أثبتت دراسات علم الأجنة أن طور المضغة في الإنسان يتميز باكتمال خلق الكتل البدنية(TheSomites), وأنه في الفترة الممتدة من الأسبوع الخامس إلي الثامن فإن هذه الكتل البدنية تأخذ في التحول بالتدريج من أنسجة غشائية إلي غضاريف ثم إلي عظام أو إلي عظام مباشرة, ثم تأخذ تلك العظام في الاكتساء باللحم( العضلات ثم الجلد). وتصاحب هذه العملية بظهور براعم الأطراف ونموها إلي الأطراف الكاملة, وذلك في عددا من المراحل المتتالية التي يمكن ايجازها فيما يلي:
أولا: تكون العمود الفقري:
في الأسبوع الخامس من عمر الجنين تبدأ الكتل البدنية الأربع الأولي والموجودة بالقرب من قمة الجنين في الالتحام لتكون جزءا من قاع الجمجمة, أما باقي الكتل البدنية وهي في حدود(40) كتلة فتتحرك لتكوين فقرات العمود الفقري الأربعين(8 فقرات عنقية,12 صدرية,5 قطنية,5 عجزية,108 عصعصية يندثر أغلبها ليبقي منها ثلاث فقرات فقط تضم بداخلها سر حياة الإنسان المعروف باسم عجب الذنب كما سماه رسول الله( صلي الله عليه وسلم), كما تكون ضلوع القفص الصدري, وعظام الأطراف, ثم تكسوها باللحم( العضلات والجلد). وذلك لأن كل واحدة من هذه الكتل البدنية تتكون من قسم بطني وسطي(VentromedialPart) خصصه الخالق المبدع( سبحانه وتعالي) لتكوين الهيكل العظمي للجنين ولذلك يعرف باسم القطاع الهيكلي من الكتلة البدنية(Sclerotome), وقسم ظهري جانبي(Dorsolateralpart) خصه الله( تعالي) بتكوين الكساء اللحمي للهيكل العظمي( العضلات والجلد) ولذلك يسمي باسم القطاع العضلي/ الجلدي من الكتلة البدنية(Myo-Dermatome). ويبدأ تكون الهيكل العظمي للجنين بتحرك القطاع الهيكلي من كل كتلتين بدنيتين متقابلتين في اتجاه الحبل العصبي الظهري(TheNotochord) وما حوله من الميزاب العصبي(TheNeuralGroove) ليحيطاه إحاطة كاملة مكونين إحدي فقرات العمود الفقري(TheVertebralColumn), ويتكون لكل فقرة قوسان ينموان ليكونا ضلعين من ضلوع القفص الصدري. وتبدأ فقرات العمود الفقري بالتخلق من خلايا غضروفية(Chondroblasts) ثم تتكلس بالتدريج بترسيب ثالث فوسفات الكالسيوم فيها بواسطة الدم حتي يتحول أغلبها إلي خلايا عظمية(Osteablasts) تاركة أقراصا غضروفية فاصلة بينها لتعطي للعمود الفقري قدرا من مرونة الحركة.
* ويؤدي تكون العمود الفقري من القطاعات الهيكلية للكتل البدنية إلي استثارة بقية تلك الكتل وهي القطاعات المخصصة لبناء الكساء اللحمي فتتحرك للقيام بدورها في كسوة العظام باللحم( العضلات والجلد) وقد أكد القرآن الكريم هذا التتابع من قبل ألف وأربعمائة سنة وذلك بقول ربنا( تبارك وتعالي):
*... فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما...
(المؤمنون:14)
وكان ذلك في زمن لم يتوافر للإنسان أي علم بمراحل الجنين ولا بتتابع الخلق في مثل هذه الأطوار مما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية, بل هو كلام الله الخالق( سبحانه وتعالي), ويشهد للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة والرسالة, وبأنه( صلي الله عليه وسلم) كان موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض ومن فيهن.
ويبدأ تكون العظام عادة بمرحلة غشائية تتخلق في الأسبوعين الخامس والسادس من عمر الجنين, ثم تتحول هذه الأغشية إلي مرحلة غضروفية في أواخر الأسبوع السادس, ثم تأخذ هذه الغضاريف في التكلس التدريجي بدءا من الأسبوع السابع ويتم ذلك في مراكز محددة تعرف باسم مراكز التصلب(OssificationCenters) أو التمعظم(ScleritizationCenters) تنتشر منها الخلايا العظمية لتحل بالتدريج محل الخلايا الغضروفية, ويمتد فرع عصبي من الحبل العصبي الظهري إلي كل فقرة من فقرات العمود الفقري بحيث يكون في مستواها تماما.
والعظام الناتجة عند تكلس الغضاريف تعرف باسم العظام غضروفية الأصل(Bonesofcartilaginousorigin) وتشمل غالبية عظام الجنين من مثل العمود الفقري, والقفص الصدري, والأطراف, وقاع الجمجمة, ولكن في بعض أجزاء الهيكل العظمي مثل أغلب عظام الجمجمة تتكون العظام بواسطة تكلس الأنسجة الغشائية مباشرة دون المرور بمرحلة الغضاريف وتعرف هذه العظام باسم العظام غشائية النشأة(Bonesofmembraneousorigin) وتتكون بترسيب ثلاثي فوسفات الكالسيوم من الدم الذي تحمله الأوعية الدموية الي قبوة الرأس بالتدريج في الطبقة الغشائية الرقيقة المحيطة بالمخ فتتكلس.
ثانيا: تكون الجمجمة:
تتكون غالبية عظام الجمجمة المعروفة باسم علبة الدماغ(Neurocranium) من عظام غشائية النشأة, أما الصفيحة القاعدية للجمجمة(CranialBasalplate) فتتكون من عظام غضروفية النشأة, وتستمد هذه العظام من أعلي زوجين متقابلين من الكتل البدنية الموجودة بالقرب من قمة الجنين حين يتحرك النصف الخاص ببناء الهيكل العظمي من تلك الكتل في اتجاه الحبل الظهري, وتلتحم الكتل الثلاث الباقية مكونة الصفيحة القاعدية لقاع الجمجمة(CranialBase) مكونة فتحة عظيمة(Foramenmagnum) يمر منها النخاع الشوكي المتصل بالمخ عبر ما يعرف باسم النخاع المستطيل(Medullaoblongata) وتتصل عظام قاع الجمجمة بالعظام الحافظة للحواس من مثل السمع والبصر والشم, وهي عظام غضروفية النشأة, كما تتصل بعظام الوجه التي تتكون أساسا من القوسين البلعوميين فيكون الأول منهما الفك السفلي, ويتكون الفك العلوي من بروز منه. وكذلك تتكون عظام الوجنتين, وجزء من العظم الصدغي. وتتكون عظيمات الأذن الوسطي( المطرقة, والسندان, والركاب) من النتوء الفكي, وهي أول ما يتكون من عظام الجمجمة, ويكون الوجه صغيرا في أول الأمر بالنسبة إلي القحفة, وذلك لأن الجيوب الأنفية لم تكن قد تكونت بعد, فإذا ما تكونت فإن الوجه يبدأ في أخذ شكله الإنساني.
ويبقي عدد من الفراغات بين عظام الجمجمة الرقيقة نسبيا حتي يسهل تشكل الرأس أثناء عملية الولادة, وتعرف هذه الفراغات أو الفتحات باسم اليوافيخ( جمع يافوخ), وتبقي مع الوليد لفترة تصل إلي عام ونصف العام بعد الولادة قبل أن تغلق تماما.
ثالثا: تكون القفص الصدري:
تتكون ضلوع القفص الصدري من نمو النتوءات المستعرضة(TransverseProcesses) التي تظهر علي الفقرات الصدرية الإثنتي عشرة للعمود الفقري وبذلك يتكون24 ضلعا للجنين, أثنا عشر منها علي كل جانب من جانبي القفص الصدري. وتنمو الضلوع أولا علي هيئة غضروفية ثم تبدأ مراكز التكلس في الظهور عليها لتحويلها إلي عظام بالتدريج ففي الأسبوع السادس من عمر الجنين يظهر علي الجزء الهيكلي(Sclerotome) من الكتل البدنية الصدرية الإثنتي عشرة ثلاثة أزواج من المراكز الغضروفية في كل كتلة تعمل علي تكوين فقرة غضروفية وتتوزع هذه المراكز علي النحو التالي:
1ـ مركزان للقوس الفقري(TheVertebralArch)
2 ـ مركزان للنتوء المستعرض(TheTransverseProcess)
3 ـ مركزان لجسم الفقرة(TheBodyoftheVertebra)
وفي الأسبوع السابع من عمر الجنين تبدأ هذه الفقرات الغضروفية في التمعظم بظهور عدد من مراكز التصلب(OssificationCenters) علي جسم كل فقرة, وفي الأسبوع الثامن تظهر مراكز التمعظم علي كل قوس فقري. ومن النتوءات المستعرضة تنمو ضلوع القفص الصدري, إثنا عشر من كل جانب.
رابعا: تكون الأطراف:
يبدأ نمو الأطراف في جسم الجنين مع بداية الأسبوع الخامس من عمره حين تبدأ براعم تلك الأطراف في الظهور بالأطراف العلوية أولا( الذراعين), ثم بالأطراف السفلية( الساقين) بعد ذلك ببضعة أيام وفي كل برعم من هذه البراعم الغشائية يبدأ تحول الأنسجة الغشائية إلي غضاريف, ثم تبدأ هذه الغضاريف في التكلس والتصلب لتتحول الي عظام بالتدريج عن طريق ترسيب ثلاثي فوسفات الكالسيوم المنقول اليها بواسطة الدم في جميع المسافات الفاصلة بين الخلايا الغضروفية وبالإحلال محلها, وذلك نتيجة لإمتداد الأوعية الدموية والأعصاب لكل طرف مع كسوته باللحم( العضلات والجلد).
وفي الأسبوع السادس من عمر الجنين( الذي لايتعدي طوله12 ملليمترا) يظهر علي كل طرف من الطرفين العلويين اختناقان يحدد أحدهما مكان الكوع, ويحدد الآخر مكان الرسغ, وتظهر علي كل يد ميازيب تحدد أماكن الأصابع في كل منها وبذلك يتحدد مكان كل من العضد, والساعد, واليد, والأصابع في كل ذراع.
وفي الأسبوع السابع من عمر الجنين يتحدد مكان كل من الركبة والكاحل فيتحدد بذلك مكان كل من الفخذ والساق والقدم, في كل طرف من الطرفين السفليين في وقت لايتعدي طول الجنين(15) ملليمترا وبعد تكون الهيكل العظمي للأطراف تكسي باللحم( العضلات ثم الجلد), ويتصل كل ذلك بامتداد كل من الأعصاب والأوعية الدموية.
ويتكون الطرفان العلويان للجنين( الذراعان) من الكتل البدنية(4 ـ8) الواقعة في المنطقة العنقية, ويشاركهما في ذلك الكتلة الصدرية الأولي من الكتل البدنية, وأحيانا الكتلة الثانية من كل جانب, بينما يتكون الطرفان السفليان( الساقان) من الكتل البدنية القطنية الخمس من كل جانب والعجزية(1 ـ4).
من ذلك الاستعراض يتضح أنه في الأسبوع السادس من عمر الجنين فإن الكتل البدنية(TheSomites) التي ميزت مرحلة المضغة تتحول بالتدريج إلي الغضاريف, وتظهر براعم الأطراف وتتحول كذلك إلي غضاريف, وفي الأسبوعين السابع والثامن تبدأ هذه الغضاريف في التكلس لتتحول إلي العظام بالتدريج, وتكسي العظام باللحم( العضلات والجلد). وتبدأ مراكز التمعظم في الظهور في الأطراف في الأسبوع السابع من عمر الجنين, ويلي ذلك تكون عضلات تلك الأطراف, مما يؤكد سبق تكون العظام لتكون اللحم( العضلات والجلد) وقد سبق القرآن الكريم جميع المعارف الإنسانية المكتسبة في تحديد هذه الحقيقة وذلك بقول ربنا( تبارك وتعالي):
فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما..( المؤمنون:14)
وفي أثناء تحول الهياكل الغضروفية إلي هياكل عظمية عبر مراكز التصلب(OssificationCenters) تترسب أملاح ثلاثي فوسفات الكالسيوم في المسافات الفاصلة بين الخلايا الغضروفية, ثم تتخلق خلايا آكلة للخلايا الغضروفية(Chondroclasts) تلتهمها وتحل محلها الخلايا العظمية(OsteoblastsorOsteocytes) التي تنمو بالتدريج لتكوين الهيكل العظمي للجنين.
هذه الحقائق لم تكتشف إلا في خلال القرن العشرين, وفي العقود المتأخرة منه علي وجه التحديد, وورودها في كتاب أنزل من قبل أربعة عشر قرنا علي نبي أمي( صلي الله عليه وسلم) وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين لمما يقطع بربانية هذا الكتاب, وبنبوة الرسول الخاتم الذي تلقاه وبأنه كان دوما موصولا بالوحي, ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض فصلي الله وسلم وبارك عليه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه, ودعا بدعوته إلي يوم الدين, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.