أورشليم مدينة الملك العظيم متألقة على ربوة عالية مثل عروس مزينة لرجلها ، تحيطها الأسوار المنيعة ، وتتزاحم وتتناثر على أرضها البيوت المنخفضة والتي لا تتعدى الدورين ، وشوارعها غالباً ضيقة ، ماعدا بعض الأحياء الراقية التي حوت في أحشائها بعض القصور مثل قصر رئيس الكهنة وبعض الشخصيات الهامة ، ولكن ما يُميّز أورشليم عن أي مدينة أخرى أنها ضمت في أحضانها هيكل رب الصباؤوت حيث تقدم الذبائح لله العلي ، وخارج الهيكل يستحيل على أي إنسان يهودي أن يُقدم ذبيحة لله ، ومن أجل هذا جاء يهود الشتات من مصر وروما وأسبانيا وشتى بقاع الأرض للإحتفال بعيد الفصح وعيد الفطير ، فقد حتمت الشريعة على كل ذكر يافع أن يصعد إلى أورشليم ليترآى أمام الله في مثل هذه الأعياد ، حتى لو كان يعيش بعيداً عن أورشليم واحتاج لثلاثة أشهر للوصول إليها ، وكان هناك إعتقاداً سائداً لدى اليهود وهو أن المسيا الآتي إلى العالم سيخلصهم في عيد الفصح ، فبالإضافة إلى أن عيد الفصح يحمل ذكرى النجاة من الموت والخلاص من العبودية المرَّة ، فهو يحمل أحلام بني إسرائيل في ظهور المسيا الذي يعيد إليهم حريتهم المفقودة ويخلصهم من الإحتلال الروماني ، وعيد الفصح هذا العام له طعم خاص لدى بني إسرائيل ،
لأن البشارة بيسوع نبي الجليل صانع المعجزات العجيبة إنتشرت وعمَّت البلاد ، فلعله هو المسيا المنتظر ؟! ولعله يصنع خلاصاً في عيد هذا العام ..
ولم تتسع المدينة للوافدين ، ومحظوظة هي الأسرة التي تجد لها حجرة صغيرة أو ركن على أحد الأسطح داخل المدينة ، أما الذين ليس لهم مكان فقد أعدُّوا أنفسهم ، إذ أحضروا معهم الخيام التي راحوا يقيمونها خارج الأسوار فوق المروج الخضراء ، ويقع عبء حفظ النظام والأمن وسط مئات الألوف على بيلاطس والي اليهودية ، الذي إضطر إلى ترك قصره في قيصرية والإقامة في أورشليم ، كما أستدعى بعض الكتائب العسكرية للمساعدة في حفظ النظام بالإضافة لآلاف الجنود المعسكرين بأورشليم وبالأخص في قلعة أنطونيا .. كان بيلاطس يقيم كل عام في جناح من قصر هيرودس ، أما هذا العام فبسبب الخصام الذي شب بينهما ، فقد أقام في قلعة أنطونيا المشرفة على الهيكل.
وكان هناك مناجاة من الشعب نحو يسوع نبي ناصرة الجليل .. هل سيأتي إلى العيد ؟!
لقد أظهر من القوة والقدرة والجبروت مالم يظهره أحد من قبل حتى البحر والرياح يطيعانه وبالأمس القريب – منذ عدة أيام - نادى لعازر من مدينة الأموات بعد موته بأربعة أيام ، فنفض الميت تراب الموت وإستقام مجيباً النداء وخرج من القبر مربوطاً
فقال للذين حوله من التلاميذ حلوه ودعوه يمضي ، واليوم الأحد دخل يسوع المدينة بموكب عجيب وديعاً متواضعاً راكباً على أتان وجحش إبن أتان ففرشوا ثيابهم على الطريق ، وحمل الكثيرون سعف النخيل وأغصان الزيتون وهتفوا له " هوشعنا .. هوشعنا في الأعالي .. مبارك الآتي باسم الرب .. مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب .. أوصنا في الأعالي " حتى الأطفال لم يكفوا عن الفرحة والهتاف فأرتجت المدينة أورشليم ، ولكن عندما دخل الهيكل لم يسرَّ به ، لأنه تحوَّل من بيت للتوبة والصلاة وإلتماس وجه الله إلى مكان لتجارة المواشي والخراف والحمام بحجة تقديمها للذبائح ، وجلس تُجار العملة يمارسون عملهم ، وبرع حنَّان رئيس الكهنة الأسبق في تقسيم وإدارة المكان ، فكل شبر في فناء الهيكل له قيمته ، وغضب السيد ورفع سوطه فارتعب الجميع وفروا من أمام وجهه هاربين ، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام ، وهو ينتهرهم بشدة
" مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص " ..
لقد طهَّر الهيكل ، ولم يدع أحداً يجتاز بمتاع ، وجلس يُعلّم الخراف التي بلا راعٍ لها ، ويشفي المرضى . أما حنَّان وقيافا رغم الحقد والغل الذي ملأ قلوبهم مع بقية القيادات الدينية ، لكن واحداً منهم لم يجرؤ أن يتعرض له أو يراجعه فيما عمله .. كل ما فعلوه أنهم تهامسوا فيما بينهم .. من أين له هذا السلطان ؟! .. العالم كله ذهب ورائه ..
لابد من القضاء عليه في أسرع وقت ممكن . أما يسوع فقد أمضى يومي الأثنين والثلاثاء يُعلّم طوال النهار في الهيكل حتى عاد للهيكل قدره ومجده ، وبالليل كان يبيت في قرية بيت عنيا مع تلاميذه ، ورغم أن الحاقدين حاولوا أن يصطادوه بكلمة ليحكموا عليه لكن دون جدوى .
اليوم الخميس ( الكبير ) وبالأمس حدثت خيانة في أورشليم لم ترَ المدينة مثلها من قبل .. لقد ذهب يهوذا تلميذ يسوع وأحد الإثنى عشر تلميذاً إلى رؤساء الكهنة الذين كانوا قد أصدروا منشور مجمع السنهدريم:
" من يعرف أين يسوع فليدل عليه "
.. ياللعار ..
لقد ذهب يهوذا من ذاته يعرض عليهم أن يُسلّم إليهم يسوع في المكان المناسب وفي الوقت الملائم ، وفي ذات اليوم الذي فاحت فيه رائحة الخيانة فاحت فيه أيضاً في بيت عنيا رائحة الطيب ، إذ خلال جلسة هادئة للمعلم وتلاميذه ، أذابت مريم أخت لعازر مشاعرها في قارورة طيب كثير الثمن إشترتها بتحويشة العمر ، وسكبتها على رأس المعلم الذي أعاد لها أخيها من الموت ، وهي لا تعلم أنها بهذا الطيب كانت تُكفّن يسوع وهو مازال حيَّاً ، بينما عاد يهوذا من حيث كان ،
ولو سأله المعلم : من أين يا يهوذا ؟
لأجاب كذباً : لم يذهب تلميذك إلى هنا أو هناك .. سألا بطرس ويوحنا المعلم : أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح ؟
فالمعلم ليس له أين يسند رأسه ، وتلاميذه تشبهوا به ، إذ تركوا بيوتهم وأسرهم وتبعوه .. كان الفصح يجمع شمل الأسرة الواحدة ، وكوَّن المعلم مع تلاميذه أسرة من طراز جديد لا تقوم على رباط الدم إنما تقوم على وحدانية الروح الواحد ، ولهذا حق لهم أن يأكلوا الفصح معاً ،
ولكن أين وليس لهم مقراً على هذه الأرض ؟ لم يشأ يسوع أن يجيبهم بصراحة أمام يهوذا الذي يتحيَّن فرصة لتسليمه ، ولذلك أجابهم بلغز خُفيَّ عن يهوذا ، حيث قال لهما :
" إذهبا إلى أورشليم وإذا دخلتما المدينة تجدان إنساناً حاملاً جرة ماء. أتبعاه إلى البيت حيث يدخل .. وقولا لرب البيت يقول لك المعلم أن وقتي قريب . أين المكان حيث آكل الفصح مع تلاميذي . فيريكما علية كبيرة مفروشة فهناك أعدَّا لنا " .
وكانت هذه علامة كافية لأن الذي إعتاد حمل الجرار النسوة والشابات ، وقال يهوذا في نفسه : ما معنى قول المعلم أن وقتي قريب ؟! ..
هل يشعر بروحه أن نهايته قد صارت وشيكة .. ربما تكون هذه إرادة الله وعليَّ أن أُتمّمها سريعاً .. ليساعدني الله لإتمام هذه المهمة الشاقة .
والآن نحو السادسة مساء وهوذا المعلم العالم بالخفايا يقطع الرحلة مع تلاميذه العشرة من بيت عنيا إلى البيت الذي سيصنع فيه الفصح الأخير ..
تقدم يسوع المسيرة طويل القامة ، ممشوق القوام ، وقد فرقَ شعره من منتصف الرأس ، وتدلَّت خصلات شعره على منكبيه ، وجهـه يشرق بالحبِ كشمس لا تغرب ، وعيناه تموجان بالنشاط والحيوية .. إنه حقاً أبرع جمالاً من بني البشر ،
وسار المعلم في صمتٍ ، فالصليب يدق الأبواب ، وغداً ستقطر دمائه على أراضي أورشليم وخارجها.
سارت الجماعة في الطريق الترابي من بيت عنيا قاصدة ، أورشليم وتعفرت أقدامهم بتراب الطريق ، ومروا على الخيام التي تكاد تكون متلاصقة ، ورائحة الطعام تتصاعد وتنتشر ، والفتيات يلعبن ، والنسوة يثرثرن ، وجلس الرجال يتسامرون ، وأكثر ما شدَّهم هو الحديث عن أمجاد المسيا الآتي ، فالنسر الروماني الجاثم على مدينتهم جعلهم أشد ظمأ للحرية وأكثر إشتياقاً للمسيا ،
ودخلت الجماعة إلى شوارع أورشليم التي رُصفت بالحجارة ، وقد إزدحمت جداً ، ورغم أن يهود أورشليم يشعرون بالإستعلاء على يهود الشتات الذين قد يعرفونهم من ملابسهم ، ولكن الفرحة بالعيد عمَّت الكل ، فصارت القلوب منشرحة والوجوه مستبشرة ، ومع أن اليهود قد أعتادوا عدم التحديق في وجوه الغرباء ، ولكن شهرة نبي الناصرة لفتت الأنظار فصارت النظرات تلاحقه .. ألعله هو المسيا ؟!
ولو كان المسيا لِمَ خذلنا يوم الأحد الماضي
ولم يُنصّب نفسه ملكاً علينا ؟! ونظر المعلم إلى تلك المدينة التي طالما أحبها نظرة الحب والإشفاق ، فكم أغدق عليها من حبـه وحنانه ولكنها رفضته بجفاء ، فأعطته القفا لا الوجه ، والتزم المعلم جانب الصمت ، فهو لا يريد أن يبيح بمشاعره الخفية لخواصه المحبوبين حتى لا يُحمّلهم ما لا يحتملون ، فهو معلمهم وأبوهم ورجاؤهم وكل شئ في حياتهم بعد أن تركوا كل شئ - فعلاً كل شئ - وتبعوه .
أما التلاميذ الذين يتابعون الأحداث ، وتصلهم الأخبار تباعاً ، يعلمون أن غضب القيادات الدينية لن يهدأ حتى يدخل في مواجهة دموية مع معلمهم ، وقد يفضل غالباً التصفية الجسدية كعادتها ، وبدأوا يشعرون أن هناك عاصفة عاتية تقف على الأبواب ، ولكنهم لم يتصوَّروا أنهم في هذه اللحظات يقفون على أعتاب هذه العاصفة ،
فهل سيستخدم السيد سلطانه الذي أخضع به من قبل البحر الهائج ، وهل سيعصف بهذه العاصفة الهوجاء ؟!
ولم يكن للتلاميذ القدرة على رؤية سطانئيل وهو يُجيّش جيوش الشر من شياطين ويهود ورومان ، في جلبة وضوضاء ومظاهر زيطة وهيصة ، يمنُّون أنفسهم بالصيد الثمين الذي أوشك على السقوط بين أيديهم ،
ولم يسمع التلاميذ الشرير وهو يتنهد قائلاً : متى أقبض على روحه وأُودعها سجن الجحيم ؟ لكم أتعبني وأجهدني هذا الإنسان .. هل تصل به الجرأة إلى طرد ملائكتي من سكنى البشر ؟! نعم .. لم أنجح للآن في إسقاطه في خطية واحدة بالفعل ولا بالقول ولا بالفكر ، ولكن بعد قليل سيكون في قبضتي ، ومن يفلت من قبضتك ياسطانئيل ؟!
ولم يكن للتلاميذ قدرات خارقة تميزهم عن غيرهم ، بل كانوا من بسطاء الناس ، ولكل منهم ميوله الخاصة ، ومعظمهم من صيادي السمك بالجليل ، وإن كانوا يفتخرون بمهنتهم في جليلهم
، ولكن يهود أورشليم يتأففون منهم إذ يحملون رائحة السمك وأعشاب البحر في ثيابهم المبتلة . أما في هذا اليوم فإنهم جميعاً يرتدون ملابس العيد وتنساب لحاهم على صدروهم ، وتنسدل شعورهم على أكتافهم ، وغالباً لكل منهم أكثر من إسم .
كان فيهم بطرس وشقيقه أندراوس ،
ويعقوب إبن زبدي ويوحنا شقيقه ،
كما إن هناك أسماء مشتركة ، فإثنان منهم بإسم يعقوب هما يعقوب بن حلفا ويعقوب إبن زبدي ،
وإثنان بإسم سمعان هما سمعان بطرس وسمعان القانوي ..
وكان من الإثنى عشر وأكبرهم سناً " يهوذا الأسخريوطي "
الذي كان يبدو دائماً قلقاً متوتراً ، وهو أمين الصندوق الذي يحتفظ ببعض الأموال في الصندوق ويخفي بعضها في كيس يحفظه بين طيات ملابسه ، وللأسف فإن يهوذا صرف جل إهتمامه في الأمور المالية من إيرادات ومصروفات وأرصدة ، وفي زحمة إهتماماته لم يهتم بتعاليم المعلم ، فبدأت الخطية تزحف نحوه شيئاً فشيئاً .. فلم يشعر بها ،
أو قل أن الشيطان نسج شبكته حول ذاك التلميذ المهم فتلة فتلة ، فصارت الخطية في قلب يهوذا كحيَّة رقطاء رابضة تحت صخرة تفرز سمومها حتى أسودَّ ذاك القلب الأبيض الذي إختاره يسوع تلميذاً له ،
ولم يسعَ يهوذا للتحرر من تلك الخطية ، بل إنصرف تماماً عن تعاليم سيده ، وإن سمعها بحكم تواجده في صحبة القديسين فأذن من طين والأخرى من عجين ، وصار التلميذ يتحاشى النظر في عيني معلمه.
وكان من الإثنى عشر أيضاً " بطرس " أكبر الرسل بعد يهوذا ، وإسمه سمعان باريونا أو سمعان بن يونا ، ودعاه المعلم صفا أي صخرة وباليونانية بطرس ، وهو دائماً التلميذ الغيور على معلمه وعلى إخوته ، يتمتع بصوت جهوري وقلب متسرع يقوده دائماً إلى الإندفاع ، حتى أن معلمه الرقيق رقة نسمة الربيع إضطر ذات مرة أن يزجره بشدة قائلاً : " إذهب عني ياشيطان " .
ومن بين الإثنى عشر عشاراً يُدعى " لاوي " ، وكان مثل أي عشار آخر قاسي القلب مستبيح لأموال الأرامل واليتامى ، وعندما إلتقى به المعلم منذ ثلاث سنين قال له " أتبعني "فترك مكان الجباية وتبعه ، وأعطاه إسماً جديداً " متى "
، ورغم أنه تعلَّم في مدارس الربانيّين فأجاد القراءة والكتابة والرياضيات ، إلاَّ أن السيد لم يشأ أن يوكل إليه أمانة الصندوق .
أما " توما " فهو قلقاً بعض الشئ ، يعتمد على المحسوسات والأدلة الملموسة في أمور حياته ، ويتمتع توما بروح المغامرة ، حتى أنه عندما سمع أن لعاز قد مات والمعلم سيذهب إلى اليهودية حيث مكمن الخطر قال : لنذهب إلى هناك ، لنموت معه.
أما أصغر التلاميذ فهو " يوحنا " الذي كان ملاحقاً ملاصقاً لمعلمه في خطواته وفي جلساته ، في حركاته وسكناته ، ودائماً عيناه ترنو إلى المعلم فتترأى له الأزلية مع الأبدية ، فيقف مشدوهاً أمام السرمدية ، وقد يكون يسوع قد كُشف له بعض الأسرار ، فسر الله لخائفيه.
ووصلت الجماعة إلى بيت أرسطوبولس والد مرقس ، وخرج رب البيت مع مريم زوجته وإبنه مرقس يلاقون المعلم وتلاميذه بالبشاشة والترحاب ، وصعد المعلم مع تلاميذه العشرة إلى العلية الكبيرة المفروشة حيث كان بطرس ويوحنا قد سبقا وأعدَّا كل شئ ، وكان من شروط أكل الفصح أن يتراوح العدد بين عشرة وعشرين نفساً ،
وهذا ما توفر لهذه الجماعة فهي ليست في حاجة إلى الإنضمام لجماعة صغيرة أخرى ، وكان الفصح يُذبح بعد غروب شمس يوم 13 نيسان أي في الساعات الأولى لليوم الرابع عشر، لأن اليوم اليهودي يبدأ من غروب شمس اليوم السابق وينتهي بغروب شمس اليوم ،
وبسبب أهمية عيد الفصح صار شهر نيسان - وكان يُدعى قبل السبي بشهر أبيب - أول شهور السنة العبرية ، ويقابل الجزء الأخير من شهر مارس والجزء الأول من شهر أبريل ، وفي هذا العام كان اليوم التالي لعيد الفصح هو يوم السبت ،
لذلك إنقسم اليهود إلى قسمين : قسم الفريسيّين المدقّقين الذي حافظوا على ميعاد الفصح ليكون غداً الجمعة 14 نيسان ، وذبحوا الفصح بعد غروب شمس 13 نيسان ، وفي هذا الوقت أكل المعلم الفصح مع تلاميذه .
أما الصدوقيون ومن بينهم رؤساء الكهنة فقد إحتفلوا بعيد الفصح يوم السبت 15 نيسان ، وذبحوا الفصح بعد غروب شمس 14 نيسان في الوقت الذي سيملك فيه السيد على عرشه ، وكان الفصح يُذبح بين العشائين.
والآن هوذا الحمل قد ذُبح ووضع في سيخين متعامدين ويشوى على نار هادئة ، ورائحة الشواء تعبق المكان ..
رفع بطرس ويوحنا الحمل من على النار ووضعاه على المائدة ، وهتفت الجماعة " الرب إلهنا إله واحد " ، وجلسوا حوله فجلس يهوذا أكبر التلاميذ سناً على يمين المعلم طبقاً للطقس السائد حيث كان يجلس الإبن الأكبر والممثل الشرعي للأب عن يمينه .
أما يوحنا بن زبدي أصغرهم سناً فجلس عن يسار المعلم ، فكان أقربهم إلى نبضات قلبه ،
ويبدو أنه قد حدثت مشادة بين يهوذا وبطرس عمن هو أحق بالجلوس عن يمين المعلم ، ويبدو أن الفضة التي زواها يهوذا في جيبه ثمن الخيانة لم تحرق ضميره ولم تكسر نفسه ..
آه لو تأمل ذاك التلميذ في قطعة من الفضة المسبوكة ربما عاد إلى وعيه ، فقد نُقش على أحد وجهي العملة غصن زيتون علامة السلام ، وعلى الوجه الآخر صورة مجمرة رمز العبـادة وأسفلها " أورشليم المقدَّسة " ..
فأين السلام والعبادة وأورشليم المقدَّسة من الخيانة المرَّة ؟! إنه يصبوا إلى مكاسب الأرض ويود لو يحتفظ بنصيبه السمائي ، وهيهات له هذا !! .. تصوَّر أنه سيتمتع بالمال الحرام مع ميراث السماء ، ولم يتصوَّر أن يومـه أصبح وشيكاً على المغيب ، ونجمه بات قريباً من الأفول . أما يوحنا فقد رَكَن إلى رُكن وهو مستريح البال ، فلا يوجد من ينافسه عليه.
وكانوا في القديم يأكلون الفصح وهم وقوف وأحقاءهم مشدودة ليتذكروا لحظات إنطلاقهم من أرض العبودية . أما الآن فأنهم يأكلونه وهم متكئون علامة على أنهم مَلكوا أرض الموعد ، وكان على المائدة طبق به محلول الملح والخل تُغمس فيه الأعشاب التي تُذكّرهم بعبودية فرعون ، وصَحفة بها حساء من فواكه التين والبلح الأحمر وقشور القرفة ، وجميعها بلونها الأحمر يذكرهم بالأجر ( الطوب الأحمر ) الذي كان يصنعونه في مصر تحت وطأة رؤساء التسخير. وهنا ، والآن نقطة اللقاء بين الرمز والمرموز إليه ، فالرمز الذي ظل نحو خمسة عشر قرناً منتظراً رفع صوته أخيراً ليرحب بالمرموز إليه :
أأتيت الآن يا حمل الله الحقيقي ؟!..
كم إنتظرناك قرون وقرون ؟ .. كنا أنا وأخوتي نشير إليك ، ولكن لم يفلح أحد منا قط أن يؤدي رسالتك في الخلاص ومغفرة الخطايا.
وشكر الحمل الحقيقي الحمل الرمز الذي أدى واجبه حتى هذه اللحظة قائلاً : بعـد ساعات أجوز نيران الألم وعذابات الصليب ، ويُصفى دمي قطرة قطرة فيرضى الآب عن البشرية .. أتدري أيها الحمل .. أنك ذُبحتَ بجرة واحدة من شفرة حادة فما كدت تشعر بالألم ، أما أنا فإنني سأتحمل الألم إلى أقصى مداه .. أتعلم أيها الحمل الوديع .. أن كل من يسوقه قدره إلى الصليب يشتهي من كل قلبه أن تُقبض روحه قبل أن يدق مسمار في جسده ، أما أنا فسأتحمل عذابات الصلب التي لا تطاق .. النيران التي إختبرتها أيها الحمل وأنت مذبوح
سأجوز فيها وأنا حي ..
ثم إلتفت يسوع لتلاميذه وقال لهم : شهوة إشتهيت أن آكل معكم هذا الفصح قبل أن أتألم . إني أقول لكم إني لا آكل منه بعد ، حتى آكله جديداً في ملكوت الله ..
وبحسب التقليد السائد أمسك المعلم بالكأس الأول من عصير الكرم ، وشكر الله على ثمار الحقل ، وأعطى تلاميذه قائلاً : مبارك أنت الإله الأبدي الذي فديت الشعب . مبارك ملك الوجود ، خالق ثمار الكرم.
ثم خلط الكأس بالماء ، بينما تقدم يوحنا أصغر الموجودين بالسؤال التقليدي للمعلم : لماذا يامعلم تختلف هذه الليلة عن أي ليلة أخرى ؟
فقص يسوع قصة التحرُّر من عبودية فرعون والفداء بالدم ، ولكنه قصَّها بطريقة جديدة جعلت أندراوس يتذكر قول معلمه يوحنا المعمدان عن يسوع " هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم كله "وسبَّحت الجماعة الجزء الأول من الهاليل ( مز 113 ، 114 ) ..
وشكر المعلم ، ثم قدَّس الكأس الثانية ، وبعد هذا أخذ المعلم كسرتين من الخبز وكسر الأولى ووضعها على الثانية وشكر الله الذي أخرج القمح من الأرض ، ثم مرَّر كسرة الخبز على الأعشاب المرة وغمسها في حساء الفاكهة وأكلها ، وأخذ قطعة صغيرة من لحم الحمل فأكلها ، وتبعه تلاميذه كل منهم ينتزع نصيباً من لحم الحمل ويأكله ، وعظم منه لا يكسر ، وبين الحين والآخر يزدرد كل منهم بعض الأعشاب المرة.
وكان من المفروض أن يتقدم أحد الخدام أو أصغر الموجودين بطست في يسراه وإبريق في يمينه للجماعة ليغسلوا أيديهم ويستكملوا طقس الفصح ،
ولكن التلاميذ فوجئوا بالمعلم ينهض من العشاء يخلع ردائه ، ويأخذ منشفة يئتزر بها .. أمسك الأبريق وصب الماء في المغسل ، وحمل المغسل إلى تداوس أقرب واحد منهم ، وركع أمامه يطلب منه مدَّ رجليه ، فأطاع تداوس في خجل ، وراح يسوع يفك سيور الصندل ، وأمسك بالقدمين المتسختين بتراب الأرض وغسلهما بالماء الدافئ وجفَّفهما بالمنشفة ،
ورغم أن يوحنا حاول القيام بهذا العمل إلاَّ أن المعلم لم يسمح له بذلك قط .. ومن يطيق ومن يحتمل أن السيد يركع أمامه كعبد ليغسل أقدامه ؟! كل منهم يأبى هذا ولكن أين المفر ؟!
ما عدا يهوذا الذي مدَّ قدماه بدون إستحياء إذ ماتت فيه الحياة ، وأمسك السيد بقدمي يهوذا يربت عليهما في حنان بالغ وكأنه يريد أن يقول له : " أقبل قدميك لا تُلقي بنفسك في الهلاك .. يايهوذا ياإبني .. أنا سائر في درب الموت بإرادتي .. فلماذا تجلب على نفسك حكم الموت يايهوذا ؟!"
وغسل يسوع أقدام يهوذا رغم علمه في أي طريق سعت هاتان القدمان الليلة الفائتة !! .. آه إنها أقدام ضمير قد مات .
أما بطرس الذي فاض قلبه بالحب لسيده فإنه لم يتململ مثل بقية إخوته من الآباء الرسل .
بل منع رجليه عن السيد قائلاً: ياسيد أنت تغسل رجلي ؟! .. هذا أمر مستحيل .
يسوع :
لست تعلم الآن ما أنا أعمل يا بطرس ، ولكنك ستفهم فيما بعد.
بطرس : لا أستطيع .. لن تغسل رجلي أبداً .
يسوع : إن كنت لا أغسلك ياإبني فليس لك معي نصيب ..
وبسرعة خاطفة مدَّ بطرس قدميه ويديه
وأحنى هامته وهو يقول : كلاَّ ياسيد كلاَّ .. ليس رجلي فقط بل أيضاً يديَّ ورأسي وكل جسدي.
يسوع :
الذي قد أغتسل ليس له حاجة إلاَّ إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله.
وإذ كان يسوع عالم بالخفيات قال :
وأنتم طاهرون وليس كلكم .. إنه نداء ليهوذا الذي تخلى عن طهارته علَّه يهرب من الظلمة التي غشت حياته ، ويفئ إلى نفسه ويتوب فيعتق مما هو فيه..
وبعد هذا أخذ يسوع رداءه وإتكأ قائلاً : أتفهمون ما صنعت بكم ؟ فصمتوا ولم يجب أحد ، وتعلَّقت أعين التلاميذ ببطرس بعد أن تكلم معه المعلم عن إرتباط هذا العمل بالنصيب الصالح ، ولكن ولا بطرس أدرك ما يجري ، ولهذا لم يكن لديه لا إجابة ولا نصف إجابة .
فقال يسوع : أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون لأني أنا كذلك . فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض ، لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً .
فتململ يهوذا قائلاً في نفسه :
مالنا وشغل الخدم والعبيد ؟
ثم أردف يسوع قائلاً : الحق الحق أقول لكم أنه ليس عبد أفضل من سيده ولا رسول أعظم من مرسله .. الكبير فيكم ليكن كالأصغر ، والمتقدم كالخادم ، لأن من هو أكبر ؟ .. الذي يتكئ أم الذي يخدم ؟ . أليس الذي يتكئ ؟ ولكن أنا بينكم كالذي يخدم .. أنتم الذين ثبتم معي في تجاربي . إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه..
حدث هذا بينما وقف " لوسيفر " مشدوهاً وشياطينه قد إعترتهم الحيرة ، لأنه إستعصى عليهم فهم فكر الإتضاع ، فنظروا بإشمئزاز وقال لوسيفر لملائكته : ألم أقل لكم أنه مجرد عبد ، ولا يزيد عن كونه عبداً ، ولذلك قام بعمل العبيد .. أليس حسناً أننا حركنا حبيبنا يهوذا ليبيعه بثمن عبد .. آه أيها العبد .. إنني في لهفة من أمرك .. عندما تقطر دماءك .. دماء العبيد على صليب العار .. لن تستطيع فكاكاً يايسوع من فخ الصليب الذي أعدَّدته بحكمتي !!
وإضطرب يسوع بالروح ، ولأول مرة يفتح ملف التلميذ الخائن المرائي ، ويتنهد قائلاً :
الحق الحق أقول لكم إن واحداً منكم سيسلمني .. حقاً كان المعلم يعلم أن يهوذا سارق ولص يسلب الأموال التي تضعها السيدات الثريات في الصندوق ، ولكنه ستر عليه طويلاً ستراً يفوق الوصف ، وربما همست بعض النسوة في أذن بطرس بما يجري ، ولعل بطرس لفحه بنظرات الريبة والشك ، حتى توقع الخائن أن المعلم سيطالبه بتسليم حساب وكالته ، مع أن المعلم قد مكَّن له الحب إلى درجة تفوق الخيال ، وإزاء حديث المعلم صمَّ يهوذا أذناه وكأنه لم يسمع شيئاً ، أو كأن الموضوع لا يخصه ، وبدا الذئب في ثياب الحملان ، وتناسى أنه بالأمس سعى إلى رؤساء الكهنة يعرض عليهم تسليم حمل الله ، وهم فرحوا به جداً وأعطوه ثلاثين من الفضة ، فعاهدهم على تسليمه ، ولاسيما أنهم أقنعوه بأنه من المستحيل أن يكون يسوع هذا الذي ينادي بمحبة الأعداء هو المسيا .. إنه يود لو يُضيّع الأمة ويخرب الهيكل ..
آه لو همست يايهوذا في أذن سيدك بأنك أنت الذي إتفقت مع القيادات الدينية على تسليمه ، لخلصك سيدك من الفخ الذي أمسك بك ، ولكن للأسف الشديد فإنك يايهوذا إتخذت من هيروس مثلاً أعلى لك ، ذاك الذي من أجل الأقسام ذبح المعمدان.
أما التلاميذ الأطهـار فقد وقع عليهم الخبر وقوع الصاعقة ، فأغتموا وأصابهم الأسى والأسف والحزن العميق ، وكلمات يسوع الرزينة المؤثرة ترن في آذانهم ، ففقدوا الثقة في أنفسهم ، لأن ثقتهم في معلمهم فاقت ثقتهم في أنفسهم ، ونظروا إلى بعضهم البعض نظرات الحيرة والتساؤل ، ولم يجرؤ أحدهم على الإعتراض ولا بطرس ذاته ، فما دام يسوع قال هذا فلابد أن يحدث هكذا ..
تُرى مَن منا سيسلمه ؟!
ورفع يعقوب بن حلفا إصبعه في مذلة وإنكسار قلب قائلاً : هل أنا يارب ؟
وصمت المعلم ، وصمته هذا لم يمنع بقية التلاميذ
من طرح ذات السؤال : هل أنا يامعلم ؟ .. هـل أنـا ياسيد ؟!.. هـل أنا يارب ؟!..
عجباً لتلاميذ بسطاء يشكُّون في أنفسهم ولا يشكُّون في أخيهم الذي كان لصاً ، وتباً لك يايهوذا لأنك وأنت صانع هذا الأمر بعينه تركت أخوتك يتعذبون في شكوكهم ، وكان بإمكانك أن تريحهم وتربح نفسك .. لماذا ياهذا دفعت بنفسك في زمرة القديسين وأنت لست بقديس ؟! ومالك تضع نفسك في مجمع الأطهار وأنت لستُ بطاهر ؟!
بل وأكثر من هذا أن يهوذا ظنها تسلية ، فكل واحد يقول له :
هل أنا يارب ؟ والمعلم صامت لا يجيب ،
وإذ ملأ الشيطان قلبه وغطى الرياء حياته ،
قرَّر أن يسأل ذات السؤال مع إستبدال
كلمة يارب بكلمة ياسيد ، فقال : هل أنا ياسيد ؟
ولا عجب فإن الخطاة " يقتلون الأرملة والغريب ويُميتون اليتيم . ويقولون الرب لا يبصر إله يعقوب لا يلاحظ " (مز 94 : 6 ، 7).
وكان لابد للسيد أن يجيب ، لئلا يظن يهوذا في جهله أن المعلم يجهل أمره ، وإذ أراد المعلم أن تصل الإجابة إلى يهوذا فقط دون بقية التلاميذ حفاظاً على مشاعره . صمت قليلاً ثم همس في أذن يهوذا الجالس عن يمينه دون أن يسمعه أحد : أنت قلت.
ولم يلحظ أحد من التلاميذ ما قاله المعلم ليهوذا الذي تصنَّع الإتزان والهدوء ، وكأنه أصم لم يسمع صوت المعلم ، وتساءل يهوذا في نفسه : ألعل أحد رآه بالأمس وهو يدخل إلى قصر قيافا ،
وأخبر المعلم بما كان ؟!
وتململ بطرس في جلسته ، فهو لابد أن يعرف من الذي سيسلم سيده .. أنه على إستعداد تام للفتك به وليكن ما يكن ، فأي عار أن يخون التلميذ معلمه ؟!
ومع إنفعالاته هذه ، فإنه لم توآته الشجاعة ليسأل المعلم عمن هو ، فمنذ قليل أسكته المعلم عندما إحتج على غسل الأرجل ، فآثر بطرس الصمت كمداً ، ولكنه لم يحتمل ، فأومأ للتلميذ الصغير الجالس عن يسار المعلم ، وفهم يوحنا وأطاع ،وهمس في أذن معلمه : من هو يارب ؟
ولم يشأ المعلم أن يرد ليوحنا سؤالاً ، ولم يشأ أيضاً أن يعرف بطرس من هو ، ولا يريد أن يفضح يهوذا أمام الجماعة ، فبحكمته الإلهية ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد ، إذ همس في أذن يوحنا دون أن يسمعه أحد :
الذي يغمس يده معي في الصَّحفة هو يُسلّمني.
وقد كان من أدب التلاميذ أنهم متى لمحوا يد السيد تتجه إلى الصَّحفة رفعوا أيديهم ، أما يهوذا إذ سكنه شيطان الكبرياء كان يزاحم معلمه في الصَّحفة ، وربما يكون الشيطان قد صوَّر له أنه هو الأحق برئاسة هذه الجماعة ، وصمت يسوع حتى إزدرد يهوذا ما في فمه ، ولكي يؤكد ليوحنا ذات
المعلومة همس في أذنه قائلاً : هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه..
وإذ كان الطقس يُفرض أن رب العائلة يغمس لقمة في صَّحفة الفاكهة ويعطيها للإبن الأكبر أو أكبر الحاضرين ، فعل يسوع هكذا ، وغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا الذي أنتفخ ونفش ريشه أمام أخوته ،
وكأنه يقول لبطرس الذي طمع في مكانه منذ قليل :
أنظر تقدير ومعزَّة وإحترام المعلم لي ..
فمن أنت حتى تطمع في مكاني ومكانتي ؟!
وكان الشيطان يغوي ويناوش يهوذا من الخارج ، أما بعد اللقمة فقال لوسيفر لأحد أتباعه العتاولة :
أدخل إلى يهوذا ، فهوذا قلبه مكنوساً مزيناً ، فتربع على عرش قلبه ، وشكّل فكره ، وأجعل نظراته زائغة ، وأفقده القدرة على التركيز .. هوذا أنت تعرف مهامك.
أما يوحنا ففهم وأدرك .. تأثر جداً وتأسى في نفسه ..
ختم على الأمـر ولم يفصح ، واجتهد كثيراً حتى لا تفضحه مشاعره ، وقال في نفسه : ياللهول .. يهوذا الذي وهبه السيد سلطاناً على الشياطين ،
حتى كان يطردها ويزجرها وينتهرها ، يبيع نفسه للشيطان ، ويصير مأوى للشياطين ولكل روح نجس .. يالحزن النفس وكسرة القلب !!
يسوع : إبن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه ،
ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يُسلَّم إبن الإنسان.
إنها محاولة أخيرة لعل يهوذا يرجع إلى نفسه ، ويدرك الأمور على حقيقتها .. إن إبن الإنسان سيمضي كما هو مكتوب ، بحسب مشورة الله المحتومة .. نعم هذا سيتم يايهوذا .. سيتم سواء سلمتني أو لم تفعل ، فلماذا تزج بنفسك ياتلميذ في طريق الخيانة البشعة ؟!!
وإن كان العرف والتقليد يُجرّم إعتداء الإنسان على صاحبه الذي أكل معه في صحفة واحدة ، فكم وكم بتلميذ عاش مع معلمه ثلاث سنين
يأكل ويشرب وينام معه ؟! ..
لكم جرح يهوذا معلمه !!
" لأنه ليس عدو يُعيّرني فأحتمله . ليس مبغضي تعظم عليَّ فأختبئ منه . بل أنت إنسان عديلي إلفي وصديقي . الذي معه كانت تحلو لنا العشرة . إلى بيت الله كنا نذهب في الجمهور " (مز 55 : 12 – 14) ..
" أيضاً رجل سلامتي الذي وثقت به أكل خبزي رفع عليَّ عقبه " (مز 41 : 9) ..
إن رؤساء الكهنة لم يطلبوا منك يايهوذا أن تسلمني ، لأنه لم يخطر على بالهم أن تلميذاً يخون ويبيع معلمه بثمن عبد.
ونظر يسوع بعين المستقبل القريب فإذ يهوذا صديقه الذي عاشره أكثر من ثلاث سنوات مُعلقاً مشنوقاً ، فتنهد كمن هو في كمدٍ ، وكمن أصابته خسارة جسيمة وقال : كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد..
وإلتقطت أذان يهوذا هذه العبارات التي تذيب الفؤاد ، وسمع أبواق التحذير التـي دوَّت عالياً لكيما توقظه قبل فوات الأوان ، ولكن مازال يهوذا يراوغ ، فقال في نفسه : ربما بلغته أنباء أن أحد المقربين إليه سيسلمه ، ولكن لعله لا يعرف من هو بالضبط ..
غير أن نظرات يهوذا صارت زائغة ، وإشتد إرتباكه أكثر مما كان يبدو في أشد المواقف حساسية.
ولنا أن نتساءل :
مادام يسوع يعلم أن يهوذا سيخونه فلماذا خلقه ؟! ..
لقد خلق الله يهوذا حرَّاً مريداً ، ومقابل هذه الحرية عليه أن يتحمل مسئولية تصرفه ، فكان يمكن ليهوذا أن يكون تلميذاً مخلصاً مثل بقية أخوته ، ولكنه أختار أن يكون خائناً ، وباع سيده.
وإن تساءل أحد : مادام تسليم يهوذا لمعلمه قد ساهم في خطة الخلاص ..
فلماذا يُدَان ؟ ..
يُدان لأن ما فعله هو شر ، وقصد منه يهوذا الإساءة لسيده ، ولم يقصد على الإطلاق خلاص البشرية ، فهو مسئول عن جرمه.
وقال يسوع بصوت مسموع : يا يهوذا .. ما أنت فاعله فأفعله بأكثر سرعة.
وقال بطرس في نفسه : أما زال المعلم يُميّزه عنا حتى أنتفخ علينا ؟! ألعله قد أرسله في مهمة عاجلة لشراء إحتياجات العيد .. وقال تداوس في نفسه : لعل المعلم يكون قد أرسله في مهمة تخص الفقراء.
وأدرك يهوذا أن المعلم يعرف الأمر كله ، وأن كل أوراقه صارت مكشوفة ، فتضايق جداً ، وشعر كأن شيطانه يلف حبلاً حول رقبته ، ويخنقه ، لذلك أدار ظهره للجالسين وإنطلق كالسهم الطائش ، بنظرات زائغة ويدان مرتعشتان ، وعقل فقد إتزانه ، ويده على جيبه تتحسَّس الكيس الجلدي الخفي وبه ثمن الخيانة .. خرج يهوذا وكان الوقت ليلاً ، فغاص فـي ظلمة الليل البهيم منطلقاً إلى بيت قيافا حيث طريق الهلاك
– متقولش مركّب في رجليه عجل –
ترك يهوذا جماعة القديسين وخرج ، وكان الوقت ليلاً ، والساعة نحو الثامنة والنصف مساءاً .. شقَّ يهوذا طريقه لايلوي على شئ إلى بيت رئيس الكهنة ، وإذ عرفته البوابة ، فهو زائر الأمس الذي أبهج رؤساء الكهنة ، لذلك أسرعت بفتح الباب ، ودعته يمرَّ إلى الوكر .. تقدم أحد الخدام لينظر من القادم ، وإذ عرفه طلب منه الإنتظار لحظات حتى يخبر رئيس الأحبار بقدومه.
ووقف يهوذا ، أو قل وقف الشيطان الساكن في يهوذا قلقاً مضطرباً يرى في هذه اللحظات دهراً ، حتى جاء الخادم يدعوه للدخول ، وما أن رأى قيافا حبيبه يهوذا حتى أخذه بالأحضان والقبلات مرحباً به : أهلاً صديقي العزيز .. أسد ( سبط ) يهوذا ، وبطل يعقوب .. ماذا تطلب في هذه الساعة من الليل ؟
وقال الخادم في نفسه :
عجباً لهذه المحبة الفياضة ، وهي وليدة يوم وليلة ؟! هل حقاً هذه محبة أم أنها زيف ورياء ؟!
يهوذا : إن المعلم مع تلاميذه في بيت أرسطوبولس .. تُرى هل هذا هو المكان المناسب والوقت الملائم لإتمام المهمة ياسيدي ؟ ألا ترى معي أن هذا المكان أفضل من بيت عنيا ؟
وهمهم قيافا قائلاً : بالطبع .. بالطبع يايهوذا ، فالمسافة من بيت عنيا إلى أورشليم تأخذ وقتاً أطول ربما يسمح لأتباعه بالتحرك لإنقاذه .. إنها لفتة رائعة منك أيها البطل الهمام .. لعل رب الهيكل يباركك ، ولتحل بركتي وبركة آبائي عليك ياإبني .
وكـان قيافا منهمكاً في التفكير بصوت يكاد يكون مسموعاً : إن هذا الناصري فعل مالم يفعله أحد قبله .. من يتجرأ ويطرد تجار الهيكل ويقلب موائد الصيارفة ؟!! .. إن ذلك الرجل الجليلي لا يستحق أبداً أن يعيش .. يريد أن يشعلها حرباً طائفية بين أتباعه الذين يربو عددهم من ثمانية آلاف نفس وبين الغيورين على مجد الهيكل .. وماذا تكون نتيجة هذه الحرب الدموية لو حدثت إلاَّ تَّدخل الرومان وإحتلالهم للهيكل ، وربما أقاموا فيه أصنامهم النجسة ؟!
وعاد ينظر إلى يهوذا قائلاً : ليكافئك الله يايهوذا ياجرو الأسد على صنيعك معنا .. إسترح الآن ياإبني وأنا سأتصرف في الأمر.
أما عيني يهوذا فلا تستقران ولو للحظة واحدة .. إنهما يجولان في كل إتجاه في حركات سريعة .. ينتقلان من الأرض الفسيفساء بألوانها الزاهية ، إلى الجدران التي تزينت بالمصابيح النحاسية اللامعة التي أخذت شكل الحيات والحمام ، إلى الكراسي الضخمة التـي وُضعت عليها الأرائق الوثيرة المحشوة بريش الطيور ..
وإذ كان قيافا رئيس الكهنة يقطن ذات القصر الذي يقطنه حماه حنان ، لا يفصل بينهما سوى دهليز ، أرسل أحد الخدام يستدعي حنان رئيس الكهنة الأسبق الداهية المحنَّك الذي يخشى الكل شره حتى هيرودس ، كما إن بيلاطس يعمل له حساباً ، وبالرغم من أن " فاليروس جراتوس " والي اليهودية السابق قد عزله من منصبه كرئيس للكهنة ، لكنه عجز أن يحد من نفوذه الذي تخطى حدود فلسطين ، ومازال هو المسيطر الأول على كل أمور الهيكل والشعب ، ولاسيما المعاملات المالية والتجارية.
كما أن له عيوناً في كل مكان ، وبينما كانت الشريعة تأمر بأن يبقى رئيس الكهنة في منصبه طوال حياته ، فإن الولاة الرومان لم يلتزموا بهذه الشريعة ، إنما باعوا المنصب لمن يدفع أكثر ، وعلى كلٍ فإن رئاسة الكهنوت لم تخرج عن عائلة حنان بن شيث ، عائلة الرشوة والدسائس
لمدة نحو خمسة وخمسين عاماً بدأها حنان منذ العام السابع للميلاد وحتى سنة 14 – 15 م .
ثم إبنه اليعازر لمدة سنة واحدة ( 16 – 17م )
والآن يوسف قيافا زوج إبنة حنان ( 17 – 36م )
{ ثـم أولاد حنان الأربعة : يوناثان لمدة سنة ( 36 – 37م )
ثـم ثاوفيلس ( 37 – 41م ) فمتياس ( 41 – 44م )
وآخرهم حنان بن حنان ( 44 – 62م ) } .
وأيضاً قام قيافا بإستدعاء بعض أعضاء مجلس السنهدريم للتشاور في الأمر ، حتى يكون العمل جماعياً وليس فردياً ، وسريعاً ما جاء حنان ، وتبعه عدد ليس بقليل من أعضاء مجلس السنهدريم ..
حنان : ياسادة .. أرجو أن تفهموني جيداً ، فهناك فرق شاسع بين القبض على يسوع بمعرفتنا ، وبين تسليم تلميذه له ، فتلميذه هو أقدر الناس في الحكم عليه ، ولولا أنه ضال ومُضل لما قام تلميذه يهوذا بتسليمه للقضاء.
دبارياس : حقيقة بعد الإستقبال الحافل يوم الأحد الماضي الذي إرتجت له المدينة بات من الخطورة ترك مثل هذا الإنسان .. شكراً لأدوناي إن حماس الجماهير قد برد كثيراً ، بعد أن أضاع يسوع الفرصة السانحة في إعلان ملكه ، وخيَّب رجاء الجماهير في إعلان مملكة إسرائيل ، مع إن عواطف الكثيرين مازالت متأججة تجاهه ، وهو مازال قادراً على تحريك كل الشعب في أي طريق يريد.
الأسخريوطي : لقد هتفنا له يوم الأحد حتى بحت أصواتنا ، علَّه يُحقّّّق أحلام إسرائيل ، ولكنه خذلنا ، وترك الجماهير الثائرة تهدأ شيئاً فشيئاً وتنصرف شيئاً فشيئاً ، ولم يشأ أن يحركها بأصبعه لتشعلها ثورة حارقة تأكل بيلاطس وكل جنوده ، ويعلن قيام مملكة إسرائيل ، لقد تأكدت أنه ليس هو المسيا كما كنا نظنه ، ولذلك أتيت لأسلمكم إياه ، فكل ما يهمني هو مجد يهوه ومدينة أورشليم ومملكة إسرائيل .
ميزا : لننتظر .. ربما يعود وينفخ نار الثورة ضد روما.
قيافا : كلاَّ ياميزا .. إن الناصري الذي ينادي بمحبة الأعداء لا رجاء فيه على الإطلاق ، ولو أن هناك رجاءاً فيه لنفخنا فيه من روحنا.
الأسخريوطي : لا أدري كيف يمكن لإنسان ينادي بالمحبة والتسامح مع الأعداء أن يقيم لنا أمجاد داود وسليمان ؟!
دبارياس : حيث إنه يهيج الشعب فهو يستحق الموت.
سابس : بعد أن كشف الناصري عورتنا أمام الشعب ، وبعد أن صبَّ علينا ويلاته ، وأودعنا مذبلة التاريخ ، ليس ببعيد عليه أن يحرك الجماهير ضدنا ، وفي لحظات نصير جميعاً في خبر كان .. لقد أمسى الأمر بالنسبة لنا هو موت أو حياة.
سارباس : مثل هذا الإنسان كان لا يجب أن يعيش .
حنان : العيب كل العيب في الشعب الجاهل الذي لا يفهم الناموس .. أليس مكتوباً أن المسيا يخرج من بيت لحم من قرية داود ؟ فمال المسيا بيسوع الناصري الذي خرج علينا من الناصرة ؟ أمن الناصرة يخرج شئ صالح ؟!
سمعان الأبرص : لا أدري كيف نحكم بالموت على إنسان قالوا عنه أنه بار ؟
حنان : وهل نسيت ياسمعان أنه كسر السبت مرات ومرات.
قيافا : ألاَّ تدرك ياسمعان معنى إدعائه بأنه إبن الله ؟! .. إنه يجعل نفسه معادلاً لله . معاذ الله ..
سابس : إن كان باراً ياسمعان أو لم يكن ، فهو مستحق كأس الحمام ، لأنه لم يحفظ شريعة آبائنا.
سابتل : فلنقاصه ونؤدبه حتى لا يكرز ضدنا في المستقبل.
ريفاز : إجعلوه يعترف بذنبه أولاً ثم عاقبوه .. لنظل نلاحقه حتى نصطاده بكلمة ضد قيصر أو ناموس موسى أو الهيكل ، ثم نحكم عليه بالعدل.
رحبعام : لقد ذهبت إليه مع بعض أصدقائي وأحبكنا له الشباك حبكة لا يمكن الخروج منها ، وسألناه سؤالاً محدداً حتى إذا أجاب بالإيجاب أو بالنفي سقط في الفخ ..
قلنا له " يامعلم نعلم أنك صادق وتُعلّم طريق الله بالحق ، ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس " ..
وهزَّ ريفاز عمامته مسروراً : هـو فـي كلام أحلى من كده يارحبعام ؟.. وماذا عن السؤال ؟
رحبعام : قلت لـه
" قل لنا ماذا تظن أيجوز أن نُعطي جزية لقيصر أم لا ؟ ".
ريفاز : ياله من فخ مُحبَك يارحبعام .. ومن يفلت منه ؟! .. لو قال " نعم " لثار الرأي العام ضده ، ولو قال " لا " لثبتت عليه تهمة الخيانة للسلطات الرومانية ..
رحبعام : ومن الطبيعي أنكم جميعاً تعلمون النتيجة النهائية.
نبراس : لقد نظر إلينا ياريفاز نظرة الفاهم بما يدور في رؤوسنا وما يعتمل في نفوسنا وقال
" لماذا تجربونني يامرأؤون ! أروني معاملة الجزية .. لمن هذه الكتابة ؟ أنها لقيصر .. إذاً أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " .. لقد أبكمنا بذكائه الحاد ، فليُطرَح في هاوية الشقاء .
يوشافاط : ولا ننسى أننا قد أرسلنا من قبل رسلاً ليحضروه ، فعادوا إلينا بخفي حنين يخبروننا بأنه لم يتكلم قط إنسان هكذا ، فربما يسحر من سنرسلهم للقبض عليه بكلامه الجذاب كما سحر أولئك .. هل تذكرون ، عندما قـال
" قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن " ؟ .. ماذا فعل الشعب ؟
حنان : نعم يايوشافاط .. رفعوا حجارة ليجرموه لأنهم غاروا غيرة الرب ، أما هو فقد جاز في وسطهم .. إذاًَ لنحذر جداً لئلا يجوز هذه المرة أيضاً .
الأسخريوطي : لكنني سمعته اليوم بأذناي يتحدث عن موته ، وأنه ماض كما هو مكتوب عنه ، وقال لهم أن واحداً منكم سيسلمني . إذاً هو يعلم جيداً أنه ذاهب إلى نهايته المحتومة.
سوباط : أرى أن الشرائع لا تحكم على أحد بالموت بدون فحصه ومحاكمته ومنحه الفرصة الكاملة ليدافع عن نفسه.
نيقوديموس : إن شريعتنا الغراء لا تصرح بالحكم على أحد مالم تأخذ أقواله وتتأكد من أفعاله أولاً.
روسمتين : وما فائدة الشريعة إن لم تُحفَظ ؟ إن الموقف حساس للغاية وفي منتهى التعقيد يحتاج إلى ألف حساب وحساب ، حتى لا تحدث مذبحة عظيمة ، قد نكون نحن أول ضحاياها .. لا ننسى أن قرار مجمع السنهدريم الأخير الذي إتفقنا عليه بالإجماع هو تأجيل القبض على يسوع حتى تسنح لنا الفرصة بعد العيد .. لا يمكن القبض عليه إلاَّ في غيبة عن الجماهير.
قيافا : حقاً كان هذا قرارنا بالأمس ياروسمتين ، ولكن أستجد في الأمر جديد ، وهو تعاون يهوذا معنا ، ووعده بأن يُسلّمه لنا هذه الليلة بدون ضجة ولا ضحايا.
يهوذا : نعم ياسيدي .. أرى أن الوقت مناسب جداً لتسليمه للقضاء عليه دون أية ضجة أو جلبة وبدون ضحايا ، فبينما الشعب مشغول جداً اليوم في الإستعداد للعيد ، سأضع يسوع بين أيديكم .. أتعهد لكم بذلك .
إناس : لا يجب الحكم أبداً على إنسان بالموت مالم نسمع أقواله .
سابتل : أنا مع إناس في رأيه ، وأرى أن نلتزم جانب الأمان ، ونؤجل القبض عليه لحين إنصراف أتباعه بعد الأعياد – خليها تعدي على خير -
حنان : وما أدراكم أن الفريسة ستظل حبيسة الأسوار بعد فترة الأعياد .. ألاَّ يمكنه الهروب إلى صور وصيدا ؟! ميزا : ربما نلقى مقاومة أثناء القبض عليه .. تُرى هل يستخدم سلطانه ؟! .. تُرى هل يُنزِل ناراً من السماء فتأكل من نرسلهم إليه ؟!
قيافا : كفاك تخريفاً ياميزا .
يوسف الرامي يتساءل متعجباً : أيهما أسهل .. إقامة ميت بعد أربعة أيام أم إماتة أحياء ؟!
ويحتد قيافا : أصرت من أتباعه أيها الرامي ؟
يوسف : كنت واقفاً عند قبر لعازر ..
حنان : إطمئن يايوسف إننا سنقتل الأثنين معاً يسوع والعازر . سنرسلهما للموت ، وإن كان أحدهما يقدر على القيامة من الموت ، فليقم ونحن جميعاً سنؤمن به.
وإحتد يوسف الرامي : سيدي .. إن لم يكن أحد يدافع عن الإنسان البرئ فهذا عار علينا.
ميزا : إن كان باراً فلنسمع منه وإن كان مجرماً فلنطرده.
هارين : سواء كان باراً أو لم يكن ، فحيث أنه هيج الشعب بكرازته فهو يستحق الموت.
يوطفار : حيث إن هذا الإنسان خدَّاع فليطرد من المدينة ، ولا يسمح له بدخول أورشليم قط ، ويُحرَم من رؤية هيكلنا العظيم إلى الأبد.
يوشافاط : نعم يايوطفار ، وإن ضُبط في أورشليم ثانية أو داخل الهيكل فليسجن مدى الحياة.
أنولوميه : عجباً .. لماذا إنتظرنا كل هذه المدة ولم يُحكم عليه بالموت ؟
رحبعام : ياسادة إسرائيل .. لنا شريعة وبحسب شريعتنا يجب أن يموت.
قيافا : ألم أقل لكم من قبل أنه الأجدر أن يموت إنسان واحد عوضاً عن الآمة ولا تهلك الأمة بأسرها.
يورام : نعم ياسيدي .. فهو العاصي الذي يستحق الموت حسب الشريعة.
سارباس : إنزعوا عنه الحياة .. إنزعوه من الدنيا.
يورام : تمهلوا قليلاً .. لو فشلت خطتنا هذه المرة ، فربما يُعلن نفسه المسيا الآتي إلى العالم ، ويثير الآلاف من أتباعه ، وتحتدم المعركة حامية الوطيس ، ولاسيما أن المدينة تعج بالغرباء المتعطشين للثورة بسبب وبدون سبب فتزهق أرواح الأبرياء ، وتكون الفرصة للرومان ليعملوا سيوفهم في جسد أمتنا.. فلنتعقل ياإخوتي لنتجنب مكامن الخطر.
الأسخريوطي : إطمئنوا ياسادتي .. فإنني حقيقة شعرت أن روحه تجنح هذه الليلة نحو الموت.. فلماذا لا تصدقونني ؟!
رحبعام : سيدي قيافا .. وما رأي الوالي في هذا الأمر ؟
قيافا : لقد قصدناه من قبل ليقبض عليه فأبى وخذلنا ، فهو لا يريد أن يُدخِل نفسه في مشاكل أخرى خاصة بشعبنا ، لأن المشكلة القادمة ستكون نهاية ولايته .. لن يتورط في ذبح يسوع كما ذبح هيرودس يوحنا ، وشعبنا الجاهل ياقوم يجل يسوع هذا أكثر من يوحنا قدسية .. إنهم يظنون أن الناصري ليست لديه أطماعاً في ملك أرضي ..
على كلٍ لابد أن نشرك معنا السلطات الرومانية أولاً :
حتى نُوهِم الشعب بأن بيلاطس هو الذي قبض على يسوع ، وثانياً : أننا عاجزين عن قتل الناصري لأن ليس لدينا سلطة لإصدار أحكام الإعدام ، وأنني أرى أن ننتهز هذه الفرصة .. آه لو أضعناها ، فقد لا نجدها ثانية .
وأخيراً إستقرت الآراء على ذهاب قيافا إلى بيلاطس لإستطلاع رأيه ، فإن وعد بتقديم المعونة وتسهيل إجراءات المحاكمة بحيث يرفع الناصري على صليبه قبل غروب شمس الغد فليتم القبض عليه ، وإلاَّ فليتم الإنتظار إلى فترة ما بعد الأعياد.
والساعة الآن العاشرة مساء ، وهوذا قيافا ينطلق كالسهم لا يلوي على شئ .. إلى قلعة أنطونيا ، بينما وقف يهوذا يرتعد ولا يعرف لماذا سرت الرعدة في جسده بهذا الشكل ، فيبذل قصاري جهده لضبط نفسه من الرعشات الشيطانية التي إنتابته ، وأخذت نظراته تنتقل بين الخدم الذين يروحون ويجيئون وبعض شيوخ السنهدريم ، وكلما نظـر إلى حنان يبتسم له الثعلب إبتسامة عريضة وحضر رئيس حرس الهيكل مع بعض جنوده ،
وقطع الصمت صوت حنان مجلاجلاً : يايهوذا ياإبن الأكابر .. أنت أعظم شاهد على ضلالات ذاك الجليلي .. ألم تسمعه وهو يقول قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن .. لابد أن تشهد للحق أمام مجمع السنهدريم العظيم.
الأسخريوطي : ليس هذا فقط ياسيدي ، إنما قال لنا " أنا في الآب والآب فيَّ "و" أنا والآب واحد ".
وهزَّ حنان رأسه وعبث بلحيته : نعم .. أنت أعظم شاهد في التاريخ يايهوذا .. ألم أقل
لك ؟ .. بك سنقضي على ضلالة العصر ، بل وكل عصر بحسبما أرى يا إبني .
وأحنى يهوذا هامته ملتحفاً بزي الإتضاع ، وفي داخله يشعر أنه سمى إلى عنان السماء بفعل كلمات الثناء ، وأنه صار بطلاً في عيون الرؤساء .. شعر بالراحة الكاذبة وهو يتحسَّس الفضة في جيبه ثمن المثمن ، وكان هناك نوعان من الفضة .. الفضة المسبوكة التي سبكت منذ سمعان المكابي سنة 143 ق.م وتدعى بالشاقل ، والفضة الخام التي يتم التعامل بها بالوزن ، وتذكَّر يهوذا ماحدث بالأمس إذ وزنوا له الفضة ، ولم يدرك أن فعلته الشنعاء هذه قد عاينها زكريا النبي منذ مئات السنين فقال " فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة " ( زك 11 : 12)
ولم يدرك يهوذا أيضاً أن الثلاثين من الفضة هي ثمن عبد
إذ نطحه ثـور فمات حسب قول الشريعة
" إذ نطح الثور عبداً أو أمة يعطي سيده ثلاثين شاقل والثور يُرجم "
( خر 21 : 32 )
وهوذا بنو إسرائيل ينطحون العبد المتألم ،
ويدفعون فديته ثلاثين من الفضة.
كان بيلاطس البنطي فظاً قاسياً جشعاً ، ولهذا لم يدم السلام بينه وبين اليهود ، وبيلاطس هذا هو الوالي الخامس على اليهودية منذ أن أخضعها بومبي للحكم الروماني سنة 63 ق.م وصيرها مستعمرة رومانية
وكان إختيار الوالي يتم غالباً من رتبة الفرسان ، حيث يقتصر عمله على ضبط المقاطعة وحفظها من أعمال الشغب ، بالإضافة إلى تحصيل الجزية لصالح الأمبراطورية ، وهكذا أُختير بيلاطس الذي إنحدر من أسرة محاربة ، فخرج للدنيا فارساً ، وإنخرط في جماعة الفرسان
وخدم في ألمانيا تحت إشراف " جرمانيكوس " ، وعندما إنتقل إلى روما إلتقى بـ " كلوديا بروكلا " حفيدة الأمبراطور " أوغسطس قيصر " ، فوقعت في حبه وتزوجت به ، وكلوديا هذه إبنة غير شرعية لكلوديا إبنة أغسطس قيصر وزوجة " طيباريوس قيصر " ، فكان لزواج بيلاطس من كلوديا الفضل في تعيّنه والياً على اليهودية والسامرة سنة 26م
وكان رئيسه المباشر هو الحاكم الروماني لسوريا ، وحصل بيلاطس على إمتياز لم يحصل عليه غيره من الولاة الرومان إذ سُمح له بإصطحاب زوجته معه إلى قيصرية ، غير أن بيلاطس هذا كانت تنقصه الفطنة والحنكة السياسية. كان يجلس في هذه الليلة الباردة أمام المدفأة ، يتسامر مع زوجته كلوديا صاحبة الفضل في وصوله إلى هذا المنصب .
كلوديا : بيلاطي .. لماذا لم ننزل هذا العام في قصر هيرودس ، فإنني كنت أفضل الإقامة فيه عن هذه القلعة الكئيبة التي تموج بالضباط والجنود.
بيلاطس : لقد أردت تقديم خدمة جليلة لهذا الشعب الجاهل ، فأحضرت مهندساً من الأسكندرية وآخر من أنطاكية ، لوضع تصميمات لمشروع المياه النقيَّة ، لمد أورشليم بكميات وافرة من المياه المتوفرة بالينابيع جنوب المدينة .. بدأ العمال في شق القناة من بركة سلوام إلى داخل المدينة نحو خمسة وعشرين ميلاً ، وعقدتُ عدة إجتماعات مع أعضاء السنهدريم للتصرف في التمويل اللازم ، ولاسيما أنني أُمهد أيضاً عدة طرق لخدمة المدينة ، منها الطريق الساحلي والطريق الآخر الذي يصل بين الأردن وأريحا ، وأنشأت عدَّة حمامات في السامرة التي لم يكن بها حماماً واحداً ، ونظير هذه الأعمال العظيمة كان من المفروض أن يقيم لي هذا الشعب تمثالاً في وسط أورشليم ، ولكنهم لم يلقوا بالاً ولم يهتموا بتدبير التمويل اللازم بحجة أن المياه من مطالب الجسد .. فلماذا إذاً الإغتسالات الكثيرة التي يقومون بها ؟! .. في هيكلهم ياكلودي إناء كبير يضعون فيه المياه اللازمة لتنظيف الذبائح ، ولذلك قلت في نفسي مادامت المياه تُستخدم في الهيكل ، فعلى الهيكل تحمل عبء التمويل ، ولكنهم إستهجنوا قولي هذا .. طلبت منهم قرضاً على أن يتم سداده من ضريبة تُفرض على سكان أورشليم لمدة عام فرفضوا أيضاً .. كان أحد أحبارهم متحمساً لمشروع القناة فهجم عليه خمسة من الأرهابيين ومزقوا جسده بالسكاكين ، ولذلك لم يكن أمامي حل آخر.
كلوديا : وما هو الحل الذي رأيته يابيلاطي ؟
بيلاطس : تتبعت أخبار ضريبة الهيكل التي تفرض على يهود الشتات في آسيا ومصر والفرات ، وللأسف فقد وصلت جباية مصر إلى الهيكل دون أن أتمكن من وضع يدي عليها ، أما جباية آسيا فقد أحتجزتها في قيصرية ، وأمرت " ماركيوس " أن يهاجم ضريبة الفرات متى وصلت إلى أورشليم ، وبدلاً من إدخالها للهيكل يدخلها إلى هذه القلعة ، وأحسن ماركيوس التصرف ، إذ أتم هذه المهمة بدون إزهاق روح واحدة ، وبهذا حصلنا على المال الوفير مع كثير من الحُلي الذهبية والمجوهرات التي أرسلها يهود الشتات لتزيّين الهيكل.
كلوديا : يالك من داهية يابيلاطي !!
بيلاطس : ولكن هؤلاء اليهود الأغبياء لم يقفوا مكتوفي الأيدي ، بل أثاروا حشداً كبيراً لإسترداد الجباية ، ولكنني سبقت وأعددتُ العدة لمثل هذا الموقف ، حيث ضاعفتُ الحراسة على هذه القلعة ، كما دفعتُ بنحو ألف رجل من رجالي بملابس مدنيَّة يخفون سيوفهم بين طيات ملابسهم ، وصاروا يهتفون مع الهاتفين ضدي ، وعندما طلَّلت عليهم من البوابة وحاولت أن أُفهمهم أن هذه الأموال ستعود إليهم في شكل خدمات ، وإن المياه النقيَّة ستصل إلى عقر مدينتهم لأول مرة. ثم أمرتهم بالإنصراف ، إزدادوا صراخاً ، وراحوا يقذفون القلعة بالأحجار ، ويقذفونني بأفظع الشتائم ، ويصبون عليَّ اللعنات ، ولم يكن هناك مفراً من المواجهة ، فأمرت بدق الطبول وإذ برجالي المندسين بينهم يشهرون سيوفهم وينقضون عليهم ، فصُدموا وأصيبوا بذعر كبير ، وركضوا يحتمون بالهيكل ، فأمرت رجالي بالكف عنهم بعد أن سقط منهم قتلى كثيرون.
كلوديا : يالك من داهية يابيلاطي !!
بيلاطس : جاء حنان وقيافا يطلبان مقابلتي ، فرفضت لقاءهم لأنهم هم الذين أثاروا هذه الجموع ضدي ، وتسببوا في هذه المذبحة ، فأرسلوا وفداً يشكونني إلى القيصر .. أعلنت قانون الطوارئ في أورشليم وحظرت التجول ومنعت الإجتماعات المشبوهة ، وعندما قبضنا على أحد شبابهم المتهور ، وكان شاباً عنيداً قوي الحجة جهوري الصوت قد أتى من طرسوس ، نصحناه بالبعد عن هذه المهاترات حتى لا يُعرّض نفسه للموت .. قبضنا أيضاً ياكلودي على عدة فرق من الشباب الطائش الذين كتبوا على جدران المنازل والقلعة عبارات مستفزة ضدي وضد القيصر. ثم وفد الكثير من يهود الجليل إلى أورشليم ، وعندما علموا بما كان من أمر الجباية ومصادرتها أحتجوا وثاروا ثورة عارمة ، وعندما صاروا يهتفون أمام هذه القلعة أرسلت إليهم مُحذّراً ، ولكنهم لم يكفوا عن بذائتهم .. أمرتُ الجنود فأعملوا فيهم السيوف ، وعندما هربوا إلى فناء الهيكل كان رجالنا أسبق منهم إذ سلكوا السرداب من القلعة وظهروا في فناء الهيكل .. كان مع الجليليين بعض الحيوانات التي سيقدمونها ذبائح ، فإختلطت دمائهم بدماء ذبائحهم .. أما من نجا منهم فقد عاد إلى الجليل في نفس اليوم يخبر ملكهم أنتيباس بما كان ، فغضب أنتيباس مما حدث ، ولذلك نحن ياكلودي هذا العام في هذه القلعة ولم نذهب لنقيم في قصر هيرودس مثل كل عام ، مع أنني عندما علمت أنه حلَّ في أورشليم أرسلت إليه بعض الجنود لحراسة قصره .
كلوديا : بيلاطي .. لماذا لا تحاول أن تكون سياسياً أكثر من أن تكون عسكرياً حتى تتجنب شكاوي اليهود ؟
بيلاطس : إن هذا الشعب يجهل ما هو لخيره ياكلودي .. لقد بلغ سكان المدينة نحو خمسين ألفاً ، وفي الأعياد يصل أعدادهم إلى مئات الألوف ، فمن أين لهم بالمياه التي تكفيهم ليشربوا ويغتسلوا .. إنني فكرت في مصلحتهم ، واعتبرتُ مشروع المياه هذا مشروعاً قومياً يجب أن يُموّله الشعب الذي يستفيد منه ، ولذلك فعلتُ ما فعلتُ.
كلوديا : لكنك يا بيلاطي تفرح بإذلالهم وكسر أنوفهم .. ألاَّ تذكر مشكلة البيارق ؟ وكيف حاصرونا في قيصرية لعدَّة أيام ؟ وهنا أقبل أحد الحراس يخبر الوالي بأن قيافا رئيس كهنة اليهود في إنتظاره أسفل القلعة ..
بيلاطس : وماذا يريد في هـذه الساعة من الليل ؟! ..
دعه ينتظر ..
ومدَّ بيلاطس ساقيه وأسند رأسه للخلف
وأستمر في حديثه مع زوجته ..: أوه .. ماذا كنت تقولين ياكلودي ؟ .. مشكلة البيارق .. إنني كنت سياسياً بارعاً فيها ، وأنتِ تعلمين أنني أصدرت أوامري بدخول البيارق وإقامتها على أسوار القلعة ليلاً ، وفعلاً دخل الجنود تحت ستار الليل يحملون الألوية التي ترتفع فوقها صور ثلاثة من القياصرة وهم طيباريوس قيصر ، وجدكِ أوغسطس قيصر ويوليوس قيصر ، ووضعوها فوق أسوار القلعة ، وفي الشرفات ، ومن الطبيعي أن تُرى من الهيكل .. كان ذلك عن قصد حتى يرونها ولا ينسون أنهم تحت الحكم الروماني العظيم ، وعليهم أن يخضعوا لسطوة القيصر وممثله الشرعي الذي هو أنا ، ويكفون عن عنادهم وهياجهم وثوراتهم .. لقد قصدت كسر أنوفهم التي طالت وشمخت .. ومع بزوغ نور الصباح ياكلودي كان أحد كهنتهم يستعد لتقديم ذبيحة الصباح ، وإذ به يلمح تلك البيارق فصرخ صرخة مدوية كأن خنجراً إخترق قلبه ، ولم يمض وقتاً طويلاً حتى كان قيافا يدق باب القلعة مطالباً ماركيوس بإنزال البيارق وإبعادها عن مرمى البصر .. أجابه ماركيوس بأدب جم موضحاً له أن الأمر ليس في سلطته إنما في سلطة الوالي ذاته ، فرد عليه قيافا بحدة ، وأعلمه أن مجلس السنهدريم عقد جلسة طارئة وقرَّر رفع الأمر إلى القيصر رأساً بسبب هذه الإستفزازات. وفي ساعات قليلة أحتشد الآلاف من رجال اليهود يحملون العصي والأحجار ، يعلنون نقمتهم ليس على السلطات الرومانية فحسب ، بل وعلى رؤساء كهنتهم ، متهمين إياهم بالتسيب والتساهل معنا ، فتصدى لهم قيافا وأعلمهم أنهم سيرسلون للوالي إحتجاجاً شديد اللهجة ، وسيرفعون للقيصر تقريراً يطالبون فيه بتنحيتي ، وطلب منهم ترشيح من يمثلهم لمرافقة وفد السنهدريم إلى قيصرية ، فإستطاع قيافا بخبث أن يوجه ثورة الشعب ضدي وينجو هو وأقاربه.. وجاءوا إلى قيصرية .. مسيرة تعد بالآلاف ، حتى سدُّوا منافذ القصر والشوارع المؤدية إليه كما أبصرتِ بعينيكِ ياكلودي ، وشعرت أن أقل تحرش بهم كفيل بوقوع مذبحة رهيبة .. إلتقى بي حنان وقيافا واليعازر بن حنان يلتمسون الخروج من المأزق حرصاً على مراكزهم وسط الشعب الهائج إلى الدرجة التي يستحيل ضبطها ، وأكدوا القول بأن قيصر روما يتفهم أمورهم الدينيَّة ، وقد أوصاني بعدم إستفزاز الشعب في عقيدته .. طلبت من قيافا أن يصرف الشعب لحين التصرف في الأمر ، ولكنه قال إن كل ما يستطيع أن يفعله هو أن يهدئ من روع الشعب على أمل إصلاح الأوضاع سريعاً .. ظلت الجماهير قبالة القصر كما رأيت ياكلودي عدة أيام ، وهم يزدادون إصراراً وصلابة ، فلو أنني أزعنت لمطالبهم وأمرت رجالي بإنزال البيارق لصرتُ لقمة سائغة في أفواههم ، ولإتهموني بالضعف والجبن ، ولو كنت قد إستخدمت القوة فإن الأمر لن يصل هذه المرة إلى حد إلقاء اللوم عليَّ من قبل القيصر ، بل قد يصل الأمر إلى إقالتي من منصبي. وعندما حاولت أن أتفاوض معهم لم يكفوا عن الصراخ وصاروا مثل مجانين ، بينما أحاط بي كهنتهم كحزام أمان لي .. أعطيت الإشارة لضباطي ليغادروا المكان مع قواتهم ليعلموا أنه ليس في نيتي إستخدام العنف ضدهم ، فهدأت ثورتهم بعض الشئ .. وتحدثت إليهم موضحاً بأن القيصر لا يرغب في التدخل في شئونهم الدينية ، وأنني أنا شخصياً أحترم مشاعرهم ، وإن رفع البيارق مجرد إجراءاً إدارياً كما هو متبع في كل مكان يخضع لسلطة قيصر ، وطالبتهم بالإنصراف ، فعادوا إلى جنونهم وقذفوني بأبذأ السباب والشتائم ، ولم أتمالك أعصابي ، وكان لابد من الرد السريع والرادع ، فأعطيت الإشارة لجنودي فأنطلقوا يشهرون أسلحتهم وأنقضوا على الجموع ، ولكن الأمر الذي أثار ذهول الجنود أن واحداً من اليهود لم يتحرك من مكانه ، وأيضاً لم يظهروا أي نوع من المقاومة .. لم يرتعد أحدهم من بريق السيوف ، بل إنحنى أحد قادتهم أمام أحد الجنود يطالبه بأن يذبحه ذبح الشاه صارخا " الموت أهون علينا من رؤية هذه البيارق تشرف على الهيكل " وأصاب موقفهم هذا جنودنا بالشلل التام ، وعندئذ أسرعت بالتدخل .. أشرت لرؤساء كهنتهم أن يتبعوني ، وأبلغتهم كم كان تأثري لهذا المشهد الرائع .. شعب يموت عن عقيدته .. فشكرني رؤساء الكهنة ، وأنتِ تعلمين ياكلودي نهاية القصة الأليمة .. أصدرت أوامري بإنزال البيارق ، ومع هذا فإن هيرودس أنتيباس قد أستغل هذه الفرصة وأبلغ القيصر بما كان مع شئ من المبالغة والتضخيم ، وقد أرسل إليَّ القيصر يشكرني ، فهو يعرف كفائتي في التغلب على مثل هذه المشاكل ، ومع ذلك فإنه وبخني على إثارة مشكلة بلا داعٍ في منطقة بهذه الحساسية من العالم ..
كلوديا : أتمنى لك يابيلاطي حظاً سعيداً .. لتعطيك الآلهة حكمة وحنكة ، ولا تنسَ الدروس الثلاث :
جباية الهيكل ، والبيارق ، ومشكلة اللوحات المنذورة التي أقمتها في قصر هيرودس وهو على مقربة من هيكلهم ، فلم يطيقوا أن يروا التقدمات تقدم للآلهة الرومانية بجوار معبدهم ، مما دفعهم للشكوى للأمبراطور طيباريوس قيصر..
بيلاطس : نعم ياكلودي .. لن أتغافل توبيخ قيصر ، وأعلم تماماً أن الحادثة الرابعة مع هذا الشعب اليهودي الملعون ستكون بمثابة النهاية لأيامي في منصبي هذا.
كلوديا : لقد بذلتُ مجهوداً كبيراً في تسوية المشاكل السابقة ، والفضل كله يرجع إلى سيدات روما من أسرتي الأمبراطورية .
بيلاطس : أعلم هذا ياكلودي .. لقد قررت الحفاظ على منصبي ، ولن أهتم بأحد قط أكثر من نفسي ، حتى لو كان القيصر نفسه..