☦️من خلق الله؟ من أين جاء الله؟ أين يبدأ الله وأين ينتهي؟

لمسة يسوع

عضو نشيط
عضو نشيط
إنضم
20 أغسطس 2022
المشاركات
6,447
مستوى التفاعل
3,116
النقاط
113
☦️من خلق الله؟ من أين جاء الله؟ أين يبدأ الله وأين ينتهي؟

سلسلة من البحث الدقيق والدراسة اللاهوتية الأرثوذكسية حول سرّ وجود الله، كما تعلّمه الكنيسة الرومية الشرقية، مع الاستناد إلى الكتاب المقدس وتعليم الآباء القديسين.

الجزء الأول: سؤال «من خلق الله؟» غير صحيح من الأساس

أين كان الله قبل تكوين 1:1؟
من صنعه أو من خلقه؟
ماذا كان موجودًا قبل وجود الله؟
وإذا لم يخلقه شيء، فكيف يكون ذلك ممكنًا؟

هذه الأسئلة دفعت كثيرين إلى الإلحاد والابتعاد عن الله، لأنهم لم يجدوا لها جوابًا يشبع عقولهم وقلوبهم. وبالنسبة لكثيرين، يبقى هذا السؤال من أكثر الأسئلة التي يخشون طرحها بصوت عالٍ، لأنه إذا كان لكل شيء بداية، أفلا يحتاج الله هو أيضًا إلى بداية؟

بكل صراحة هذا المقال موجَّه إلى المفكّر، والباحث، وكل من يسعى إلى الفهم. وحتى لو كان المرء مؤمنًا بالله، فإن هذا السؤال لا يزال يهز شيئًا عميقًا في كيانه، لأن الإنسان لا يكتفي بأن يعرف أن الله موجود، بل يريد أن يفهم كيف يكون الله موجودًا.

وقبل أن نمضي قدمًا، من المهم ألا نتعامل مع هذا السؤال بغطرسة عقل بشري يظن أنه قادر أن يحيط بالله، بل بروح التواضع، وبرهبة الطفل، وقلب المؤمن. لأن اللحظة التي نحاول فيها اختزال الله إلى شيء يمكن لعقولنا استيعابه بالكامل، هي اللحظة التي نتوقف فيها عن الحديث عن الله الحي، ونبدأ في الحديث عن فكرة صنعناها نحن.

ومع ذلك، فإن التأمل الجاد في هذا السؤال يمكن أن يقودنا إلى انبهار أعمق، وإجلال أعمق، وثقة أعمق في ذاك الذي هو موجود خارج الزمان، وخارج المادة، وخارج كل تفسير بشري. فلنبدأ إذن من البداية، ونسأل السؤال الذي يخشى معظم الناس طرحه:

من خلق الله؟ وماذا كان موجودًا قبل أن يوجد أي شيء على الإطلاق؟

إن سؤال «من خلق الله؟» هو من الأسئلة التي تعجز العقول البشرية عن استيعابها بسهولة. وقبل الخوض في الإجابة، من الضروري توضيح أمر مهم: هذا السؤال يرهق العقل البشري لأنه يبدو في ظاهره منطقيًا، لكنه في الحقيقة مبنيّ على افتراض خاطئ، وهو أن لكل شيء بداية.

أنا وأنت نعيش داخل نطاق الزمن، نقيس حياتنا بالثواني والأيام والسنوات. نولد، نكبر، ثم نموت. كل شيء في عالمنا يبدأ من نقطة ما، ولذلك يبدو من الطبيعي — بحسب منطقنا البشري — أن نفترض أن الله أيضًا قد بدأ من مكان ما. وهنا تكمن المشكلة: إننا نحاول فهم الله بعقل مرتبط بالزمن، بينما الله موجود خارج الزمن.

إنه أشبه بمحاولة الإجابة عن سؤال:
«ما هي رائحة اللون الأحمر؟» — سؤال مبني على تصنيف غير صحيح، لأننا نستخدم أدوات لا تصلح لوصف ما هو خارج نطاقها.

الله لا يخضع للزمن، بل هو الذي خلق الزمن. ولهذا يقول سفر الجامعة:

«صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ، الَّتِي بِلاَهَا لَا يُدْرِكُ الإِنْسَانُ الْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُهُ اللهُ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ.» (جامعة 3: 11)

فعلى الرغم من أن عقولنا محاصرة داخل الزمن، إلا أن أرواحنا تحمل شوقًا نحو الأبدية. ندرك في أعماقنا أن هناك شيئًا ما يتجاوز ما يمكننا رؤيته، ونشعر بثقل شيء لم يبدأ ولن ينتهي. لكن عندما نحاول شرحه، نصطدم بحدود لغاتنا المحدودة، لأننا نحاول وصف إله أبديٍّ باستخدام أدوات صُمِّمت لعالم مؤقت.

السؤال ليس «من خلق الله؟» بل السؤال الحقيقي هو «لماذا نفترض أصلًا أن الله كان بحاجة إلى أن يُخلَق؟»

كل مخلوق يحتاج إلى سبب، لكن الله لم يُخلَق قط، لأنه ليس ضمن فئة الأشياء التي تخضع للسبب والنتيجة. الله هو مصدر كل شيء، كائن قبل الزمن، وقبل المكان، وقبل ظهور مبدأ العِلّة والمعلول نفسه.

الله كائن منذ الأزل، غير خاضع لبداية أو زمن. وعندما سأل النبي موسى عن اسمه، جاء الجواب الإلهي واضحًا:
«أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ… أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ.»
(خروج 3: 14)

لم يقل الله: «كنت» أو «سأكون»، بل قال: «أَهْيَهْ أَشِرْ أَهْيَهْ» (אהיה אשר אהיה) في العبرية، وهي صيغة فعل الوجود الدائم، وتعني: «أنا أكون» أو «أنا الكائن». وفي الترجمة السبعينية اليونانية جاءت العبارة:
»ἐγώ εἰμι ὁ ὤν «
أي: «أنا هو الكائن»، الكائن بذاته، الدائم، الأزلي، الذي لا يخضع للزمن ولا يتغيّر.

"I am the Existing One".

إذا شعرتَ أن عقلك يتوقف عند هذه النقطة، فلا بأس.
هذا ليس عيبًا فيك، بل لأنك تقف على حافة الأبدية،
محاولًا النظر إلى عقلٍ هو نفسه صانع الأبدية.
وهذا بالضبط هو المكان الذي ينبغي أن يقف فيه الإنسان
عندما يتأمل في الله: مكان الدهشة، والانبهار، والرهبة
أمام الكائن الأزلي الذي لا بداية له ولا نهاية.

☦️ الله غير مخلوق: من الأزل إلى الأبد

دعونا نتوقف عن الدوران حول الفكرة: الله ليس له بداية.
الله كائن منذ الأزل، أبدي، لا زمن ولا وقت ولا مكان يقيّده. لم يبدأ قط، ولن تكون له لحظة أولى. ولهذا يقول المزمور:

«مِنْ قَبْلِ أَنْ تُولَدَ الْجِبَالُ، أَوْ أَبْدَأْتَ الأَرْضَ وَالْمَسْكُونَةَ، مُنْذُ الأَزَلِ إِلَى الأَبَدِ أَنْتَ اللهُ.» (مزمور 90: 2)
هذا الإعلان الإلهي يصطدم بكل قاعدة يعرفها العقل البشري، وهذا هو المغزى.
كل ما لمسته، أو رأيته، أو أحببته، أو خشيته… كان له بداية. شهادة ميلادك تحمل تاريخ ولادتك. النجوم في السماء لها نقطة بداية. حتى الكون نفسه كانت له لحظة أولى.

لكن الله ليس له لحظة أولى، ولا بداية ولا نهاية، لأنه ليس مثل أي شيء آخر قابلته من قبل.

أنت خُلقت، والأرض خُلقت، والزمن والمادة والملائكة خُلقت أيضًا…

أما الله، فهو غير مخلوق، بل هو الخالق. ولذلك فإن سؤال: «من خلق الله؟» هو سؤال لا معنى له إلا إذا افترضنا — خطأً — أن الله ينتمي إلى فئة المخلوقات. لكنه لا ينتمي إليها.

إن سؤال «من خلق الله؟» يشبه سؤال: «ما الذي يوجد شمال القطب الشمالي؟»
لا يوجد شيء شمالًا، لأن القطب الشمالي هو أبعد نقطة شمالًا.
وبالمثل، الله هو النقطة القصوى في الوجود، البداية التي لا بداية قبلها.

يسمّيه اللاهوتيون:
الكائن من ذاته: باليونانية (αὐθυπόστατος) وبالإنجليزية (Self-Existent) وتعني "الذي وجوده من ذاته، أو غير مستمد من آخر"
أو الكائن الضروري: باليونانية (τὸ ἀναγκαῖον ὄν) وبالإنجليزية (Necessary Being) وتعني "الكائن الذي لا يمكن عدم وجوده أو الذي يستحيل عقليًا ألا يكون."

أي أنّه هو الذي وجوده ضروري من أجل وجود كل شيء آخر، بينما يعتمد وجود كل ما عداه على شيء خارجه. فمثلاُ، الإنسان يحتاج إلى الهواء والأشجار تحتاج إلى الشمس والسمك يحتاج إلى الماء... أما الله فلا يحتاج إلى شيء، لأنه هو الذي أوجد كل شيء. هو أزلي، كائن من تلقاء ذاته.

ولهذا يقول الكتاب: «بِالإِيمَانِ نَفْهَمُ أَنَّ الْعَالَمِينَ أُتْقِنَتْ بِكَلِمَةِ اللهِ، حَتَّى لَمْ يَتَكَوَّنْ مَا يُرَى مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ.»
(عبرانيين 11: 3)

الله لم يبنِ الكون باستخدام أدوات مادية ولا مواد أولية، ولا جهد، ولا عملية بناء تدريجية، بل أوجد كل شيء بالإيماءة، فانبثق الوجود من العدم.

ولنكن صريحين:
لو كان الله مخلوقًا، لكان الخالق الذي خلقه هو الله الحقيقي.
لكن لا إله قبل الله، لأنه السبب الأول، والمحرّك الرئيسي لكل شيء، والسبب الذي لا سبب له.

وإذا بدا هذا صعب الفهم، فهذا أمر جيد.
لأن الإله الذي يمكن لعقلك أن يحيط به بالكامل ليس الله، بل صنم صنعته على صورتك.
لذلك لا تحاول اختزال الله الأزلي.
بل اعبدْه كما هو:
الكائن دائمًا، والذي هو الآن، والذي سيكون دائمًا.

يتبع...
المسيح قام... حقاً قام.
صلواتكم
دراسة وبحث وكتابة: يانيس قنسطنطينيدس



 
أعلى