معلش، كنت عايز اسألك انتي أيضا ازيك يا جميل؟ أحاول الاختصار دائما في رسائلي قدر ما أستطيع ولكن يأتي ذلك للأسف على حساب الكثير من المعاني والأفكار. أعود بالتالي لأسألك عن أحوالك أيضا وأحوال سوريا الجميلة. هل ما زلتِ على حماسك "للقيادة الجديدة" كما كانت الأمور في البداية، قبل عام تقريبا؟ ما هي مشاعر الشعب المسيحي عموما بعد كل ما حدث خلال هذه الفترة، خاصة بالساحل والسويداء؟ ما هي توقعاتكم من أرض الواقع، بعيدا عن كل هذا الضجيج الإعلامي الموجّه؟ لا داعي بالطبع للخوض هنا بأي حديث في السياسة، أعتقد أن ذلك حتى ممنوع أصلا، ولكن يكفينا فقط الإشارة باختصار.
***
أريد ـ ثانيا ـ أن أوضح سريعا بعض الأمور في رسالتي، أو رسائلي عموما، خاصة فيما يتعلق مثلا بالشر وقولي إنه لا يوجد حقا أي شر بالعالم. ربما يكون هذا غريبا أو حتى صادما للبعض، لكن هذا أيها الأحباء هو تعليم الأباء، خاصة أثناسيوس الرسولي وغريغوريوس اللاهوتي وغيرهم. لا يوجد في الحقيقة شر بالعالم، وإلا فمن أين جاء هذا الشر؟ مَن خلق الشر، ولماذا؟ الشر الوحيد بالتالي ـ هكذا علمنا الآباء ـ هو شر "الإرادة"، وهو لا يوجد بالتالي إلا فقط في هذه "الإرادة" أثناء اختيارها له. قد يصيبنا بالتالي هذا الشر، نعم، حسب "إرادة" الأشرار أو الشيطان. ولكن حتى هذا الشر ـ بنعمة الله وعنايته ـ يتحول خيرا لمن يحبون الله، كما يعرف الجميع (رو 28:8). فإذا كنا نحب الله حقا، وكنا مع الله دائما، فليس هناك بالتالي أي شر في حياتنا أبدا، وكل ما يحدث لنا ـ مهما بدا في حينه صعبا أو قاسيا ـ هو في الحقيقة خير قطعا، وخير دائما، وقد نتذكره فيما بعد فندرك أنه كان بالعكس أفضل ما حدث بحياتنا!
***
أضيف ـ ثالثا وأخيرا ـ أن هناك فرق بين الشرق والغرب قد نواجهه أحيانا ويجدر بالتالي أن ننتبه له دائما. مفهوم النعمة نفسه مثلا يختلف معناه في الشرق عنه في الغرب. (النعمة في الغرب هبة إلهية فائقة، أما في الشرق فهي قوة إلهية غير مخلوقة. هذا الفرق الدقيق انعكس على اللاهوت الشرقي كله فيما بعد وميّزه عن اللاهوت الغربي في أمور عديدة، ربما أشهرها مفهوم "التأله" مثلا، لأن الهبة المخلوقة وإن كانت فائقة لا تؤلّه، بينما القوة غير المخلوقة يمكنها بالطبع ذلك).
أكتب بالتالي من هذه الخلفية الشرقية والروحية البحتة، مما قد يخالف بعض التوقعات أحيانا. لكن الحديث كله موثق بالطبع بأقوال الأباء وتعليمهم، قديما وحديثا، وحتى من آباء الغرب أيضا ليس فقط الشرقيين. (قد يفاجأ البعض أن القديس أوغسطين مثلا ـ وهو عميد الكنيسة الغربية ـ كان يؤمن بمفهوم التأله تماما كما يؤمن به الشرقيون). أما حديثي عن صورة الله وعن هوية الإنسان وحقيقته فإني بالعكس: أدين بالكثير من أفكاري في هذا الباب للراهب الكاثوليكي الشهير توماس ميرتون (الأب لويس)، خاصة وقد اتفقنا كثيرا من حيث رحلتنا ودراستنا وخلفيتنا ومشاربنا. المزيد بالتالي من هذه الأفكار يمكن أن نطالعه مفصّلا في كتبه العديدة، أو في بعض الخلاصات القليلة المتاحة (كما في هذا الفيديو على سبيل المثال).
***
عموما كانت هذه مجرد إضافات وإيضاحات سريعة ـ ربما تكشف فقط حجم الاختصار والدمج والتلخيص الذي أقوم به في رسائلي ـ وكم كنت بالطبع أتمنى لو اتسع السياق للمزيد. فينك يا أيمونديد!
كان هو ـ الله يمسيه بالخير ـ اللي بيرد ويسأل ويناقش ويطلّع كل المستخبي، لحد ما يرتاح أخيرا. كذلك أيضا كان الجميل أوريجانوس المصري. وطبعا فينك يا عبـود! كان أيضا "صانع ألعاب" من الطراز الأول، رغم إنه كان يتعامل معنا دائما ومع المسيحية كلها كمحامي: مش مهم الحقيقة، المهم يكسب القضية! 
ختاما لا تنسي على الأقل أن تطمئنينا على أحوالك، قطتنا البرنسيس الجميلة، وعلى أحوال سوريا الحبيبة كلها ـ سوريا الحضارة والفن والثقافة والشعر والموسيقى والجمال! مرة أخرى أشكرك على رسائلك واهتمامك، تحياتي ومحبتي وحتى نلتقي. ♥