وهكذا تغافل بيلاطس قيافا الذي كان ينتظره عند باب القلعة . أما قيافا الذي إعتراه القلق فقد أخذ يصرف وقته في التأمل في هذه القلعة تارة ، وفي الهيكل تارة أخرى ، هذه القلعة الجاثمة على صدر الهيكل ، والتي بناها هيرودس الكبير - محل قلعة حنانئيل التي عاصرت أرميا النبي -
بطول مائتي متر وعرض مائة متر وإرتفاع يزيد عن خمسة وعشرين متراً ، وأسماها بأسم صديقه الروماني " مارك أنطوني " ولذلك عُرفت باسم " قلعة أنطونيا "
وينحدر من هذه القلعة الملعونة سرداباً يصل إلى رواق الأمم بالهيكل ، ففي حالات إندلاع الشغب يندفع الجنود الرومان في ثوان إلى فناء الهيكل ، وبالقلعة أماكن تكفي لإقامة كتيبة رومانية كاملة بالدور الأرضي ، بينما يقيم بالدور العلوي الوالي ، حيث الصالات والأروقة المتسعة ، أما عن أسوأ مكان في القلعة فهو السجن الصخري الرهيب الكامن مثل الجب أسفل القلعة.
ولكم يشق علـى الإنسان اليهودي الإقتراب من هذه الأماكن ، أما دخولها فممنوع عليه منعاً باتاً لكي لا يتنجس ، حتى أن بعض المجرمين والقتلة من اليهود الذين يقودهم حظهم العثر إلى سجن القلعة ، لا يشغلهم ما سيلاقونه من أهوال بقدر ما يشغلهم الإشمئزاز من دخول هذا المكان النجس
وكأن جرائمهم الشنيعة لا تدنسهم بقدر ما تدنسهم
هذه الأماكن التي يسكنها الأمم الغلف ..
أما الهيكل فيظهر في هذه الأيام المقدَّسة مزيناً بأبهى صوُّره ، فأضواء المصابيح الكثيرة التي تضئ رواق سليمان يَلمع ضوءها بالخارج ، والنقش الضخم لعنقود العنب الذهبي على جدار الهيكل الخارجي ينكسر عليه ضوء القمر الفضي الهادي فتراه غاية في الروعة
ولكن توتر قيافا الزائد يمنعه من التمتع بهذا المنظر الرائع .. كيف يتغافله الوالي وهو رئيس الكهنة المبجل ، ويتباطئ عليه إلى هذه الدرجة ؟! ولكن هذا هو بيلاطس ، الذي لن يتغير سلوكه حتى يُقال من منصبه .. إنه يتحيَّن الفرصة لإذلال اليهود ورئيس كهنتهم ، وإضطر قيافا إلى دفع المزيد للحارس ليعود إلى بيلاطس ثانية.
وجاء الحارس إلى بيلاطس الذي كان منهمكاً في الحديث مع زوجته كلوديا ، يخبره بأن رئيس كهنة اليهود مازال مرابضاً بباب القلعة ، ويود لقائه في أمر عاجل ومُلح ، فنهض بيلاطس وهو يقول : ماذا يظن قيافا ؟! وهل الوالي الروماني بمسئولياته الجسيمة وإنشغالاته الكثيرة رهن إشارته ، يطلبه في أي وقت يشأ فيجده تحت تصرفه ؟!
وهبط بيلاطس درجات السلالم الرخامية إلى مدخل القلعة حيث يقف رئيس كهنة اليهود ، الذي ما أن رأى طلعة بيلاطس حتى رسم إبتسامة صفراء عريضة على شفتيه ، قابلها بيلاطس بمثيلتها.
بيلاطس : ما الأخبار يارئيس ؟
قيافا : لا أشك ياسيدي إنك تتبعت أخبار يسوع الناصري ، ودخوله إلى أورشليم يوم الأحد الماضي ، وكأنه قيصر روما العظيم ، ولاشك أنك تعلم جيداً أنه أصبح مصدر الخطر الوحيد في هذه المدينة الآمنة ، فقد يشعل نيران الثورة ضد كل شئ ، ضدكم وضدنا ، ولذلك رجوناك أن تقبض عليه وتحاكمه ، ولكنك تركت الأمر لنا ، والليلة نحن بصدد القبض عليه ومحاكمته أمام مجمع السنهدريم الموقر .. لقد رصدت عيوننا يسوع في أحد منازل أورشليم ، وهو في حالة نفسية متردية كما أخبرنا بذلك تلميذه يهوذا ، وهو الآن في معزل عن الآلاف من أتباعه ، ولذلك فنحن نضمن القبض عليه في هذا الوقت أكثر من أي وقت آخر ، دون أدنى خسائر في الأرواح.
بيلاطس : وما هو العائق إذاً يارئيس ؟
قيافا : أولاً نلتمس من سماحتك مساعدتنا في هذا الأمر ، بإرسال أحد الضباط مع جنوده ليساعدنا في القبض على إنسان مارق خارج عن القانون.
بيلاطس : ليكن لك .. وما هو الطلب الآخر ؟
قيافا : بعد إنتهاء محاكمته بمعرفة مجلسنا الموقر ، نلتمس من سماحتكم التغاضي عن الإجراءات الإدارية ، فلا يوجد وقت لتقديم إسمه وجريمته للحصول على تصديقكم أولاً قبل عرضه عليكم ، فهذا الأمر يحتاج لعدَّة أيام ، والوقت الآن مُقصّر والأيام شريرة ، لذلك نأمل أن تعفينا من هذه الإجراءات الإدارية ، والسماح بعرضه مباشرة عليكم .
تبسَّم بيلاطس إبتسامة حقيقية إذ شعر بسلطانه على هذا الشعب العنيد
وداعب قيافا قائلاً : ولكن كيف تقول عن هذه الأيام المقدَّسة لديكم أنها أيام شريرة ؟
قيافا : طالما يسوع على قيد الحياة ، فأنه كفيل بتحويل أيامنا المقدَّسة إلى أيام شريرة.
بيلاطس : إطمئن ياقيافا أن سيف العدالة الرومانية سيأخذ مجراه.
قيافا : هل يمكنني الحصول على وعد منكم للإهتمام بالأمر ، وإنهاء المحاكمة في أقصر وقت ممكن ، قبل فترة الأعياد ؟ .. إننا لا نقدر أن نتنبأ بما يمكن حدوثه ؟ فقد يشعل أتباعه ثورة عارمة تأتي على الأخضر واليابس .. علينا وعليكم..
بيلاطس : تقصد علينا وعليكم .. الأخضر واليابس ..
قيافا : المحصلة واحدة .
بيلاطس : إطمئن ياقيافا فإن العدالة الرومانية ستأخذ مجراها.
قيافا : معذرة سيدي ، عند حضورنا صباح الغد لن نتمكن من دخول دار الولاية بسبب إستعدادات الفصح ، فنلتمس من سماحتكم الخروج إلينا. وهز بيلاطس رأسه مبدياً موافقته على مضض ..
وقفل قيافا عائداً إلى من ينتظرونه على أحر من الجمر ، وعاد بيلاطس إلى المدفأة حيث زوجته كلوديا ، وهي كأي إمرأة يدفعها الفضول لكشف المستور ، ظلت في صمتها تنتظر أن يخبرها بيلاطسها بما كان ، وتجاهل بيلاطس الأمر ، وعاد يُكمِل حديثه الذي قطعه قبل لقائه بقيافا ..
أما كلوديا فدفعها فضولها للسؤال المباشر :
بيلاطي .. تُرى لماذا جاء قيافا في هذه الساعة من الليل ؟!
بيلاطس : أنت تعرفين ياكلودي موضوع يسوع الذي يدعونه نبي ناصرة الجليل.
وتبسَّمت كلوديا وكأنها تسمع أخباراً سارة ، وقالت : لقد أقام العازر شقيق مريم ومرثا بعد موته بأربعة أيام .. وبعد أن كان قد أنتن !! .. تُرى إبن مَن من الآلهة هذا يابيلاطي ؟
بيلاطس : أنهم يريدون محاكمته .
كلوديـا : وأي شر عمل ؟! .. ما هي الشكاية التي يقدمونها عليه ؟ .. أيحاكمونه لأجـل إحساناته معهم ومعجزاته التي بلا عدد ، وقد عمت الربوع ؟!!
بيلاطس : هذا هو الشعب الجاحد .. لا تفهمين كيف يفكر !! ولكن يسوع الذي كشف عورة رؤساء كهنتهم وبقية القيادات المتعصبة لن يفلت من براثنهم .
كلوديا : تُرى الذي شفى المرضى بكلمة من فيه ، وأقام الموتى ، يعجز عن حماية نفسه من هؤلاء ؟! .. وهل ستوافقهم على شرهم يابيلاطي ؟! .. وهل ستيسر لهم ما تصبوا إليه نفوسهم الحاقدة ؟!!
بيلاطس : كلاَّ يازوجتي العزيزة كلودي .. سأبذل قصارى جهدي حتى تأخذ العدالة الرومانية مجراها ، على أن لا تؤثر هذه المشكلة على منصبي ومستقبلي .
كلوديا : أنني أذكر يوم رأيته مع الكساندر ضابط المخابرات ورجلك الأول ..
" لقد فوجئنا بحشد كبير من الناس يتدافعون أمامنا ويتدفقون في إتجاه البحر .. ولم يلحظ وجودنا أحد منهم .. وكان هؤلاء يهوداً من كل نوع ومعظمهم من الرجال الأقوياء المخلصين ، كما كان بينهم بعض المرضى والمقعدين ، منهم من كان يزحف ومنهم من حمله أصدقاءه المقربين ، وكلهم كانوا يشيرون إلى قارب يسير بمحازاة الشاطئ ، في البداية ظننتهم غاضبين لكن الكساندر أخبرني أنهم ينادون على يسوع الذي كان هناك في القارب ، ويرجونه أن يأتي ويُعلّمهم ، وكانوا يتكلمون بالآرامية التي لا أعرفها .. وعندما رسا القارب عند البيت الريفي رأيت الناس يندفعون بسرعة نحو الشاطئ ، وأستأذن الكساندر للذهاب وراءهم ، فطلبت منـه أن يصحبني فذهبنا معـاً . لا تخف فإن معنا حراسة كافية . بعد نصف ساعة وجدنا الشاطئ يموج بالجماهير ، وكان يسوع واقفاً على ربوة عالية يعظهم ويُعلّمهم ، وفي المؤخرة كانت هناك جماعة من وجهاء أورشليم ، عندما رآهم الكساندر همس في أذني بأنهم جواسيس من أورشليم جاءوا يراقبون ويسمعون ، ثم تركني ومضى ليتحدث معهم.
لقد رأيت الواعظ بوضوح ، وهو شخص ملئ بالثقة في نفسه مترفع ومخيف . في البداية كان الناس في هرج ومرج ، كما كانت هناك مقاطعة لكلامه أرتفعت بين الصفوف الخلفية التي لم تكن سامعة ، ولكنه أسكتهم ببضع كلمات ، وكأنه قائد يلقي الأوامر على رجاله فينفذون . وكان كلامه يدل على أنه واثق من أن الجميع سيذعنون له في كل ما يقول.
ثم بدأ حديثه هادئاً ، وشيئاً فشيئاً رفع صوته حتى صار واضحاً ومسموعاً عند الجميع .. وقليلاً قليلاً بدأ صوته يخفت حتى صمت في خشوع وكأنه لا يشعر بهذا الحشد الهائل الملتف حوله . فسرت همهمة بين الجماهير لكن في غير غضب وحاولوا التقدم نحوه إلى الأمام ، وكان الكساندر شاخصاً إليه لا يقدر أن يحول بصره عنه لدرجة أنه لم ينتبه إلى أسئلتي التي كنت أوجهها إليه .. ثم ألتفت إليَّ وقال أنه يجب أن يوافيكَ بتقرير .
وفجأة حدث شئ غريب إذ رفع يسوع يده وقال شيئاً بصوت عال ، فتدافع الجميع نحوه ثم جلسوا كلهم على العشب في حلقة كبيرة من حوله فيما عدا أولئك الرجال الجواسيس – أنهم لم يتحركوا من أماكنهم وظلوا واقفين ، وأنا واثقة من أنه سبق لي رؤية بعضهم يذهبون إلى السنهدريم.
بعد ذلك نادى يسوع على بعض الأشخاص الواقفين قريباً معه فأحضروا له خبزاً كسره إلى كِسر .. ثم أعطى الكِسر لهؤلاء الرجال وهم بدورهم راحوا يوزعون منها على الناس الذين راحوا يأكلون ، بينما كان الواعظ يواصل الحديث ، وكم تمنيت لو كنت أستطيع أن أفهم ما يقول .. وعندما لاحظ الناس أنه على وشك ترك المكان هاجوا وماجوا وألتفوا حوله . وكان بعضهم يحملون في أيديهم النبابيت والسكاكين والعصي ، وراح بعضهم يصيح مهدداً ، والبعض الآخر يبكي متنهداً ، بينما سقط كثيرون عند قدميه .. وفي تلك اللحظة لم يكن الكساندر معي لأنه في شبه غيبوبة وسمعته يُردّد الكلمات { ملك .. ملك إسرائيل .. ملك اليهود . المسيا } ولا أعرف ما تعنيه هذه الكلمة الأخيرة ( المسيا ) لكنك تعرف معناها بلا شك ..
وقد إستطعت أن أُلاحظ أن يسوع كان يَرُدَ الجماهير عن نفسه ولا يصغى إلى أقوالهم ، ثم أبعدهم عنه ببعض الكلمات والإشارات وأنا واثقة من أنه كان يوضح لهم أنهم قد إرتكبوا خطأً جسيماً فيما فعلوا . أنه دائماً عند رأيه .. فأقام الراكعين عند قدميه وألزم الآخرين بإنزال أسلحتهم . وكان في ذلك اللحظة جريئاً وحاسماً . ثم أخذ طريقه نحو البحر وحاول بعضهم منعه من الرحيل فلم يفلحوا ، ولهذا بدت على وجوههم إمارات الخيبة والفشل ، وعندما قلت لألكساندر أنه غضب عليهم لأنهم نادوا به ملكاً عليهم ، أجابني أنه رفض أن يملك عليهم لعلمه أن هذا سيكون بداية النهاية له.
قبل أن يصعد يسوع أسرع إليه رجال أورشليم وتحدثوا معه حديثاً قصيراً .. وأعتقد أن هؤلاء كانوا متحيرين وربما خائفين أيضاً ، أما هو فلم يظهر عليه أي أثر للخوف ، فقد كان يتحدث كمن عنده الإستعداد لمواجهة كل الإحتمالات والوقوف حتى في وجه العالم بأسره .. وقد علمت أنهم كانوا يتوعدون يسوع لأن عيونهم كانت مثبتة عليه وهو في القارب .. "(1) .
وكان بيلاطس ينصت لزوجته بإهتمام وهو يتصفح ملفاً ضخماً بين يديه ثم أخرج إحدى أوراقه وقال :
هذا هو التقرير الذي قدمه لي الكساندر ، وقرأ منه " الأمر في الجليل متوقف على كلمة واحدة منه لكنه لا يقولها ، والجميع هنا في حيرة من أمره حتى وهم منجذبون إليه . لقد شفى مرضى كثيرين من حالات يُصعب البت في صحتها ، وكانوا الناس من حوله كالطين في يد الفخاري ، لا أحد يعترض أو يعارض . لكن حدثت مصادمات بينه وبين كل من الكتبة والكهنة . فهو يهاجمهم ويهاجم ناموسهم ( يقصد تقليداتهم ) بعنف شديد ، لقد كان مرعباً ومسهباً في أقواله ضدهم ، وبهذا يهدم كل ما للكهنة من سلطان وتسلط على شعب اليهود ، ولاشك في أن هذا سوف يثير حفيظتهم عليه ، لأنهم لن يغفروا له هذا وسيقتلونه عندما يرون أن الجماهير قد بدأت تنصرف عنه ، وتوجد دلائل كثيرة تشير إلى أن الناس قد بدأوا فعلاً ينقلبون عليه لأنه خيب آمالهم فيه وصدَّهم بشدة عندما ظنوه ملكهم الجديد ومخلصهم المنتظر ، وعندما رفض أن يملك عليهم كطلبهم وتركهم ومضى عبر البحر راحوا يشيعونه بنظرات ملؤها السخط والغضب .. أنه يهاجم السنهدريم "(2) .
كلوديا : والآن جاء قيافا ليضع تقرير الكساندر موضع التنفيذ.
بيلاطس : وهذا ما علينا مواجهته غداً ياكلودي ..
وبعد إنتهاء الجلسة أوت كلوديا إلى فراشها ، وصورة يسوع رجل الفضيلة والقوة لا تفارق مخيلتها .. لماذا يحتج عليه بنو شعبه ويريدون أن يودعونه الموت ؟! وظلت تذكر ما سمعته بالأكثر من يونا زوجة خوري وكيل هيرودس التي كانت تَّتبع خطوات يسوع .. أنه يُجسّم الفضيلة في أسمى صورها .. فلماذا يريدون أن يذبحوا الفضيلة ؟!!
فبعد أن فارق يهوذا الخائن جماعة القديسين وأختفت رائحـة الخيانة تألق وجه يسوع بنور سمائي وقال : الآن تمجَّد إبن الإنسان وتمجَّد الله فيه .. إن كان الله قد تمجَّد فيه فإن الله سيمجده في ذاته ويمجده سريعاً . ياولادي أنا معكم زماناً يسيراً بعد..
وأمسك المعلم برغيف مـن الخبز ، ووضعه على راحة يده ، ورفع عيناه نحو السماء ، وبارك وشكر وقسم وأعطى التلاميذ الأطهار سر التقوى قائلاً : خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور عنكم يعطى لمغفرة الخطايا.
فأخذ التلاميذ وأكلوا وهم في حالة تأمل وإنسكاب ،
وهمس متَّى في أذن فيلبس : لنحذر ياأخي لئلا يُجرّبنا الشيطان قائلاً أن هذا ليس بجسده ، فمادام يسوع قال هذا فهو هكذا ..
ثم أخذ المعلم كأس عصير الكرمة ورفع عينيه نحو السماء وشكر وبارك وأعطى تلاميذه الأطهار قائلاً : خذوا إشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي للعهد الجديد الذي يسفك عنكم وعن كثيرين لمغفرة الخطايا..
فتناول التلاميذ الكأس وأخذوا يرتشفون منها واحداً تلو الآخر ، وهمس فيلبس في إذن متى قائلاً : لنحذر ياأخي لئلا يُجرّبنا الشيطان قائلاً هذا ليس بدمه ، فما دام يسوع قال هذا فهو هكذا.
وتساءل متى في نفسه :
ما علاقة ما يحدث الآن بقول أشعياء النبي " من أجل أنه سكب للموت نفسه " ( أش 53 : 12) ؟! ثم إن النفس في الدم هكذا قال الناموس " نفس الجسد في الدم " ( لا 17 : 11) ، فكيف نشرب الدم ؟!
ثم إلتفت يسوع إلى تلاميذه وأمرهم قائلاً : إصنعوا هذا لذكري { وفي الأصل اليوناني للذكرى " أنا منسيس "
ليس كذكرى لأمر غائب بل كذكرى حاضرة وفعالة ، فلا يتذكر التلاميذ أو خلفاؤهم ما فعله يسوع كأمر مضى وأنتهى ، بل كحقيقة حاضرة وفعالة }.
وتذكَّر متـى العهـد الجديد الذي تحدث عنه أرميا النبي " ها أيام تأتي يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهداً جديداً . ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدي فرفضتهم يقول الرب " ( أر 3 : 31 ، 32 ).
وهمس يوحنا لبرثلماوس : أتذكر ياأخي قول يسوع للجموع في كفر ناحوم " أنا هو خبز الحياة .. من يقبل إليَّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبداً .. هذا هو الخبز النازل من السماء لكي يأكل منه الإنسان ولا يموت . أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء . إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد . والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم .. إن لم تأكلوا جسد إبن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم .. من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير . لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه ".
قال برثلماوس : نعم يايوحنا أذكر ذلك اليوم ، ويومئذ إرتد كثير من التلاميذ ، فقال لنا المعلم : ألعلكم أنتم أيضاً تريدون أن تمضوا ,فقال بطرس : إلى أين نمضي يارب وكلام الحياة الأبدية عندك.
قـل لي يايعقوب . إن كان الذي أكلناه جسد يسوع والذي شربناه دمه ، فكيف يأكل هو جسده ويشرب دمه ؟
يعقوب : لقد أكل المعلم خبزاً عادياً ، ثم قال لنا بعد هذا
" خذوا كلوا هذا هو جسدي " ، ففي هذه اللحظة صار الخبز جسداً له ، وهكذا مع عصير الكرمة ياتوما ، ولا تنسى ياتوما أنه مادام يسوع قال هذا فلابد أن يكون هكذا.
ولم يدرك أحد من التلاميذ أن يسوع يكسر جسده بيده الآن قبل أن يكسره الرومان بالصليب غداً ، ولم يدرك التلاميذ أنهم بهذا الطقس قد أقاموا أول قداس في العالم كله في أول كنيسة في العالم أجمع
ولم يدرك أحد منهم أيضاً أنهم في هذه اللحظات يختمون العهد القديم بعصر الآباء وعصر الناموس ، وأنهم يقفون علـى أعتاب العهد الجديد عهد النعمة والحرية ومجد أولاد الله ..
" كان يسوع ، في حب سماوي عجيب ، يقدم جسده المكسور ودمه المسفوك لأحبائه . إنها ساعات قليلة ، ويكسر جسده .. دقائق ويُسفك دمـه .. لكنـه " مقدمـاً " وهب ذاته مؤكداً أنها ذبيحة حب لا نهائي .. ما أروع يسوع وهو ممسك بالكأس يقدمها بكل حب وسرور لأحبائه .. كانت الشموع تضئ العلية وإذا بوجه يسوع ينعكس على وجوه التلاميذ ، وإذا بالكأس ترتسم في كل مكان ..
في صمت وخشوع كان التلاميذ يحدقون في سيدهم وقد تسمرت عيونهم عليه ، وأخذوا يتناولون الخبز ويشربون من الكأس وهم في مزيج من الرهبة والذهول ، كانت هناك تفاعلات خفية تجري في أعماقهـم ، وتساؤلات كثيـرة تخطر على عقولهم ، لكنهم فوق كل شئ ، كانوا يشعرون وكأنهم يُحلّقون في أجواء سماوية عليا ، فهاهم يشاهدون أشياء لم ترها عين ويسمعون كلمات لا يمكن أن تخطر على قلب بشر "(3)
وفي نهاية التناول سبَّحت الجماعة بالمزامير .. كل هذه الآلام لم تمنعهم من التسبيح !!.. سبحوا في خشوع وتأثر بالغ
وهكذا ستفعل جماعة يسوع من جيل إلى جيل إذ تُحوّل العذابات والآلامات إلى تسابيح وألحان تشفي النفس العليلة .
وبعد أن قدم يسوع جسده ودمه لتلاميذه الأطهار أتجه إليهم بالحديث الوداعي يطمئنهم ويشجعهم قبيل هبوب العاصفة العاتية : لا أترككم يتامى .. إني آتي إليكم .. سلاماً أترك لكم . سلامي أعطيكم ، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا . لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب أنتم تؤمنون بالله فآمنوا به .. أنا أمضي لأعدَّ لكم مكاناً . وإن مضيتُ وأعدَّدتُ لكم مكاناً آتي وآخذكم إليَّ حتى حيث أكون تكونون أنتم أيضاً وتعلمون حيث أن أذهب وتعلمون الطريق.
تومـا : ياسيد لسنا نعلم أين تذهب ؟فكيف نقدر أن نعرف الطريق ؟
يسوع : أنا هو الطريق والحق والحياة . ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي . لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً . ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه.
فيلبس :
ياسيد أرنا الآب وكفانا.
يسوع :
أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يافيلبس . الذي رآني فقد رأى الآب ، فكيف تقول أنت أرنا الآب . ألست تؤمن إني أنا في الآب والآب فيَّ.. وأصغى سطانئيل لهذا الحديث فأرتعب هو وشياطينه : تُرى من يكون هذا ؟! .. هل يمكن أن يكون هو كلمة الله ؟! ..
من هو هذا الذي في الآب والآب فيه
إلاَّ الإبن الأزلي بأزلية الآب ؟! .. ومن هو صورة الآب والذي يراه يرى الآب سوى الأمونوجينيس ؟! .. ولو هو كلمة الله هل يمكن أن ينحني ويغسل الأقدام ؟!! .. هذا مستحيل .. إني لا أفهم ، بل أكاد أن أجن ..
وصرخ سطانئيل صرخة مدوية :
أكاد أن أجن يايسوع .. بينما يسوع يُكمل حديثه : بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما أنتم فترونني . إني أنا حي فأنتم ستحيون.
يهوذا ( ليس الأسخريوطي ) : ياسيد ماذا حدث حتى أنك مزمع أن تظهر لنا
ذاتك وليس للعالم ؟ يسوع : بعد قليل لا تبصرونني . ثم بعد قليل أيضاً ترونني لأني ذاهب إلى الآب.
فقال التلاميذ بعضهم لبعض : ماهو هذا الذي يقوله لنا ؟ بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضاً ترونني ، ولأني ذاهب إلى الآب .. ماهو هذا القليل الذي يقول عنه ؟ .. لسنا نعلم بماذا يتكلم.
يسوع : أعن هذا تتساءلون فيما بينكم ، لأني قلت بعد قليل لا تبصروني ثم بعد قليل أيضاً ترونني . الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح . أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحوَّل إلى فرح . المرأة وهي تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت . ولكن متى ولدت الطفل فلا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لأنه قد وُلِد إنسان في العالم. فأنتم كذلك عندكم الآن حزن ، ولكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينتزع أحد فرحكم منكم .. قد كلمتكم بهذا بأمثال ولكن يأتي ساعة حين لا أكلمكم أيضاً بأمثال.
فيلبس :
هوذا الآن تتكلم علانية .
نثنائيل :
لستَ تقول مثلاً واحداً.
يعقوب :
الآن نعلم أنك عالم بكل شئ ولست تحتاج أن يسألك أحد.
توما :
لهذا نؤمن أنك من عند الآب خرجت.
يسوع : الآن تؤمنون ؟ هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي .. وأنا لست وحدي لأن الآب معي . كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق ، ولكن ثقوا ، أنا قد غلبت العالم..
ثم أخذ يسوع يجذب الأنظار نحو المحبة : وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً . كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً .. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم لبعض .. هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم . ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه . أنتم أحبائي إن فعلتم ما أُوصيكم به .. بهذا أوصيكم أن تحبُّوا بعضكم بعضاً. ثم أخذ يكشف لهم عن الإضطهادات التي ستلاقيهم قائلاً :
إن كانوا قد إضطهدوني فسيضطهدونكم .. سيخرجونكم من المجامع بل تأتي ساعة فيها يظن أن كل من يقتلكم أنه يُقدِم خدمة لله .. الحق الحق أقـول لكـم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح . أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح .. هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرَّقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوني وحدي . وأنا لست وحدي لأن الآب معي .
تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء مخاطباً الآب السماوي :
أيها الآب قد أتت الساعة . مجّد إبنك ليمجدك إبنك أيضاً ..
أنا مجَّدتك على الأرض العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته .. ثم أخذ يطلب من أجل خواصه الأطهار : من أجلهم أنا أسأل . لست أسأل من أجل العالم بل من أجل الذين أعطيتني لأنهم لكَ .. وكل ماهو لي فهو لكَ ، وما هو لك فهو لي .. أيها الآب القدوس أحفظهم في إسمك .. حين كنت معهم في العالم كنت إحفظهم في إسمك . الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلاَّ إبن الهلاك .. لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير .. قدّسهم في حقك . كلامك هو حق ، ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط بل من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم .. أيها الآب البار العالم لم يعرفك أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا أنك أرسلتني وعرَّفتهم إسمك وساعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به وأكون أنا فيهم.