي كان مخفياً في كلمة الله عند الخلق من جهة نصيب الانسان حسب مسرة قصد الله أن يحيا بحياة الله ويستير بنوره: «فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ»، الأمر الذي تحقق في المسيح، وحققه المسيح جهاراً: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ» (يو 6:14)، «أَنَا نُورُ الْعَالَمِ» (يو 5:9)

فالقديس يوحنا يكشف لنا في مقدمة إنجيله عن عطيتي الحياة والنور اللتين كانتا مختفتين في اللوغس منذ الآزل، واللتين كشفهما لنا المسيح وحققهما وسكبهما علينا سكبياً على مستوى المنظور والزمن، أو ربما على الوجه الأصح أن ما سكبه المسيح من ملئه علينا في أواخر الآيام من الحياة والنور، هما في الحقيقة من مذخرات الآزل، من مل ء لاهوت "الكلمة"، حتى ندرك عظم النصيب الإلهي الذي صار لنا، وجلال وهيبة المسيح الذي جاءنا من عند الآب.

يتبع
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
علاقة الحياة بالنور في هذه الآية: ‏تتكرر كلمة "الحياة" في إنجيل يوحنا أكثرمن ثلاثين مرة، وجميعها يتجه معناه نحو الحياة الآبدية على أساس مفهوم الخلاص. ولكن القديس يوحنا حتى ورود هذه الآية 4:1 لم يكن قد بلغ نقطة التجسد بعد، فالحياة التي كانت في "الكلمة": "فيه كانت الحياة"، لا ينصب معناها في هذه الآية نحو الخلاص كما يتسرع بعض الشراح في شرحهم. ولكنها هي الحياة التي تكلم عنها القديس يوحنا في رسالته الاولى: الحياة الأبدية التي كانت عند الآب" و(ثم) "أظهرت لنا". أما قوله: "والحياة كانت نور الناس" فهنا أول فعل الامتداد للحياة الآبدية التي كانت عند الآب وفي اللوغس الكلمة لتواجه الإنسان وليتواجه بها الإنسان فيما قبل التجسد.

‏ثم إن الحياة الأبدية في حقيقتها هي «حياة الله» ولا يقترب منها الإنسان، ولا هي ‏تقترب إليه, ‏إلا بالاستعلان, ‏بمعنى أن الكشف يكون عن طربق الاستنارة بالروح وليس برؤيا العين. ومن خصائص طبيعة الحياة الآبدية «النور»الإلهي، فالله طبيعته "النور", "الله نور" (1يو 5:1‏)، "ساكناً في نور لا يدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه" (اتى 16:6)
‏وها كشف لنوعين من النور: الأول جوهري وهو طبيعة الله، والثاني مخلوق: "ساكناً في نور لا يُدنى منه"، وهو الطاقة الاولى والعظمى التي انحدرت منها كل الطاقات والمجالات والمادة المخلوقة.

فرؤية النور الإلهي أو الدخول في مجاله لا يكون قط من خلال الطبيعة الجسدية للانسان بل من خلال الروح, حينما تنشط من الداخل, أو حينما تقتحمها القوة الإلهية المنيرة من الخارج. وفي كلا الحالين يكون الجسد بكل ملكاته في حالة توقف مؤقت لاستقبال المعرفة. وفي هذا الوقت يرى الإنسان النور الإلهي رؤيا الروح، ويدركه بإدراك العقل الروحي، وحينئذ يختفي نور النهار ويضمحل نور الشمس, لأن نور الطبيعة الإلهية أعلى مجالاً وأسمى نوعأ بدرجة لا تقاس.
«وَحَدَثَ لِي بَعْدَ مَا رَجَعْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَكُنْتُ أُصَلِّي فِي الْهَيْكَلِ أَنِّي حَصَلْتُ فِي غَيْبَةٍ. فَرَأَيْتُهُ (أع 17:22‏)

فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. فَسَقَطْتُ عَلَى الأَرْضِ ...... " (أع 6:22-7)
"رَأَيْتُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ فِي الطَّرِيقِ أَيُّهَا الْمَلِكُ نُوراً مِنَ السَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ الشَّمْسِ قَدْ أَبْرَقَ حَوْلِي وَحَوْلَ الذَّاهِبِينَ مَعِي." (أع 13:26)

ويلاحظ القارىء أن ظهورالنور الإلهي الطاغي لشاول لم يكن عن استحقاق أويدخل بأي حال من الأحوال في مضمون استعداد طبيعة شاول، لا بالصلاة ولا بالإيمان بالمسيح ولا بالحب ولا بالتصوف ولا على أي أساس بشري، بل هو اقتحام للطبيعة الجسدية من جهة واحدة بمقتضى تدبير الله.

وليكن معلومأ أن رؤية بولس لهذا النور الإلهي، ومعه الصوت الإلهي يعرف نفسه له أنه هو يسوع، هذه الرؤية بحد ذاتها أدخلت بولس الرسول في مجال معرفة المسيح والاتصال به والتعلم منه كل سني حياته. فمن خلال هذا النور الكاشف والمضىء للذهن الروحي تعلم بولس وعلم إنجيل الحياة الآبدية والخلاص:

وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا. (غل 11:1-13)

ثم لاحظ أيها القارىء العزيز أن الحياة الأبدية التي دخل إليها بولس الرسول ظهرت له "كنور" بالنسبة للوعي الروحي, ‏وأنشأت فيه وفي الحال استنارة فائقة لإدراك سر المسيح وسر الخلاص وسر لاهوت المسيح بكل أعماقه.

ثم لاحظ أن بولس الرسول اكتشف أن هذا النور، وهذه الحياة التي اندفقت فيع، هي بفعل وحضور يسوع المسيح المتكلم بنفسه من السماء: «من أنت يا سيد؟»، «أنا يسوع الذي أنت تضطهده» (أع 5:9 ‏)

ومثل آخر يوضح معنى النور وعمله, وذلك في شهادة بطرس الرسول المفاجئة للمسيح: «فأجابه سمعان بطرس يا رب إلى من نذهب، كلام الحياة الأبدية عندك، ونحن قد آمنا وعرفنا أنك أنت المسيح ابن الله الحي» (يو 68:9-69). وكان تعليق المسيح على قول القديس بطرس هذا كما جاء في إنجيل القديس متى: "فأجابه يسوع وقال له: طوبى لك يا سمعان بن يونا, إن لحماً ودما لم يعلن لك, لكن أبي الذي في السموات" (مت 17:16). معنى هذا أن بطرس نال استنارة ذهنية ونور الله أضاء فكره وروحه ليتقبل استعلاناً مباشراً عن المسيح من الله، هذا هو النور الذي يتقبله الإنسان عندما يدخل من عتبة الحياة الأ بدية.

والإنجيل بعد ذلك يشرح بقوة وبإفصاح مدهش عن هذه الحقيقة: «أنا هو نور العالم من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" (يو 12:8)

فإذا سرنا في النور فنحن نكون في عمق الحياة مع الله ومعرفته.
‏وقد ارتبط النور بالمحبة في إنجيل يوحنا، وهذا ليس عجيباً. فالله محبة، والله نور أيضاً، وهكذا ارتبط النور بالصلاح وارتبطت الظلمة بالأعمال الشريرة وبالدينونة، قى آن واحد: «وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة." (يو 19:3)

وهذا يعني أن غياب النور عن الإنسان يكون باختياره، لأنه يرفض الحياة في النور أي في الحق والمحبة والقداسة. وغياب النور عن الإنسان معناه غياب الله، حيث يختفي الهدف الحقيقي للحياة، ‏بل وتفقد الحياة قيمتها العليا ومعناها، فلا يعود الإنسان يرى نفسه ولا يعود يعرف لماذا يعيش.
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
5- وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ

هنا يضع القديس يوحنا، ولأول مرة «النور» في مقابل «الظلمة», الوجود في مقابل العدم.
أما النور فقد عرفه بعد ذلك أنه «النور الحقيقي» وهكذا يتضح أنه طبيعة الله. لأن هناك فرقاً هائلاً بين النور المخلوق الذي هو قوة وطاقة وبين النور الخالق الذي هو حياة.

فإن كنا في الأية السابقة قد وجدنا الحياة الآبدية, التي في الكلمة, وقد دخلت في علاقة مباشرة مع الإنسان بعد الخليقة «كل شيء به كان»، وهذه الحياة كانت هي مصدر النور للناس: «والحياة كانت نور الناس»؛ فهنا في هذه الأية: «النور يُضيء في الظلمة» يزيد المعنى السابق إيضاحاً من جهة مبادرة النور من تلقاء ذاته للقيام بعمله الجوهري أي "الإضاءة", بمعنى أن الكلمة لم يُلق على الإنسان كل مهمة التعرف على النور أو الوصول إليه. فالنور الإلهي يضيء من ذاته ومن سخاء طبيعته الالهية, كما يصفه إشعياء النبي: «وَيَكُونُ نُورُ الْقَمَرِ كَنُورِ الشَّمْسِ وَنُورُ الشَّمْسِ يَكُونُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ كَنُورِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فِي يَوْمٍ يَجْبُرُ الرَّبُّ كَسْرَ شَعْبِهِ وَيَشْفِي رَضَّ ضَرْبِهِ» (إش 26:30), وهو ما يصفه بولس الرسول في اختباره العجيب: رَأَيْتُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ فِي الطَّرِيقِ أَيُّهَا الْمَلِكُ نُوراً مِنَ السَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ الشَّمْسِ قَدْ أَبْرَقَ حَوْلِي وَحَوْلَ الذَّاهِبِينَ مَعِي. (أع 13:26).

وهنا نلتقط الفكرة المبدئية في علاقة النور بالخليقة، فحقيقة «النور يضيء في الظلمة» في معناها الخصب تفيد نصرة الخلق على العدم، كما تفيد نصرة الحق على الباطل، أو معرفة الله على الجهالة، وبالنهاية وعلى الواقع الملموس تجسد الكلمة ذاته فيما بعد. لأن هذا هو بالفعل دخول النور إلى العالم المظلم: "وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم..." (يو 19:3). وبدخول النور إلى ظلمة العالم انقسم عالم الإنسان إلى إنسان النور وإنسان الظلمة, وان كان إنسان الظلمة يعيث فساداً وتخريباً، ولكن لن يتغلب غير الموجود على الموجود. فإنسان النور اكتسب وجوداً أزلياً، أما الظلمة فتنتهي إلى العدم ولن يبقى إلا النور.

كذلك ففي هذه الأية يكون القديس يوحنا لا يزال منحصراً في الكلمة وعلاقته بالناس,لأن «الإضاءة» هى نور الاستعلان بالنسبة للخليقة ذات الإدراك الروحي عامة, وذلك قبل أن يحصر عمله مع خاصته أى مع شعب أسرائيل. فقوله: "النور يضيء في الظمة" يتجه إلى مطق عمل "الكلمة" في الظلمة بالنسبة للانسان عامة, دون تخصيص حقبة زمنية أو شعبب مميز أو أية ظروف خاصة. فالإشارة هنا إل طبيعة عمل جوهر النور الإلهي في الكلمة تجاه طبيعة الإنسان الروحية كإنسان. وهذه الحقيقة أشار إليها القديس بولس الرسول هكذا: "لأن الأمم الذين ليس عندهم ناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس, فهؤلاءه إذ ليس لهم الناموس, هم ناموس لأنفسهم, الذين يظهرون عمل الناموس مكتوباً فى قلوبهم شاهدأ أيضاً ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة." (رو 14:2-15)

واضح من كلام القديس بولس أن النور الإلهي لم يحرم الأمم من الحصول على صورة منيرة لقوانين الله الأخلاقية التي تصلح أن تدينهم وتبكت ضمائرهم.
‏كذلك سبق أن استشهدنا بقول للقديس بولس الرسول عل نفس المستوى باعتبار أن الله أظهر معرفته للناس عامة منذ الدهر: «إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ. لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. (رو19:1-20)

واضح، إذن، أن النور يضيء في الظلمة بصورة عامة منذ بدء الخلق، لأن هذا عمل يختص بصميم طبيعة الكلمة بالنسبة للناس، باعتبار أن الإنسان مخلوق مُدرك على صورة الله، والله مدرك كامل, فالعلاقة بينه وبين الكلمة علاقة كيانية، حيث يستمد منه الإنسان كيانه وإحساسه بنفسه عامة، وادراكه الروحي خاصة. لذلك تقول الأية: "حتى إنهم بلا عذر"
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
5- وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ

هنا يضع القديس يوحنا، ولأول مرة «النور» في مقابل «الظلمة», الوجود في مقابل العدم.
أما النور فقد عرفه بعد ذلك أنه «النور الحقيقي» وهكذا يتضح أنه طبيعة الله. لأن هناك فرقاً هائلاً بين النور المخلوق الذي هو قوة وطاقة وبين النور الخالق الذي هو حياة.

فإن كنا في الأية السابقة قد وجدنا الحياة الآبدية, التي في الكلمة, وقد دخلت في علاقة مباشرة مع الإنسان بعد الخليقة «كل شيء به كان»، وهذه الحياة كانت هي مصدر النور للناس: «والحياة كانت نور الناس»؛ فهنا في هذه الأية: «النور يُضيء في الظلمة» يزيد المعنى السابق إيضاحاً من جهة مبادرة النور من تلقاء ذاته للقيام بعمله الجوهري أي "الإضاءة", بمعنى أن الكلمة لم يُلق على الإنسان كل مهمة التعرف على النور أو الوصول إليه. فالنور الإلهي يضيء من ذاته ومن سخاء طبيعته الالهية, كما يصفه إشعياء النبي: «وَيَكُونُ نُورُ الْقَمَرِ كَنُورِ الشَّمْسِ وَنُورُ الشَّمْسِ يَكُونُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ كَنُورِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فِي يَوْمٍ يَجْبُرُ الرَّبُّ كَسْرَ شَعْبِهِ وَيَشْفِي رَضَّ ضَرْبِهِ» (إش 26:30), وهو ما يصفه بولس الرسول في اختباره العجيب: رَأَيْتُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ فِي الطَّرِيقِ أَيُّهَا الْمَلِكُ نُوراً مِنَ السَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ الشَّمْسِ قَدْ أَبْرَقَ حَوْلِي وَحَوْلَ الذَّاهِبِينَ مَعِي. (أع 13:26).

وهنا نلتقط الفكرة المبدئية في علاقة النور بالخليقة، فحقيقة «النور يضيء في الظلمة» في معناها الخصب تفيد نصرة الخلق على العدم، كما تفيد نصرة الحق على الباطل، أو معرفة الله على الجهالة، وبالنهاية وعلى الواقع الملموس تجسد الكلمة ذاته فيما بعد. لأن هذا هو بالفعل دخول النور إلى العالم المظلم: "وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم..." (يو 19:3). وبدخول النور إلى ظلمة العالم انقسم عالم الإنسان إلى إنسان النور وإنسان الظلمة, وان كان إنسان الظلمة يعيث فساداً وتخريباً، ولكن لن يتغلب غير الموجود على الموجود. فإنسان النور اكتسب وجوداً أزلياً، أما الظلمة فتنتهي إلى العدم ولن يبقى إلا النور.

كذلك ففي هذه الأية يكون القديس يوحنا لا يزال منحصراً في الكلمة وعلاقته بالناس,لأن «الإضاءة» هى نور الاستعلان بالنسبة للخليقة ذات الإدراك الروحي عامة, وذلك قبل أن يحصر عمله مع خاصته أى مع شعب أسرائيل. فقوله: "النور يضيء في الظمة" يتجه إلى مطق عمل "الكلمة" في الظلمة بالنسبة للانسان عامة, دون تخصيص حقبة زمنية أو شعبب مميز أو أية ظروف خاصة. فالإشارة هنا إل طبيعة عمل جوهر النور الإلهي في الكلمة تجاه طبيعة الإنسان الروحية كإنسان. وهذه الحقيقة أشار إليها القديس بولس الرسول هكذا: "لأن الأمم الذين ليس عندهم ناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس, فهؤلاءه إذ ليس لهم الناموس, هم ناموس لأنفسهم, الذين يظهرون عمل الناموس مكتوباً فى قلوبهم شاهدأ أيضاً ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة." (رو 14:2-15)

واضح من كلام القديس بولس أن النور الإلهي لم يحرم الأمم من الحصول على صورة منيرة لقوانين الله الأخلاقية التي تصلح أن تدينهم وتبكت ضمائرهم.
‏كذلك سبق أن استشهدنا بقول للقديس بولس الرسول عل نفس المستوى باعتبار أن الله أظهر معرفته للناس عامة منذ الدهر: «إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ. لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ الْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ السَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. (رو19:1-20)

واضح، إذن، أن النور يضيء في الظلمة بصورة عامة منذ بدء الخلق، لأن هذا عمل يختص بصميم طبيعة الكلمة بالنسبة للناس، باعتبار أن الإنسان مخلوق مُدرك على صورة الله، والله مدرك كامل, فالعلاقة بينه وبين الكلمة علاقة كيانية، حيث يستمد منه الإنسان كيانه وإحساسه بنفسه عامة، وادراكه الروحي خاصة. لذلك تقول الأية: "حتى إنهم بلا عذر"

يتبع
 
التعديل الأخير:

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
ما هي الظمة.
‏عرفنا أن النور الحقيقي هو طبيعة الله و "الكلمة"، ومعلوم أن «الظلمة» بحسب معرفة الإنسان المادية والقياسية هي غياب النور ليس إلا، أي لا توجد ظلمة, ككيان بحد ذاته, ولكن الظمة تصير أحيانا بغياب النور. وهذا المقياس ينطق على المعنى الروحي «للظلمة» بمفهومها الروحي إلى حد كبير. فإذا أخذنا «النور» مأخذاً شخصياً يكون «النور» هو الله من جهة طبيعته. وبالتال تكون «الظلمة» هي الشخص الذي يخلو من طبيعة الله المضيئة والمنيرة (روحياً) خلواً تاماً سواء كان هذا شيطاناً أو إنساناً. وقد عرفنا الإنجيل بكل يقين أن شخص الظمة هو الشيطان. حيث يقدم لنا الإنجيل معرفة الله وكلمته أنه "المحيي" للانسان جسدياً وروحياً، والشيطان أنه "قتال ‏للناس منذ البدء" جسدياً وروحياً، وإن الله وكلمته أمين وصادق في كل ما يقول ويعمل، وأن الشيطان "كذاب وأبو الكذاب" (يو 44:8). ومن ذلك نرى أن الله نور حقاً وأن الشيطان ظلمة بالحقيقة، ويدعوه المسيح «سلطان الظلمة»: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 53:22)، وهي ساعة تزور حكم الموت للمسيح.
‏فإذا عرفنا الظلمة بحد ذاتها خلواً من شخص، أي من جهة طبيعتها وعملها، تكون هي السالبية بكل معانيها وأعمالها:
‏فإن كان النور الحقيقي أي الله هو "المحبة" وهو "الرحمة" والسلام" و"الحق" و"الأمانة"؛ يكون الظلام أو الظلمة هي اللامحبة وكل ما يتفرع منها، البغض والكراهية والحقد والحسد والنميمة والذم والقتل..... إلخ.
وهي اللارحمة وكل ما يتفرع منها، القسوة والنقمة والتعذيب......إلخ.
‏وهي اللاسلام وكل ما يتفرع منه، القلق والضيق والاضطراب والتشويش والخوف .....إلخ
وهي اللآحق وكل ما يتفرع منه، الغش والتزوير والتحريف والكذب....إلخ .
‏وهي اللا أمانة وكل ما يتفرع منها: الخيانة والإختلاس والسرقة...... إلخ .
‏فهذه كلها أعمال«الظلمة» التي تتخذ وجودها ونشاطها من غياب "النور"
‏لذلك عندما يقول القديس يوحنا إن: الله نور وليس فيه ظلمة البتة" (1يو5:1), فهذا يعني خلو طبيعته المنيرة الخيرة من كل السالبية خلواً باتاً.
وعندما يقول إن الحياة الأبدية التي في "الكلمة" "فيه كانت الحياة", وهذه الحياة هي «نور الناس»، فهو يقصد بكل تأكيد أن حياة «الكلمة» في الناس هي مصدر كل الإيجابيات، فهي حضرة نور الله وصفاته داخل النفس البشرية حيث ينمو الحب وتزدهر الرحمة وينشر السلام ويتجذر الحق وتثبت الأمانة. وذلك كله يتم على جهتين:
‏فمن جهة الخالق وكلمته, فإنه يتعهد صورته التي خلق لتبقى على صورة خالقها، ومن جهة الإنسان تنزع الصورة فيه بحسب طبيعتها لتحاكي أصلها وتتعدل عليه.
‏هذا كله بدأ منذ الخلق وسار في طريق الزمن، مرة يعلو ومرة ينخفض، من شعب لشعب ومن إنسان لإنسان، والله يعدل طريقته بحسب اعوجاج الانسان أو استقامته، من إعلان لإعلان، ومن تزكية لتزكية، ليبلح قصده من الخلق يوم خلق. إلى أن "أظهرت الحياة الآبدية", التي في الكلمة, التي كانت عند الأب في صميم جوهرها، وتجسد النور بملء فعله كأخر مرحلة من خطة الله الأزلية، ليأخذ الإنسان صورة خالقه ويدخل معه الحياة في حال التبني.
وقول القديس يوحنا أن "االنور يضىء في الظلمة والظلمة لم تدركه" هو تصوير بديع لحال الإنسان الذي أخفق كثيراً ومراراً في الإمساك بالنور أو التعرف عليه. فأول إخفاق شنيع ومريع كان في انحياز آدم وحواء إلى الظمة وخروجهما من دائرة النور الفعال, ثم على مدى كل الأزمنة القديمة وعلى ستوى الفهماء والحكماء والشعراء والفلاسفة الكبار، أخفق الإنسان أن يمسك بالنور أو يتحول إليه: " لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ. وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى وَ الطُّيُورِ وَ الدَّوَابِّ وَ الزَّحَّافَاتِ." رو 21:1-23)
‏بل ويمعن بولس الرسول في إظهار مدى تسرب النور الإلهي والحكمة الإلهية إلى حكماء العالم قديماً، وخاصة حكماء أثينا، وبالرغم من امتلاكهم "حكمة الله" فإنهم لم يخضعوا لنورها، وبالتال لم يدركوا الله بالحكمة لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة, استحسن الله أن يخص المؤمنبن ‏بجهالة الكرازة (الصليب). (1كو 21:1)
‏وهذا ما يقصده القديس يوحنا في تصويره لمرحلة عمل «الكلمة» في العالم والناس فيما قبل ظهوره في العهد القديم على ألسنة الأنبياء، كـ «كلمة الله» وكنور, عندما اختار له أخصاء من شعب اختاره لنفسه للاعلان عن الله وعن قرب
‏الظمة تتعقب النور: يقول القديس يوحنا أن "النور يضىء" وهذا بحكم طبيعته الإلهية الخيرة، وهو يضىء على الجميع بلا استثناء كما يقول الإنجيل: "يشرق شمسه على الأشرار والصالحين" (مت45:5). ولكن لكي يبين الله عظم صلاحه فإنه يركز عمل نوره عل الظمة والجالسين في الظمة.
ولقد تحدد منذ الدهر بفم أنبياء كثيرين أن المسيح سيكون "نوراً للأمم" بقدر ما سيكون «مجداً لشعبك إسرائيل» (لو32:2). لذلك أصبح من طبيعة النور الخلاصية أنه يعقب الظمة منذ الآزل: «للرب حرب مع عماليق من دور إلى دور» (خر 16:17). وهو يفتش عن الذين له في مسالك الأرض كلها: "الشعب السالك في الظمة أبصر نوراً عظميماً. الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور." (إش 2:9)
‏وتعقب النور للظلمة أنشأ بالتالي ترصداً وتعقباً مضاداً من جهة الظلمة تجاه النور، وذلك ‏بحسب قانون الأفعال والحركات، مادية كانت أو روحية، القائل بأن لكل فعل رد فعل، بمقتض تدبير الله تجاه إبليس المدعو أيضاً «سلطان الظمة»، حينها قال الله للحية التي كانت تنطق بفم إبليس: «وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها، هو يسحق (يرصد) رأسك وأنت تسحقين (ترصدين) عقبه.» (تك 15:3)
‏وقول القديس يوحنا أن «الظلمة لم تدركه» هو وصف دقيق للعجز الذي ظهر به الشيطان في صراعه ضد مصدر النور بطول الزمن وعل مدى الحياة.
فقد لخص سفر الرؤيا معركة المسيح مع إبليس والعالم هكذا: " فَنَظَرْتُ، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ قَوْسٌ، وَقَدْ أُعْطِيَ إِكْلِيلاً، وَخَرَجَ غَالِباً وَلِكَيْ يَغْلِبَ" (رؤ 2:6)
‏وهنا غلبة النور على الظلمة تأتي على مرحلتين: الاولى في الفعل الماضي "َخَرَجَ غَالِباً" والثانية لأفعال قادمة « وَلِكَيْ يَغْلِبَ» .
‏وحرب الظلمة، من اسمها تعرف أنها حرب خداع وتزييف، لها صورة الحرب وهي ليست حرباً، ولها صورة الحق وهي الكذب بعينه.
‏بدأها الشيطان بحديث الحية مع الإنسان وهو في صورة الأضعف «حواء»: «أحقأ قال الله لا تأكلا من "كل" شجر الجنة» (تك 1:3). هذا أول تزييف للحق، فالله لم يقل هذا ولكن هذا مدخل التشكيك.
ثم يبني الشيطان على التشكيك فكرة لها صورة الصدق، وهي الكذب المسموم, والتجربة التي صدقها الإنسان فمات بالفعل: «فقالت المرأة للحية من ثمر شجر الجنة نأكل, وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة لن تموتا...» (تك 2:3-4). فأكل الإنسان ومات. هذه الحرب, حرب الغواية والغش والخدع قائمة بحسب بولس الرسول كما هي حتى اليوم: «ولكني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تُفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح.» (2كو 3:11).
‏ولكن أقوى مواجهة تمت بين النور والظمة على مدى تاريخ الإنسان وعمره كانت مع المسيح: «لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء» (يو 30:14), «من منكم يبكتني على خطية.» (يو46:8 ‏)
‏ولكن الشيطان في استخدام سلطان الظلمة أكثر من حدوده ووثق في أدوات القتل التى يملكها من شهود زور، ورؤساء يبخرون للكذب وحرفية الناموس القاتلة وحناجر الشعب ألجاهل وقاض جبان. وهكذا، فإنه وعلى الصليب رأى بولس الرسول كيف تم القبض على رؤساء الظلمة وكيف فُضحوا وشٌهر بهم: « إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّراً ايَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ اشْهَرَهُمْ (فضحهم) جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيهِ (أى فى الصليب).» (كو 14:2-15)
ومن هذا, ولهذا صار الصليب رعباً للشيطان وسلاحاً ضد كل أعمال الظلمة.
‏فإذا أردنا أن نبلور حرب الظلمة الأولى مع أدم وحواء، فهذه يلخصها لنا القداس الإلهي في مطلعه قائلاً: "والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس... ". أما إذا أردنا أن نبلور حرب ‏الظلمة الكبرى على الصليب، فهذه يلخصها الإنجيل بقوله: " فَأَجَابَهُمْ بِيلاَطُسُ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟». لأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً." (مر 9:15-10)
‏فالحسد, وهو الصفة الاولى لمن فقد النعمة, كان عمل الظلمة تجاه الإنسان لحجز النور عنه ولاطفاء النور ذاته، ولكن قرار الإنجيل الأخير أن الظلمة لم تدرك قصدها!! ولن تدرك!!
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
ما هي الظمة.
‏عرفنا أن النور الحقيقي هو طبيعة الله و "الكلمة"، ومعلوم أن «الظلمة» بحسب معرفة الإنسان المادية والقياسية هي غياب النور ليس إلا، أي لا توجد ظلمة, ككيان بحد ذاته, ولكن الظمة تصير أحيانا بغياب النور. وهذا المقياس ينطق على المعنى الروحي «للظلمة» بمفهومها الروحي إلى حد كبير. فإذا أخذنا «النور» مأخذاً شخصياً يكون «النور» هو الله من جهة طبيعته. وبالتال تكون «الظلمة» هي الشخص الذي يخلو من طبيعة الله المضيئة والمنيرة (روحياً) خلواً تاماً سواء كان هذا شيطاناً أو إنساناً. وقد عرفنا الإنجيل بكل يقين أن شخص الظمة هو الشيطان. حيث يقدم لنا الإنجيل معرفة الله وكلمته أنه "المحيي" للانسان جسدياً وروحياً، والشيطان أنه "قتال ‏للناس منذ البدء" جسدياً وروحياً، وإن الله وكلمته أمين وصادق في كل ما يقول ويعمل، وأن الشيطان "كذاب وأبو الكذاب" (يو 44:8). ومن ذلك نرى أن الله نور حقاً وأن الشيطان ظلمة بالحقيقة، ويدعوه المسيح «سلطان الظلمة»: "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 53:22)، وهي ساعة تزور حكم الموت للمسيح.
‏فإذا عرفنا الظلمة بحد ذاتها خلواً من شخص، أي من جهة طبيعتها وعملها، تكون هي السالبية بكل معانيها وأعمالها:
‏فإن كان النور الحقيقي أي الله هو "المحبة" وهو "الرحمة" والسلام" و"الحق" و"الأمانة"؛ يكون الظلام أو الظلمة هي اللامحبة وكل ما يتفرع منها، البغض والكراهية والحقد والحسد والنميمة والذم والقتل..... إلخ.
وهي اللارحمة وكل ما يتفرع منها، القسوة والنقمة والتعذيب......إلخ.
‏وهي اللاسلام وكل ما يتفرع منه، القلق والضيق والاضطراب والتشويش والخوف .....إلخ
وهي اللآحق وكل ما يتفرع منه، الغش والتزوير والتحريف والكذب....إلخ .
‏وهي اللا أمانة وكل ما يتفرع منها: الخيانة والإختلاس والسرقة...... إلخ .
‏فهذه كلها أعمال«الظلمة» التي تتخذ وجودها ونشاطها من غياب "النور"
‏لذلك عندما يقول القديس يوحنا إن: الله نور وليس فيه ظلمة البتة" (1يو5:1), فهذا يعني خلو طبيعته المنيرة الخيرة من كل السالبية خلواً باتاً.
وعندما يقول إن الحياة الأبدية التي في "الكلمة" "فيه كانت الحياة", وهذه الحياة هي «نور الناس»، فهو يقصد بكل تأكيد أن حياة «الكلمة» في الناس هي مصدر كل الإيجابيات، فهي حضرة نور الله وصفاته داخل النفس البشرية حيث ينمو الحب وتزدهر الرحمة وينشر السلام ويتجذر الحق وتثبت الأمانة. وذلك كله يتم على جهتين:
‏فمن جهة الخالق وكلمته, فإنه يتعهد صورته التي خلق لتبقى على صورة خالقها، ومن جهة الإنسان تنزع الصورة فيه بحسب طبيعتها لتحاكي أصلها وتتعدل عليه.
‏هذا كله بدأ منذ الخلق وسار في طريق الزمن، مرة يعلو ومرة ينخفض، من شعب لشعب ومن إنسان لإنسان، والله يعدل طريقته بحسب اعوجاج الانسان أو استقامته، من إعلان لإعلان، ومن تزكية لتزكية، ليبلح قصده من الخلق يوم خلق. إلى أن "أظهرت الحياة الآبدية", التي في الكلمة, التي كانت عند الأب في صميم جوهرها، وتجسد النور بملء فعله كأخر مرحلة من خطة الله الأزلية، ليأخذ الإنسان صورة خالقه ويدخل معه الحياة في حال التبني.
وقول القديس يوحنا أن "االنور يضىء في الظلمة والظلمة لم تدركه" هو تصوير بديع لحال الإنسان الذي أخفق كثيراً ومراراً في الإمساك بالنور أو التعرف عليه. فأول إخفاق شنيع ومريع كان في انحياز آدم وحواء إلى الظمة وخروجهما من دائرة النور الفعال, ثم على مدى كل الأزمنة القديمة وعلى ستوى الفهماء والحكماء والشعراء والفلاسفة الكبار، أخفق الإنسان أن يمسك بالنور أو يتحول إليه: " لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ. وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى وَ الطُّيُورِ وَ الدَّوَابِّ وَ الزَّحَّافَاتِ." رو 21:1-23)
‏بل ويمعن بولس الرسول في إظهار مدى تسرب النور الإلهي والحكمة الإلهية إلى حكماء العالم قديماً، وخاصة حكماء أثينا، وبالرغم من امتلاكهم "حكمة الله" فإنهم لم يخضعوا لنورها، وبالتال لم يدركوا الله بالحكمة لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة, استحسن الله أن يخص المؤمنبن ‏بجهالة الكرازة (الصليب). (1كو 21:1)
‏وهذا ما يقصده القديس يوحنا في تصويره لمرحلة عمل «الكلمة» في العالم والناس فيما قبل ظهوره في العهد القديم على ألسنة الأنبياء، كـ «كلمة الله» وكنور, عندما اختار له أخصاء من شعب اختاره لنفسه للاعلان عن الله وعن قرب
‏الظمة تتعقب النور: يقول القديس يوحنا أن "النور يضىء" وهذا بحكم طبيعته الإلهية الخيرة، وهو يضىء على الجميع بلا استثناء كما يقول الإنجيل: "يشرق شمسه على الأشرار والصالحين" (مت45:5). ولكن لكي يبين الله عظم صلاحه فإنه يركز عمل نوره عل الظمة والجالسين في الظمة.
ولقد تحدد منذ الدهر بفم أنبياء كثيرين أن المسيح سيكون "نوراً للأمم" بقدر ما سيكون «مجداً لشعبك إسرائيل» (لو32:2). لذلك أصبح من طبيعة النور الخلاصية أنه يعقب الظمة منذ الآزل: «للرب حرب مع عماليق من دور إلى دور» (خر 16:17). وهو يفتش عن الذين له في مسالك الأرض كلها: "الشعب السالك في الظمة أبصر نوراً عظميماً. الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور." (إش 2:9)
‏وتعقب النور للظلمة أنشأ بالتالي ترصداً وتعقباً مضاداً من جهة الظلمة تجاه النور، وذلك ‏بحسب قانون الأفعال والحركات، مادية كانت أو روحية، القائل بأن لكل فعل رد فعل، بمقتض تدبير الله تجاه إبليس المدعو أيضاً «سلطان الظمة»، حينها قال الله للحية التي كانت تنطق بفم إبليس: «وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها، هو يسحق (يرصد) رأسك وأنت تسحقين (ترصدين) عقبه.» (تك 15:3)
‏وقول القديس يوحنا أن «الظلمة لم تدركه» هو وصف دقيق للعجز الذي ظهر به الشيطان في صراعه ضد مصدر النور بطول الزمن وعل مدى الحياة.
فقد لخص سفر الرؤيا معركة المسيح مع إبليس والعالم هكذا: " فَنَظَرْتُ، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ، وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ قَوْسٌ، وَقَدْ أُعْطِيَ إِكْلِيلاً، وَخَرَجَ غَالِباً وَلِكَيْ يَغْلِبَ" (رؤ 2:6)
‏وهنا غلبة النور على الظلمة تأتي على مرحلتين: الاولى في الفعل الماضي "َخَرَجَ غَالِباً" والثانية لأفعال قادمة « وَلِكَيْ يَغْلِبَ» .
‏وحرب الظلمة، من اسمها تعرف أنها حرب خداع وتزييف، لها صورة الحرب وهي ليست حرباً، ولها صورة الحق وهي الكذب بعينه.
‏بدأها الشيطان بحديث الحية مع الإنسان وهو في صورة الأضعف «حواء»: «أحقأ قال الله لا تأكلا من "كل" شجر الجنة» (تك 1:3). هذا أول تزييف للحق، فالله لم يقل هذا ولكن هذا مدخل التشكيك.
ثم يبني الشيطان على التشكيك فكرة لها صورة الصدق، وهي الكذب المسموم, والتجربة التي صدقها الإنسان فمات بالفعل: «فقالت المرأة للحية من ثمر شجر الجنة نأكل, وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا. فقالت الحية للمرأة لن تموتا...» (تك 2:3-4). فأكل الإنسان ومات. هذه الحرب, حرب الغواية والغش والخدع قائمة بحسب بولس الرسول كما هي حتى اليوم: «ولكني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تُفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح.» (2كو 3:11).
‏ولكن أقوى مواجهة تمت بين النور والظمة على مدى تاريخ الإنسان وعمره كانت مع المسيح: «لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء» (يو 30:14), «من منكم يبكتني على خطية.» (يو46:8 ‏)
‏ولكن الشيطان في استخدام سلطان الظلمة أكثر من حدوده ووثق في أدوات القتل التى يملكها من شهود زور، ورؤساء يبخرون للكذب وحرفية الناموس القاتلة وحناجر الشعب ألجاهل وقاض جبان. وهكذا، فإنه وعلى الصليب رأى بولس الرسول كيف تم القبض على رؤساء الظلمة وكيف فُضحوا وشٌهر بهم: « إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّراً ايَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ اشْهَرَهُمْ (فضحهم) جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيهِ (أى فى الصليب).» (كو 14:2-15)
ومن هذا, ولهذا صار الصليب رعباً للشيطان وسلاحاً ضد كل أعمال الظلمة.
‏فإذا أردنا أن نبلور حرب الظلمة الأولى مع أدم وحواء، فهذه يلخصها لنا القداس الإلهي في مطلعه قائلاً: "والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس... ". أما إذا أردنا أن نبلور حرب ‏الظلمة الكبرى على الصليب، فهذه يلخصها الإنجيل بقوله: " فَأَجَابَهُمْ بِيلاَطُسُ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ؟». لأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً." (مر 9:15-10)
‏فالحسد, وهو الصفة الاولى لمن فقد النعمة, كان عمل الظلمة تجاه الإنسان لحجز النور عنه ولاطفاء النور ذاته، ولكن قرار الإنجيل الأخير أن الظلمة لم تدرك قصدها!! ولن تدرك!!
 

ميشيل فريد

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
23 ديسمبر 2008
المشاركات
1,466
مستوى التفاعل
93
النقاط
48
6- كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا. هَذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ

‏لا يزال التسلسل الإعلاني عن الكلمة يسير في مجراه، من الأزلية عند الله ثم إلى الخلق، ثم إلى الحياة في الناس، وإلى النور. وهنا يبدأ القديس يوحنا ليدخل «بالكلمة«» إل مجال التاريخ ‏الانجيلي.
‏والملاحظ أن الأناجيل بعد أن استوفت قصة ميلاد المسيح، بدأت على الفور تاريخ الإنجيل بذكر يوحنا المعمدان كبدء للخدمة العملية والكرازة. هذا ما سار عليه القديس يوحنا، إذ بعد أن استوفى استعلان وجود المسيح السابق على ميلاده أي تجسده، بدأ يؤرخ. ولكن أسلوب القديس يوحنا يرتفع دائمأ بالتاريخ إلى ما هو فوق التاريخ. فإن كل كلمة ذكرها عن المعمدان وضعها في القابل لما ذكره عن المسيح، ليجعل المقارنة تنطق بألوهية المسيح.
فـ كان "إنسان" يقابلها "وكان الكلمة الله"
ثم «مرسل من الله» يأتي الفعل مبنياً للمجهول بصوم ة تجعل التركيز يقع على الإرسالية في حد ذاتها وعلى هدفها، فهي إرسالية إلهية ولكن المرسل "إنسان اسمه يوحنا". والقديس يوحنا يركز على الإرسالية أنها من الله باعتبار أن هذه الارسالية، وليس شخصه، هي التي تعطي المعمدان أهميته.
‏«اسمه يوحنا» هنا لو رجعا إلى إنجيل لوقا (59:1-66‏) وقرأنا قصة تسمية يوحنا، نفهم لماذا ركز القديس يوحنا الإنجيلى على هذا الاسم من حيث القصد من التسمية, ثم معنى الاسم. فالقصد في قصة إنجيل لوقا مربوط بعلاقته بمجيء المسيح، والمعنى «الله يتحنن» يشير إلى تحنن الله بإرسال المخلص. فالتسمية والاسم بالنسبة للمعمدان يخدمان الإعلان عن المسيح الكلمة المتجسد. كذلك لا ننسى أن اسم كاتب الإنجيل هو يوحنا. فبالرغم من أن الأناجيل الثلاثة ذكرت المعمد بأسمه "يوحنا" مضافأً إليه لقبه الشهير جداً "المعمدان"، حتى يميزوه عن يوحنا الإنجيلي، إلا أذ يوحنا نفسه لم يذكر لقب المعمدان مكتفياً بيوحنا، لأنه ليس ما يدعو للتمييز فهو كاتب الإنجيل. وهذا ما أخذه كثير من الشراح لإثبات أن كاتب الإنجيل الرابع هو يوحنا.
‏هذا جاء للشهادة ليشهد للئور:
‏"هذا" كحرف إشارة يفيد في أسلوب القديس يوحنا العودة إلى الشخص بكل صفاته المذكورة، حيث يجعل مجيئه لقصد محدد وهو«الشهادة للنور». وهذا هو محور كل ما سيجيء عن المعمدان في إنجيل يوحنا. ويلاحظ كيف يحصر القديس يوحنا عمل المعمدان في "الشهادة"، ثم كيف يعود ويؤكد حدود هذه الشهادة أيضاً، فهو جاء للشهادة فقط، وشهادته هى للنور فقط. فهو يركز على الشهادة وليس الشاهد نفسه.
‏وهنا يتبادر إل ذهن القارىء سؤال: ولماذا هذا التحديد والحصر والقصر؟؟
‏للرد نقول: إن عاملين أحدها إيجابي والأخر سلبي كانا يتحكمان في الحديث عن المعمدان بالنسبة لإنجيل يوحنا وخاصة في زمن كتابته:
‏العامل الاول الإيجابي: هو أهية شهادة المعمدان القصوى بالنسبة للانجيل كونه ممثلاً للعهد القديم بأنبيائه والمعاصر للمسيح, علماً بأن الشهادة تحتل في إنجيل يوحنا مركزاً هاماً.
(وترد فيه 14 مرة، في حين ترد في إنجيل مرقس 3 ‏مرات، وفي إنجيل لوقا مرة واحدة، وتغيب من إنجيل متى تاماً. كما يرد الفعل "يشهد" 33 ‏مرة في إنجيل يوحنا، ولا يرد نهائياً في إنجيل مرقس ويرد مرة واحدة في كل من إنجيلي متى ولوقا). وهكذا يستخدم إنجيل يوحنا الشهادة أكثر من أي سفر آخر في العهد الجديد.
‏وتوجد في إنجيل يوحنا سبعة أنواع من الشهادات للميسح، منها ثلاثة مختصة بالآقانيم الثلاثة:
‏شهادة الآب: 31:5 و 34 و37 و 18:8.
‏شهادة المسيح لنفسه: 14:8 و 18 و 11:3 و 32 و 37:18.
شهادة الروح القدس: 39:5 و 46.
‏ثم شهادة الآعمال التي يعملها المسيح: 36:5 و 25:10 و11:14 24:15.
ثم شهادة الأسفار المقدسة: 39:5 و 46 ‏.
والشاهد السادس هو يوحنا المعمدان.
أما الشهادة السابعة فهي لمجموعة عديدة من الآشخاص منهم التلاميذ 27:15 و 35:19 و 24:21، ثم السامرية في بكور الرسالة، وكذلك نثنائيل، وبطرس في الختام. كما لا ننسى شهادة توما الفائقة القدر، وشهاد‏ة الآعمى الذي صار بصيراً.
‏على أن الشهادة كما يقدمها القديس يوحنا فى شخص المعمدان هي بمثابة وضع الرقبة تحت سيف القاتل. فالذي يشهد للمسيح أنه ابن الله كان عليه أولاً أن يفرط في نفسه وفي الحياة, ولذلك تأتي شهادته توكيداً "للحق" الذي كان عنده أعلى قيمة من الحياة. ويسلمنا القديس يوحنا إنجيله محمولاً على رقاب كثيرة أولهم المعمدان.
العامل الثاني وهو السلبي: لأنه قامت شيعة يهودية نصف مسيحية تتعصب للمعمدان كونه هو المسيح, نسمع عن بدايتها في إنجيل لوقا: "وإذ كان الشعب ينتظر والجميع يفكرون في قلوبهم عن يوحنا لعله المسيح...»» (لو 15:3‏). ثم في سفر الأعمال: "ثم أقبل إلى أفسس يهودي اسمه أبلوس إسكندري الجنس رجل فصيح مقتدر في الكتب. كان هذا خبيرأ في طريق الرب (التنبؤات عن المسيا)، وكان وهو حار بالروح يتكلم ويعلم بتدقيق ما يختص بالرب عاوفاً معمودية يوحنا فقط" (أع 24:18-25)، كذلك: "بولس بعد ما اجتاز في النواحي العالية جاء إلى أفسس، فإذ وجد تلاميذ قال لهم هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم. قالوا له ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس. فقال لهم فبماذا اعتمدتم, فقالوا بمعمودية يوحنا. فقال بولس إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلآ للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده أي بالمسيح يسوع. فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع. ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم فطفقوا يتكلمون بلغات ويتنبأرن. وكان جميع الرجال نحو اثني عشر" (أع 1:19-7)
‏وفي ختام القرن الأول بلغت هذه الشيعة شأواً كبيراً بلبل الكرازة، هذا مما جعل القديس يوحنا يركز على كون المعمدان جاء للشهادة فقط ليشهد للنور ولم يكن هو النور, واستطرد في توضيح ذلك كلما جاء ذكر المعمدان.

يتبع
 
أعلى