لا يا صديقي، بل هناك إصحاح كامل عن البرص في لاويين، وهذا ليس في الكتاب وحسب بل حتى هنا، هنا في هذا الموضوع نفسه، ذكره في رسالة مبكرة أخونا الحبيب سمعان (القسيس محمد). وهل أنا أتحدث عن لفظ "البرص"، هكذا؟ وهل هذا الكتاب جاء لسكان كوكب آخر أو لجنس فضائي لا يعرف مطلقا أي برص أو صرع أو جنون؟ ولكن من ناحية أخرى، وهذا هو ما أتحدث عنه، أين هو "السياق" أو "الحدث الاجتماعي" أو "مناسبة السرد" التي تشبه السياقات والأحداث والمناسبات التي تعرض لها السيد المسيح في العهد الجديد؟ مثلا لدينا في العهد القديم حدث أو سياق شبيه هو رفع الحية النحاسية. لدينا هنا شعب يعاني ويتألم ويندم ويلجأ لنبيه موسى كي يصلي ويرفع عنه المعاناة. هذا سياق شبيه، وهذا بالضبط ما أعنيه، ولكن الشكوى هنا كانت من حيّات لا من برص.
بل أكثر من ذلك إن نفي السياق هذا هو نفسه ليس مطلقا. "الإطلاق" من حيث المبدأ خطأ لو أنك شخص يفكر أو يكتب أو حتى يقرأ بطريقة علمية. ربما نجد سياقا مثيلا أو شبيها أو على الأقل ملتبسا هنا أو هناك. ولكن عندما نأخذ العهد القديم برؤية كلية وشمولية، لكي نفهم حركة الوحي والسرد التي كتبت عنها في رسالتي الأولى تماما، تكون النتيجة الواضحة هي أنه أمسك، نعم، عن كل هذه الأمراض – رغم وجود "البرص" لفظا بل حتى رغم وجود المرضى أنفسهم، عقلا وبالتأكيد!
فلماذا "أمسك"، ولو حتى حسب تعريفك؟ يعني: لماذا هناك شياطين وإن لم يذكر الكتاب؟
لأن التاريخ يخبرنا بذلك. لأن الأسطورة تخبرنا بذلك. لأن الثقافة تخبرنا بذلك. وهذا أيضا كله أرسلته لك ولكنك ترفض أن تفهم! يا سيدي حتى عهد المفكر اليهودي موسى بن ميمون، أي عام 1200 ميلادية، لم يكن حضور الشياطين في وعي اليهود وثقافتهم ـ على الأقل ثقافتهم الشعبية ـ يختلف عن المسيحيين وسائر الأمم. إضافة لذلك، وهو ما ذكره بالفعل بعض الأخوة هنا، لم ينكر شيوخ اليهود أنفسهم أمام السيد المسيح حقيقة "الشياطين" ، أو أن الشياطين هم "سبب العلة"، ولكنهم قالوا معه بعلزبول ـ "برئيس الشياطين يخرج الشياطين". أي: نعترف بالشياطين، نعترف بالحلول، نعترف بالخروج، فقط نرفض يا يسوع سلطانك هذا وننسبه لبعلزبول.
* * *
الأخطـاء
مشكلة هذا الحوار يا سيد عبود ـ وأعترف أن هذا خطأ وقعنا فيه جميعا ـ هي كالتالي:
1- أنت تتعامل مع أكثر من سؤال في وقت واحد: الكثرة من حيث عدد المرضى ـ الكثرة من حيث عدد الشياطين داخل المريض الواحد (مريم المجدلية) ـ الشياطين وفكرة الحلول أو اللبس كلها ـ الشيطان الذي يجرب يسوع ولا يجرب موسى أو إبراهيم...
هذا هو ما أتاح لك أن تلاعبنا هكذا على أكثر من حبل، وكلما رددنا على مسألة إذا بك تعود بالأخرى.
2- أنت تبدأ بمنطلقات يهودية ثم تتساءل كمفكر أو كباحث بريء (هذه هي الرؤية اليهودية وأحب أن أعرف الرؤية المسيحية! يا للبراءة)! لكنك لا تتساءل فحسب بل تناقش أيضا وتجادل وترفض وتستنكر. هذا هو ما دفع سمعان وغيره للتساؤل عما تعتقده أنت شخصيا أكثر من مرة. هذا أيضا ما دفعني في رسالتي الثانية ـ عبر حديثي لباول العراقي ـ أن أوضح المنطلقات اليهودية، لعلك غير مدرك لما يرتبط به سؤالك من قضايا لا قبل لك بها، كقضية الشر مثلا.
كان لابد أن تختار من البداية: لو أنك يهودي، لن نستطيع مثلا إنكار التجربة لإبراهيم وموسى لأن عقيدة "المشتكي" تمنعك. ستبقى فقط قضية الحلول الشيطاني وعندها سنجيب أو على الأقل سنكون قد حددنا نطاق الخلاف. أما لو أنك مجرد باحث بريء، وبافتراض أنك تؤمن ابتداء بالشيطان، فلا يمكنك أصلا إنكار ما يقول لك الجميع هنا: ذكر لك الدكتور إليكتريك وسمعان وغيرهما نصوصا مثل دانيال وغيره، وأخبرك فادي الكلداني وإيريني وغيرهما عن إشارات الروح الرديء وروح الكذب والجان والعائف وغيرها. لكنك تنكر ما يقول الجميع، أخذت بالضبط موقفا يهوديا، وبالتالي جاء ضعفي أخيرا بخطة أو بمنطق يختلف قليلا: افترض حتى أن كل هذه الإشارات غير كافية، فرضا، بل افترض حتى أنها غير موجودة بالمرة، هل ينفي ذلك حلول الشياطين أو أمراضها أو على الأقل ـ على الأقل ـ هل ينفي ذلك وجود الشياطين؟
3- الخطأ الثالث الذي وقعنا فيه هو قبولنا أن نقف موقفا دفاعيا أمام استنكار ورد في مقال يهودي دون أن تذكر صراحة لماذا تبنيت أنت هذا الاستنكار. يعني: لنفترض مثلا أن الشياطين بالفعل ظهرت فقط على هذا النحو في العهد الجديد، ولنفترض أن الشيطان بالفعل لم يجرب موسى أو إبراهيم أو أي شخص آخر، على الأقل ليس على هذا النحو الذي حدثت به التجربة مع السيد المسيح. لنفترض أن هذا أو ذاك كان كيسوع نفسه: حدثا فريدا وحيدا بالتاريخ كله ليس له مثيل، أين المشكلة؟ كيهودي: طز فيه، هو أصلا لا يؤمن بأي تفرد ليسوع، وبالتالي فقضيتي ومناظرتي معه ليست هنا تحديدا، كل هذه فروع لا أصول. ولكن كعبود: ما هي المشكلة حتى لو كان هذا صحيحا؟ لماذا ترفض مثلا هذه الفكرة العميقة التي قدمها مبكرا أحد الأحباء (ولعلها الأم أمة على ما أذكر) ـ وهي بالمناسبة فكرة صحيحة سليمة تماما وفي غاية العمق، وما سكتنا عنها إلا لعمقها الشديد ـ وهي أن السيد المسيح كان كالنور الذي كلما زاد كلما زادت كثافة الظلال في المقابل، وبالتالي كان الصامت في العهد لقديم ناطقا في عهده، وكان الخفيّ في ظلمة الناموس جليّـا أمام شمسه؟
بعبارة أخرى: إن العهد القديم جزء من الكتاب المقدس، نعم، لكن هذا بحد ذاته لا يعني بالضرورة أن أحداث أو أشخاص أو حتى مخلوقات العهد الجديد يجب أن يكون لها نظير بالعهد القديم.
وكل هذه مجرد فكرة واحدة. السؤال الأصلي هو: لماذا تتبنى أنت ـ عبود ـ الاستنكار اليهودي؟
* * *
النقاط فوق الحروف
بناء على كل ما سبق فإنني أتوقف، لن أرد هذه المرة أيضا أي رد وأعتبر أن كل ما أرسلتُ حتى الآن هو رسالتين فقط، لأنه لابد من وضع النقاط أولا على الحروف، وحتى ساعتها فلستُ بالضرورة الذي سيمضي معك للنهاية. صدقا لا يعنيني هذا الموضوع كثيرا، يعنيني فقط "قلبك" يا عبود وأتمنى أن أكتب عن ذلك لا عن كل هذا الذي ـ صدقني ـ لا طائل من ورائه. ثم أن معك هنا أيضا مَن هم أفضل مني ومَن تشغلهم هذه الأمور أكثر مما تشغلني. ولكن على أي حال كبداية فضلا أجب هذه الأسئلة قبل أي مزيد. إذا سمحت، فقط بنعم أو لا، من فضلك:
1- هل تؤمن بوجود الشيطان، كملاك ساقط حسب الإيمان المسيحي أو حتى الإسلامي؟
2- هل تؤمن بوجود الشياطين، كجنود وقوات لإبليس أو حتى كجان بالمفهوم الإسلامي؟
3- هل تؤمن أن الشياطين يمكنها التأثير مرضيا على جسد الإنسان أو عقله (داخليا أو خارجيا، يعني بغض النظر عن فكرة "اللبس" كما هي معروفة في المفهوم الشعبي)؟
4- عقلا ومنطقا: سيان جرب الشيطان موسي وإبراهيم أو لم يجرب، هل ينفي ذلك تجربة الشيطان للسيد المسيح كما وردت بالعهد الجديد؟
5- عقلا ومنطقا: هل غياب الشياطين في العهد القديم (بافتراض غيابها كليا رغم كل ما ذكره الأحباء جميعا هنا) يعني بالضرورة أنها لم تكن حاضرة في الثقافة وفي وعي الناس؟ هل غياب الشياطين في الكتاب يعني بالضرورة أنها لم تكن سبب الأمراض (في ذهن الناس) خاصة الصرع والجنون؟
6- عقلا ومنطقا: هل يكفي غياب الشياطين في العهد القديم سببا للطعن في صحة ما ذكر عنها في العهد الجديد؟ نعم، ربما يبعث هذا الغياب على الشك (مرة أخرى بافتراض غيابها كليا رغم ما ذكره الأحباء جميعا هنا). ولكن هل يكفي هذا الغياب بحد ذاته ـ عقلا ومنطقا ـ لنفي رواية العهد الجديد؟
أخيرا وبناء على هذه المراجعة: هل يمكن أن تنسى تماما، تماما، وسننسى نحن أيضا تماما، أن مصدرك هو مقال يهودي، وأن تكتب لنا فضلا ما تريد أنت عبود أن تسأله كسؤال يعنيك شخصيا، أو كشبهة أنت عبود تريد لها إيضاحا أو تفسيرا؟ 2- هل تؤمن بوجود الشياطين، كجنود وقوات لإبليس أو حتى كجان بالمفهوم الإسلامي؟
3- هل تؤمن أن الشياطين يمكنها التأثير مرضيا على جسد الإنسان أو عقله (داخليا أو خارجيا، يعني بغض النظر عن فكرة "اللبس" كما هي معروفة في المفهوم الشعبي)؟
4- عقلا ومنطقا: سيان جرب الشيطان موسي وإبراهيم أو لم يجرب، هل ينفي ذلك تجربة الشيطان للسيد المسيح كما وردت بالعهد الجديد؟
5- عقلا ومنطقا: هل غياب الشياطين في العهد القديم (بافتراض غيابها كليا رغم كل ما ذكره الأحباء جميعا هنا) يعني بالضرورة أنها لم تكن حاضرة في الثقافة وفي وعي الناس؟ هل غياب الشياطين في الكتاب يعني بالضرورة أنها لم تكن سبب الأمراض (في ذهن الناس) خاصة الصرع والجنون؟
6- عقلا ومنطقا: هل يكفي غياب الشياطين في العهد القديم سببا للطعن في صحة ما ذكر عنها في العهد الجديد؟ نعم، ربما يبعث هذا الغياب على الشك (مرة أخرى بافتراض غيابها كليا رغم ما ذكره الأحباء جميعا هنا). ولكن هل يكفي هذا الغياب بحد ذاته ـ عقلا ومنطقا ـ لنفي رواية العهد الجديد؟
تحياتي ومحبتي
* * *
إيريني
إيريني وجميع الأحباء: هذا ليس حوارا ثنائيا، وبالتأكيد ليس "مناظرة" نتوقع أن "ينتصر" فيها أحد "الخصوم" على الآخر. هذا بالعكس حوار محبة وإدراك وحق ومجرد محاولة للإيضاح والفهم، وهو حوار بين أحباء وأشقاء وأصدقاء لا يقفون على منابر مناظرة، بل يسترخون مع أقداح القهوة في صالون الأستاذ عبود، أو على شاطئ ستانلي في ضيافة إيريني، أو على مقهى ماريّـا البتول في باريس القديمة. هذه هي "الصورة" الحقيقية صورة المحبة إذا أردتم تخيلها. وعليه أرجو أن يشارك كل من يريد دون أي انتظار أو تحفظ أو حرج على الإطلاق، بل حتى أن يردني إذا شاء ويرد ما أقول وليس بالضرورة أن يرد فقط ما يقول عبود، فليس فينا معصوم وكلنا يتعلم.
* * *