☦️من خلق الله؟ من أين جاء الله؟ أين يبدأ الله وأين ينتهي؟

لمسة يسوع

عضو نشيط
عضو نشيط
إنضم
20 أغسطس 2022
المشاركات
6,458
مستوى التفاعل
3,121
النقاط
113
☦️من خلق الله؟ من أين جاء الله؟ أين يبدأ الله وأين ينتهي؟

سلسلة من البحث الدقيق والدراسة اللاهوتية الأرثوذكسية حول سرّ وجود الله، كما تعلّمه الكنيسة الرومية الشرقية، مع الاستناد إلى الكتاب المقدس وتعليم الآباء القديسين.

الجزء الأول: سؤال «من خلق الله؟» غير صحيح من الأساس

أين كان الله قبل تكوين 1:1؟
من صنعه أو من خلقه؟
ماذا كان موجودًا قبل وجود الله؟
وإذا لم يخلقه شيء، فكيف يكون ذلك ممكنًا؟

هذه الأسئلة دفعت كثيرين إلى الإلحاد والابتعاد عن الله، لأنهم لم يجدوا لها جوابًا يشبع عقولهم وقلوبهم. وبالنسبة لكثيرين، يبقى هذا السؤال من أكثر الأسئلة التي يخشون طرحها بصوت عالٍ، لأنه إذا كان لكل شيء بداية، أفلا يحتاج الله هو أيضًا إلى بداية؟

بكل صراحة هذا المقال موجَّه إلى المفكّر، والباحث، وكل من يسعى إلى الفهم. وحتى لو كان المرء مؤمنًا بالله، فإن هذا السؤال لا يزال يهز شيئًا عميقًا في كيانه، لأن الإنسان لا يكتفي بأن يعرف أن الله موجود، بل يريد أن يفهم كيف يكون الله موجودًا.

وقبل أن نمضي قدمًا، من المهم ألا نتعامل مع هذا السؤال بغطرسة عقل بشري يظن أنه قادر أن يحيط بالله، بل بروح التواضع، وبرهبة الطفل، وقلب المؤمن. لأن اللحظة التي نحاول فيها اختزال الله إلى شيء يمكن لعقولنا استيعابه بالكامل، هي اللحظة التي نتوقف فيها عن الحديث عن الله الحي، ونبدأ في الحديث عن فكرة صنعناها نحن.

ومع ذلك، فإن التأمل الجاد في هذا السؤال يمكن أن يقودنا إلى انبهار أعمق، وإجلال أعمق، وثقة أعمق في ذاك الذي هو موجود خارج الزمان، وخارج المادة، وخارج كل تفسير بشري. فلنبدأ إذن من البداية، ونسأل السؤال الذي يخشى معظم الناس طرحه:

من خلق الله؟ وماذا كان موجودًا قبل أن يوجد أي شيء على الإطلاق؟

إن سؤال «من خلق الله؟» هو من الأسئلة التي تعجز العقول البشرية عن استيعابها بسهولة. وقبل الخوض في الإجابة، من الضروري توضيح أمر مهم: هذا السؤال يرهق العقل البشري لأنه يبدو في ظاهره منطقيًا، لكنه في الحقيقة مبنيّ على افتراض خاطئ، وهو أن لكل شيء بداية.

أنا وأنت نعيش داخل نطاق الزمن، نقيس حياتنا بالثواني والأيام والسنوات. نولد، نكبر، ثم نموت. كل شيء في عالمنا يبدأ من نقطة ما، ولذلك يبدو من الطبيعي — بحسب منطقنا البشري — أن نفترض أن الله أيضًا قد بدأ من مكان ما. وهنا تكمن المشكلة: إننا نحاول فهم الله بعقل مرتبط بالزمن، بينما الله موجود خارج الزمن.

إنه أشبه بمحاولة الإجابة عن سؤال:
«ما هي رائحة اللون الأحمر؟» — سؤال مبني على تصنيف غير صحيح، لأننا نستخدم أدوات لا تصلح لوصف ما هو خارج نطاقها.

الله لا يخضع للزمن، بل هو الذي خلق الزمن. ولهذا يقول سفر الجامعة:

«صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ، الَّتِي بِلاَهَا لَا يُدْرِكُ الإِنْسَانُ الْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُهُ اللهُ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ.» (جامعة 3: 11)

فعلى الرغم من أن عقولنا محاصرة داخل الزمن، إلا أن أرواحنا تحمل شوقًا نحو الأبدية. ندرك في أعماقنا أن هناك شيئًا ما يتجاوز ما يمكننا رؤيته، ونشعر بثقل شيء لم يبدأ ولن ينتهي. لكن عندما نحاول شرحه، نصطدم بحدود لغاتنا المحدودة، لأننا نحاول وصف إله أبديٍّ باستخدام أدوات صُمِّمت لعالم مؤقت.

السؤال ليس «من خلق الله؟» بل السؤال الحقيقي هو «لماذا نفترض أصلًا أن الله كان بحاجة إلى أن يُخلَق؟»

كل مخلوق يحتاج إلى سبب، لكن الله لم يُخلَق قط، لأنه ليس ضمن فئة الأشياء التي تخضع للسبب والنتيجة. الله هو مصدر كل شيء، كائن قبل الزمن، وقبل المكان، وقبل ظهور مبدأ العِلّة والمعلول نفسه.

الله كائن منذ الأزل، غير خاضع لبداية أو زمن. وعندما سأل النبي موسى عن اسمه، جاء الجواب الإلهي واضحًا:
«أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ… أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ.»
(خروج 3: 14)

لم يقل الله: «كنت» أو «سأكون»، بل قال: «أَهْيَهْ أَشِرْ أَهْيَهْ» (אהיה אשר אהיה) في العبرية، وهي صيغة فعل الوجود الدائم، وتعني: «أنا أكون» أو «أنا الكائن». وفي الترجمة السبعينية اليونانية جاءت العبارة:
»ἐγώ εἰμι ὁ ὤν «
أي: «أنا هو الكائن»، الكائن بذاته، الدائم، الأزلي، الذي لا يخضع للزمن ولا يتغيّر.

"I am the Existing One".

إذا شعرتَ أن عقلك يتوقف عند هذه النقطة، فلا بأس.
هذا ليس عيبًا فيك، بل لأنك تقف على حافة الأبدية،
محاولًا النظر إلى عقلٍ هو نفسه صانع الأبدية.
وهذا بالضبط هو المكان الذي ينبغي أن يقف فيه الإنسان
عندما يتأمل في الله: مكان الدهشة، والانبهار، والرهبة
أمام الكائن الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية.

☦️ الله غير مخلوق: من الأزل إلى الأبد

دعونا نتوقف عن الدوران حول الفكرة: الله ليس له بداية.
الله كائن منذ الأزل، أبدي، لا زمن ولا وقت ولا مكان يقيّده. لم يبدأ قط، ولن تكون له لحظة أولى. ولهذا يقول المزمور:

«مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ، أَوْ أَبْدَأْتَ الأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ أَنْتَ اللهُ.» (مزمور 90: 2)
هذا الإعلان الإلهي يصطدم بكل قاعدة يعرفها العقل البشري، وهذا هو المغزى.
كل ما لمسته، أو رأيته، أو أحببته، أو خشيته… كان له بداية. شهادة ميلادك تحمل تاريخ ولادتك. النجوم في السماء لها نقطة بداية. حتى الكون نفسه كانت له لحظة أولى.

لكن الله ليس له لحظة أولى، ولا بداية ولا نهاية، لأنه ليس مثل أي شيء آخر قابلته من قبل.

أنت خُلقت، والأرض خُلقت، والزمن والمادة والملائكة خُلقت أيضًا…

أما الله، فهو غير مخلوق، بل هو الخالق. ولذلك فإن سؤال: «من خلق الله؟» هو سؤال لا معنى له إلا إذا افترضنا — خطأً — أن الله ينتمي إلى فئة المخلوقات. لكنه لا ينتمي إليها.

إن سؤال «من خلق الله؟» يشبه سؤال: «ما الذي يوجد شمال القطب الشمالي؟»
لا يوجد شيء شمالًا، لأن القطب الشمالي هو أبعد نقطة شمالًا.
وبالمثل، الله هو النقطة القصوى في الوجود، البداية التي لا بداية قبلها.

يسمّيه اللاهوتيون:
الكائن من ذاته: باليونانية (αὐθυπόστατος) وبالإنجليزية (Self-Existent) وتعني "الذي وجوده من ذاته، أو غير مستمد من آخر"
أو الكائن الضروري: باليونانية (τὸ ἀναγκαῖον ὄν) وبالإنجليزية (Necessary Being) وتعني "الكائن الذي لا يمكن عدم وجوده أو الذي يستحيل عقليًا ألا يكون."

أي أنّه هو الذي وجوده ضروري من أجل وجود كل شيء آخر، بينما يعتمد وجود كل ما عداه على شيء خارجه. فمثلاُ، الإنسان يحتاج إلى الهواء والأشجار تحتاج إلى الشمس والسمك يحتاج إلى الماء... أما الله فلا يحتاج إلى شيء، لأنه هو الذي أوجد كل شيء. هو أزلي، كائن من تلقاء ذاته.

ولهذا يقول الكتاب: «بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ.»
(عبرانيين 11: 3)

الله لم يبنِ الكون باستخدام أدوات مادية ولا مواد أولية، ولا جهد، ولا عملية بناء تدريجية، بل أوجد كل شيء بالإيماءة، فانبثق الوجود من العدم.

ولنكن صريحين:
لو كان الله مخلوقًا، لكان الخالق الذي خلقه هو الله الحقيقي.
لكن لا إله قبل الله، لأنه السبب الأول، والمحرّك الرئيسي لكل شيء، والسبب الذي لا سبب له.

وإذا بدا هذا صعب الفهم، فهذا أمر جيد.
لأن الإله الذي يمكن لعقلك أن يحيط به بالكامل ليس الله، بل صنم صنعته على صورتك.
لذلك لا تحاول اختزال الله الأزلي.
بل اعبدْه كما هو:
الكائن دائمًا، والذي هو الآن، والذي سيكون دائمًا.

يتبع...
المسيح قام... حقاً قام.
صلواتكم
دراسة وبحث وكتابة: يانيس قنسطنطينيدس



 

لمسة يسوع

عضو نشيط
عضو نشيط
إنضم
20 أغسطس 2022
المشاركات
6,458
مستوى التفاعل
3,121
النقاط
113
☦️من خلق الله؟ من أين جاء الله؟ أين يبدأ الله وأين ينتهي؟

سلسلة من البحث الدقيق والدراسة اللاهوتية الأرثوذكسية حول سرّ وجود الله، كما تعلّمه الكنيسة الرومية الشرقية، مع الاستناد إلى الكتاب المقدس وتعليم الآباء القديسين.

الجزء الثاني: الله خارج الزمن: البداية والنهاية في آن واحد

☦️لنغيّر زاوية النظر قليلًا- كنا نسأل: «من خلق الله؟»
لكن هناك سؤال أعمق: «من خلق الزمن؟»

في سفر التكوين نقرأ:
«فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.»
(تكوين 1: 1)

أي أن الله، قبل كل شيء، خلق الزمن نفسه عندما استخدم كلمة «البدء». فلا يمكن أن تكون هناك «بداية» ما لم يكن هناك شيء اسمه الوقت.
وهذا يعني أن الله كان كائنًا بالفعل قبل أن يبدأ الزمن. وهو لم يدخل الزمن ولم يخضع له، بل الزمن هو الذي دخل ضمن نطاق خلق الله. فالوقت ليس إطارًا يحتوي الله، بل هو جزء من العالم الذي أوجده الله بكلمته.


ولهذا فإن الله لا يرتدي ساعة... لا يكون مبكرًا أو متأخرًا... لا يشيخ... لا يتعجّل... لا يكتشف الأمور أثناء حدوثها...
لأن الله موجود في ما يسمّيه اللاهوتيون: «الحاضر الأبدي».
الله لا يتحرك عبر الزمن… بل الزمن يتحرك داخل سلطان الله.

ولهذا يقول سفر الرؤيا: «أَنَا هُوَ ٱلْأَلِفُ وَٱلْيَاءُ، ٱلْبِدَايَةُ وَٱلنِّهَايَةُ ... ٱلْكَائِنُ وَٱلَّذِي كَانَ وَٱلَّذِي يَأْتِي، ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.» (رؤيا 1: 8)


الألفا (Α) هي أول حرف في الأبجدية اليونانية، وترمز إلى البداية. والأوميغا (Ω) هي آخر حرف فيها، وترمز إلى النهاية. وعندما يعلن الله عن نفسه بأنه الألفا والأوميغا، فهو يعلن أنه: البداية التي لا بداية قبلها، والنهاية التي لا نهاية بعدها، والمحيط بكل ما بينهما في آن واحد.

ولهذا يستطيع الله أن يقطع وعودًا تخصّ المستقبل، وأن يتكلم بالحق في حاضرك، وأن يشفي جراح ماضيك.
إنه موجود بالفعل في الغد، ينتظر وصولك.
وتلك المشكلة التي لم تواجهها بعد… هو قد رأى نتيجتها مسبقًا، واتخذ قراره ليحلّها قبل أن تبدأ، وقبل أن تقلقك حتى.

فالله في الماضي والحاضر والمستقبل في آن واحد.
ليس لأنه يتحرك عبر الزمن، بل لأن الزمن نفسه منكشف أمامه، خاضع لسلطانه، لا يحدّه ولا يحتويه.

يقول الكتاب في سفر إشعياء 46: 10: «مُخْبِرٌ مُنْذُ الْبَدْءِ بِالأَخِيرِ، وَمُنْذُ الْقَدِيمِ بِمَا لَمْ يُفْعَلْ، قَائِلًا: رَأْيِي يَقُومُ وَأَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِي.» (إشعياء 46: 10)

تأمّل هذا جيدًا…
الله لا يحتاج إلى التخمين، فهو يعلم.
إنه فوق خط الزمن البشري، يرى البداية والنهاية وما بينهما في لحظة واحدة.
إنه مثل رسّام يقف أمام لوحته كاملة، بينما أنت لا ترى سوى ضربة فرشاة واحدة، فتتساءل:
«إلى أين ستؤول الأمور؟»
فيجيبك:
«لقد انتهيتُ منها.»
لهذا السبب، الثقة بالله ليست مقامرة، بل هي الخيار الآمن الوحيد.

وعندما يتساءل قلبك:
«لماذا يتأخر الله؟»
تذكّر فقط أنه لا يتأخر.
لقد حلّ الأمر قبل أن يبدأ، وأنت فقط تراقب من داخل الزمن.
أمّا الذي يقف خارج الزمن فلا يتأخر أبدًا، ولا يتقدّم أبدًا، بل يأتي في الوقت المناسب، لأنه هو الذي خلق الزمن نفسه.

الكتاب المقدس لا يقول فقط إن الله كان موجودًا قبل الخلق، بل يعلن بوضوح أنه كان موجودًا قبل الزمن نفسه.
فالرسول بولس يكتب في رسالته الثانية إلى تيموثاوس:
«الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لَا بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ.» (2 تيموثاوس 3: 9)

وفي رسالته إلى تيطس يقول:
«عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ.» (تيطس 3: 2)

اقرأ هذا بتمعّن: «قبل الأزمنة الأزلية».
هذه العبارة لا معنى لها إلا إذا كان للزمن نفسه بداية.
فلو كان للزمن نقطة بدء، فلا بد أن يكون هناك من بدأه.
وهذا الكلام واضح لا لبس فيه.

وإذا كان هناك ما هو قبل الزمن، فهذا يعني أن الزمن له حدود، وأن الله كان موجودًا بالفعل على الجانب الآخر من تلك الحدود.
فهو ليس داخل الزمن، بل هو الذي خلق الزمن، وأوجده، وحدّد بدايته.

إذًا، الإجابة عن سؤال: «من خلق الزمن؟» هي ببساطة:
إن الذي خلق الزمن هو الذي خارج الزمن. هو الذي لا أصل له، ولا تاريخ ميلاد، ولا قصة خلفية، ولا فصل أول.
إنه هو الألفا (Α) وهو الأوميغا (Ω)، هو البداية وهو النهاية معًا، الذي لا يسبقه شيء، ولا يلحقه شيء، والذي منه يبدأ كل شيء، وإليه ينتهي كل شيء. «لِأَنَّ مِنْهُ، وَبِهِ، وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ ٱلْمَجْدُ إِلَى ٱلْأَبَدِ . آمِينَ.» (رُومِيَةَ 11: 36)

☦️ قبل الخلق: ماذا كان الله يفعل؟
قبل وجود الكون، قبل أن يخترق النورُ الظلام، قبل أن تُخلَق الملائكة، وقبل أن تدقّ ساعات الزمن… ماذا كان يفعل الله؟
هل فكرت في هذا السؤال من قبل؟
هل كان يشعر بالملل؟
هل كان وحيدًا؟
هل كان يجوب أروقة السماء متسائلًا عمّا يفعله بنفسه؟
بالتأكيد لا.

لنكن واضحين:
الله لم يكن ينتظر حدوث شيء ما، ولم يكن بحاجة إلى رفقة، ولا إلى شيء يسلّيه، ولم يكن ينقصه شيء.
لأنه قبل وجود الخليقة، كان الله كاملاً تمامًا.

ويقول الرب يسوع في صلاته للآب:
«أَيُّهَا الآبُ، أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ.» (يوحنا 17: 24)
هل فهمتِ هذا؟
قبل أن يخلق الله أي شيء… كان هناك حُب.
ليس مجرد حُب، بل علاقة الآب والابن والروح القدس.
فالثالوث القدوس كان — وما يزال — كائنًا في وحدة أبدية كاملة: لا خلل، لا توتر، لا نقص، لا احتياج.
فقط مَجد وقداسة وحُب لا متناهٍ يتدفّق في كل الاتجاهات.

الله لم يخلق لأنه كان وحيدًا، ولا لأنه كان ناقصًا، ولا لأنه كان يبحث عن شيء يملأ فراغه.
بل خلق من فيض المحبة، لا من الحاجة.
ومن كمال الوجود، لا من النقص.

وبناءً على ذلك، إن كان الله كاملاً بالفعل، فلماذا يخلق أي شيء على الإطلاق؟
ستعجبك الإجابة حتماً:
الخلق لم يكن لمنفعة الله، بل كان من فيض محبته، وكان لأجل منفعتنا نحن.
الله لم يخلق ليملأ فراغًا، لأنه لا يعرف الفراغ.
ولم يخلق ليعالج نقصًا، لأنه لا يعاني من نقص.
بل خلق ليُشركنا في مجده.
لقد كان الخلق فيضًا من الحُب، لا واجبًا.
وهذا ما يفعله الحب الحقيقي: إنه يفيض.

خلق الله السماوات والأرض، لا لأنه بحاجة إليهما، بل لأن طبيعته هي العطاء والكشف والمحبة.
فالخلق هو امتداد لجوهر الله، لا استجابة لحاجة.
إنه إعلان عن قلبٍ إلهي يفيض حياةً ونورًا ومجدًا.
يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل أفسس:
«كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ.» (أفسس 1: 4)

هذا يعني أن الله لم يكن يفكر فقط في المجرّات والجاذبية والنجوم…
بل كان يفكر فينا أيضًا.
كان يفكر فيك أنت.
نعم، أنت — حتى قبل وجود آدم.

الله لم يخطط للخلق فحسب، بل خطط للفداء أيضًا.
خطط لقصتك، ولكل نفس تتنفسه، ولكل لحظة في حياتك.
فأنت لم تكن مجرد فكرة عابرة في ذهن الله، بل كتب اسمك في الأبدية قبل بدء الزمن.

لذا، في المرة القادمة التي تشعر فيها بأنك بلا قيمة، أو منسيّ، أو مُهمَّش… تذكّر هذا:

قبل بدء الخليقة، أحبّك الله، وخطّط لوجودك، وأعدّ لك الخلاص.
وهذا بالضبط ما كان الله “يفعله” قبل الخلق:
كان يضع خطة خلاصي وخلاصك أنت وخلاص البشرية أجمع بكل ما فيها من معتقدات وأديان وطوائف.
يقول الكتاب على لسان بولس الرسول «الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ.»
(١ تيموثاوس ٢: ٤)

ويقول أيضاً:
«كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ.»
(أفسس 1: 4)

ويضيف في موضع آخر:
«وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ.»
(2 تيموثاوس 1: 9)

إذن فقبل أن يبدأ الزمن، أحبك الله.
قبل أن تُخلق الخليقة، عرفك بالاسم.
وقبل أن توجد الأرض والسماء، أعدّ لك طريق الخلاص.

كان الله يضع خطة الإنقاذ قبل خلق الكون.
كان يصمّم النعمة قبل أن توجد الخطيئة، ويختار حمل الفداء قبل أن يوجد قطيع.

دع هذا يستقر في ذهنك:
النعمة مُنِحت قبل بدء الزمن.
لم تُعطَ بعد السقوط، ولا بعد الطوفان، ولا بعد المنفى…
بل قبل بداية الزمان نفسه.

سبقت النعمةُ الخطيئةَ بأبدية.
فقد أُعِدَّ الله المحب البشر الدواء قبل ظهور المرض.

يقول بطرس الرسول:
«بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلَا دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلَكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ.»
(1 بطرس 1: 19–20)

لقد تم اختيار الحمل قبل أن تنبت أول ورقة عشب في الخليقة، وقبل أن ينبض قلب بشري واحد.
كان أمرُ التضحية محسومًا قبل أن يبدأ التاريخ.

يقول يوحنا في سفر الرؤيا: «فَسَيَسْجُدُ لَهُ جَمِيعُ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ، الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ فِي سِفْرِ حَيَاةِ الْخَرُوفِ الَّذِي ذُبِحَ.»
(رؤيا 13: 8)

هل فهمتِ ماذا يعني هذا؟
إنه يعني أن الأسماء كانت معروفة، والتضحية كانت مقرّرة، قبل خلق الكون.

كانت عملية الإنقاذ موجودة في المخطط الإلهي قبل أن يقول الله: «ليكن نور».
كان الله يعلم مسبقًا أن البشرية ستسقط.
وقبل أن يخلق آدم من تراب، كان يعرف تمامًا ما سيختاره آدم.
وقبل أن ينفخ فيه نسمة الحياة، كان قد قرّر بالفعل أن يموت من أجله.

الفداء لم يكن ردّ فعل على خطيئة الإنسان،
بل كان قرارًا أزليًا،
ومحبةً سبقت السقوط،
ونعمةً سبقت الخطيئة،
وحملًا مختارًا قبل أن يبدأ التاريخ.

يتبع...
المسيح قام... حقاً قام.
صلواتكم
دراسة وبحث وكتابة: يانيس قنسطنطينيدس

 
أعلى