- إنضم
- 30 أكتوبر 2005
- المشاركات
- 178
- مستوى التفاعل
- 0
- النقاط
- 0
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)
بيان
تذكر الآيات شأنا آخر من شئون المنافقين، و تكشف عن سوأة أخرى من سوءاتهم ستروا عليها بالنفاق، و كانوا يحذرون أن تظهر عليهم و تنزل فيها سورة تقص ما هموا به منها.
و الآيات تنبىء عن أنهم كانوا جماعة ذوي عدد كما يدل عليه قوله: «إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة» و أنه كان لهم بعض الاتصال و التوافق مع جماعة آخرين من المنافقين كما في قوله: «المنافقون و المنافقات بعضهم من بعض» الآية و أنهم كانوا على ظاهر الإسلام و الإيمان حتى اليوم و إنما نافقوا يومئذ أي تفوهوا بكلمة الكفر فيما بينهم و أسروا بها يومئذ كما في قوله: «قد كفرتم بعد إيمانكم».
و أنهم تواطئوا على أمر دبروه فيما بينهم فأظهروا عند ذلك كلمة الكفر و هموا على أمر عظيم فحال الله بينهم و بينه فخاب سعيهم و لم يؤثر كيدهم كما في قوله: «و لقد قالوا كلمة الكفر و كفروا بعد إسلامهم و هموا بما لم ينالوا».
و أنه ظهر مما هموا به بعض ما يستدل عليه من الآثار و القرائن فسألوا عن ذلك فاعتذروا بما هو مثله قبحا و شناعة كما في قوله: «و لئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض و نلعب» و الآيات التالية لهذه الآيات في سياق متصل منسجم تدل على أن هذه الوقعة أيا ما كانت وقعت بعد خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك و لما يرجع إلى المدينة كما يدل عليه قوله: «فإن رجعك الله إلى طائفة منهم» الآية: آية: - 83 من السورة: و قوله: «سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم» آية: - 95 من السورة.
فيتلخص من الآيات أن جماعة ممن خرج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تواطئوا على أن يمكروا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و أسروا عند ذلك فيما بينهم بكلمات كفروا بها بعد إسلامهم ثم هموا أن يفعلوا ما اتفقوا عليه بفتك أو نحوه فأبطل الله كيدهم و فضحهم و كشف عنهم فلما سئلوا عن ذلك قالوا: إنما كنا نخوض و نلعب فعاتبهم الله بلسان رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه استهزاء بالله و آياته و رسوله، و هددهم بالعذاب إن لم يتوبوا، و أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجاهدهم و يجاهد الكافرين.
فالآيات - كما ترى - أوضح انطباقا على حديث العقبة منها على غيره من القصص التي تتضمنها الروايات الآخر الواردة في بيان سبب نزول الآيات، و سنورد جلها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: «يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم» إلى آخر الآية.
كان المنافقون يشاهدون أن جل ما يستسرون به من شئون النفاق و يناجي به بعضهم بعضا من كلمة الكفر و وجوه الهمز و اللمز و الاستهزاء أو جميع ذلك لا يخفى على الرسول، و يتلى على الناس في آيات من القرآن يذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه من وحي الله، و لا محالة كانوا لا يؤمنون بأنه وحي نزل به الروح الأمين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، و يقدرون أن ذلك مما يتجسسه المؤمنون فيخبرون به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخرجه لهم في صورة كتاب سماوي نازل عليهم و هم مع ذلك كانوا يخافون ظهور نفاقهم و خروج ما خبوه في سرائرهم الخبيثة لأن السلطنة و الظهور كانت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم يجري فيهم ما يأمر به و يحكم عليه.
فهم كانوا يحذرون نزول سورة يظهر بها ما أضمروه من الكفر و هموا به من تقليب الأمور على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قصده بما يبطل به نجاح دعوته و تمام كلمته فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغهم أن الله عالم بما في صدورهم مخرج ما يحذرون خروجه و ظهوره بنزول سورة من عنده أي يخبرهم بأن الله منزل سورة هذا نعتها.
و بهذا يستنير معنى الآية فقوله: «يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة» الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و وجه الكلام إليه، و هو يعلم بتعليم الله أن هذا الكلام الذي يتلوه على الناس كلام إلهي و قرآن منزل من عنده فيصف سبحانه الكلام الذي يخاف منه المنافقون بما له من الوصف عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو أنه سورة منزلة من الله على الناس و منهم المنافقون لا على ما يراه المنافقون أنه كلام بشري يدعى كونه كلام الله.
فهم كانوا يحذرون أن يتلو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم و على الناس كلاما هذا نعته الواقعي و هو أنه سورة منزلة عليهم بما أنها متوجهة بمضمونها إليهم قاصدة نحوهم ينبئهم هذه السورة النازلة بما في قلوبهم فيظهر على الناس و يفشو بينهم ما كانوا يسرونه من كفرهم و سوء نياتهم، و هذا الظهور في الحقيقة هو الذي كانوا يحذرونه من نزول السورة.
و قوله: «قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون» كأن المراد بالاستهزاء هو نفاقهم و ما يلحق به من الآثار فإن الله سمى نفاقهم استهزاء حاكيا في ذلك قولهم حيث قال: «و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون:» البقرة: - 14 فالمراد بالاستهزاء هو ستر ما يحذرون ظهوره، و الأمر تعجيزي أي دوموا على نفاقكم و ستركم ما تحذرون خروجه من عندكم إلى مرأى الناس و مسمعهم فإن الله مخرج ذلك و كاشف عن وجهه الغطاء، و مظهر ما أخفيتموه في صدوركم.
فصدر الآية و إن كان يذكر أنهم يحذرون تنزيل سورة كذا و كذا لكنهم إنما كانوا يحذرونها لما فيها من الأنباء التي يحذرون أن يطلع عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تنجلي للناس، و هذا هو الذي يذكر ذيلها أنهم يحذرونه فالكلام بمنزلة أن يقال: يحذر المنافقون تنزيل سورة قل إن الله منزلها، أو يقال: يحذر المنافقون انكشاف باطن أمرهم و ما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله سيكشف ذلك و ينبىء عما في قلوبكم.
و بما تقدم يظهر سقوط ما أشكل على الآية أولا: بأن المنافقين لكفرهم في الحقيقة لم يكونوا يرون أن القرآن كلام منزل من عند الله فكيف يصح القول أ يحذرون أن تنزل عليهم سورة؟.
و ثانيا: أنهم لما لم يكونوا مؤمنين في الواقع فكيف يصح أن يطلق أن سورة قرآنية نزلت عليهم و لا تنزل السورة إلا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو على المؤمنين؟.
و ثالثا: أن حذرهم نزول السورة و هو حال داخلي جدي فيهم لا يجامع كونه استهزاء.
و رابعا: أن صدر الآية يذكر أنهم يحذرون أن تنزل سورة و ذيلها يقول: إن الله مخرج ما تحذرون فهو في معنى أن يقال: إن الله مخرج سورة أو مخرج تنزيل سورة.
و قد يجاب عن الإشكال الأول بأن قوله: يحذر المنافقون «إلخ» إنشاء في صورة خبر أي ليحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة «إلخ».
و هو ضعيف إذ لا دليل عليه أصلا على أن ذيل الآية لا يلائم ذلك إذ لا معنى لقولنا: ليحذر المنافقون كذا قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون أي ما يجب عليكم حذره.
و هو ظاهر.
و قد يجاب عنه بأنهم إنما كانوا يظهرون الحذر استهزاء لا جدا و حقيقة.
و فيه أن لازمه أنهم كانوا على ثقة بأن ما في قلوبهم من الأنباء و ما أبطنوه من الكفر و الفسوق لا سبيل للظهور و الانجلاء إليه، و لا طريق لأحد إلى الاطلاع عليه، و يكذبه آيات كثيرة في القرآن الكريم تقص ما عقدوا عليه القلوب من الكفر و الفسوق و هموا به من الخدعة و المكيدة كالآيات من سورة البقرة و سورة المنافقين و غيرهما، و إذ كانوا شاهدوا ظهور أنبائهم و مطويات قلوبهم عيانا مرة بعد مرة فلا معنى لثقتهم بأنها لا تنكشف أصلا و إظهارهم الحذر استهزاء لا جدا، و قد قال تعالى: «يحسبون كل صيحة عليهم:» المنافقون: - 4.
و قد يجاب عنه بأن أكثر المنافقين كانوا على شك من صدق الدعوة النبوية من غير أن يستيقنوا كذبه، و هؤلاء كانوا يجوزون تنزيل سورة تنبئهم بما في قلوبهم احتمالا عقليا، و هذا الحذر و الإشفاق كما ذكروه أثر طبيعي للشك و الارتياب فلو كانوا موقنين بكذب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خطر لهم هذا الخوف على بال، و لو كانوا موقنين بصدقه لما كان هناك محل لهذا الخوف و الحذر لأن قلوبهم مطمئنة بالإيمان.
و هذا الجواب - و هو الذي اعتمد عليه جمهور المفسرين - و إن كان بظاهره لا يخلو عن وجه غير أن فيه أنه إنما يحسم مادة الإشكال لو كان الواقع من التعبير في الآية نحوا من قولنا: يخاف المنافقون أن تنزل عليهم سورة، و لذا قرروا الجواب بأن الخوف يناسب الشك دون اليقين.
لكن الآية تعبر عن شأنهم بالحذر، و يخبر أنهم يحذرون أن تنزل عليهم سورة «إلخ» و الحذر فيه شيء من معنى الاحتراز و الاتقاء، و لا يتم ذلك إلا بالتوسل إلى أسباب و وسائل تحفظ الحاذر مما يحذره و يحترز منه، و تصونه من شر مقبل إليه من ناحية ما يخافه.
و لو كان مجرد شك من غير مشاهدة أثر من الآثار و إصابة شيء مما يتقونه إياهم لما صح الاحتراز و الاتقاء، فحذرهم يشهد أنهم كانوا يخافون أن يقع بهم هذه المرة نظير ما وقع بهم قبل ذلك من جهة آيات البقرة و غيرها، فهذا هو الوجه لحذرهم دون الشك و الارتياب فالمعتمد في الجواب ما قدمناه.
و قد يجاب عن الإشكال الثاني بأن «على» في قوله: «أن تنزل عليهم» بمعنى: في كما في قوله: «و اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان:» البقرة: - 102، و المعنى: يحذر المنافقون أن تنزل فيهم أي في شأنهم و بيان حالهم سورة تكشف عما في ضمائرهم.
و فيه أنه لا بأس به لو لا قوله بعده: «تنبئهم بما في قلوبهم» على ما سنوضحه.
و قد يجاب عنه بأن الضمير في قوله: «عليهم» راجع إلى المؤمنين دون المنافقين و المعنى: يحذر المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة تنبىء المنافقين بما في قلوب المنافقين أو تنبىء المؤمنين بما في قلوب المنافقين.
ورد عليه بأنه يستلزم تفكيك الضمائر.
و دفع بأن تفكيك الضمائر غير ممنوع و لا أنه مناف للبلاغة إلا إذا كان المعنى معه غير مفهوم، و ربما أيد بعضهم هذا الجواب بأنه ليس هاهنا تفكيك للضمائر فإنه قد سبق أن المنافقين يحلفون للمؤمنين ليرضوهم ثم وبخهم الله بأن الله و رسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين فقد بين هاهنا بطريقة الاستئناف أنهم يحذرون أن تنزل على المؤمنين سورة تنبئهم بما في قلوبهم فتبطل ثقتهم بهم فأعيد الضمير إلى المؤمنين لأن سياق الكلام فيهم فلا أثر من التفكيك.
و فيه أن من الواضح الذي لا يرتاب فيه أن موضوع الكلام في هذه الآيات و آيات كثيرة مما يتصل بها من قبل و من بعد، هم المنافقون، و السياق سياق الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا غيره، و إنما كان خطاب المؤمنين في قوله: «يحلفون بالله لكم ليرضوكم خطابا التفاتيا للتنبيه على غرض خاص أومأنا إليه ثم عاد الكلام إلى سياقها الأصلي من خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتبدل خطابهم إلى خطابه فلا معنى لقوله: إن سياق الكلام في المؤمنين.
بيان
تذكر الآيات شأنا آخر من شئون المنافقين، و تكشف عن سوأة أخرى من سوءاتهم ستروا عليها بالنفاق، و كانوا يحذرون أن تظهر عليهم و تنزل فيها سورة تقص ما هموا به منها.
و الآيات تنبىء عن أنهم كانوا جماعة ذوي عدد كما يدل عليه قوله: «إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة» و أنه كان لهم بعض الاتصال و التوافق مع جماعة آخرين من المنافقين كما في قوله: «المنافقون و المنافقات بعضهم من بعض» الآية و أنهم كانوا على ظاهر الإسلام و الإيمان حتى اليوم و إنما نافقوا يومئذ أي تفوهوا بكلمة الكفر فيما بينهم و أسروا بها يومئذ كما في قوله: «قد كفرتم بعد إيمانكم».
و أنهم تواطئوا على أمر دبروه فيما بينهم فأظهروا عند ذلك كلمة الكفر و هموا على أمر عظيم فحال الله بينهم و بينه فخاب سعيهم و لم يؤثر كيدهم كما في قوله: «و لقد قالوا كلمة الكفر و كفروا بعد إسلامهم و هموا بما لم ينالوا».
و أنه ظهر مما هموا به بعض ما يستدل عليه من الآثار و القرائن فسألوا عن ذلك فاعتذروا بما هو مثله قبحا و شناعة كما في قوله: «و لئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض و نلعب» و الآيات التالية لهذه الآيات في سياق متصل منسجم تدل على أن هذه الوقعة أيا ما كانت وقعت بعد خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك و لما يرجع إلى المدينة كما يدل عليه قوله: «فإن رجعك الله إلى طائفة منهم» الآية: آية: - 83 من السورة: و قوله: «سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم» آية: - 95 من السورة.
فيتلخص من الآيات أن جماعة ممن خرج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تواطئوا على أن يمكروا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و أسروا عند ذلك فيما بينهم بكلمات كفروا بها بعد إسلامهم ثم هموا أن يفعلوا ما اتفقوا عليه بفتك أو نحوه فأبطل الله كيدهم و فضحهم و كشف عنهم فلما سئلوا عن ذلك قالوا: إنما كنا نخوض و نلعب فعاتبهم الله بلسان رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه استهزاء بالله و آياته و رسوله، و هددهم بالعذاب إن لم يتوبوا، و أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجاهدهم و يجاهد الكافرين.
فالآيات - كما ترى - أوضح انطباقا على حديث العقبة منها على غيره من القصص التي تتضمنها الروايات الآخر الواردة في بيان سبب نزول الآيات، و سنورد جلها في البحث الروائي الآتي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: «يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم» إلى آخر الآية.
كان المنافقون يشاهدون أن جل ما يستسرون به من شئون النفاق و يناجي به بعضهم بعضا من كلمة الكفر و وجوه الهمز و اللمز و الاستهزاء أو جميع ذلك لا يخفى على الرسول، و يتلى على الناس في آيات من القرآن يذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه من وحي الله، و لا محالة كانوا لا يؤمنون بأنه وحي نزل به الروح الأمين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، و يقدرون أن ذلك مما يتجسسه المؤمنون فيخبرون به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخرجه لهم في صورة كتاب سماوي نازل عليهم و هم مع ذلك كانوا يخافون ظهور نفاقهم و خروج ما خبوه في سرائرهم الخبيثة لأن السلطنة و الظهور كانت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم يجري فيهم ما يأمر به و يحكم عليه.
فهم كانوا يحذرون نزول سورة يظهر بها ما أضمروه من الكفر و هموا به من تقليب الأمور على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قصده بما يبطل به نجاح دعوته و تمام كلمته فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغهم أن الله عالم بما في صدورهم مخرج ما يحذرون خروجه و ظهوره بنزول سورة من عنده أي يخبرهم بأن الله منزل سورة هذا نعتها.
و بهذا يستنير معنى الآية فقوله: «يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة» الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و وجه الكلام إليه، و هو يعلم بتعليم الله أن هذا الكلام الذي يتلوه على الناس كلام إلهي و قرآن منزل من عنده فيصف سبحانه الكلام الذي يخاف منه المنافقون بما له من الوصف عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو أنه سورة منزلة من الله على الناس و منهم المنافقون لا على ما يراه المنافقون أنه كلام بشري يدعى كونه كلام الله.
فهم كانوا يحذرون أن يتلو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم و على الناس كلاما هذا نعته الواقعي و هو أنه سورة منزلة عليهم بما أنها متوجهة بمضمونها إليهم قاصدة نحوهم ينبئهم هذه السورة النازلة بما في قلوبهم فيظهر على الناس و يفشو بينهم ما كانوا يسرونه من كفرهم و سوء نياتهم، و هذا الظهور في الحقيقة هو الذي كانوا يحذرونه من نزول السورة.
و قوله: «قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون» كأن المراد بالاستهزاء هو نفاقهم و ما يلحق به من الآثار فإن الله سمى نفاقهم استهزاء حاكيا في ذلك قولهم حيث قال: «و إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون:» البقرة: - 14 فالمراد بالاستهزاء هو ستر ما يحذرون ظهوره، و الأمر تعجيزي أي دوموا على نفاقكم و ستركم ما تحذرون خروجه من عندكم إلى مرأى الناس و مسمعهم فإن الله مخرج ذلك و كاشف عن وجهه الغطاء، و مظهر ما أخفيتموه في صدوركم.
فصدر الآية و إن كان يذكر أنهم يحذرون تنزيل سورة كذا و كذا لكنهم إنما كانوا يحذرونها لما فيها من الأنباء التي يحذرون أن يطلع عليها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تنجلي للناس، و هذا هو الذي يذكر ذيلها أنهم يحذرونه فالكلام بمنزلة أن يقال: يحذر المنافقون تنزيل سورة قل إن الله منزلها، أو يقال: يحذر المنافقون انكشاف باطن أمرهم و ما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله سيكشف ذلك و ينبىء عما في قلوبكم.
و بما تقدم يظهر سقوط ما أشكل على الآية أولا: بأن المنافقين لكفرهم في الحقيقة لم يكونوا يرون أن القرآن كلام منزل من عند الله فكيف يصح القول أ يحذرون أن تنزل عليهم سورة؟.
و ثانيا: أنهم لما لم يكونوا مؤمنين في الواقع فكيف يصح أن يطلق أن سورة قرآنية نزلت عليهم و لا تنزل السورة إلا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو على المؤمنين؟.
و ثالثا: أن حذرهم نزول السورة و هو حال داخلي جدي فيهم لا يجامع كونه استهزاء.
و رابعا: أن صدر الآية يذكر أنهم يحذرون أن تنزل سورة و ذيلها يقول: إن الله مخرج ما تحذرون فهو في معنى أن يقال: إن الله مخرج سورة أو مخرج تنزيل سورة.
و قد يجاب عن الإشكال الأول بأن قوله: يحذر المنافقون «إلخ» إنشاء في صورة خبر أي ليحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة «إلخ».
و هو ضعيف إذ لا دليل عليه أصلا على أن ذيل الآية لا يلائم ذلك إذ لا معنى لقولنا: ليحذر المنافقون كذا قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون أي ما يجب عليكم حذره.
و هو ظاهر.
و قد يجاب عنه بأنهم إنما كانوا يظهرون الحذر استهزاء لا جدا و حقيقة.
و فيه أن لازمه أنهم كانوا على ثقة بأن ما في قلوبهم من الأنباء و ما أبطنوه من الكفر و الفسوق لا سبيل للظهور و الانجلاء إليه، و لا طريق لأحد إلى الاطلاع عليه، و يكذبه آيات كثيرة في القرآن الكريم تقص ما عقدوا عليه القلوب من الكفر و الفسوق و هموا به من الخدعة و المكيدة كالآيات من سورة البقرة و سورة المنافقين و غيرهما، و إذ كانوا شاهدوا ظهور أنبائهم و مطويات قلوبهم عيانا مرة بعد مرة فلا معنى لثقتهم بأنها لا تنكشف أصلا و إظهارهم الحذر استهزاء لا جدا، و قد قال تعالى: «يحسبون كل صيحة عليهم:» المنافقون: - 4.
و قد يجاب عنه بأن أكثر المنافقين كانوا على شك من صدق الدعوة النبوية من غير أن يستيقنوا كذبه، و هؤلاء كانوا يجوزون تنزيل سورة تنبئهم بما في قلوبهم احتمالا عقليا، و هذا الحذر و الإشفاق كما ذكروه أثر طبيعي للشك و الارتياب فلو كانوا موقنين بكذب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لما خطر لهم هذا الخوف على بال، و لو كانوا موقنين بصدقه لما كان هناك محل لهذا الخوف و الحذر لأن قلوبهم مطمئنة بالإيمان.
و هذا الجواب - و هو الذي اعتمد عليه جمهور المفسرين - و إن كان بظاهره لا يخلو عن وجه غير أن فيه أنه إنما يحسم مادة الإشكال لو كان الواقع من التعبير في الآية نحوا من قولنا: يخاف المنافقون أن تنزل عليهم سورة، و لذا قرروا الجواب بأن الخوف يناسب الشك دون اليقين.
لكن الآية تعبر عن شأنهم بالحذر، و يخبر أنهم يحذرون أن تنزل عليهم سورة «إلخ» و الحذر فيه شيء من معنى الاحتراز و الاتقاء، و لا يتم ذلك إلا بالتوسل إلى أسباب و وسائل تحفظ الحاذر مما يحذره و يحترز منه، و تصونه من شر مقبل إليه من ناحية ما يخافه.
و لو كان مجرد شك من غير مشاهدة أثر من الآثار و إصابة شيء مما يتقونه إياهم لما صح الاحتراز و الاتقاء، فحذرهم يشهد أنهم كانوا يخافون أن يقع بهم هذه المرة نظير ما وقع بهم قبل ذلك من جهة آيات البقرة و غيرها، فهذا هو الوجه لحذرهم دون الشك و الارتياب فالمعتمد في الجواب ما قدمناه.
و قد يجاب عن الإشكال الثاني بأن «على» في قوله: «أن تنزل عليهم» بمعنى: في كما في قوله: «و اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان:» البقرة: - 102، و المعنى: يحذر المنافقون أن تنزل فيهم أي في شأنهم و بيان حالهم سورة تكشف عما في ضمائرهم.
و فيه أنه لا بأس به لو لا قوله بعده: «تنبئهم بما في قلوبهم» على ما سنوضحه.
و قد يجاب عنه بأن الضمير في قوله: «عليهم» راجع إلى المؤمنين دون المنافقين و المعنى: يحذر المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة تنبىء المنافقين بما في قلوب المنافقين أو تنبىء المؤمنين بما في قلوب المنافقين.
ورد عليه بأنه يستلزم تفكيك الضمائر.
و دفع بأن تفكيك الضمائر غير ممنوع و لا أنه مناف للبلاغة إلا إذا كان المعنى معه غير مفهوم، و ربما أيد بعضهم هذا الجواب بأنه ليس هاهنا تفكيك للضمائر فإنه قد سبق أن المنافقين يحلفون للمؤمنين ليرضوهم ثم وبخهم الله بأن الله و رسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين فقد بين هاهنا بطريقة الاستئناف أنهم يحذرون أن تنزل على المؤمنين سورة تنبئهم بما في قلوبهم فتبطل ثقتهم بهم فأعيد الضمير إلى المؤمنين لأن سياق الكلام فيهم فلا أثر من التفكيك.
و فيه أن من الواضح الذي لا يرتاب فيه أن موضوع الكلام في هذه الآيات و آيات كثيرة مما يتصل بها من قبل و من بعد، هم المنافقون، و السياق سياق الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا غيره، و إنما كان خطاب المؤمنين في قوله: «يحلفون بالله لكم ليرضوكم خطابا التفاتيا للتنبيه على غرض خاص أومأنا إليه ثم عاد الكلام إلى سياقها الأصلي من خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتبدل خطابهم إلى خطابه فلا معنى لقوله: إن سياق الكلام في المؤمنين.