الجزء التاسع :
---------
و في الكلية تجلس شيماء بجوار مني في المدرج و قد اصيبت بمايشبه الصمم المؤقت..فصارت لا تسمع حرف واحد مما يقوله الدكتور في الميكروفون برغم ارتفاع الصوت بالدرجة التي معها يستطيع الف و خمسمائة طالب احتشدوا في مدرج واحد ان يسمعوا ..فكل المدرج بمن فيه لم يكن يعنيها في هذه الساعة ...و كل ما كان يعنيها هو العثور بين هذا التكدس الرهيب من البشر علي ذلك الوجه المنقب المرعب الذي تسبب في قض مضجعها بالامس فاطار النوم من عينيها و جعلها كالشبح المذعور الخائف .
و وسط الطالبات المحتشدات تلمح شيماء تجمعا من الطالبات المتشحات بالسواد ..انهن دائما يتلاصقن و يلتصقن ببعضهن البعض ليبعثن بتجمعهن المخيف الكئيب الرعب في قلوب جميع الطالبات بلا استثناء ...و حالا تميز شيماء الفتاة العريضة الاكتاف من وسطهن و تلوح منها نظرة سريعة فاحصة لوجهها المختبئ تحت النقاب ..و لكن في نفس اللحظة تلتفت فاطمه باتجاه شيماء و كانما كانت هي الاخرى تبحث عنها وسط الطالبات المتحجبات ..فتتلاقي عيونهما ..مما جعل شيماء تدير راسها فورا في رعب و هلع و قلبها يؤكد لها الان انها منذ الان قد صارت موضوعة تحت منظار فاطمه و صارت تشغل اهتمامها .
و بحركة خفية من قدم شيماء تلكز مني الجالسة بجوارها لتنبهها ..و تهمس لها بما كان..فتدير مني راسها لتبحث عن فاطمه في الاتجاه الذي حددته لها شيماء و برعب ايضا راحت تنقل لشيماء المتجمده من الرعب ..الاخبار المرعبه :
ففاطمه لم ترفع عينيها عن شيماء و مني حتي الان ..لكن المرعب اكثر هو ان فاطمه اشاحت براسها لاربعة فتيات منقبات اخريات يجلسن بجوارها في اشارة منها الي موقع شيماء و مني في المدرج ..و علي الفور اتجهت انظار المنقبات الاربعة لشيماء و مني في نظرات طويلة فاحصه ..كمن يحفظ ملامح و وجه غريمه في ميدان المعركه قبل ان تبداء ..ليقتله عندما يراه في ميدان المعركة بعد ان تبداء .
و يهرب الدم من وجه شيماء فورا عند سماعها الاخبار من مني ..و تجلس و قد احست بركبها تضيع من تحتها و كانما اقدامها فارقتها و لم تعد موجوده .
و تبداء شيماء تدرك خطورة الامر ..فهي الان ليست محل اهتمام فاطمه فقط ..
بل محل اهتمام " الشيخ السوبرمان نفسه" ..
و ما فاطمه الا الاصبع الذي يشير لخفافيش الظلام نحو الضحية التالية .
و علي غير العاده تمر الساعة التي هي كل زمن المحاضرة سريعا بينما شيماء تستحلف عقارب الساعه ان تقف حتي لا تضطر للخروج من المدرج .
انها و لاول مرة صارت ترغب في البقاء في المدرج و عدم الخروج للاستراحه بين المحاضرات و كانما تحس بالامان بين جدران المدرج و تحتمي به من الويل القادم و المحدق بها ان هي خرجت من المدرج .
و لكن مني المحنكة كانت اكثرتماسكا و صلابة من شيماء ..فالبرغم من سطوة فاطمة التي اكتسبتها بفضل تلك الخفافيش المخيفة المحيطة بها ..الا ان مني التي تعرف جزءا لا باس به من ماضي فاطمه كفتاة و من ماضي عائلتها كانت واثقة من انها تستطيع ردع فاطمه عند اللزوم و صفعها بماضيها اذا اقتضي الامر ..و لهذا كانت لا تخشاها ..لكن ما اثار قلق مني هو تلك الاشارة التي صدرت عن فاطمه للتو و تلك النظرة الفاحصة و التركيز الجماعي للفتيات المنقبات الاربعة الاخريات..فهن الان يدبرن شيئا ما لشيماء و لها ..
و يحدثها قلبها المحنك بان التدبير المخيف ليس لشيماء و لها
..و لكن لها هي فقط ...
و علي وجه الخصوص .
و بنظرة سريعة علي حياتها كمراهقة بنت اثنتي عشر عاما و حتي دخولها الكلية كفتاة تدرك مني خطورة موقفها الحالي .
فمنذ ان كان عمرها اثنتي عشرة عاما كان جسدها المتفجر الطاغي الانوثة و هو بعد في مراحل البلوغ الاولي سببا في كل متاعبها و متاعب اهلها و اخوتها ..فحتي منذ هذا العمر كان الشباب من اعمار مختلفة يتعقبونها و لا يمر يوم واحد بدون حدوث مشادة بسبب المعاكسات ..و زاد الامر وطاة انها كانت علي قدر كبير من الجمال ..فشعرها طويل و ناعم و عيناها كحبتي زمرد في مقلتيها و كل تفاصيل وجهها تصرخ بانوثة طاغية تجذب الرجال جميعا ..كبيرا و صغيرا ..
و يزيد رعب مني عندما تتذكر تلك النظرة الفاحصة لجسدها التي اتحفتها بها فاطمه و هي تناولها كارت هذا الطبيب المزعوم .
و فورا تقرر و تحدد مني بحنكتها طبيعة التدبير الشرير المحدق بها ..و لكن ..ما العمل؟؟؟؟؟
و هنا تنهار شيماء من الرعب فجاة فتتقياء ..و تبداء الفتيات المحيطات بها و بمني بالبحث عن مناديل ورقيه في حقائبهن لتدارك الامر بينما راح البعض منهن يسندن شيماء المترنحة حتي لا تسقط علي الارض ..و ما هي الادقائق حتي كانت شيماء و مني جالسات في الهواءالطلق في كافيتيريا الكلية يحيط بهن قرابة العشرة فتيات من زميلات مني و شيماء اللائي فضلن البقاء بجوارهما لنجدة شيماء و الاطمئنان عليها .
وبعيون زائغة تلمح شيماء المتارجحة بين اليقظة و الاغماء وسط الفتيات المحيطات بها.
. ثلاثة او اربع صلبان ..
بعضها ذهبي معلق علي الصدر ..
و بعضها لحمي ..موشوم علي المعصم .
و ترفع شيماءعينيها تتفحص الوجوه المحيطة بها في محاولة منها لتمييز وجوه الفتيات حاملات الصلبان ..و لدهشتها تجد انها لا تستطيع التمييز بالرغم من كونهن سافرات و غير محجبات او منقبات..فكل الوجوه كانت متشابهه امام عينيها ..كل ملامح الفتيات كانت واحده و لم يكن هناك شئ يميز وجه فتاة عن اخرى ..فكل الوجوه حولها كان القلق يكسوها و الاشفاق الاخوى الحقيقي ظاهرا علي ملامحها و كل العيون كانت تتابعها و تتابع وجهها الشاحب و حركات تنفسها الضيق بنفس الاهتمام و القلق...
و لم تعثر شيماء ساعتها علي اي شئ تستطيع به تمييز من تحمل صليبا علي صدرها و تعتز و تفخر به..ممن تلعنه.. و تبصق عليه عند كل مناسبه.. و بدون مناسبة .
و بالنظر لحالة شيماء التي من الواضح انها كانت تتدهور تقرر ثلاثة او اربعة فتيات وجوب عودة شيماء لمنزلها فتقرر الفتيات جميعا مصاحبتها الي منزلها علي الفور و ماهي الادقائق حتي كانت سبعة فتيات يرافقن مني و شيماء في سيارتين اجره الي منزلها .
و تستقبل الام ابنتها و الوفد المرافق لابنتها بالذعر المتوقع ..و لكن بعد ان طمانتها مني لبساطة الوضع الذي طالما تكرر في الماضي بسبب ضعف شيماء المعروف و ضعف معدتها تهداء الام و تبداء في الترحيب بالوفد المرافق لابنتها ..
وعلي الفور يصدر فرمان الام المصرية الطيبة :
ماحدش حايتحرك من هنا يا بنات قبل المدفع و الفطار...و الا عايزين الناس تقول ان ام شيماء مش بتعرف تعمل كنافه.
و يضحك الجميع بلا استثناء ضحكات ملؤها الطيبة و المحبة المصرية الخالصة و الاصيلة ..حتي شيماء الموشكة علي الاغماء .
و علي الفور تبداء مني في ادارة قرص الهاتف بمنزل شيماء للاتصال باهالي الفتيات و اخبارهن بالعزومة الغير متوقعه و تمسك ام شيماء السماعه بنفسها لتوضح الامر لاسرة كل فتاة علي حده .
و تجلس شيماء في غرفتها و زميلاتها الثمانية يحطن بها ..و تعيد شيماء النظر للوجوه من جديد و تبداء في الاحصاء و العدد..خمسة فتيات محجبات احداهن مني زميلتها ..و ثلاثة فتيات اخريات لا يرتدين حجاب ..تعلق اثنتان منهن صليبا ذهبيا علي صدرها ..بينما الثالثة ..افقر الفتيات الثلاثة .. تعلق صليبها موشوما علي معصمها الايمن .
و تلمح شيماء دمعة صغيرة في عين تلك الفتاة الاخيرة فتتعجب ..
و هنا تتذكر في اشمزاز فظيع صوت خطيب المسجد المجاور لبيتها و هو يهتف بصوت جهورى في الميكروفون اثناء خطبة صلاة الجمعه ..و كل جمعه تقريبا ..و بالذات في صلاة التراويح في شهر رمضان :
" لقد كفررررررر... الذين قالوا ..."
و تتذكر الغل الواضح في صوته و هو يؤكد و يضغط علي الكلمات كانما يريد ان يلصقها في اذهان السامعين :
" حتي يعطوا الجززززية..
و هم صاغرووووووون".
و تتفرس شيماء خلسة في ملامح الفتاة و وجهها ..فالوجه بالرغم من شحوبه الواضح بسبب فقر الفتاة الا انه ملائكي و جميل و هادئ و مستكين و لا يظهر فيه اي شئ الا الوداعة و اللطف و الكياسة.
و تسرح شيماء بمخيلتها ..و تحاول ان تتخيل نفسها كما اعتاد خطيب المسجد ان يوضح ..فتحاول ان تتخيل نفسها جالسة علي كرسي مفخم و تلك الفتاة تنحني امامها في مذلة و خضوع و هي ترفع لها يدها بالجزية المقررة شرعا علي كل مسيحي دون ان ترفع وجهها الشاحب الوديع او عينيها الدامعتين في اتجاه شيماء طبقا " للصغار المقرر شرعا علي كل مسيحي و هو يؤدي الجزية للمسلمين ".
و دونما ان تشعر بشئ و قبل ان تدرك ماحدث.. تخرج الكلمات من فم شيماء فجاة دون ان تدرى..فتصيح وسط ذهول الجميع :
" لا... حرام...ده ظلم ".
و في خجل رهيب تنظر شيماء للعيون التي اتجهت كلها نحوها فجاة فور سماع ما اعتقدنه" هلوسة"..
و تلمح شيماء الدهشة الشديده و الحيرة في عيون الجميع ..الا واحده .
و من وسط الفتيات تتقدم و تقترب هذه "الواحده" بهدوء و ثقة من شيماء المستلقية علي سريرها ..و بيدها النحيلة الموشومة بالصليب تمسك بيد شيماء و هي لا ترفع عينيها عن عيني شيماء ..و تقول بصوت هادئ و مطمئن كمن كان يقراء افكار شيماء في تلك اللحظه :
" ما تشغليش بالك بحاجه..استريحي بس و ما تفكريش في حاجه دلوقتي ..عشان ما تتعبيش اكتر ".
و دون ان يلاحظ احد..
تختلس شيماء كسورا من اللحظة لتضغط باصابعها علي اصابع الفتاة ضغطة ..لها معني .
و تستريح شيماء اكثر و تحتار اكثر و اكثر عندما تلحظ الاستجابة السريعة المدهشة لهذه الفتاة الذكية..التي راحت تومئ لشيماء بعينيها ايمائة معينة كمن يفهم ما تريد شيماء ان تقوله دون حاجة للكلام .
و تلتفت الفتاة للفتيات الاخريات قائلة :
" ايه رايكم يا بنات لو نطفي النور و نسيب شيماء لوحدها شويه عشان تنام و اعصابها تستريح ؟؟؟؟"
و تستحسن الفتيات الفكره و في لحظات يخرجن من الغرفة و يجلسن في غرفة الاستقبال و يبدان في التسامر و استرجاع ذكريات الامس القريب المضحكه في الكلية ..و ينخرط الجميع في الحوار و الضحك و لا يلاحظ احد ما كان من امر الفتاة ذات الصليب الموشوم علي ساعدها .
و حدها مني تلاحظ وجهها الهادئ الساكن الوديع وسط ضجيج و مرح الاخرين ..و تلمح شفتيها تتحركان في سرية كمن يتمتم بصلاة ..و تتاكد مني من ذلك اكثر من حركة عيني الفتاة الهادئة المنعزلة مع نفسها ..تلك الحركة العفوية التي تصدر عيني من.. يتضرع و يصلي في خشوع حقيقي .
و بحركة خفية و دون ان تحس الفتاة تسال مني احدي الفتيات همسا عن اسم تلك الفتاة ..و ترد زميلتها بنفس الهمس :
" اسمها غريب شويه ...اغابي".
و بالسخرية الجارحة المعتادة من كل مسلم مهما بلغت درجة كياسته تستقبل مني الاسم بابتسامة ساخرة خفيفة تحاول ان تخفيها ...ثم تبداء في توجيه الحديث في مرح ظاهر للفتاة ذات الصليب .." اغابي" :
ايه يا جميل ..رحتي فين ..وصلتي القمر و اللا لسه ؟؟؟؟
و تتنبه اغابي فتبتسم ابتسامه صافيه و ترد ضاحكة في مرح حقيقي :
لا ..بس لو ما كنتيش قاطعتيني دلوقتي كنت وصلت للمريخ
مني( في خبث نسائي) : " اللي واخد عقلك "؟؟؟؟
و تضحك اغابي و ترد بذكاء علي محاولة مني لاستكشاف اعماقها و اقتحام عقلها و افكارها :
" مافيش يا حبيبتي و حياتك غير ..الغسيل و محاضرة النهارده"
مني ( كمن يرفض الاستسلام و الانسحاب امام هذا الرد الذكي ):
" امال الفول اوتوماتيك بتعمل ايه ..قديمه ..العبي غيرها "
و بذكاء حاد ترد اغابي لتفاجئ مني بتحويل الهجوم الي دار المهاجم :
" قال حايسخطوك يا قرد ..بس خدينا جنبك انتي و ما تخافيش ..مش حانحسدك ".
و اخيرا تدرك مني فشل هجومها فتستسلم ..و تقرر ان تكون ودودة و لطيفة و لا تتذاكي مع من هي اذكي منها :
مني : " انتي اسمك اغابي ..مش كده ؟؟؟؟"
اغابي ( في تاكيد و استعداد تلقائي لتوضيح معني اسمها الغريب علي مسامع الاغلبيه) : " ايوه ..غريب شويه ..مش كده ؟؟؟؟"
مني : " اول مره اسمعه بصراحه ..و كنت خايفه انطقه غلط لاحسن تزعلي "
اغابي ( في مرح و تسليم بالامر كمن اعتاد الموقف من كثرة ما تكرر) : " و لا يهمك ..انا مش بازعل لان الاسم غريب فعلا علي ناس كتير "
مني ( في فضول حقيقي ) :
" يعني ايه ..اغابي ؟؟؟؟؟"
اغابي : " اغابي كلمة مش مصريه ..دي كلمه اصلها مشتق من اللغه القبطيه..و معناها " المحبة"
و ترفع مني حاجبيها في استغراب و دهشه من المعلومات الجديده و يدفعها الفضول لمواصلة الاسئلة :
"اللغة القبطيه ..اول مره اسمع عنها ..دي لسه فيه حد بيستعملها؟؟؟"
اغابي : فيه طبعا بس انتي ما تاخديش بالك ...اللغة القبطيه دي كانت لغة المسيحيين الاصليه في مصر قبل ....
و في هذه اللحظه و قبل ان تكمل اغابي كلامها تخرج شيماء من غرفتها و علي الفور تحيط كل الفتيات بها مستفسرات عن صحتها و عما اذا كانت مازالت تحس بتوعك ..و تهز شيماء راسها بالنفي و تقول :
لا ..انا خلاص ..بقيت كويسه .
و ماهي الا دقائق حتي كانت مقدرات ام شيماء في الطهي و صناعة الحلويات تعلن عن نفسها بروائح تنبعث من المطبخ جعلت لعاب الفتيات كلهن يسيل و للوهلة الاولي يلاحظ الجميع الروح الحلوة التي جمعت الجميع و جعلتهم لا يفكرون لا في دين و لا مذهب..بل في انتظار مدفع الافطار ..لان تفكيرهم كله كان منصبا علي صينية الكنافه و شهية المصريين المعروفه لما لذ و طاب مما تصنعه امهاتنا بمهارة مصرية لا مثيل لها في فن الطهي و بمحبة خالصة تجعل الطعام يستقر في البطون الجائعة بالهناء و العافيه .
و مع عقارب الساعة و قبل ثوان علي الافطار راح الجميع و في صوت واحد يعدون الثواني تنازليا بصخب و مرح لا مثيل له كمن يعدون الثواني ليلة راس السنة عند انتهاء العام المنصرم و استقبال العام الجديد:
خمسة ..اربعة ..ثلاثة ..اتنين ..واحد ...هيييييييييييييه
و يضحك الجميع عندما يعلن صوت المؤذن بدء الافطار و السماح للفتيات الجائعات بالهجوم التترى علي ما ابدعته يدا الست ام شيماء من الوان الطعام و الحلوى .
و بروح حلوة تبداء الفتيات في تناول الطعام ..و تحرص شيماء علي الجلوس بجوار الفتاة ذات الصليب .." اغابي "..و بابتسامة عذبة تدعوها لطبق ملئ بالطعام يكفي لاطعام عائله قائلة :
بصي بقي ..الاكل ده كله لازم يخلص
و تنفجر اغابي في الضحك اذ تتخيل حجم معدتها ..
و علي ضحكتها العذبه ..تضحك شيماء..
كمن يضحك لضحك شخص يحبه.. و يبتهج لابتهاجه .
و فعلا عجيب هو عمل الله في القلوب ..و عجيب هو عمل المحبة في النفوس ..
لان من يزرع المحبة ..لابد ان يحصد المحبة في المقابل.
و تلاحظ عين مني الفاحصه هذا التقارب الروحي الذي حدث علي غير موعد بين شيماء و اغابي .
و بعد الافطار الشهي و كنافة ام شيماء التي صار الجميع يتندر بعدها بحلاوتها ..جلست الفتيات للتسامر و الضحك و الترويح عن شيماء التي بدا واضحا انها بدات تستعيد عافيتها و تضحك و ايضا عين مني الفاحصة لا تفارقها و تستنتج و تحلل و تلاحظ انها بين الحين و الاخر تمسك بيد اغابي و تبتسم لها ابتسامة ملؤها التقدير و المحبة الخالصه العفويه .
و يحين موعد انصراف الفتيات و تقف شيماء و امها لوداعهن و كانهن بناتها ..و تنصرف الفتيات السبعة بعد وعد من ام شيماء ان تلبي شيماء الدعوه غدا للافطار الجماعي مره ثانيه و لكن في هذه المرة في منزل احدي الفتيات ..المسيحيات .
و تغادر الفتيات منزل شيماء و يسرن في الطريق نحو بيوتهن و قد احسسن بشئ غريب لم يكن ليحدث او يظهر لولا انتكاسة شيماء المفاجئه .
انه الانسان المصرى الطيب الاصيل المحب ..الذي لا يعرف الحب في قلبه دين و لا مذهب ..بل يقفز متخطيا تلك الحواجز الوهميه ليسطع في قلوب الجميع كالشمس ..لاغيا كل الفوارق و رافعا صوته فوق كل صوت بن اوى خبيث يتسلل للنفوس ليملاها حقدا اسود و كراهية عمياء .
و تتخلف مني عن الفتيات حيث تتعلق بها شيماء و تطلب منها الانتظار
و في غرفة شيماء يبداء الحديث ثانية و تبداء مني بالادلاء بملاحظاتها بطريقه ساخره نوعا ما :
" ايه الحب المفاجئ ده كله يا ست شيماء؟؟؟"
شيماء : انتي اصلك ما شفتيش وشها ..دي كانت بتبكي.
مني : لا.. شوفت..و يظهر انها كانت قاعده بتصلي كمان في سرها لما كنتي انتي نايمه و بتهلوسي.
و تبدو الدهشة واضحه علي وجه شيماء فور سماعها بملاحظة مني ..فقد صدق حدسها العفوى الذي لا يخطئ في التكهن بشخصية الفتاة .
و حالا ترد علي مني في لهجة معاتبه :
طب واللي زى دي ..مش برضه تتحب.. يا مني ؟؟؟
مني : من جهة تتحب ..هي تتحب الصراحه ...بس هدوئها ده غريب و بيخلليني عاوزه امسكها من كتافها و افضل اهز فيها ..يمكن السر في هدوئها ده يطلع .
و تضحك شيماء من اسلوب مني العنيف نوعا في التعامل مع الاشخاص الذين يتسمون بالهدوء ( و شيماء منهم )..فمني بالرغم من طيبة قلبها و جمالها الاخاذ و انوثتها الطاغيه ..الا انها نارية الطباع و مليئة بالطاقة و الحيوية و النشاط و حب الحركه ..و هدوء النفس بالنسبه لمن هم مثلها يعد سجن ..حبس انفرادي لا تحتمله نفسها الديناميكية المحبة للحركة و الصخب و المرح ..و لكن بالرغم من الفوارق في الطبع ..فمني و شيماء صديقتان حميمتان جدا ..و من اجل دوام صداقتهما راحت كل واحده منهما تعرف حدودها و لا تتخطاها لكي لا تجرح صديقتها و راحت كل منهما تقبل الاخرى بكل مافيها من مميزات او عيوب او فوارق في الشخصيه .
لكن ما حدث مع شيماء و اغابي كان شيئا فريدا ادركته مني علي الفور ..و يبدو انها قد بدات تحس بالغيره من اغابي .
ففي داخل اعماق مني كان هناك صوت قوى يحدثها بان اغابي ..تلك الفتاة النحيفة الهزيلة المسيحية التي يعتلي معصمها الايمن وشم ازرق داكن للصليب الذي يلعنه اغلبية المسلمين ان لم يكن جميعهم ..ليست الا التوام الروحي لشيماء ..المسلمه ..المحجبه .
و نلتقي غدا باذن المسيح لاستكمال احداث القصة ..فانتظروني