أشكرك يا أختي الغالية لهذه الثقة الكبيرة ربنا يباركك. ضعفي بالطبع هو الأخير وهو الأصغر بين هؤلاء الذين تذكرين، بل بين الأحباء الحضورعموما وكلهم بالأحرى أساتذتنا وكلهم نتعلم دائما منهم. أعتذر أيضا لتأخري قليلا فلم أشاهد هذا الموضوع وهذه الرسالة إلا منذ ساعات فقط.
أهلا وسهلا أستاذنا الحبيب أشرقت الأنوار، لعلك بكل صحة وخير وفي أفضل الأحوال دائما. أدعوك فضلا أن تنسى مؤقتا كل ما تعرفه عن المسيحية وأن تضع الثالوث والأقانيم واللاهوت كله جانبا وأن نبدأ معا منذ البدء، بهدوء وبساطة ورغبة صادقة في الفهم وفي إدراك الحقيقة. حلو الكلام؟
ولنبدأ بمثال واضح بسيط:
إذا قلنا أن بطرس إنسان، وبولس إنسان، ويوحنا إنسان، فهذا معناه منطقيا أن بطرس = بولس = يوحنا، ما دام كل منهم "إنسان". أي أن بطرس هو بولس هو يوحنا، وهي معادلة منطقية بديهية بسيطة: إذا كان أ = X، ب = X ، جـ = X، فهذا معناه أن أ = ب = جـ. بالمثل: بطرس = بولس = يوحنا، ما دام كل منهم "إنسان".
رغم ذلك نعرف من الواقع والخبرة أن بطرس ليس بولس ليس يوحنا، رغم أن كلا منهم حقا إنسان، كامل الإنسانية. بطرس إنسان، نعم، لكنه ليس مجرد إنسان، بل إنسان لديه ما يميّزه عن بولس وعن يوحنا وعن كل إنسان آخر. بطرس بالتالي ليس فقط إنسان ولكنه (إنسان + صفات بطرس المميزة). أو بتعبير آوضح: بطرس (إنسان + بعض صفات خاصة) هي التي جعلته "بطرس"، أو هي التي جعلته يتميز "كبطرس" عن كل إنسان آخر.
بالمثل بولس (إنسان + صفات بولس المميزة). هذان الاثنان معا (الإنسان + صفات خاصة مميزة) هما هكذا معا هو ما نسميه "بولس". وكذلك يوحنا: إنسان + صفات يوحنا المميزة، وهكذا.
إذا وصلنا معا إلى هنا فقد قطعنا بالفعل نصف الطريق! أكتفي اليوم بالتالي بهذا القدر وأدعوك أن تقرأ فضلا كل ما سبق مرة أخرى حتى تفهمه وتهضمه جيدا، لأن هذا كما ذكرت هو نصف الطريق تقريبا، ولأن كل ما يلي سوف يتأسس على كل ما سبق، بالتالي لا يجدر أن نترك أي مرحلة قبل أن نفهمها أولا ونفهمها تماما.
***
مشكلة الثالوث ليست في الحقيقة مشكلة مسيحية أو لاهوتية، بل هي مشكلة تتعلق بوجودنا نفسه أولا، بل بمعنى "الوجود" عموما. وجودنا نفسه ببساطة "لغز" من أكبر الألغاز التي واجهها عقل الإنسان، وإن كان معظم الناس بالطبع لا يعرفون ذلك. وكما لعلك بدأت تلمح من هذه المقدمة البسيطة: نحن ـ كل منا ـ واحد وكثرة في آن معا! نحن واحد ـ كإنسان ـ ولكننا بالوقت ذاته أيضا كثرة ـ كأشحاص ـ يحمل كل منهم صفاته الخاصة الفريدة التي تميّزه عن كل "شخص" آخر!
فإذا كان وجودنا نفسه لغزا تحيّرت أمامه أعظم العقول ـ كما سوف يتضح تباعا ـ فكم بالحريّ يكون "الوجود الإلهي"، وجود الله ذاته عزّ وجلّ وعلا، الذي هو حتى فوق الوجود والعدم كليهما! كما قال أحد القديسين: «الله ليس ثلاثة والله ليس حتى واحد»! نعم، الله فوق الواحد والكثرة كليهما معا، فوق الوجود والعدم، فوق البقاء والفناء، فوق الزمان والمكان، فوق سائر هذه الأفكار والمفاهيم البشرية تماما وكليا!
على أي حال منهجنا هو أن نبسط هذه الأفكار اللاهوتية الصعبة ـ قدر الإمكان ـ بحيث تصل المعاني وتتضح الحقائق لدى أكبر عدد من الناس فيفيدون حقا منها. نتوقف بالتالي عند هذا الحد وأنتظر منك التأكيد على المتابعة والفهم لكل ما سبق أولا. هل تدرك الآن أننا نحن البشر في الحقيقة "واحد" كإنسان وأننا بالوقت ذاته "كثرة" كأشخاص؟ إذا لم يكن هذا الفهم قد تحقق بعد، أو كان لديك أي سؤال أو حتى اعتراض، فأرجو فضلا أن تطرح كل ما لديك دون تردد، حتى نناقشه وننتهي منه تماما قبل أن ننتقل إلى المرحلة التالية. تحياتي ومحبتي وحتى نلتقي.