أقدر أقوله يا بويا

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
ويوم الأحد طلبت من محمود أن يظل خارج غرفة الاستقبال خشية أن يشوه منظرها بالعابه المتناثرة. وملأت المزهريات بالأزهار، ورتبت السجاجيد العجمية ذات التقوش الجميلة. وأزلت الغبار عن المفروشات ومن قرب النوافذ. وعندما حان موعد الاجتماع سمعت السيارات تقف عند المدخل، والبوابة تفتح على مصراعيها. وتوافد المدعوون وكنا في الاجتماع 12شخصا. فبدأنا بالترنيم والصلوات وقراءة فصل من الكتاب المقدس. ثم تكلم البعض عن اختباراته الروحية وما صنعه الله في حياته. وكان محمود يجلس في غرفة مجاورة ويصغي بهدوء لما يجري في الاجتماع وتصورت الآلاف من الأشخاص غير المرئيين الذين لابد وأن يرافقونا في الابتهالات والصلوات لله الأب السماوي. بأرواحهم إذ يتعذر وجودهم جسديا.
وبعد الاجتماع تحسست أن الأخوة المسيحيين كانوا قلقين على سلامتي فسألتني ماري: أما زلت قلقة على مصيرك، ومهتمة كثيرا بما حدث لك من تغيير في حياتك؟ ابتسمت وقلت لا أستطيع أن أعمل شيئا لأنه إذا أراد أحد أن يؤذيني ففي وسعه أن يفعل ذلك بسهولة لأن البيت ليس محصنا كفاية. وعلى الأثر نهض كين ليتفحص الأبواب والنوافذ فوجدها غير منيعة. فشبكة الأسلاك الموضوعة على النوافذ مع الزجاج لا تحول دون دخول أي معتد للبيت. وهز رأسه وقال: فعلا إن هذه الوسائل لا تضمن لك الحماية الكافية يا سيدة بلقيس! وإني أقترح وضع قضبان من حديد لتدعم الأسلاك بسهولة. فأجبته سأنظر في هذه الأمور يوم غد. وعندما وعدته بذلك تصورت في مخيلتي اختفاء مجد الرب من حولي. وقلت في نفسي: هل اختفاء الله وعدم حضوره راجع إلى تفكيري الخاطئ، أو هو واقع حقيقي؟ إنما اختباري كان أنه لما أبتعد عن خطة الله يبتعد الأب السماوي عني ويتواري.
وبعد أن تفرق المجتمعون شعرت بأني أسعد من المعتاد، إذ أن اجتماع الأخوة المؤمنين بعث فيّ حيوية جديدة. وعندما فكرت ثاني يوم باستدعاء أحد الحدادين من القرية لوضع بعض القضبان على النوافذ إذا بي أشعر باختفاء الحضرة الإلهية عني وانحجاب مجده الاسني عن منزلي. فقلت ربما كان اختفاء الله راجع لاستسلامي للخوف. وعندما بادرت إلى استدعاء أحد الحدادين بدأ أهل القرية يتهامسون فيما بينهم عن خوفي ومحاولتي حماية المنزل من المعتدين. وكنت أسمع تقولات الناس وهم يعلنون قائلين: ما نوع هذا الدين لأن المرء إذا أصبح مسيحيا يبدأ يعيش في الخوف. وقلت هذا هو السر في انحجاب نور الله عني ساعة خوفي وارتباكي. ونمت تلك الليلة نوما هادئا بعد أن اتخذت قرارا بأن أطيع الله وأن أعدل عن وضع قضبان حديدية على نوافذ بيتي. وكنت متأكدة أن هذا هو القرار الصحيح في هذا الموضوع.
وصحوت أثناء نومي على صوت مفاجئ. فجلست في فراشي لكن بدون أن يلازمني أي خوف أو رجل. وللحال ظهر أمام منظر يخلب الألباب إذ شاهدت من خلال جدران غرفتي الحديقة بأسرها وكانت هذه الرؤية بطريقة فائقة للطبيعة. وكانت الحديقة مغمورة بضوء أبيض لامع فرأيت كل ورقة شجر أو زهرة في البستان. وقد خيمت على الحديقة سكينة وجللهاء الصفاء. وسمعت أبي السماوي يكلمني ويقول: لقد فعلت الشئ الصحيح يا بلقيس. وتأكدي أنني معك دائما! وعلى الأثر تواري ذلك النور الفياض وانحجب ضياء الله، فأشعلت مصباحي ورفعت يدي إلى العلاء شاكرة ربي وحماية أبي السماوي الذي تراءى لي وسط ظلام الليل وأضطراب الحياة. وهتفت من أعماق قلبي قائلة: لا أستطيع يا أبتاه أن أشكرك كفاية لأنك تعتني بي كثيرا ولا تتركني وحيدة!
واستدعيت صباح ذلك اليوم الخدام وقلت لهم في وسمعكم أن تناموا في بيوتكم إن أردتم، أما أنا ومحمود فسنبقى في هذا البيت الكبير وحدنا. وتبادل الخدام نظرات الاستغراب والدهشة بين بعضهم البعض، فبعضهم فرح لهذا الخبر، بينما بات البعض الأخر مشدوها ومذعورًا. وكان هذا قرارا حازما مني أني لا أروم حمايتي بنفسي، فالله هو الذي يحميني، والحماية التي انشدها مصدرها ذلك الأب السماوي. وعلى أثر اتخاذي مثل هذا القرار عاد المجد الإلهي للظهور وأخذ أمد بقائه يطول.
وصدف ذات يوم والجارية ريشام تمشط شعري أن قالت: لقد سمعنا يا سيدتي أن ابن عمتك كريم قد توفى. وكان كريم هذا هو الذي وعد بأن يأخذ محمود لصيد السمك، وليدربه على هذه الهواية. وكنت ممن أحب هذا الشاب الناشئ والطموح. وقلت في نفسي بعد أن تأكدت من هذا الخبر المشؤوم من ريشام، لماذا أبحث عن وفاة كريم الخدام، وربما كانت هذه مجرد إشاعات أو ربما كانت ريشام مخطئته في الاسم، وكان المتوفى شخصا أخر باسم كريم. وبعد الاستفسار والتحري عرفت أن هذا الخبر صحيح وليس إشاعة, وأفادني من أرسلته للاستفسار بأن كريم مات الليلة الماضية أثر نوبة قلبية مفاجئة وأن جنازته ستكون في ذلك اليوم, وتألمت كثيرا عندما عرفت أن عمتي طلبت من عائلتها أن يخبروني بذلك، لكن لا أحد من العائلة نفذ طلبها. وجلست قرب النافذة أفكر في هذه المقاطعة العائلية حتى عند وفاة أحد المقربين الأعزاء. وقلت ها أنا محرومة من حضور الحفلات العائلية لمدة ستة أشهر، ولم تكن المقاطعة قد أثرت عليّ مثلما أثر عليّ هذا الحادث وحرماني من حضور جنازة أحد الأقارب الأعزاء على قلبي.
وفيما أنا جالسة على الكرسي الهزاز قرب فراشي رفعت قلبي بالصلاة لله. وكعادتي بعد كل صلاة كنت أحظى بجواب من أبي السماوي. وما أن فرغت من صلاتي حتى شعرت بعباءة توضع على أكتافي وتجلب الدفء لجسمي. وفي غمرة هذا الشعور والنشوة النورانية تسربت إلى ذهني فكرة مفاجئة وجاءتني خطة غير عادية وجرئية. فقلت إن هذه هي خطة الله وهذا وحي من العلي. وها هو أبي السماوي يكلمني.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وبذكري وفاة كريم جلست قرب نافذتي المطلة على الحديقة مستعيدة لذاكرتي أيام الصبا عندما كنت ألعب مع كريم رفيق صباي، وإذا ريح موسمية فجائية تهب، وتحني الأشجار العالية، وترعب المواطنين. وكثيرا ما يحدث هبوب مثل تلك الرياح العاصفة في الهند. وكأن هذه العاصفة التي الرياح العاصفة في الهند. وكأن هذه العاصفة التي هبت وأنا جالسة قرب نافذتي استعيد فيها الذكريات الماضية كانت رسالة لي ن السماء. وسمعت صوتا يحدثني في وسطها وكان واضحًا إذ أنه صوت الله. ولشد ما سمعت أصواتا عديدة تقول لي أنه من عدم اللائق ذهابي لحضور جنازة كريم. فذهابي ربما يزيد من أحزان الفاقدين ووجودي في الجنازة قد يسئ إلى من هم في الذهاب وإذا حضور الله الاسنى أخذ يتواري عن أنظاري، فأحسست بأن هناك علاقة ويظهر أن الله يريدني أن أحضر الجنازة وأن أقوم بهذا العمل الفائق للطبيعة. وأذن فسوف ألبي رغبة الله ولأذهبن هناك رغم المقاطعة العائلية، ولأواجهن الأقارب رغم كل عداوة أظهورها لي.
وأصعدت نهدات عميقة ونهضت من مكاني وتركت النافذة وقلت بصوت عال: لقد بدأت يا إلهي أتعلم أن ألبي أوامرك، وها هو شعوري الداخلي، وإحساس ضميري يقولان: إن هذا العمل صالح. ويظهر أن أبي السماوي يقول لي أن أذهب لحضور الجنازة.
وما أروع هذه الاختبارات التي أخذت أتحسسها عن حضور الله وإبتعادة عني! وكنت على وشك تفهم هذا العمل الإلهي، واستجلاء السر في حضور الله وتواريه. إنما همي الأكبر كان الحظوة بالتمتع بحضور الله وزمانا أطول وفي فترات أكثر. وهذا درس بدأت أتعلمه ولم أتحقق إن كنت في الشهرين القادمين سأحصل عليّ هذه النعمة، لتقودني خطوة إلى الأمام في فهم مقاصد الله، والتعلم متى يكون حضور الله وظهوره لي، ومتى يكون ابتعاده وتواريه عني.
وأخيرًا ذهبت إلى بيت الفقيد كريم، ورغم أنني وعدت الله بأن أطيعه شعرت كأني مثل الحمامة المتوحدة المطروحة أرضًا فريسة لعدد من الأفاعي والثعابين. وتنفست عميقًا قرب البيت الحجري الذي عرفته منذ الصغر، وعرفت فيه الجدران المبيضة بالكلس، والسقف المزين بالنقوش. ذلك البيت الذي طالما اجتمعت فيه مع كريم ونحن صغار نلعب ونلهو معا. وعندما دخلت أعتاب البيت شاهدت أهل القرية يتطلعون إليّ بعيون فاحصة، وكانوا جالسين حول جثمان الفقيد الراحل. ورغم شيوع الحزن وهيمنة جو من الهدوء على المكان كنت ألمس نظرات السخرية تصوّب إليّ من معظم الحاضرين. حتى إن ابنة عمي التي كنت وإياها من أعز الأصدقاء حدجتني بنظرات ساخرة. ثم أشاحت بنظرها عني وبدأت تتحدث مع جارتها وكأنها لا تحب أن تحدثني أو تراني.
وجلست على إحدى الفرشات الموضوعة على الأرض، والمحاطة بعدد من المخدات والوسائد مثل عادة القرويين من أهل الشرق. وعدّلت الساري الذي كنت أرتديه وجلست أرضًا، وكأن حضوري جعل السكون يهيمن على المكان، لأني غدوت قبلة الأنظار حتى إن الذين يسبحون الله بمسابحهم تمجيدا له توقفوا عن ذلك النوع من التمجيد وتطلعوا إليّ. ورغم أن اليوم كان من أيام الصيف الحارة، ورغم أن الغرفة كانت مكتظة بالحضور شعرت بموجة من البرد تنتابني. فلم أنبس ببنت شفة بل أغلقت عينيي، ورفعت صلاة خافتة لأبي السماوي. ثم قلت: يا يسوع كن معي لأني أمثلك لدي هؤلاء الأصدقاء والأقارب، وكلهم حزين لفقدان هذا العزيز كريم، والقريب الحبوب من الجميع.
وخيّم صمت وسكوت على المكان دام حوالي ربع ساعة. ثم واصل الحضور حديثهم، وبدأوا يعزون الفاقدين. وشعرت أن الوقت قد حان لي لأقوم وأعزي امرأة كريم، فتركت المكان الذي كنت متكئة فيه ودخلت الغرفة الجاورة حيث كان جثمان كريم مسجى على حمالة كما هي العادة عند المسلمين، إذ لا يوضع الجثمان في تابوت مقفل، لأنه على حد تعبيرهم لابد للمتوفى من الجلوس ليتسنى له الإجابة عن بعض الأسئلة للملاك الذي يجئ له ليستنطقه لدي دخوله السماء. وعلى الأثر تقدمت من أرملة الفقيد وعزيتها، وتطلعت إلى وجه الراحل الهادئ وجسده المسجى والملفوف بالأكفان البيضاء. ورفعت دعاء لله من أجل روح هذا الفقيد. وبالفعل كنت أتمنى من كل قلبي لو استطعت التحدث معه، لكنه غدا في عالم آخر.
وسمعت صلوات وأدعية من أفراد عائلة هذا الفقيد، وتعزيات الأقارب، وأدعية المشيعين. ووقفت سيدات وتلون آيات من القرآن الكريم، وكان من المفروض أن يشيع الجثمان إلى مثواه الأخير قبل الغروب. ويرافق المشيعون النعش حتى المقبرة، وهناك يضعونه على الأرض حيث يتلو الأمام آيات من القرآن الكريم. وفيما كنت أستمع إلى التنهدات المواسية والتعزيات الرقيقة، والأدعية الإلهية، شاهدت أم كريم تجثو أمام النعش وهي وحيدة فشعرت بدافع يدفعني أن أتقدم نحوها وأرفع إليها تعزياتي. وفكرت في نفسي هل أتجاسر أن أقف بجانبها؟ وهل من المناسب أن أقترب منها أمام هذه الجماهير الساخطة عليّ؟ إذ ربما اعتبروا ذلك تحديا صارخا مني. وهل من المناسب أيضا أن أقرب تعزياتي بتعزيات من الأب السماوي؟ ولكني تجاسرت وقلت إن وجودي كمسيحية بينهم لابد وأن يستدعي وجود روح المسيح في ذلك المكان، وعنايته الإلهية ستشمل هذه الأرملة الثكلى, لذلك تجرأت ودنوت من أم كريم ووضعت ذراعي حولها وقلت لها بصوت خافت: إنني جد حزينة لوفاة أحد الأعزاء على قلبي. والله العظيم يعزيك ويباركك! والتفتت أم كريم إليّ وكانت علامة الشكر تنعكس في عينيها الدامعتين. فتأكدت أن المسيح كان حاضرا وهو لابد وأن عزى قلبها الحزين. وقبلت أم كريم هذه المشاركة الوجدانية مني بكل ارتياح مع أن الآخرين كانوا يرمقوني بنظرات عاتبة! والدليل على ذلك أني لما رجعت إلى مكاني بعد أن قدمت فروض التعزية لأم كريم شاهدت عددا من أقاربي يتركون المكان واحدا تلو الأخر.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وعلى الأثر بدأت أجاهد ضد عواطفي. فقد انتابني حزن شديد على وفاة كريم، وانزعاج أقاربي بسبب وجودي هناك، وتجاسري على حضور الجنازة. وأخذ قلبي يخفق بسرعة ووصلت العداوة حجها. وكان كل ما أستطيع عمله هو أن أظل جالسة مدة أخرى من الزمن، ثم أترك الغرفة. وعندما تركت لاحظت أن أكثر العيون كانت شاخصة إليّ، وحدجني الكثيرون بنظرات عاتبة. وتوجهت إلى سيارتي وجلست قرب مقودها وأنا أجمع أفكاري وأستعيد ما جرى لي، وقلت في نفسي أني أطعت الله فيما عملت وأن كان الثمن الذي دفعته غاليا. والأفضل لو أني بقيت في البيت ووفرت عليّ الانغماس في هذه الأحزان.
وبعد بضعة أسابيع وكانت حرارة الشمس قد اشتدت بسبب قدوم فصل الصيف الحار، سمعت عن وفاة ابن عم آخر لي. وقد وصلني الخبر أيضا عن طريق الخدم. ووجدت نفسي منساقة للذهاب إلى بيت الفقيد لأكون من عداد المشيعين والمعزين. وفكرت أن الأفضل ألا أفكر بمصلحة ذاتي بل أشارك أرملة ابن عمي الثكلى حزنها، لا سيما وأنه كان لديها ولد في الخامسة من عمره ويقارب ذلك عمر محمود. وكانت تلك الأرملة تشعر أنها متروكة ووحيدة, فوقفت قرب النعش وبكيت على زوجها الراحل وشاركتها أحزانها. وعندما دنوت من الأرملة لأعزيها تلاقت نظراتنا وشاهدت في عينيها الدامعتين شيئا من التردد. غير أنها بتصميم فائق رغم معرفتها أن ذلك يخالف إرادة العائلة مدّت يدها إليّ، وعندما امسكتها بكيت. وتبادلنا كلمات قليلة لكن قلبي ما برح يصلي من أجلها بحرارة. وقد رجوت الروح القدس أن يعزيها وتأكدت أن روح الله سيستجيب لدعائي. لأن المسيح نفسه قال: طوبى للحزانى لأنهم يتعزون. وهتفت تلك الأرملة من قلب مكلوم: شكرا لك يا بلقيس! فعانقتها وتركت الغرفة من دون أن أتكلم بشئ.
وهكذا حدث أن حصلت بجنازتان في العائلة في مدة متقاربة من الزمن. وكان هذا من غير المعتاد خاصة وأن أفراد عائلتنا كانوا معدودين. وفي كلا الحالتين سمعت صوت أبي السماوي يدعوني للخروج من بيتي والذهاب إلى الأمكنة التي يحتاجون فيها إليّ. وقررت أن أطيع أوامر الله وأن أذهب بشرط أن لا أتكلم كثيرا بل أجعل مجرد حضوري أن يكون شاهدا أمينا على إيماني. وشعرت أن الله كان طوال الوقت يرافقني. وما أكثر الدروس القيمة التي تعلمتها من حضوري حفلات الجنازة هذه!
وحدث هذا الاختبار لي في إحدى الجنازات. فالعادة عند المسلمين أنه عند الوفاة لا يأكل الناس إلا بعد دفن جثمان الميت. ومعنى هذا صيامهم طوال ذلك اليوم. وذات يوم وأنا جالسة وسط الحشد المكتظ من المعزين شعرت بحاجتي إلى تناول الشاي كما اعتدت كل بعد ظهر. وكان هذا صعبا عليّ، فلم أقدر أن أضبط عواطفي لذلك نهضت من مكاني مدعية أني أود غسل يدي وتسللت من بيت الفقيد إلى مقهى مجاور حيث شربت فنجان شاي، ومن ثم رجعت إلى مكاني بين المشيعين. وعلى الأثر شعرت بوحدة غريبة ولمست أن الصديق الوفي الذي كان يجانبي قد تركني. وفعلا فإن روح الله فارقني لأني قلت لمن حولي من الناس ما هو غير صحيح، ساعة اعتذرت لهم أن أريد غسل يدي وذهبت لأتناول فنجان شاي. وعزيت نفسي أنها كذبة بيضاء لكن رغم ذلك فالله لم يكن راضيا عن ذلك لأن لم أشعر بحضوره الإلهي بجانبي ولم أتمتع بالراحة المرجوة التي أحصل عليها بوجود روحه القدوس يحل عليّ.
وأخذت أعاتب نفسي وأقول: هل يتحتم عليّ أن أتمسك بعادات المعزين عند المسلمين؟ فأنا مسيحية ولم أتعود البقاء بدون فنجان شاي بعد الظهر كما هي عادتي. وفي غمرة هذه التساؤلات لم أشعر بحضور الله بجانبي. وفي النهاية عرفت أنني على خطأ وأن ما قلته كان كذبا. وصليت لله ليغفر لي تفكيري الخاطئ. وقلت له: لقد سعيت بالحصول على استحسان الناس لي مهملة الحصول على استحسانك يا إلهي! لقد أذيتك في هذه التصرفات النابية وأعدك ألا أعود إلى مثلها في المستقبل. وعلى أثر هذا الإقرار الخطير لمست روح الله تغمرني وكان يتساقط عليّ مثل المطر على أرض عطشي. فارتاحت نفسي لأني عرفت أن الله معي. وهكذا تعلمت أن أحظى بحضور الله. وعندما كنت لا أشعر بأن الله قريب مني أدرك أنني أسأت إليه بتصرفاتي فاستعيد أحداث الماضي بذاكرتي، فأتذكر كل كلمة تفوهت بها أو فكر مرّ بخاطري فاكتشف في النهاية كيف ضللت سبيلي، وكيف ابتعدت عن الله فأطلب الغفران من أجل خطيئتي وسوء تصرفي!
تعلمت أن أعمل مثل هذا بجسارة متزايدة. وروّضت نفسي على طاعة إلهي. وتعودت على ذلك في المستقبل. ولما كنت أشعر بضعفي الحاضر كنت أنشد قوة الله بالصلاة، وأطلب عونه وإرشاده. وأدركت منذ ذلك الحين أنه لا يوجد ما يدعى بالكذبة البيضاء. فالكذب كذب ومصدره إبليس. والكذب من الوسائل التي يستعملها إبليس ليبعدنا عن الطريق السوي، ويقودنا إلى الكذب الحقيقي، ويغرس فينا هذه الصفة البغيضة. وكل كذبة إنما تقودنا إلى تجربة، وهي من المغريات التي يلجأ إليها إبليس. وهكذا نحن نميل مع العالم عوضا من أن نتبع يسوع الذي هو مصدر لكل حق. وهو القائل: أنا هو الحق.
وحدث مرة أن دعاني مرسل لأحضر بعض اجتماعاته ولم أكن راغبة في ذلك وحاولت خلق المعاذير واصطناع بعض الأعذار فأنا بإنذار خفي يهز نفسي، وعوضا عن اختلاق بعض الأعذار لجأت إلى قول الصدق. فقلت أنني آسف إذ لا أستطيع حضور الاجتماعات. وحاولت مرة أخرى أن أكتب رسالة لصديق لي في لندن. وعندما بدأت في الكتابة أخذت أبسط له الأعذار في تأخري بالكتابة إليه لكوني قد تغيبت عن بلدتي بيد أنني أدركت أن ما أكتبه كان أتوماتيكيا، والعذر الذي أقدمه ليس صحيحا، توقفت عن الكتابة ومزقت الورقة وقلت: هذا ضرب من الكذب والخداع! ثم عدت فكتبت له الحقائق بصورة واضحة وصريحة. وهذه أمور صغيرة نجعلها تمر بنا، ونقول أن لا قيمة لها لكن هذه الصغائر هي مرتع للكبائر. وتغدو أمور حياتنا أسهل إذا استغنى المرء عن ابتداع وسائل للتحايل، والالتجاء إلى الكذب فيركن إلى الصراحة وقول الحق مهما كلفه الأمر.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
ورويدا رويدا بدأت أتعلم كيف أعيش مع المسيح حياة صحيحة. وبدأت أروض نفسي بأن أجعله رفيقي الدائم. ولم يكن هذا سهلا علي في بداية، إذ كثيرا ما كنت أزوغ عن الطريق المستقيم، أما المهم أنني استفقت إلى هذا الأمر الخطر وصممت أن أسلك السلوك الصحيح مهما كان السبيل إليه صعبا وعسيرا. ومع الوقت اكتشفت الفائدة العملية من هذه المحاولة. وحاولت بكل قوتي أن أطبق الوعد الإلهي القائل: اطلبوا أولا ملكوت الله وبره وكل هذه تزاد إليكم (متى 33:6). وكنت أردد في أعماق نفسي إذا وضعت الله في رأس قائمة حياتي. فجميع حاجاتي الأخرى ستلبى لي أن عاجلا أو أجلا.
وحدث ذات يوم أن جاءت ريشام إلى غرفتي ودلت ملامح وجهها على شئ من الارتباك وقالت لي بأن سيدة تروم مقابلتي وهي في غرفة الاستقبال. وسألتها إن كانت تعرف السيدة. أجابت: تظن إنها أم كريم. فقلت لها أنت غلطانة لأن أم كريم لا تقوم بزيارات وهي في غمرة أحزانها وتلبس الحداد على ولدها الراحل. فنزلت إلى الطابق الأسفل لأرى بنفسي، عندما لمحتها عرفت إنها بالفعل هي أرملة ابن عمي كريم. وحالما سمعت وقع إقدامي تقدمت مني وعانقتنا وقالت: لقد جئت بنفسي لأقول لك أن وجودك في الجنازة كان سبب تعزية كبيرة لي. ولم أستطع أن أقول ذلك يوم الجنازة لأن لم يكن لدي مجال لذلك. إنني شعرت عند حضورك أن شيئا جديدا وخاصا تسرب إلى حياتي. ولمت نفسي لأني لم أكلمها عن يسوع يوم الجنازة لكنها كانت في غمرة أحزانها والجو لم يكن مواتيا. أما الآن فهي عندي في غرفة الاستقبال فسوف أحدثها ماذا يعنى يسوع لي وكيف أنه ساعدني لتغيير طرق حياتي القديمة. وكيف أنه منحني شخصية جديدة تستمد حيويتها وكيانها من عبير روحه الكي الرائحة. وصرحت لي أرملة كريم أن زيارتي لها يوم الجنازة كان لها أثر كبير على نفسها وهي عنت الشئ الكثير لها. وقد جئت لأشكرك لشعورك معي يا بلقيس وحضورك بشخصك لتعزيتي! وهكذا انتهت هذه الزيارة القصيرة التي بدت لي ممتازة لا سيما أنها اتاحت لي أن أشهد لتلك الأرملة عن المسيح.
ولقد كان لهذه الزيارة المفاجئة أثران كبيرا: الأول أن شخصا آخر لاحظ التغيير الذي طرأ على حياتي بعد إيماني بالمسيح مخلصا وفاديا. والثاني توقعي أن تكون تلك البادرة فاتحة لإنهاء المقاطعة العائلية عني. وإن كانت تلك المقاطعة لم تنته بسرعة لأن لا أحد من العائلة زارني أو حدثني على الهاتف. وكلما قرع جرس الهاتف توقعت أن يكون المتكلم أحد أفراد عائلتي لكنه كان دائما أحج الأخوة المسيحيين. ودهشت عندما سمعت صوت أم ابن عمي الذي توفى مؤخرا وحضرت جنازته. فقالت لي تلك السيدة الثاكلة: إنني أستحسن المساعدة المعنوية التي قدمتها لزوجة ابني الراحل يوم جنازته فقد أخبرتني أنها تأثرت منك في أعماق قلبها وتكلمت إلى روحها بكلمات المحبة والعطف والمتبادل. وتجاه هذا الإطراء قلت أنا لم أفعل شيئا بل إن المسيح هو الذي عمل كل ذلك. وهكذا فإن وجودي مع المحزونين ساعة حزنهم جلب التعزية إلى قلوبهم. وهذا عمل الروح القدس المعزي لأن عملي لا يقارن بما يعمله المسيح لأولئك الحزاني. فهو الرفيق المساعد والروح المعزي للجميع.
وطوال الأسبوع الذي احتفل فيه محمود بعيد ميلاده السادس توافد الزائرون علينا من الأصدقاء والأقارب. ورغم أن زيارتهم كانت قصيرة إلا أنهم قصدوا مشاهدة محمود وتهنئته بعيد ميلاده وقد جلبوا له بعض الألعاب والحلوى. وإن كانت حجتهم الظاهرية رؤية محمود وتهنئته إنما قصدهم الحقيقي كان تخفيف آلام المقاطعة العائلية عني. وبذلك أزالوا ذلك الجدار الذي حجب الكثيرين من الأقارب عن التقرب مني. وفي ذلك الوقت كان قد مرّ عام كامل على قرار قبولي دعوة المسيح لأكون من إتباعه واحدي تلميذاته.
وتطلعت بشوق ولهفة إلى عيد ميلادي وهو يصادف عيد ميلاد المسيح. وقلت سأحتفل بهذا العيد بفرح زائد لأنه يكون قد مر عليّ عام كامل وأنا مسيحية. وكنت قد شاهدت الاحتفالات بعيد الميلاد في أوروبا عندما كنت أعمل مضيفة في تلك البلاد، ولم أكن أدرك عند ذاك المعنى الحقيقي لذلك العيد. فقلت الآن أنا مسيحية وعيد ميلاد المسيح هو عيد ميلادي للحياة الجديدة في المسيح. واستعرت من بعض الأخوة المسيحيين مغارة اصطناعية تمثل الرغيان. وعندما جاء المرسل ميتشل وزوجته جلبا لي شجرة سرو حية، فزينتها بالشموع والشرائط البيضاء. واجتمعنا حولها ورنمنا ترانيم ميلادية واحتفلنا نحن الأسرة الصغيرة بعيد ملك المجد. ولن أنسى رؤية محمود وهو يرقص فرحا ويقفز من شدة سروره بعيد ميلادي وميلاد المسيح.
واكتشفت بعض الخطأ في تصرفات الناس في عدم فهم المعنى الحقيقي للعيد, فأنه رغم البهجة التي ترافق هذه الأعياد لا يشعر الكثيرون بالمعنى الحقيقي لميلاد المسيح. وقلت في نفسي لماذا لا يكون لعيد الميلاد معنى غير هذه المظاهر الخارجية والزينات والبهرجات؟ لماذا لا يعبر هذا العيد عن التغيير الذي حدث فى حياتي! وعليّ أن أبرهن أن العيد له معنى روحي. ولأبرهن على ذلك سوف أقيم حفلة عامة أجعلها مشتركة للجميع وأدعو إليها أهل البلدة وبعض الأخوة المرسلين ليشعر الجميع حقيقة بمولد ملك المحبة يسوع. وفيما أنا أفكر بإقامة حفلة مشتركة أدعو إليها الأغنياء والفقراء إذا بشئ داخلي يقول لي: ألم تسمعي يا بلقيس الانذارات التي وجهت إليك بألا تجعلي إيمانك يظهر علانية للناس! وتذكرت ما قاله الجنرال عامر لي لدي زيارته لي: لا أستطيع أن أقدم لك الحماية إذا وقعت في خطر وحدث عليك اعتداء مع دمت تصرين على إعلان ارتدادك عن الإسلام.
أجل أن حفلة ميلادية مفتوحة للجميع ستجعلني عرضة لتهديدات متنوعة. وقلت: لماذا لا أستشير ربي وإلهي؟ فصليت وجاءني هاتف من السماء قائلا: إن حضور الأب السماوي سيكون أبرز إذا قمت بحفلة عامة أحياء لذكري ميلاد ملك المحبة ورب المجد يسوع المسيح. وعلى أثر ذلك قررت أن أقيم حفلة عامة مشتركة احتفالا بميلاد الرب يسوع. وحضر الكثيرون من المدعوين وتجمعوا حول شجرة الميلاد في غرفة الاستقبال.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
كما حضر بعض الأخوة المسيحيين ورنمت زوجة القس ترنيمة ميلادية مثيرة. كذلك حضر بعض أقاربي من بلدة راولبندي وفرحت لقدومهم وقلت في نفسي كيف يكون رد فعل أقاربي للحفلة. ولكونهم من طبقة اجتماعية عالية لم يرغبوا الاختلاط بأفراد من طبقة الفقراء والكناسين. لذلك عزلوا أنفسهم وجلسوا في غرفة مجاورة. وخيّم جو من السكون والبهجة على المكان وكنت أذهب من غرفة الاستقبال إلى الغرفة التي جلس فيها أقاربي. وكان موقفي كمن يذهب من حمام بارد إلى حمام ساخن. وعندما رأى أقاربي تصميمي على الاستمرار في الحفلة اظهروا بعض التساهل وقبلوا الاشتراك معنا، فجلسوا حول شجرة الميلاد يتمتعون بمنظرها الجميل وهي مضاءة بالشموع. وعند انتهاء الحفلة ران على المكان جو من التفاهم وروح الأخوة، ورأيتهم يمتزجون معا, الغني مع الفقير، المواطن مع الأجنبي، وتحدث المدعوون مع المساكين وجماعة الكناسين. وكأن الحفلة بشرت بسنة جديدة مغايرة للسابقة. وقد بانت أمامي طرق عديدة وجديدة، وشعرت أني أقف على مفترقها. وقد تقودني الخاطئة منها إلى الاضطراب. لذلك كان عليّ أن أختار الطريق الصالح والمستقيم.
وبعد هذه الحفلة أخذ نوع آخر من الأقارب والأصدقاء القدماء يزورني. وكانت غايتهم أن يقنعوني بالعودة إلى ديني القديم. وكنت أظنهم في بادئ الأمر ممن يهمهم التفرج على مباهج العيد، وزخارف شجرة الميلاد. واحترت كيف أجيب هؤلاء وبأي لهجة أتحدث إليهم. فهل أجيبهم بعدم الكلام وبالصمت التام؟ أم أتجرأ فأفصح عن أفكاري وأجرأ على المجاهرة بعقائدي. وبدّد حيرتي جواب الأب السماوي. وكان المقياس الصحيح لي معرفة ما سأعمل وكيف يجب أن أسلك هو تلمسي لحضور الله، فأن ابتعد هذا الحضور الإلهي معناه أنني على خطأ وإذا أقترب فمعناه أن مسلكي صحيح. وذاك هو الطريق المستقيم الذي يجب أن أسير فيه.
وذات يوم سمعت قرعًا على باب داري وكانت الساعة حول الثانية بعد الظهر. وأخبرتني ريشام عن زائر يروم مقابلتي. ولمست في قولها التردد والوجوم لأني كنت قد أخبرتها بآلا يزعجني أحد بين الظهر والساعة الثالثة. إذ في ذلك الوقت أرغب أن انشد الراحة والسكون. ولم أظهر رغبتي هذه بشكل الأمر بل بشكل رجاء. وقبل سنة كنت أصدر أو أمر مشددة أما الآن فلكوني من إتباع المسيح أصبحت أميل إلى اللطف والكلام المفعم بالمحبة. وأخذت أدرك أن الوقت ليس لي بل لربي وإلهي. لذلك إن حدث ما يستدعي وجودي فلا مانع من إزعاجي لأن الوقت ليس لي. وكان زائر الذي جاء يروم مقابلتي إنكليزيا وكانت رغبته أن يتحدث معي عن الله.
وكان هذا الزائر ينتظرني في غرفة الاستقبال. وشاهدته يرتدي لباسًا باكستانيا من سروال فضفاض وسترة من قماش أبيض. وكان وجهه أصفر اللون وشعره منفوشًا. ولم أتميزه بادئ الأمر لأنني خلته قطعة من أثاث البيت. واعتذر لي لأنه جاء ليزورني على غير ميعاد سابق. وأنه قدم من كراتشي خصوصا ليقابلني وهو من الذين تركوا دينهم المسيحي واعتنقوا الإسلام. ويلذ له أن يتحدث إليّ في شؤون هذين الدينين الذين عرفهما. واعتقدت في داخلي أن هذا مبعوث من قبل عائلتي ولأنهم يعرفون أني أحب الإنجليز فاختاروا لي هذا المرتد عن المسيحية عساه يستطيع إقناعي بالرجوع والعودة إلى الإسلام.
ولشد ما أفصح هذا الزائر عن الغاية من مجيئة فقال: إن شيئا واحد يزعجني حقيقة إذ أتعجب كيف إن مسلما يعتنق المسيحية، لا سيما وإن كتابهم المقدس مترجم وقد تغير وتبدل من كثرة الترجمات على ممر الأجيال وكأنه يعبر عن فئة من الناس الذين يقولون أن الكتاب المقدس قد تعرض للتشوية والتبدل بسبب كثرة الترجمات التي مرت عليه. فقلت له: لقد سمعت الكثير من أمثال هذه التهم الموجهة للكتاب المقدس. ولكن هل يستطيع أحد أن يدلني عن الفصول التي تغيرت أو الأماكن التي بدلت فيها الترجمات المعاني الأساسية فيه؟ وعلى أثر سماع هذا أنحني ضيفي على كرسيه ويداه تداعبان أطراف ذلك الكرسي ولم يتفوه بشئ أو يجب بكلمة.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وتابعت قولي: إنني أخشى ألا تكون هناك أجابة على أسئلتي هذه! وفي المتحف البريطاني نسخ قديمة من الكتاب المقدس نشرت حوالي 300 سنة قبل أن يولد النبي محمد، وهذه النسخ القديمة كلها تطابق ما هو موجود لدينا الآن. ويقول الاخصائيون في أمور الكتاب المقدس أن لا شئ أساسي تغير عن الأصل. وهذا مهم لي شخصيا لأن هذا الكتاب هو كلمة الله الحية. وهو يتكلم إليّ شخصيا، ويغذي روحي ويرشدني إلى طريق الحياة الأمثل. وعندما سمع الزائر هذا التشديد مني على صحة الكتاب المقدس، وعن رغبتي في معرفة الفصول التي جرى فيها تبديل أو تحرير، أغلق فمه ولم يجب بشئ. لكنه عاد فقال: أنت تقولين أن الكلمة ما زالت حية. قلت: نعم لأن المسيح هو كلمة الله الحية. والقرآن الكريم نفسه يشهد بأن المسيح من روح الله. وعلى الأثر تركني هذا الزائر الإنكليزي مع أنني دعوته أن يعود لزيارتي لمتابعة مثل هذه الأحاديث الروحية عن كلام الله والكتاب المقدس. لكني لم آر وجهه مرة ثانية للآسف.
وحظيت مرة أخرى بزائر من نوع ثان. فقد جاء بقصد التحاجج لا سيما فيما يتعلق بالثالوث الأقدس. وقال: المسيحيون يعبدون ثلاث آلهة بدلا من إله واحد. وهذا الثالوث في رأيه يشمل الله ومريم ويسوع. فقلت له أنت مضطلع على القرآن الكريم وأنك تقرأه بلا شك. أفلا تتذكر كيف أن القرآن نفسه ينعت المسيح بأنه روح الله. ولابد وأنك سمعت عن المتنسك الهندي الشهير ساهر سندر الذي تراءى له المسيح في رؤيا وفسر له معنى الثالوث. لقد اهتدى سندر إلى المسيحية بعد أن كان من الهنود السيخ المتعصبين, والتفسير الذي حصل عليه هذا المتنسك هو أن الشمس واحدة لكنها مصدر للنور والحرارة. وإن كانت الشمس هي التي تعطي النور والحرارة ألا أن الحرارة ليس نورا ولا النور حرارة. لأن لكل منهما شكل خاص أو عمل خاص. وهكذا في فكر الثالوث الأقدس هناك الله والمسيح والروح القدس. والأخيران منبثعان عن الله ويختلفان شكلا لكنهما يعطيان نورا للعالم وحرارة للمخلوقات. والثالوث ليس ثلاثة أشخاص بل هم أقانيم ثلاثة لشخص الله. وكما أن الشمس واحدة والحرارة والنور مظهران، هكذا فإن الله وحدة والمسيح والروح القدس اقنومان يتعاونان على إظهار الله بكامل قدرته وجبروته وبعظيم مجده وسنائه.
وساد جو الغرف سكوت ولما فرغت من المحادثة وجدته مستغرفا في التفكير. وأخيرا نهض من مكانه وشكرني لأني أفسح له المجال وأعطيته بعض الوقت للتحدث في مثل هذه الأمور الجوهرية. وشاهدته يسير في طريقه بعد أن ترك بيتي وقلت: هل أمثال ذلك المرتد الإنكليزي أو هذا المتحمس لأمور الدين مبعوثون من الله؟ ولم أكن لأهتم بالنتائج لأن الأمر الذي كان يهمني هو الطاعة. فالمهم عندي هل يريد الله ذلك مني؟ وهل هي رغبته أن أتكلم لهذه الجماعة في هذه الأمور؟ فأنا طوع بنان ربي وإلهي! وكل ما أعمله يجب أن يكون نابعا من عنده لأني أسير حسب وحيه وإرشاده.
وبمجئ الربيع أعطاني الله طرقا أخرى للشهادة إذ أتيح لي أن أذهب للاهور وبعد أن زبت ابني خالد هناك ابتعت مائة نسخة من الكتاب المقدس لأوزعها لمن يلذ له مطالعتها. كما اشتريت كمية من الكراريس الدينية، وأخذت أوزعها في شتي المناسبات والاجتماعات. وقد وضعت البعض منها في الاستراحات العامة والفنادق. ويوما ما عندما دخلت إحدى الاستراحات وجدت قسما من هذه الكراريس التي وضعتها هناك للمطالعة مطروحة بين النفايات. فرفعت يدي وقلت لماذا يحصل مثل هذا!؟! وكثيرون مما اجتمعت بهم استمعوا إلى شهادتي عن المسيح. أجل لقد انتهزت كل فرصة سانحة لأشهد للمسيح ولا أنسى مقابلتي لذلك الإنكليزي المرتد، أو المتحمس الذي جاء يحاججني عن صحة الثالوث الأقدس أو القائد عامر عندما قدم لزيارتي. لقد تكلمت مع كل هؤلاء عن وجود الله وظهور نور حقه لي. واستغربت أن كل هذه الشهادات لم تأت بثمر جيد، لكن قلت إنما علينا أن نبذر بذورا ونترك عملية النمو لله.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
والتجأت للصلاة لأنها متنفسي الأوحد. وفيما أنا أصلي شعرت أن المسيح حاضر ومستجيب لطلباتي. وشعرت بروحه تملأ جو الغرفة وتفيض علينا بالراحة والاطمئنان. وسمعت في قلبي سؤالا يوجهه المسيح لي إذ يقول: فكّري يا بلقيس في عدد المرات التي سمحت لك بالاجتماع بأقاربك للشهادة، ولا تنسي الزوار الذين جاءوا ليباحثوك، وسؤالي هل كنت تشعرين بحضوري في شتى هذه المناسبات؟ وهل تراءى لك مجدي وأطعت أوامري، وعملت إرادتي الإلهية؟ أجبت بكل إتضاع: نعم يا سيدي الرب. لقد لمست مجدك بسنائه الباهر, وسمعت صوتك الإلهي يشجعني ويهديني إلى الطريق الأمثل الذي يجب أن أسلكه! فقال: إذا هذا كل ما تحتاجينه وهذه هي الطريقة التي يجب إتباعها مع أصدقائك وأقاربك وزائريك فلا تقنطي إن كنت لا تحصلين على نتائج سريعة. فليست النتائج هي المشكلة، لأن كل ما يجب أن يزعجك هو حضوري أو عدمه. فأنشدي حضوري دائما ولا تبالي بالنتائج فهي تأتي تلقائيا.
وتابعت تأدية شهادتي بطرق مختلفة وقد كان هذا المنهاج مثيرا لي ومشجعا لاستمراري في الشهادة المسيحية. فقد أزال الرب عن عيني فكرة النتائج وذكرني بحضوره أو عدمه. وبدأت أسر بالاجتماع مع الأصدقاء والأقارب ولا أشعر بمغبّة الاخفاق. وتعلّمت أن أنتهز الفرص للشهادة سواء أكانت المحادثة تدور حول مواضيع سياسية أم اجتماعية، وكنت أشرع إلى الله أن يلهمني ما أقول وأية أسئلة أختار، وأنسب الأجوبة للسائلين. وعلى سبيل المثال لما كنت أتحدث إلى قريبة لي ذكرت زوجي السابق. وقد أصبح الآن سفير لباكستان فى اليابان. وكنت أرجو أن لا أكون قد أسأت إليه بشيء في تصرفاتي. وسألتني قريبتي: كيف تستطيعين أن تغفري له وقد قام بطلاقك وهذا كان أمرًا صعبًا عليك. فقلت لها: أنا وحدي لا أستطيع أن أغفر له لكني طلبت من سيدي المسيح أن يساعدني ويسوع ساعدني على ذلك. وهو دعانا أن نأتي كي يساعدني ويسوع ساعدني على ذلك. وهو دعاني أن نأتي بأثقالنا وأحمالنا ونضعها بالقرب منه. وربما سمعت قوله الشهير: تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. فهو الذي رفع حمل الكراهية عني، وأزاله عن كاهلي، ومنحني روح المحبة والتسامح.
وتأثرت قريبتي بأقوالي ومن حديثي عن المسيح. وقالت: هذا ما يعنيه الدين الحقيقي، وهذه علامات المسيحية العملية! وأني كنت أجهل مثل هذا من قبل. وإذا كانت المسيحية بهذا الشكل الرفيع فسأجرب أن أتعلم عن يسوع وأن أطلع على تعاليم المسيحية! ولكن كما يبدو لم تتابع قريبتي ما وعدت به ولم تستمر في مواصلة التعرف على المبادئ المسيحية. وكنت في بعض المرات ألاحظ أن مجد الله يختفي عني فأقع في حبائل إبليس. فهو يزين لي بأن حججي قوية وما أقوله جميل وجذاب. وسألت مرة لماذا أعتقد أن كل الحق معي مع أننا كلنا نعبد نفس الإله. فسواء كنا مسيحيين أم مسلمين، بوذيين أم برهميين فنحن ندعو ذلك الإله بأسماء مختلفة ونقترب منه بطرق متنوعة في حين أنه يبرز في النهاية نفس الإله. قلت معلقة على هذا أنت تعني أن الله مثل قمة الجبل وكل الطرق يمكنها أن توصلنا إلى تلك القمة. ولتقبل هذا التشبه أن الله مثل قمة الجبل لكن هناك طريقًا واحدًا يؤدي إلى الوصول إلى تلك القمة وهي طريق المسيح. فهو القائل أنا هو الطريق والحق والحياة. لا يأتي أحد إلى الأب إلا بي. وهكذا في جميع أجوبتي كنت أجعلها ترتكز على روح الله وتنبع من الكتاب المقدس. ولست أدري مدى تأثري على محدثي الذي جاء ليكلمني عن الله أكان قد أقترب أكثر إلى الله أم لا؟ لكني تأكدت من شئ واحد أني تقدمت خطوة كبيرة في الطاعة والإصغاء.
وحدث ذات ليلة مفاجأة خطيرة واختبار مريع لم أكن قد حظيت بمثله بعد أن أصبحت مسيحية, إذ حدث وأني أستعد للنوم أن شعرت بقوى شريرة تقترب من نافذة غرفتي. وقلت ربما كان هذه أبالسة وأرواح شريرة، فارتميت على الأرض وطلبت من ربي أن يغطي جسدي بجناحي حمايته، وعلى الأثر شعرت برداء سماوي يغطيني وقد احتضنني تحت جناحيه كما تحتضن الدجاجة فراخها. وهكذا عاد الدفء إلى جسدي، والراحة والاطمئنان إلى قلبي، ونهضت وإذا أعوان الشر قد ابتعدت عن نافذتي. وتوجهت ثاني يوم لبيت المرسل ميتشل لأطلعه على هذه الرؤية المريعة. وتوجهت بسيارتي وكانت الشمس مشرقة والطبيعة جميلة. ورغم هذا عندما أتذكر ما رأيت كنت أرتعب من شدة الخوف. وعندما وصلت البيت ترددت في اخبار هذه العائلة بما رأيت لكن سينوف لا حفظت الاضطراب على وجهي وسألتني: هل من شئ خطير حدث يا بلقيس؟ قلت: إن أعجب من نفسي إذ أجعل الخوف يلازمني رغم أنني أصبحت مسيحية والمسيحية تستهدف عدم الخوف بل سكينة النفس وسلام القلب.
فقالت سينوف: لست أفهم تماما ماذا تعنين. فنهضت وجلبت كتابي المقدس وفتحت لها ما ورد في الإصحاح السادس من رسالة بولس إلى أهل أفسس حيث يقول الرسول المطوّب: البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكائد إبليس. لأن مصارعتنا هي مع أجناد الشر الروحية في السماوات. ثم رويت لها بالتفصيل ما جرى لي في تلك الليلة. وما تراءى لي من أجناد الشر. وقلت وأنا أصعد ضحكة عصبية: لست أدري إن كان ضروريا أن نتحدث عن هذه الأمور. والأفضل أن نطويها جانبًا. وكنت قد شرحت لهذه العائلة ما تراءى لي في تلك الليلة. وأردفت معلقة على ذلك: ربما كنت متخومة من العشاء الثقيل فتصورت أنني رأيت ما رأيت..
وكانت عائلة أولد في بيت المرسل وقد رغب أولد أن يسمع تفاصيل الرؤية المريعة وقال: لا تقل لي من خطورة هذا الاختبار يا سيدة. فهناك قوى للشر فائقة للطبيعة ومثل هذه الأمور تحدث في الحياة. نعم أن وجود هذه القوى الشريرة أمر حقيقي لكن الله لا يسمح أن نتغلب على نفوس المؤمنين. وأشار كيف أن الله في العهد القديم سمح لأيوب أن يجربه إبليس. حتى أن المسيح نفسه جرب أربعين يوما وهو في البرية من الشيطان. إن الله رتب هذه الأمور لتكون محكا لنا. ولنذكر أنه في كلتا الحالتين انتهى بالنصرة على الشيطان، والتغلب على روح الشر، وانتصار المجربين.
قالت بلقيس: أذكر مهاجمة قوى الشر لي قبل المعمودية ويبدو أن هذه كانت خطة الله. فهو لم يشأ أن يتركني وحيدة وأن أتعلّم لوحدي. إنني انعزلت عن الناس وقاطعني أقاربي وأصدقائي لكني لم أتحطم ولم أصبح ضحية لقوى الشر. لقد انقطعت عن جذوري إنما وجدت لي جذورًا أعمق في ديانة أخرى. ومع إله رحيم أن موطني هو السماء، وملجأي هو رب الوجود. وجميع هذه التجارب أثرت عليّ وجعلتني أعتمد أكثر فأكثر على الله الذي هو الأب السماوي لجميع الناس.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
بعد بضعة أسابيع من احتفالاتنا البهيجة بدأت رياح التغيير تهب علينا. فقد علمت من اجتماع الأحد للصلاة أن كين وماري سيتركان البلاد في إجازة لمدة سنة. وأول ردّ فعل لديهم كان الخوف عليّ. وخسارة فقدانهما لي، وابتعادهما عني. وقلت في نفس: ماذا أفعل بدونهما، وقد تعودت على عشرتهما. إنما تعزيت أن ميتشل وزوجته سيبقيان. وكنت أعتمد على العائلتين المؤمنتين، في حين أن آل والد ساروا معي في درب الحياة، وشاركوني مسراتي وأتعابي وأحزاني. ولا بد وأن تكون ماري قد قرأت ما جال في خاطري إذ تقدمت مني وأمسكت بيدي والدموع تملأ عينيها وهي تقول: عليك يا عزيزتنا أن تدركي أن هذه هي سنة الحياة. فهي لقاء وفراق، وأوضاعها متقلبة، وليس ثمة شئ دائم في هذه الدنيا سوى الرب يسوع. وأكد لي زوجها أن الله لا يتركني وحيدة، وهو يحيط دائما بدائرة أمني واطمئناني. فلا تحزني من الفراق، فهذه سنة الحياة إنما تهللي لأن الله معك ولن يتركك.
وعندما جاء يوم الفراق تميّز ذلك اليوم بالقتام والوجوم. ولشد ما حاولت أن أملأ هذا الفراغ بقوة الإيمان. وكان الفراق أليما إنما إيماننا أوحي لنا بالشجاعة والثبات رغم أن قلوبنا فقدت أحباء لنا في الرب. وشعرنا أننا خسرنا الكثير بفراق كين وماري العزيزين على قلوبنا. وعندما عدت إلى منزلي شعرت بالفراغ الذي أحدثه غياب هذين الآخرين. وقلت سأعود وحيدة وأعيش مع جماعة معادين لي، إنما كان عزائي هو أن ميتشل وزوجته ما برحا قريبين مني ويقطنان بلدتي واه..
وسرعان ما فتحت طريق الفراق بابًا ثانيًا لي للخدمة والشهادة. إذ ما عتّم حتى تلفن لي الدكتور باكش ليقول لي إن الدكتور ستانلي مونهيم، ممثل جماعة الرؤيا العالمية، ومركزها في كاليفورنيا يرغب في زيارتي. وما كنت قد سمعت عن هذه المنظمة العالمية، إنما قلت إن أبواب بيتي مفتوحة للجميع، حتى لأولئك الذين يتوقون أن يروا مسلمًا أهتدي إلى المسيحية. وما كانت سوى ساعات حتى حضر الدكتور مونهيم. ولم تكن رغبته الإطلاع على طريقة اهتدائي للمسيحية، ولا رواء عاطفة الاستغراب عن مجريات حياتي، إنما سألني إن كنت أرغب أن أزور مدينة سنغافورة لأشهد للناس هناك عن أمر اهتدائي للمسيحية ولقائي مع الأب السماوي. وعلمت منه أن بلي جراهام المبشر العالمي الشهير كان عازما أن يقوم بحملة تبشيرية في تلك الديار، وأنه يقصد أن يعقد مؤتمرًا في بلدة سنغافورة يحضرها أسيويون من مختلف البلاد الشرقية لأن المؤتمر كان يستهدف اجتماع الفئات المؤمنة من أقطار أسيا المختلفة. وسيحضره يابانيون وهنود وأندنيسيون وكورينون وصينيون وباكستانيون. وسيكون شعار المؤتمر: المسيح يزور أسيا. ووجودك يا سيدة بلقيس بين المتكلمين في ذلك المؤتمر سيكون له وقع عظيم، وستكون شهادتك للآخرين مصدر وحي للجميع. فقلت في نفسي: ألا يكفيني أن أشهد في بلدتي واه؟! وكيف أذهب إلى تلك البلدة النائية؟! فأجبت الداعي: سأصلي من أجل ذلك. وتركني وهو يشدد بقبولي الدعوة والذهاب للشهادة إلى سنغافورة.
وبعد أن تركني الدكتور مونهيم جلست على شرفة منزلي وأنا أفكر في هذه المسألة. وصليت إلى الله ليرشدني إلى طريق العمل. وكان جزء مني يقول: هذه فرصة ممتازة يترتب انتهازها. وجانب أخر مني يحذرني حتى من الأفكار بها. ثم حضرتني فكرة مفاجئة وهو أن جواز سفري يحتاج إلى تجديد، وفي الباكستان عند ذاك كان تجديد جواز السفر يتخذ وقتا طويلا، ويمر بمعاملات روتينية عديدة وطويلة. وقلت قد تكون هذه الحجة صوتًا من الله لرفضي الذهاب. وإذا تم تجديد جواز سفري بسرعة فمعناه أن الله يريدني أن أذهب إلى سنغافورة. وللحال ملأت أوراق طلبات تجديد جواز السفر وأرسلتها للمسؤولين. وبعد أن وضعت المعاملة في البريد قلت إن الوقت الذي ستستغرقه المعاملة يعنى الغاء ذهابي، لكن من الغريب أنه لم يمض أسبوع حتى كان جواز سفري قد عاد إليّ. وقد تجدّد رسميا ووقعه المسؤول الأكبر في الدولة عن دائرة المهاجرة.
وبعد بضعة أسابيع من تجديد جواز سفري عزمت على التوجه إلى سنغافورة من أجل الشهادة للمسيح في المؤتمر العالمي المنعقد هناك. فودعت حفيدي محمود، وقصدت لاهور حيث اجتمعت بولدي خالد. ثم انتقلت إلى ميناء كراتشي ومن هناك أخذت الطائرة التي أقلتني إلى سنغافورة. وكان ذلك عام 1968 وقد مرّ عام ونصف منذ أن ظهر الله لي، واهتديت إلى المسيحية. ولمدة سنة ونصف وأنا أهنأ بحياة جديدة مستضيئة بنور الله. ولم يكن ابني خالد مهتما بالاكتشافات الروحية التي حصلت لي، أو بالظهور الإلهي الذي تراءى لي. والآن وقد بلغت الثامنة والأربعين من عمري تراني أقوم برحلة إلى بلد ناء، فلم يمانع خالد في ذهابي لأنه كان يشعر أني والدته، وما برح يبادلني الحب والاحترام. وتمنى لي سفرة سعيدة وموفقة.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وشعرت وأنا في الطائرة أنني قريبة من السماء، ولا غرابة فأنا معلقة بين الأرض والسماء، والطائرة تطير فوق الغمام، ومرتفعة عن أرضنا المملوءة بالآلام والخطايا. وكان على الطائرة عدد كبير من المسيحيين، لكنني لم أعجب من سلوكهم. واستمعت إلى جماعة وهم يرتلون يصفقون بأيديهم ويهتفون هللويا، وقد بدت لي أن أفراحهم هذه كانت مصطنعة. ومثل هذه المظاهر لا تلذ لي كثيرًا. وشعرت أن رحلتي هذه كان لها معنى شخصي، لا مجرد متعة وسفر. إنها كانت دعوة من السماء لي لأشهد للآسيويين بالحياة الجديدة التي دعيت إليها. وكدت أيأس من دعوتي هذه. والناس حولي بعيدون عن الله، ودينهم ظاهري. فقلت أما كان يكفي أن أظل في ضيعتي وأقتصر على الدور الذي أمثله في بلدتي واه؟! ولم أكن أحب أن أظهر أمام المئات أو الألوف من الناس لتأدية شهادتي أمامهم. وربما يكون ذلك تباهيا مني، وربما يظن أولئك الأغراب إنما أقوم بهذا العمل لمنافع شخصية.
وعندما ركبت الطائرة وتطلعت من نافذتي إلى العالم تحتي، رأيت بلادي تغيب عن الإنظار، والباكستان تتواري وراء الضباب. ورغم أنني كنت عالمة بأني سأعود إلى بلدي بعد بضعة أيام، إلا أن شيئا داخليا أوحى إليّ أن هذه ربما تكون البداية في رحلاتي التبشيرية. وأنني سأعود جسديا إلى بلادي إنما روحيا فأنا للعالم أجمع، وشهادتي يجب أن تنطبق لإبناء هذه الدنيا الواسعة. وتعزيت إذ وجدت في شركة الأخوة المسيحيين الحقيقيين موطنا جديد لي، ورفقة في حياتي.
وعلى أثر وصولنا مطار سنغافورة توجهنا رأسا إلى قاعة الاجتماعات وكان المؤتمر قد بدأ. ودهشت للمئات والآلاف الذين جاءوا لحضور هذا المؤتمر الآسيوي المسيحي. وكان هذا العدد من الحضور أكبر عدد من لناس الذين أراهم يجتمعون في مكان واحد. ودخلت قاعة الاجتماعات، وإذا أصوات المرنمين تتعالى مسبحة الخالق بالنشيد الذي مطلعه، ما أعظمك يا الله!! وللحال شعرت بروح الله تغمرني وكان هذه الشعور يختلف عما شعرت به سابقا. واستهدفت للبكاء ليس من الحزن بل مثل هؤلاء الناس وهم يسبحون الله ويحمدونه. وكانوا من جنسيات متنوعة، وبأزياء مختلفة وقد جاءوا من بلدان عديدة. وما أروع ذلك الاجتماع حيث تصاعدت من الأفواه الغفيرة ترانيم التسبيح لملك المجد والرب الإله الأب السماوي!
والفرق عظيم بين جماعة المؤتمرين وجماعة المسافرين الذين التقيت بهم على الطائرة. فهؤلاء كانوا عصبيين وخجولين وخائفين من الطيران ومن الأوضاع الجديدة، ولغتهم كانت منحطة وأحداثهم عالمية، أما جماعة المؤتمر فقد كانوا من طراز آخر. وكل شئ هنا اختلف عن جو الطائرة. فقد ران على المكان جو من الهيبة والوقار، ورفرفت روح الله على قاعة الاجتماع. والشيء الذي كان يقلقني هو كيف أتجاسر فأقف أمام هذا الحشر الغفير وأتكلم إليهم. إنه من السهل التكلم لأناس نعرفهم من قبل، لا سيما عن موضوع اختباراتي الشخصية، لكن التكلم لجماهير غفيرة جاعوا من بلدان مختلفة، وأقطار نائية فأنا لم أكن أشعر باطمئنان.
وتوجهت إلى الفندق حيث كنت سأقيم إثناء انعقاد المؤتمر، وتطلعت من النافذة إلى سينغافورة وهي تزخر بالسكان. ولكن الفرق عظيم بينمها وبين لندن مثلا. فهنا الشوراع مكتظة بالباعة المتجولين، والجميع يدلل على بضاعته، والسائقون يزمرون بأبواق سياراتهم، واكتظاظ الناس بشكل غريب يجعل المرء ينشد الوحدة ويتوق للعزلة، وعلى العكس هناك. ففي لندن هدوء ونظام. وأنزلت الستار على نافذة غرفتي ولكني بقيت محتارة في أمور هذه الدنيا. واستلقيت على فراشي انشد الراحة وصليت إلى الله ليهبني روحه المعزي.
وتذكرت يوم كنت أسير مع والدي في أسواق واه وأنا صغيرة وكان والدي يحذرني من المشاة القادمين والراجعين خشية الاصطدام بهم. وكان يريد مني أن أظل ملازمة إياه. وذات مرة جذب انظاري معرض للزهور فتركت والدي بدون أن يدري، وذهبت لأشاهد تلك الأزهار المعروضة بشكل جذاب. ثم استفقت إلى أني وحيدة وبعيدة عن والدي، وربما أكون قد أضعته فملأ الخوف قلبي. وقلت تعال يا أبي فأنا لن أتركك في المستقبل! وفيما أنا أنطق بهذه الكلمات إذ بوالدي يقف بجانبي.
وهكذا شعرت الآن، وأنا في الفندق في مدينة سنغافورة أنني تركت الأب السماوي، وذلك بأن أسمح لنفسي أن تظل مضطربة وقلقة. وقلت في نفسي متى أتعلم إلا أقلق؟! إن كان الله معي فسوف أتكل عليه وأسلم أموري إليه. وحالما استسلمت إلى هذا الفكر عاد الاطمئنان يلازمني، فشعرت بالسلام وسكينة النفس فطلبت الغفران من أبي السماوي لمواقفي المتقلبة هذه، ورسخت في ذهني أنه ما دام الله معي فأنا في أمان وأطمئن. وقلت وأنا أفكر في حديثي في الاجتماع أمام ذلك الجمهور الغفير إن كان الله هناك فأنا في أمان وسيهبني القدير الشجاعة ويزودني بجرأة الكلام.
وصادف أنني عندما كنت اجتاز أحد الممرات في الفندق إذا بيد تلمسني، وكنت يد الدكتور مونهيم. وقد بدأ جدّ مسرور لرؤيتي. وسألني: أما زلت راغبة في التحدث إلينا في الاجتماع؟ ويظهر أن موعدك للحديث هو يوم غد. وتطلع إلى ساعته وقال. لديك وقت طويل للصلاة وإطلبي حضور الله معك في الاجتماع. أجبته لا تنزعج يا دكتور فأنا بخير، والله معي. ويبدو أنه قرأ أفكاري وعرف السر في الإله الذي يشدد عزيمتي. وهكذا بشعوري بحضور الله معي وأكبني إحساس بالاطمئنان، وعندما وقفت لأقدم شهادتي أمام الآلاف من الناس المحتشدين في القاعة لم أكن لاتلعثم. إذ إن الله كان معي. وهو الذي شدد عزيمتي، وأعطاني القوة للكلام وتأدية الشهادة. وكان الله هو المتكلم ولست أنا! وبعد الاجتماع احتاط بي الناس يثنون على ما قلت لهم عن ظهور الله لي. وشعرت بدفء الأخوة المسيحية فقلت هذه هي الخطوة الأولى الآن لعملي الجديد في خدمة الملكوت والشهادة للمسيح. ورتب الله لي وأنا في الاجتماع أن أتعرف على القس كريستي ولسن، وكان هذا راعي الكنيسة في مدينة كابول بأفغانستان. والغريب أنه غدا له تأثيرًا كبيرًا على حياتي، وأنا لم أتوقع ذلك. وتحدثنا عن الخدمة المسيحية، واتفقنا أنه لا بد لروح الله أن يدعم هذا العمل المقدس. ولما انتهت مهمتي في سنغافورة، كان لا بد من الرجوع إلى بلدتي واه. وشعرت مرة ثانية أن ذهابي إلى سنغافورة كان استجابة لدعوة صادرة من فوق من عند الأب السماوي.
لقد أراد مني أن أتعلم عن نوع العمل الذي ينتظرني في المستقبل. وفي طريق عودتي فكرت بأن أجعل مركز عملي بلدتي واه. ففي ستكون منطلقي للشهادة. ولا بأس إذا اضطررت في بعض المناسبات أن أقوم بسفرات قصيرة خارج بلدتي. وسأجعل بيتي الذي توارثته عن أجدادي مركزا لعملي التبشيري. وظلت هذه الأفكار تراودني حتى شاهدت أشجار بستاني. وما كنت أظن أو أتصور أن رياحا مغايرة ستهب عليّ وتغيّر برنامج عملي، وتحملني إلى ما وراء البحار للشهادة للرب الإله. وأكون شهادة وفية ليسوع المسيح المخلص الفادي.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وأخذنا خبرا ثانيا محزنا، وهو فراق القس داود وزوجته ماري في الإجازة. ويبدو أن مدة الإجازة ستكون طويلة وسيمضي وقت طويل قبل عودتهما إلى الباكستان. وتمر الأيام سراعًا، إذ بعد سنة من رجوعي من مؤتمر سنغافورة عدنا إلى عقد اجتماعات مع الأخوة المسيحيين في تلك المنطقة. ومن المفرح أننا تابعنا عقد هذه الاجتماعات الدينية كل أحد في بيت المرسل ميتشل، ذلك البيت الذي مازلت أذكر زيارتي الأولى له عندما كنت مترددة في قبول الدعوة للمسيح. وتذكرت هاتين الشخصيتين اللذين ساعداني كثيرا في معرفة المسيح وقبوله مخلصًا لي. تذكرت القس داود بشعره الرمادي وطلعته البهية وآرائه الشديدة، وزوجته سينوف التي كانت تعطف عليّ، وتصلي دائما من أجلي. والآن هما بعيدان عني وسأستفقد لهما كثيرًا. وعند وداعهما صرحت لهما أنه من الصعب عليّ تدبير أموري الروحية بدونهما فأجابتني سينوف: ربما تكون هذه إرادة الرب أن تكوني بدوننا. وعليك يا بلقيس أن تتأكدي أن الله دائما معنا، وهو مستعد أن يساعد جميع المتكلين عليه! وإذا لم يبق لنا ثمة معيل أو نصير في هذه الدنيا فهو معيلنا الدائما، وسندنا الأكبر، ونصير حياتنا الأمثل.
أجل لقد كانت ساعة الفراق بهذه العائلة المؤمنة والمخلصة أليمًا، إذ ما أخذت سيارتهم تبتعد عن ذلك البيت المبيض بالكلس أو الذي كان خلال الحرب مركزًا للضباط حتى انهالت الدموع من عيناي. وقلت إنها مخاطرة عظيمة أن أبقى كمسيحية ووحيدة، وسط هذا البلد الإسلامي. ومرت أسابيع حتى استطعت التغلب على لوعة الفراق، وتدبير أموري الروحية بدون مساعدتهما واستشاراتهما. وأثارت ذكري فراق آل ميتشل الأليمة ذكري فراق آل أولد من قبلهم، وكانا يصران عليّ أن أجد الغاية واحظي بالاتجاه الذي يريده الله لي في هذه الحياة. وها قد مر وقت طويل على فراقهما، إنما الذكري ما برحت واضحة في مخيلتي.
وبالرغم من فراق هؤلاء الأخوة القادة من الذين واظبوا على حضور الاجتماعات الأحدية، فكرنا أن نستمر في عقد اجتماعات متنقلة في بيوت الخمسة أخوة الباقين. بيد أنه بدون قيادة آل أولد وآل ميتشل خسرنا عنصرًا هاما في القيادة الروحية. وهكذا أخذت الاجتماعات تفتر والحماسة لها تقل.. وفي ذات مساء جاءتني فكرة مفاجئة وهي ألا نجعل الاجتماعات تقتصر على جماعة معينة، بل نفتح الباب فيها لجماعة الصناعيين ورجال الأعمال، ولا نقتصر الاجتماع على حضور الأطباء والمهندسين لا سيما الأجانب منهم المقيمين في ديارنا. ولماذا لا ندعو إلى الاجتماعات من كانوا مسيحيين وغير مسيحيين؟! أناس من طبقات فقيرة من كناسين ومنبوذين؟! ولماذا لا أجعل هذه الاجتماعات تعقد في بيتي لأنه يتسع لعدد كبير من الحضور؟!
وفي البداية وجدت فكرتي بعض الشك والتردد والمقاومة، لكن في النهاية استقر الرأي أن نسير في هذا المشروع قُدما. فبعثت دعوات لعدد من الناس الذين أعرفهم لحضور مثل هذه الاجتماعات الروحية يوم الأحد. وتعجبت عندما لمست أن عدد الحضور كان كبيرًا. وكثيرون ممن لبوا الدعوة لم يكونوا مسيحيين، ويظهر أنهم كانوا تواقين لمعرفة أوسع عن إله المسيحيين. وكنا نحن الأعضاء القدامى نتولى قيادة الاجتماعات فنرتل لهم تراتيل روحية مثيرة، ونصلي معهم صلوات عميقة، ونعمل ما في وسعنا لخدمة حاجاتهم الروحية. والغريب أن من كانوا يحضرون هذه الاجتماعات جاءوا من طبقات مختلفة، فبينهم كان الخدام والعمال، والمعملون ورجال الأعمال وغيرهم من الفئات المتعطشة إلى ماء الحياة، ومعرفة الحق.
وعلى الأثر انبثقت في هذه الاجتماعات نهضة جديدة. وكنا نحن القادة نجثو على ركبنا الساعات الطويلة طالبين العون والإرشاد من الله. وما أكثر ما اقتربنا من القدير، مستوحين روحه القدوس لنتأكد بأن الاتجاه الذي نسير به هو مرض لله، ومستعد من وحي كلامه المقدس. وفرحت لما شعرت أن تلك الفترة التي كنت أتصور فيها أننا لا نحصل على نتائج حاسمة قد انتهت، لأني لمست اهتداءات جديدة من هؤلاء الأفراد الذين واظبوا على حضور الاجتماعات. وكانت أول من قبلت المسيح مخلصًا من بين هؤلاء أرملة صغيرة السن كانت تشكو من الوحدة والحرمان، فتقدمت من الله حاملة أثقالها إليه، وطالبة منه أن يكون رفيقًا لها. وقد حل عليها تغيير ملموس، وعلى حياتها منطلق جديد. فبعد أن كانت تشعر باليأس والوجوم، امتلأت حياتها بالإيمان والرجاء. وبعد مدة تقدم ميكانيكي، ثم كانت، ثم كناس إلى الرب، وقد جاء كل من هؤلاء ينشد التقرب من الله، ودخول الملكوت السماوي. وقد فرحت لأن كل هذه النتائج قد حصلت في بيتي. ولم يكن أحد من أفراد عائلتي قد أبدى نفورًا أو اشمئزازًا من عملي التبشيري، وكأنهم تغاضوا عما كنت أعمله إذ أقوم في خدمة حقل الرب ونشر ملكوته.
وذات يوم وأنا أتجول في حديقتي وقعت قرميدة على رجلي فكسرت عظمة فيها. ولم يأت أحد من أقاربي ليزورني إنما اقتصروا على السؤال عني عن طريق الهاتف. ويبدو أن المقاومة التي بدت من عائلتي لقبولي المسيحية دينا جديدا لي قد قلت شيئا فشيئا. وكنت دوما أشعر باستقلالي الخاص في شؤوني الذاتية، وأني أنا المنوط بها إدارة ممتلكاتي وحديقة منزلي. وكان على مقربة من بيتي في الطريق المؤدي إلى مساكن الخدام شجرة تعطي أثمارا مثل الكرز. وفي الصيف كان الأولاد يتجرأون في الدخول إلى أرضي ويتسلقون هذه الشجرة ليقطفوا عنها بعض الأثمار. وكان تعديهم على ممتلكاتي يسيء إليّ، خاصة وأن صراخهم كان يزعجني أوقات استراحتي. ويوما ما طلبت من البستاني أن يقطع تلك الشجرة وأن يطرد الأولاد من الحديقة. وقلت أن زوال الشجرة من الوجود سيضع حدًا لمشكلة إزعاج الأولاد.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وعلى أثر قطع الشجرة تحققت أثر ما عملت، لأنه بزوالها توارى مجد الله عني. ولمدة طويلة كنت أقف قرب النافذة أنطلع إلى الفراغ الذي أحدثه زوال هذه الشجرة إذ لم أعد أسمع هتاف الأولاد ونداءاتهم بعضهم لبعض. وقلت أن حالتي تشبه هذه الشجرة، ولا تختلف كثيرًا عنها. وقد كان هذا التغيير الذي حصل لي نابع من روح الله. فطلبت من الله أن يستمر في ظهوره لي، لأني أحسست أنه ساعة أمرت بقطع الشجرة ابتعد روح الله عني لأني حرمت هؤلاء الصبية من متعتهم المفضلة. ووجدت أنه في وسعي الآن أن أعمل شيئا جديدا أجذب إليه الأولاد وأستعيد لهم أفراحهم. فحديقتي كانت مملوءة بالأشجار التي تعطي ثمرا طيبا إثناء الصيف، فوجهت دعوة لأولاد القرية أن يقصدوا حديقتي، ويقطفوا من الأثمار ما شاءوا. فلبوا الدعوة فرحين ورغم أنهم حالوا عدم تكسير الأغصان إلا أنهم بعد تلك الزيارة كنت ترى الكثير من الأغصان المهشمة تغطي جنبات الحديقة.
لقد أدركت أن البستان كان الحاجز الذي وقف بيني وبين ظهور الله لي، لذلك أفسحت المجال لأولاد القرية أن يمتعوا أنفسهم بأثماره اللذيذة. أجل أنهم أساءوا إلى البستان وإلى الأشجار لكن هذا البستان هو ملك لله وأنا أعطي ثمره لهؤلاء المحتاجين عن طيبة نفسي. وهذه كانت وسيلة من أبي السماوي ليخرجني عن نطاق أنانيتي الضيقة إلى أفق أوسع، ومجال أنبل..
وحدث أنه في أحد أيام نوفمبر الباردة أن دخل محمود غرفتي وكان قد بلغ الثامنة من عمره، ودلت ملامحة على أنه فتى وسيم الطلعة، وحاصل على مقومات الرجولة الحقة وقال: هناك سيدة تريد أن تراك يا ماما‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍! هي تحمل طفلا بين ذراعيها وحالتها تستدعي الشفقة والرحمة. قلت له: أنت تعلم أنني لا أقابل أحدا في مثل هذا الوقت المخصص لراحتي. وكنت قد نسيت ما قلته لريشام ونورجان ألا يمنعوا أحدا من مقابلتي. وهكذا أنا ندمت لقولي لمحمود هذا. وقلت في نفسي ماذا يكون موقف الله مني في مثل هذه الحالة التي فيها أطرد امرأة محتاجة مع طفلها من بيتي؟! وعلى الأثر ناديت محمودا وكان لم يبتعد كثيرا عني وقلت له: أتعرف ماذا تريد هذه المرأة؟ أجاب: ربما يكون الطفل مريضا! فقلت له دع المرأة تنتظرني في غرفة الاستقبال مع طفلها. فنزلت إلى الطابق الأسفل وما هي إلا لحظات إلا وكنت مع المرأة وطفلها ومحمود.
كانت المرأة قروية، وترتدي زيّ فلاحة، وملابسها رثّة وحالتها تدل على أنها فقيرة ومعوزة. وسألتها وقلبي يتفطر شفقة ولوعة عليها وعلى طفلها، ماذا تريدين مني أن أعمل لك؟ قالت: لقد سمعت عن أعمالك النبيلة والخيرة وأنا جئت من قريتي التي تبعد 12 ميلا عن هذا المكان وقد أتيت ماشية على أقدامي من هناك لأقصدك لمساعدتي. وبالفعل كانت المرأة تعبة، وقد بدأ عليها أنها منهوكة القوى. فطلبت من الخادمات أن يجلبن لها بعض الطعام والشاي. وسألتها أن كانت ترضع طفلها، وفي بعض القرى من هذه البلاد تستمر الأمهات في إرضاع أطفالهم حتى الثالثة من عمرهم. أما الطفل فقد جذب انظاره الشمعدان البلوري الذي كان معلقًا في غرفة الاستقبال. وعند رؤيتي هذا الطفل الهزيل صليت من أجله، وحالما حسست خده شعرت بالحرارة العالية التي عليه فعرفت أنه مصاب بالحمى. وبدأ فمه ناشفا وجسمه هزيلا. وتصورت عند ذال الأجيال من عائلتي وهم يتطلعون إليّ وأنا أقترب من هذه الطفل الهزيل وأعاشر هذه الفلاحة المسكينة، مع أنهم لا يرضون بأن يسمحوا لظل أحد من هؤلاء التعساء أن يقع في طريقهم.
تلوعت متحسرة على هذه المرأة المسكينة وطفلها المريض. وطلبت من الله أن يشفي هذا الطفل البريء الناشئ. كما طلبت من الخادمة أن تجلب بعض الفيتامينات للمرأة لتقوي جسمها ما دامت لا تزال ترضع طفلها. وأخبرتني كيف أن زوجها حدث له حادث أقعده عن العمل مدة طويلة. وبقيت تحدثني قرابة النصف ساعة وعندما أرادت ترك المنزل لوحت لها بيدي أن تتريث قليلا علنا نهتدي إلى طريقة لمعالجة الطفل، ولحصولها على عناية أفضل. وفكرت ماذا يقول الناس في واه عني؟! فعادت إليّ شخصيتي القديمة وغدوت عصبية ومتهيجة، لأني تأكدت من أقوال الناس عني.. كيف أن هذه السيدة ذات الجاه والأطيان والممتلكات تعطف على مثل هذه الفلاحة وقد يتقاطر عليّ على أثر هذه المعاملة الرقيقة معها الكثيرون من البؤساء والمعوزين. بيد أنه كان لا مناص لي من تقديم هذه المساعدة لهذه المرأة المحتاجة. وتذكرت أنني وعدت الله أن أكرس كل ما لديّ له. وقبل أن تنصرف حدّثت إدارة المستشفى أن يقبلوا هذا الطفل المريض عندهم، وأن يساعدوا أمه بتقديم بعض المقويات لها. وطلبت من إدارة المستشفى أن تحاسبني عن كل هذه المصروفات.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
ولم أعد لأسمع عن هذه المرأة شيئا وسألت الخدام عندي إن كانوا يعرفون ماذا جرى لها، وإذا كان زوجها قد عاد إلى العمل. وكما هي العادة أن الخدام يعرفون الكثير من الخفايا التي نجهلها نحن، وكان الجواب مشجعا بأن المرأة ذهبت إلى المستشفى وقد عولج طفلها وأخذت بعض المقويات الجسدية، وأن زوجها قد تعافى وعاد يزاول عمله. وكنت في قلبي قد لمت هذه المرأة لعدم شكرها لي عما عملته تجاهها من خير وإحسان. لكن الله أنبني في ضميري، وقال: هل أنت تنتظرين شكرا على أعمال الرحمة والرأفة والإحسان؟! وها هو المسيح يقول: من عمل خيرا لأحد هؤلاء الأصاغر فكأنه عمله لي، وطلبت المسامحة من الله على تفكيري الخاطئ، وقلت أنني أزعجتك يا إلهي من كثيرة ما أطلبه منك من الغفران والمسامحة..!
والظاهر أنه في تلك الأيام كانت لي أوقات قليلة من النجاح في أن أمكث طويلا مع الله، وقريبة منه لأني كثيرا ما كنت أزوغ عن الطريق القويم وأعود إلى حياة العالم. وقلت في نفسي هل هذا هو المنهاج الذي يجب أن نسلكه نحن المؤمنين الحقيقيين؟! وها أنا كثيرا من المرات لا أصارح الله فيما يجب أن أعمله، وأبقي خططي مخفية عنه، فأرتكب أخطاء جسيمة أعود فأندم عليها، وأطلب من الله الغفران لأجلها.
وذات يوم ونورجان تمشط شعري إذا بعصفور صغير غريب يرفرف قرب النافذة. فصرخت انظروا ماذا بعث الله لنا هذا الصباح! وساد السكون برهة. ثم قالت نورجان بحياء: أنك يا سيدتي عندما تبدأين بالكلام عن الله تتغير هيئتك كثيرا. ويبدو أن هذه الملاحظة كانت لدى جميع من كان يسكن معي في المنزل. ووصلتني في ذلك اليوم كتب مقدسة مصورة كنت قد أوصيت عليها من مركز الإرسالية في إسلام أباد. وكنت قد اختبرت فائدتها من محمود، وكان الخدام يسرون بها، ويحبون رؤية الصور التي فيها. ففكرت أن أعطي نورجان نسخة منها. وذات يوم جاءت لتحدثني عما حصل لها. قالت ووجهها يطفح بالبشر والإشراق: أن هذه الكتب المصورة تخبرنا عن يسوع. قلت لها: وما أحلى أن يفتح المرء قلبه لهذا الملك السماوي ويسمح له أن يحل فيه. أجابت نورجان: لقد فتحت له أبواب قلبي. وقد جاء ليسكن فيه وأنا أشعر بالحب يملأه وبالسعادة تغمره. وهذا شعور لم أشعر به طوال أيام حياتي السابقة.
ولم أستطع أن أصدق ما سمعت فرميت بذراعي عليها وعانقتها معانقة أخوية. وقلت: هذا خبر سار يا نورجان! وقد أصبحنا الآن ثلاثة من المسيحيين في هذه الدار، ريشام وأنت وأنا. فلنفرح وتبتهج لأننا أخوات في المسيح. وشربنا الشاي معا ولم يكن هذه أول مرة أشرب فيها الشاي مع الخدام، ولم أكن لأعمل هذا قبل اهتدائي إلى المسيحية. وفرحت لأننا غدونا مسيحيات مؤمنات. وسررت في أعماق قلبي لأنني اكتسبت نفسا ضالة للمسيح. وقلت في نفسي، ماذا حدث لهذه السيدة بلقيس الشيخ التي تسكن هذا القصر المنيف والتي تتمتع بثروة كبيرة، وبأملاك واسعة، والتي كانت تحب الأثرة والانعزال ماذا جرى لها الآن وهي قد ولدت ولادة جديدة، وتسلك سلوكا متواضعا مع الخدام وعامة الناس. أليست هذه عجيبة من الله؟! أنا في الماضي كنت أصدر الأوامر وأتحاشى عِشرة الطبقات الوضيعة من الناس، وإذا رأيت غبارا على أثاث بيتي أو تأجر الطعام عن وقت ميعاده انفر في الخدام وأوبخهم. بيد أنني الآن قد خلقت خليقة جديدة، والله القدير هو الذي صنع هذا. هو أبي السماوي وأنا أشعر بشركة روحية معه، وأتمتع برضاه وأحظى بحضوره.
أنا لا أصبو أن أصبح قديسة بيد أنني بدأت أشعر بمسئولياتي المسيحية. وما دمت قبلت المسيح سيدا لحياتي ترتب عليّ أن أعمل أعمالا ترضيه، ولا تحط من اسمه. وقد علمني أن الأعمال هي التي تتكلم ولها تأثير أكثر من الكلام. وأخذت أتفهم معنى الشهادة الحقيقة للمسيح. وعندما لاحظت أن نورجان لا تحضر اجتماعاتنا المسائية يوم الأحد، سألتها عن السبب. فأمتقع لون وجهها اصفرارا وقالت وهي مذعورة، أنا لا أستطيع حضور اجتماعات عامة لأني متزوجة لرجل مسلم متعصب، ولديّ منه أربعة أولاد فإذا قلت له أنني غيرت ديني وتركت الإسلام فسيطردني من البيت ويطلقني حالا. فأخبرتها بأن المؤمن الحقيقي عليه أن يعلن إيمانه جهارا، إذ لا مناص من هذا. وتركتني نورجان وهي تقول بكلمات غير واضحة: أنا مؤمنة بالكلام لكن لا أستطيع أن أعلن هذا جهارا، أو أطبق ذلك علنًا.
وحدث بعد بضعة أيام أن ذهبت لأزور الأم راعوث، وكانت مبشرة في مستشفى العائلة المقدسة. وكنت قد تعرفت عليها وأخذت التذ كثيرا بأحاديثها. وإثناء الحديث قالت لي أن الكثيرين في الباكستان هم من جماعة المؤمنين بالسر مثل نورجان. وتعجبت كيف يمكن أن يكون مثل هذا، لأن المؤمن الحقيقي لا يستطيع أن يضع نوره تحت المكيال ويبقيه في الخفاء. بل عليه أن يجاهر به علنا. قالت الأم راعوث: لنذكر نيقوديموس فقد كان من المؤمنين لكنه ظل محافظا على إيمانه سرًا. ولنرجع لقراءة ما ورد في الإصحاح الثالث من إنجيل يوحنا عنه، ففتحت كتابي المقدس وقرأت عن ذلك الفريسي الذي جاء إلى المسيح خلسة في الليل ليخطي بمعرفة أوفى عن ملكوت الله. وكنت قد قرأت ذلك الفصل عدة مرات من قبل لكنني لم أتأكد أن نيقوديموس كان من جماعة المؤمنين بالمسيح سرًا. وعلقت الأخت قائلة، ربما كان نيقوديموس قد أعلن عن إيمانه بصراحة لكنه كما يذكر الإنجيل أنه كان حريصا. ألا يعرف بذلك الإيمان أخواته من الفريسيين..
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وفي اليوم التالي دعوت نورجان إلى غرفتي وقرأت لها ما ورد عن تيقوديموس وقلت لها: إني أعتذر لك لأنني سببت لك هذا الانزعاج الفكري. وإني أعتقد أنه مع الوقت سيظهر لك الرب الطريق الذي فيه ستعلنين إيمانك بالمسيح جهارا. وفي الوقت الحاضر من المستحسن أن تظلي حريصة على أن تصغي إلى إرشاد الرب وتسيري بموجب ما يوحيه إليك رب المجد. ولمع وجه نورجان من شدة الفرح، وقد زال عنها ذلك الارتباك الذي أزعج أفكارها، فأخذت تردد كلمات بعض الترانيم وتطلب من الله أن يرشدها لتعمل العمل الصحيح. وقلت لها: نحن لا تودّ أن تفرض عليك الأمور فرضا، بل تصرفي بموجب وحي الله وإرشاده، وكل شخص مسئول عن أعماله، والله ديان عادل بدين المرء حسب نواياه. وكنت قد اكتشفت الصعوبة التي تعترض أي شخص يريد أن يعتنق المسيحية في ذلك الجزء من البلاد.
وحدث ذات يوم أن دق جرس الهاتف. وكان المتكلم أحد أعمامي الذي خالفني بشدة لإعتناقي المسيحية. وظل مقاطعا إياي حتى صوته بصفة الأمر إذ قال: يا بلقيس أسمع أنك تعقدين اجتماعات مسيحية في بيتك، وتعملين على حمل غيرك لاعتناق المسيحية. أجبته: ربما كانت هذه وجهة نظري في الحياة! وتصورت وجهه يحمر من شدة الغيظ، وأوداجه تتضخم وبصوت خشن قال: ألا يكفي لك أنك اتخذت قرارات نابية بشأن معتقداتك! إنما المطلوب منك الآن أن تتركي أمر هداية الآخرين والتأثير عليهم. قلت: أستحسن أيها العم اهتمامك بهذا الأمر لكن لا تنسى بأن كل إنسان حر في أن يسير دفة حياته كما يشاء، فهو سيد نفسه وربان سفينه حياته. فأنت تسير كما تشاء، والمفروض أن أسير أنا بدوري كما أشاء.
وفي اليوم التالي كان سائق سيارتي الجديد يرجعني إلى بيتي بعد أن قمت بزيارة لابنتي توني وإذا برجل يعترض السيارة ويبغي إيقافها عنوة. ومن عادة هذا السائق أن يتوقف ليساعد بعض الركاب المقطوعين لكنه في هذه المرة لم يتوقف وقال لي لا تطلبي مني أن أقف هذه المرة، لأن ذاك الرجل الذي أعترض سبيل السيارة يضمر لنا شرًا. ولسنا ندري ما هو مزمع أن يعمل! وبعد أسبوع من هذا الحادث وكنت مستريحة بعد الظهر في غرفتي إذا بإحدى الخادمات تدخل عليّ وقالت هامسة: الرجاء ألا أكون قد أزعجتك يا سيدي! إنما عليّ أن أحذرك من أمر خطير. فأخي كان حاضرا اجتماعا صاخبا في جامع راولبندي البارحة، وسمع بعض الشباب يتذمرون من الأعمال التبشيرية التي تقومين بها، وقد أصروا علي أنه لا بد من اتخاذ أجراء صارم لإيقافك عند حدك. وأرتج صوت الخادمة من الخوف والاضطراب، وتابعت قولها بأنه يجب علينا أن نكون صريحين وحذرين. ونحن جماعة الخدام هنا نخاف عليك وعلى حفيدك محمود كثيرا.
وتراءى لي بعد أن سمعت عن هذه التهديدات أنه ربما كان من الأفضل لي أن أظل مؤمنة بالمسيح، ولكن لا أعلن ذلك جهارًا. ففي هذه البلاد وحتى بيت أفراد عائلتي، فذكر المسيح في عرفهم كفرًا، والدعوة إلى المسيحية زندقة. فلنكن حكماء كالحيات ولأجعل مسيحيتي أن تظل سرًا، وإن كانت أعمالي تُظهر بأنني مسيحية حقًا.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
مضي شهران منذ سمعت التقرير عن إنذار الشباب إليّ سوى تلك النظرات المعادية التي كان يوجهها إليّ أولئك الشباب المتعصبين. وبتّ متحيرة إن كانت هذه الإنذارات حقيقية أو إنها لا أساس لها. وأقترب عيد الميلاد، وهو ثاني عيد أحتفل به بعد أن اهتديت إلى المسيحية. وكان بعض الأفراد من عائلتي يزوروني إلا أن العلاقات مع العائلة ما برحت متوترة هكذا أفادني أحد أعمامي. وفكرت أن أقيم حفلة غداء أو عشاء عامة يوم عيد الميلاد، وأن أدعو إليها بعض الأقارب والأصحاب، عساي أستطيع تسوية العلاقات المتوترة بيننا، وإزالة روح العداء من نفوسهم. وقضيت بعض الوقت وأنا أعدّ قائمة المدعوين. وبعد أن فرغت من أعدادها وضعتها ضمن الكتاب المقدس. وفي اليوم التالي وكنت مزمعة أن أوزع الدعوات حصل أنه لما سحبت القائمة من طيات الكتاب المقدس أن وقع نظري على حفلة العرس المذكورة في الإنجيل. وقلت في نفسي: إن أقمت الحفلة وجعوت إليها أصدقائي وأقاربي الأغنياء فهؤلاء بدورهم سوف يدعونني إلى حفلة مماثلة، وكأنني ما عملت شيئا، لكن الأفضل أن أدعو لهذه الحفلة الفقراء والمساكين، والعرج والعمي، فهؤلاء يشعرون بالفرح الحقيقي لأن ليس لديهم الوسائل أو الإمكانيات لدعوتي. وسيكون لي ثواب يوم القيامة، ووقت الدينونة الأخيرة.
وسألت ربي: هل هذه هي إرادتك أيها الأب السماوي؟ وأمسكت الكتاب المقدس بيد، والقائمة الجديدة الحاوية على أسماء الفقراء والمساكين باليد الثانية، فإذا إصبع الله الخفي يشير إلى حفلة العرس التي ورد ذكرها في الإنجيل ولم يحضرها المدعوون من الإغنياء فأضطر صاحب الدعوة أن يدعو عامة الناس. فقلت يبدو أن هذه هي إرادة الله. وحوت القائمة الجديدة أسماء بعض الأرامل والأيتام والمعوزين والقرويين وحتى بعض المتسولين العائشين في بلدة واه. وبعثت هذه الدعوات بنفسي وكلفت الموظفين عندي أن يوزعوا البعض الآخر. وهكذا انتشر خبر هذه الحفلة. وعلمت أن القرية بأجمعها عازمة على الحضور.
وأخذت أفكر كيف استقبل كل هؤلاء الناس. وماذا يحل بالسجاجيد العجمية التي جلبتها مؤخرًا لغرفة الاستقبال؟! وكيف يصمد الأثاث أمام أقدام جماهير القرويين، وجماعة الفقراء والمتسولين؟! قلت أستطيع إزالة بعض الأثاث والمفروشات من الطريق، وبذلك أضمن عدم تلويث هذه القطع الثمينة من الأثاث والمفروشات.
وعندما بدأنا بتهيئة الهدايا تحمس حفيدي محمود للعمل، وكان قد بلغ الثامنة من عمره. فشرع يلف الهدايا للذين سيحضرون حفلة عيد الميلاد. وكنت قد جلبت قمصانا صوفية للأولاد، وفساتين ملونة للفتيات، وقطعا من القماش الأرجواني أو الزهري للسيدات، وسروايل سميكة للرجال، مع أنواع من الأحذية المختلفة الألوان والمقاييس. وأستغرق لف هذه الأغراض ضمن طرود بعض الوقت، وساعدني للخدام باللف، ومن ثم ربطنا كل هدية بشريط ففضي، وأعددناها لتكون جاهزة يوم الاحتفال بمولد ملك المجد، ذكرى لتقديم المجوس هداياهم للطفل يسوع مخلص العالم. وكنت قد طلبت من الفخاريين في القرية أن يعدوا لنا 500 سراج، كتلك الأسرجة المستعملة في الباكستان للإضاءة والتنوير، وطلبت من بعض النساء اللواتي توافدن عليّ أن يعدوا فتائل لها من خيطان قطنية. وإثناء عملنا كنت أنتهز الفرصة لأتحدث للعاملين عن يسوع المخلص، وعند إضاءة الاسرجة تحدثت عن مثل العذارى الجاهلات والحكيمات. وكانت الاستعدادات للحفلة قائمة على قدم وساق، والجميع مستعد للمساعدة والعمل.
وتقدمت نساء القرية لمساعدتي في صنع بعض الحلويات الباكستانية من الجوز واللوز، ثم زيناها بورق لامع وشفاف. وحين أقترب ميعاد الحفلة توافد الكثيرون إلى البيت، وظلوا يأتون طوال أسبوع ليتفرجوا على الزينات الجميلة، والاسرجة المضاءة، وليأخذوا هداياهم الميلادية. وقضى محمود وقتا ممتعا مع أولاد القرية. وكانت عيون هؤلاء الصبية تلمع من شدة الفرح بحفلة الميلاد. وظل محمود يرحب بالأولاد ويفسح لهم المجال الاشتراك في تلك المناسبة المجيدة. وانتهزت الفرصة لأتحدث مع القرويين كيف علّمنا يسوع أن نعامل بعضنا البعض بهذه الطريقة الحية وبروح المحبة، وسأل الكثيرون: هل فعلا أن يسوع كان يعاشر أمثالنا من الطبقات المنحطة من الناس؟ وكنت أجيب: ما نصنع الآن ليس سوى صورة مصغرة عما صنعه ابن الله مع بني البشر أمثالنا في سالف من الزمن.
وبعد انتهاء موسم العيد جلست لأنفّس عن عواطفي المكبوتة وأفسح بعض المجال لتأملاتي وخيالاتي. وسألت الله بخشوع إذا كان هذا ما يريده الآب مني؟ وأحسست بأنني أسمع صوته يقول لي: نعم هذا ما أريده أن تهيئي للملكوت الإلهي على هذه الأرض. وظل كثيرون من الفقراء يتذكرون هذه الحفلة المباركة يوم العيد. وفيما أنا جالسة أتأمل في الأحوال العامة للبلدة تذكرت ما سمعته من أحد الخدام، وكان قد حضر جنازة في بلدة واه أن زوجة الأمام ذكرت له بأنني ارتكبت خطأ فظيمًا بتركي دين الإسلام. ولكن أحد الحضور الذين سمعوا تذمرات زوجة الأمام قال: هل رأيتم هذه السيدة مؤخرًا؟ وهل أنتم تعملون مثل ما تعمله هذه السيدة من الإحسان وما تظهرة من العطف على المعوزين لا سيما بعد أن أصبحت مسيحية؟ وإذا كنت ترومون معرفة شئ أوفي عن الله تعالوا للاجتماع بها والتحدث إليها.
بيد أنه كانت جماعات أخرى في لبدة واه ممن نظروا إلى الحفلة الميلادية التي أقمتها بعيون شزراء، وبعدم الرضي. وسمعت من أحد العمال الذين يشتغلون في حديقتي أنه سمع حديثا عني، تلوكه الألسن من أنني أصبحت مشكلة لهم. وصرح البعض أنه لا بد من القيام بعمل حاسم لوضع حدّ لمثل هذه الأمور! ولشدّ ما بدأت تصلني إنذارات في بعض الأوقات المتقاربة أو المتفرقة، كلها تنذر بسوء المصير أن لم أرتدع عن أعمالي الخيرية والاجتماعية تجاه أوليك المنبوذين، وظلت هذه الإنذارات تتوارد عليّ بانتظام طوال ذلك العام.
ويبدو أن الله كان يحاول أن يهيئني للأوقات الصعبة، وللظروف القاسية التي تنتظرني. وجاء مرة ثلاثة من أولاد القرية إلى بيتي، وتصورتهم مبعوثين من الله إليّ لأنهم كانوا في حالة تدعو إلى العطف والشفقة، وقد تعوّد أمثال هؤلاء أن يجيئوا ليلعبوا مع محمود. وجاء محمود بعد أن فرغ من اللعب معهم وهو مرتعب وخائف وقال: أتعرفين يا أماه ماذا يقول هؤلاء الأولاد البسطاء؟ إنهم سمعوا أن بعض الناس في القرية يعملون الخطط لقتلك. وللحال بدأ بالنحيب والبكاء وقال: إن متِ فسأقتل نفسي!
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وماذا أستطيع أن أجيب محمود أو أعمل له في مثل هذه الحالة وكان قد بلغ الثامنة من عمره؟ وما أسرع ما قربته مني واحتضنته وعانقته؟ ثم مررت بأناملي على شعره، وحاولت نهدئة روعه، وأخذت أروي له ماذا حدث ليسوع في الناصرة بلدته، وكيف قام أهل تلك البلدة عليه ورغبوا في طرده، ورجموه بالحجارة لكنه اجتاز من وسطهم واختفى عنهم وأبوه السماوي لم يتركه فريسة في يد الأشرار وقساة القلوب. وهذه كانت إرادة الله أنه سمح بذلك, ولكنه في النهاية تقدم لمساعدته وإنقاذه. وهذا ينطبق عليّ وعليك يا محمود لأن لنا حماية تامة تحت جناحي الإله القدير والأب السماوي. وسأل محمود متلهفًا: أتعنين أننا لا نؤذى أبدًا ولا ينالنا شئ من الشر كالذي ذكره أولئك الأولاد؟ أجبت: لست أعني هذا إذ إن يسوع نفسه في النهاية تألم ولم يحصل ذلك إلا عندما حان الوقت لذلك. فعندما سمح الأب السماوي له أن يموت تقدم للصليب فداء عن كل خاطئ أثيم، وكان هذا بإرادة الله ونحن لا يترتب علينا أن نعيش أيامنا تحت كابوس الخوف الدائم، وضمن تصورات أن أمورًا فظيعة ومؤلمة ستحدث لنا بل علينا أن نعيش بثقة وبإيمان بأن مشيئة الله ستتم، وإن الله القدير لن يتركنا أبدًا!
وتطلع محمود إليّ ببراءة الطفولة، وقد أخذ الخوف يزول عنه، وما عتم أن أبتسم وأنطلق يعدو ويقفز ويتابع لعبه مع رفاقه. وليتني حصلت على هذه السكينة والاطمئنان التي حصل عليها محمود، وما أحلى براءة الأولاد وبساطة إيمانهم! وتركت غرفتي وأخذت أتجول في جنبات الحديقة وأنا حاملة الكتاب المقدس بين يديّ. ولم أكن مرتاحة البال أو فرحة، لأنني أخذت أفكر بمصيري إذا طردوني من بيتي. وهذه الفكرة بدأت تعكر عليّ صفاء الحياة. وكان الفصل خريفًا، والطقس جافًا، وكنت وأنا أسير في الحديقة أسمع صوت الأسماك عندما تقفز في الغدير الجاري، أو زقزقة الطيور على الأشجار، واقتراب أسراب منها إلى البيت. وكانت الأزهار ما زالت تفوح بعبيرها وتنشره فوق ذلك المكان. وتنفست الهواء العليل المنعش وقلت: هذه بلادي! وهذا شعبي! لقد خدمت عائلتي هذه الأمة طوال سبعة قرون وهذه البلاد بلادي وأنا لا أستطيع أن أفارقها. هذه كانت مشاعري تجاه موطني وبلادي، إنما حدثت أمور كانت خارجة عن نطاق سيطرتي مما اضطرتني بعد ذلك أن أفارق هذا الفردوس الأرضي الذي نشأت وترعرت فيه. إن أمورًا حاسمة وظروفًا شاذة اضطرتني لترك هذا التراث المجيد رغم تصميمي بأن أظل قريبة منه، وسيدة لقصري وممتلكاتي.
وجرت في الباكستان عام 1970 انتخابات عامة، وكان قد مرّ على اهتدائي للمسيحية أربعة أعوام، وكان أولا انتخاب للبلاد بعض التقسيم، الذي فيه نالت البلاد استقلالها. وظهرت الجبهة الوطنية كأكبر حزب سيأسى على مسرح الانتخابات. ولم يكن معظم اصدقائي أعضاء في ذلك الحزب. وكان الشعار الذي اتخذته تلك الجبهة لباكستان هو: الإسلام ديننا، والديموقراطية سيأستنا، والاشتراكية اقتصادنا. وبالطبع فالشعب الباكستاني بعد الاستقلال أخذ يشعر بإحساس جديد، وبيقظة واعية. والرجل العادي أخذ يشعر أن له حقوقًا في الانتخابات ومسئولا عن أمور دولته. ولقد أحببت هذه الروح الجديدة التي دبت في عروق هذه الأمة الناشئة لكن شيئا ظل يخيفني وهو أن هذه الشعارات ستشحذ همة المتعصبين، وتقوي فيهم تعصبهم للإسلام، لا سيما وأن الحكومة التي دينها الإسلام ستدعمهم. وهذه الاشتراكية لم تكن لتتمشى مع تقاليد عائلتنا. ولكوني لم أعد مسلمة فهم سينظرون إليّ بأنني خائنة.
وأخذت أراقب الأحوال السياسية وتطوراتها عن كثب. وجاء ذاب يوم لعندي صديق قديم كان لوالدي، ورغم يأسه واسفه لأنني تركت الإسلام وديني القديم فأنه ظل قريبًا مني وصديقًا مخلصًا لي. وكان يكرر مثل هذه الزيارات لي ليرى إن كنت بخير أو أحتاج إلى مساعدة. جاء هذا الصديق من بلدة سردار وجلس بالقرب مني على الديوان الحريري وشربنا الشاي معا، وقد أخبرني إثناء الحديث أن الجبهة الشعبية هي التي فازت في الانتخابات، وذكر لي إسم زعيمها ذي الفقار علي بوتو. قلت: إنني أعرف هذا الزعيم جيدا. وسأل: إن كنت أتابع قراءة الصحف أو سماع أخبار الإذاعات؟ وقال لقد تغير وضع الحكومة الآن وأشك أن كنت تستطيعين الاعتماد على القادة الجدد الذين تسلموا إدارة دفة البلاد. وقد ضاع الزمان الذي كان لك فيه نفوذ في الدوائر العليا من الحكومة.
وبعد هذه الزيارة من ذلك الصديق المخلص القديم أدركت أن شيئا جديدًا قد حصل في البلاد. وكان الله أراد أن يوحي على لسان هذا الزائر الآن أن أعدّ نفسي لقبول الفكرة بأن أصدقائي القدماء، الذين كنت أتوقع منهم عونا أو حماية، قد زالوا ولم يعد لهم ذلك النفوذ في الدولة الجديدة. ومعنى ذلك أنه ترتب عليّ الاعتماد بالكلمة على الله. وقد مضى بعض الوقت عندما بدأت أتحسس روح العداء التي أخذت تتكون ضدي. وقد بدأت أتلمسها في عيون الناس عندما كنت أسير في شوارع بلدتي واه. وظهر تغيير في معاملة صغار الموظفين عندما كنت أتحدث إليهم عن أمور الضرائب على أملاكي. ففي السابق كان أولئك الموظفون يكلمونني بلطف، ويحنون رؤوسهم احتراما لي. أما الآن فقد تغيّر الوضع كثيرا عندما كنت أحدثهم صاروا يتجاهلون وجودي ويشيحون بوجوههم عني، ويتطلعون إلى الأفق البعيد وكأنهم يراقبونه. وكنت أعلّق على هذه الحالة بقولي: إن سلوكنا يشبّه سلوك الأولاد الجهلاء لا الناس الناضجين والرجال الحكماء.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
لم يكن للحكومة الجديدة والأوضاع المستحدثة في الدولة تأثير كبير على المستخدمين عندي في البيت. فمعظم الخدام كانوا من المسلمين، عدا ريشام التي كانت مسيحية ونورجان التي بدأت تشعر بالفرح والسلام القلبي لأنه بدأت تعرف طريق المسيح. وفي كثير من المرات قال لي الخدام المسلمون: لا تضطربي بشأننا يا سيدة! فإذا قررتِ أن تتركي البلدة ففي سمعنا أن نجد لنا أعمالا جديدة بسهولة. وغدت العلاقات مع الموظفين الذين يعملون عندي تختلف عما كانت عليه قبل أربع سنوات، ولا عجب في ذلك فأحوال البلاد تغيرت وعالمنا تطور والباكستان استقلت.
ولعبت الأحلام دورا هاما في حياتي لا سيما تلك الأحلام التي مهدت لاختباراتي المسيحية وظهور الله الأب السماوي لي. وما زلت أتذكر كيف أني التقيت بالمسيح الأول مرة عن طريق الحلم إذ تراءى لي هذا السيد يجلس معي على المائدة وتناولنا طعام العشاء سوية. وما أسرع ما غدت هذه الرؤى والاختبارات الصوفية فعالة في حياتي. ففي أحد الأيام وجدت حالي محمولة بالروح، ومجتازة الأوقيانوس، وشعرت أنني انتقلت بسرعة مثل سرعة البرق إلى ولاية إنكلترا الجديدة في الولاية المتحدة، ومع أنني لم أكن قد زرت أميركا أو معالم العالم الجديد قبلا، إلا أنني وجدت نفسي أقف أمام بيت للتمريض ودار إيواء العجزة والمسنين. ولما وخلت تلك الدار وجدت في إحدى غرفها سيدة في منتصف عمرها، وجهها مستذير، وعيناها زرقاوان، وشعرها يخطه سواده الشيب، وكانت مضطجعة على سرير مغطى بغطاء قطني جذاب المنظر، وكانت تلك السيدة مريضة وعلمت أنها مصابة بالسرطان. وبالقرب منها جلست ممرضة تقرأ لها بعض القصص المسلية. وفيما أنا في تلك الغرفة تراءى لي سيدي الرب واقفًا في إحدى الزوايا. فركعت وسألته ما هو المطلوب مني أن أعمله. أجابني صلي من أجل هذه المريضة فاقتربت من السرير وصليت بحرارة من أجل شفاء تلك السيدة المريضة. وعند الصباح أفقت من حلمي وبتّ مذهولة من ذلك الحلم الذي حملني عبر البحار.
وسألت نفسي لما طلب مني السيد الإله أن أصلي من أجل تلك السيدة المريضة ما دام هو حاضرا في الغرفة؟ وإذا بالوحي الإلهي يذكرني بأن صلواتنا أمر ضروري وحيوي. لأن ذلك الإله يعمل بواسطتها. وقادني هذا الحلم إلى مراجعة الإصحاح الخامس من رسالة يعقوب الرسول حيث يقول: إن صلاة الإيمان تشفي المريض (15:5) وحقا أن الصلاة تولد قوة في الشخص الذي نصلي من أجله. ومرة أخرى حلمت أني أسير على ممر خضبي لأصل إلى مركب. وعندما دخلت إحدى غرف المركب رأيت المسيح واقفا هناك. وأشار لي بيده إلى العودة على الممر الخشبي وهناك رأيت سيدة ترتدي ملابس غربية تنتظرني. فاقتربت مني وأمسكت يدي، واقتادتني بعيدا. وسألتها: إلى أين؟ وأين المصير النهائي؟ لكنها لم تجب ولم أحصل على أي جواب منها. وكأن هذه الرؤيا شاءت أن تنبئني بأني سأذهب في رحلة إلى مكان مجهول. وكأن هذه الأحلام كانت تمهد إلى تغيير في أوضاعي وتجعلني على استعداد لأن أتقبل فكرة مباركة دياري، وألا أفزع عن الأخبار التي أخذت تتوارد عليّ من تغيير الأوضاع في ظل الحكم الجديد للباكستان.
وجاءني عام 1971، وكان ذلك بعد تسلم الزعيم بوتو زمان الحكم ببضعة أشهر، أن زارني صديق قديم باسم يعقوب. وكان هذا مقربا ن عائلتنا لعدد من سنين. وفي الوقت الذي كان فيه زوجي وزيرا للدولة عانت البلاد أزمة اقتصادية وتقصا في الميزان التجاري. وعند ذاك فكرت مع ذلك الصديق يعقوب أن نبدأ مشروعا لتحسين الأحوال. فبدأنا بمشروع يساعد الإنسان فيه نفسه بنفسه، وسميناه: (مشروع العيش البسيط‘. والفكرة الأساسية في ذلك المشروع هي تشجيع الصناعات الوطنية، وأن يعتمد المواطنون على الإنتاج المحلي والصناعات المحلية، والعمل على التقليل من التوريد الأجنبي. ومن أجل ذلك أخذنا نجوب القرى والأرياف نشجع العمال على نسج الأقمشة بالأنوال، ودعونا الجماهير لاتخاذ برنامج تقشفي للحياة. وقد بدأنا نحن بتطبيق هذه البرامج. وسرعان ما انتقلت العدوى للآخرين وهكذا كتب لمشروعنا النجاح والازدهار. وعلى الأثر أخذت الحالة الاقتصادية تتحسن، والمصانع المحلية يزيد انتاجها، وبفضل مشروع العيش البسيط ارتفع مستوى المعيشة، وازداد مدخل البلاد.
ولمدة سنة من ذلك العهد ظل يعقوب يزورني وكان يحدثني عن الشؤون العائلية، والسياسة الدولية، وأحوال الحكومة، وعن المشاريع الجديدة التي أخذت بلادنا الناشئة تستهدف إليها. ولكون يعقوب قد تجول كثيرا، فإنه يعرف ما لنا من ثروة متجمدة وما لنا من ثروة مسجلة في الأطيان والعقار في شتى المقاطعات الباكستانية. ومرة قال لي: يا سيدة بلقيس! هل فكرت في بيع قسم من ممتلكاتك إذ ليس من المستحسن أن تجعلي كل ثروتك في الأراضي والممتلكات، ومن المستحسن أن تحصلي على نقود، فهذه السيولة في النقد ستكون نافعة لك لا سيما وان الزعيد بوتو يفكر بأجراء بعض الإصلاحات في توزيع الأراضي. وكانت خطوة جريئة من يعقوب أن يفكر في أموري، ويقدم لي هذه النصائح المفيدة. وخشيت علية من الانتقاد والملاحقة ن قبل الحكومة لتردده علي. فشكرته على زياراته وقلت له أنا مصممة على البقاء في بلادي. ولا قوة تستطيع أن تجبرني أن أترك موطني أو تجردني عن ممتلكاتي.
هكذا كانت بلقيس القديمة تبدو بروحها المتمردة وأفكارها المتصلبة، وسلوكها العنيد. وهذا الوضع لم يكن مستهجنا لدى يعقوب لأنه كان يعرفني معرفة جيدة. وقال لي عند ذاك: سيأتي يوم فيه تفكرين بترك هذه البلاد، وتذكري وعدي باستعدادي لمساعدتك دوما. وشكرته على وعده بالمساعدة وقلت له: إذا استدعت الشرورة لأن أطلب مساعدتك فتأكد يا صديقي بأني سأذكر وعدك الصادق هذا واستعدادك لمساعدتي. وسوف آتى لطلب العون منك والمشورة من لدنك.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وحلمت ريشام حلمًا وجاءت ترويه لي وهي تذرف الدموع وقالت: ربما تعذّر علي أن أرويه لك. أجبتها، وهي راكعة أمامي وأنا جالسة على الديوان في الغرفة، تكلمي وسأصغي لك باهتمام. قالت الخادمة: رأيت بعض الأشرار يفدون على هذا البيت ويلقون القبض عليك. وعلى الأثر صرخت اهربي يا سيدتي! وشاهدتك في منامي وأنت تركضين، وتتخلصين من هؤلاء المعتدين. وامتلأت عينا ريشام بالدموع، فأخذت اعزيها، وخلت نفسي وأنا أصغي إلى تفاصيل هذا الحلم وإلى الكلمات التي تقوهت بها ريشام أن هذا كان نذيرا لي من الله، ونصيحة يتوجب علي الأخذ بها لعمل الترتيبات لدرء الإخطار المتوقعة. وأخيرا قلت: لقد سمعت الكثير يا عزيزتي ريشام من الله عن إمكانية ضرورة التأهب لترك المكان والهرب من وجهه هذه الإخطار. وفي بادئ الأمر لم أكن أصدق ما تراءى لي لكني الآن بعد سماع حلمك الغريب هذا بدأت أفكر جديا في المسألة. وقلت في نفسي هل هذا ممكن أن يحدث لي؟ وهل أجبر أخيرا على ترك هذا الوطن ومباركة هذه الديار العزيزة علي قلبي؟! ولا شك أنه يترتب أن أقبل ما رتبه الله لي، وأستسلم لمشيئته الربانية!
وصمتت ريشام برهة وقد هدا روعها قليلا وقالت: ما أعجب الطريقة التي تعيشينها يا سيدتي إذ تسلمين أمورك لله وتضعين دفة حياتك في يديه، قلت لها: إنها الطريقة الوحيدة التي يمكن للمؤمن أن يتخذها. فكل شئ مرتب من قبل الله ولم يعد شئ تحت سيطرتي. ومع أني صدقت ما قالته ريشام وما تراءى لها في ذلك الحلم المريع، غير أنني لم أستطع السيطرة على عواطفي. وبدأت أفكر جديا في الهرب وأخذ الترتيبات اللازمة للفرار ومباركة هذه الديار.
وفي خريف عام 1971 دخلت على نورجان وهي منفعلة في عواطفها، وكانت قادمة لتمشط شعري كعادتها فسألتها: ماذا جرى يا نورجان ليجعلك مضطربة وخزينة. وللحال أخذت تبكي وتصرخ أنا لا أريد الأذى لك يا سيدتي! ثم أخذت تسرد لي ما سمعه أخوها في جامع البلدة في اليوم السابق إذ صرح بعض المتعصبين من المواطنين أن الوقت قد حان لاتخاذ إجراءات ضدك، وقد نعتوك بالكافرة والمرتدة! وسألتها: هل صرح هؤلاء عن نوع الإجراء الذي سيتخذونه؟ قالت: لا، وأصبحت أخشى مما قالت نورجان: لا سيما وهذه البلاد قد تغيرت أوضاعها ولم تعد كما كانت عليه قبل خمس سنوات.
قلت في نفسي إن حلم ريشام المريع، وما سمعته نورجان عن حديث الشبان المتعصبين هي من سلسلة الإنذارات التي أخذت تمر عليّ في هذه الأيام. والأفضل أن نكون حريصين، ونتخذ الاحتياطات الضرورية لدرء هذه الإخطار عنا. وفعلا فأنه لم تمض أكثر من بضعة أسابيع حتى ترضت لبعض الفواجع الأليمة. إذ حدث في يوم من أيام خريف الجميلة، وكانت الرياح الموسمية قد هدأت، ولهيب الصيف قد انتهى أن قلت لأنزلن إلى الحديقة مع محمود لنمتع الإنظار في عمل الله في هذه الطبيعة الجميلة حولنا. كان الطقس مؤاتيا ولم تحصل أمور مفاجئة في البلاد. قلت نحن الآن في عام 1971 لا في عام 1571 حيث كان الحروب الدينية مشتعلة، ونحن نعيش في عصر جديد. عصر النور والحرية. وتناولت كتاب الله واصطحبت محمود معي للنزهة في الحديقة. وفي الوقت الذي وطئت فيه أقدامي أرض الحديقة شممت رائحة حريق لأغصان الصنوبر. وكان المعروف لدينا أنه لا يجوز لأحد أن يحرق شيئا من النفايات أو الأغصان الجافة جافة ممتلكاتي. وذهبت لأفتش عن البستاني، وما أن جئت خلف البيت حتى رأيت الخدام في رعب واضطراب. لقد شاهدت كومة كبيرة من أغصان الصنوبر موضوعة قرب باب البيت وقد أشعلت النار فيها، وكان اللهب قويا، والدخان متصاعدًا، وكادت النار أن تصل إلى أعلى البناية، وتصيب السقف، فصرخت للعمل على إطفاء تلك النار المشتعلة.
وهرع الخدام حاملين السطول التي كانوا يملأونها من ماء الغدير المنساب في الحديقة، وسلّط بعضها خراطيم الماء التي اعتدنا إن نسقي بها الأزهار وباقي النباتات. ثم أصطف الخدام صفا متراصا وهم يتناولون السطول الملأ بالماء. وخشيت أن تصل النار أخشاب السقف فتأتي عليها ويسقط البيت طعمة للنيران المتأججة. وأخذنا نقارع الزمن ونعمل بكل ما أوتينا من قوة لإطفاء تلك النار. واستغرقت عملية الإطفاء قرابة الساعة من الزمن. وفي النهاية استطعنا بهذه الجهود المتضامنة أن نسيطر على النار المشتعلة. ووقفنا حول النار مذهولين ومرعوبين، لأنه لو تركت النار بضع ساعات أخرى لكانت قد أتت على البيت وأحرقته. وحدجتني نورجان بنظرة خفية وكأن لسان حالها يقول: لقد نفذ الشبان المتعصبين ما ضمروه من شر لنا، وما اختطوه من ضرر لسيدة هذه الدار!
شكرت الله بأن لا شيئ خطير حدث. نعم لقد اسودت الجدران البيضاء من الدخان، ونالت أخشاب السقف شيئا من الاحتراق لكن لا شئ أخرى خطير قد حدث. وأخذت أحسب ألف حساب لو إن البيت قد احترق. وقلت أن دافعا من السماء هو الذي دفعني أن أنزل إلى الحديقة، في تلك الفترة الرهيبة من بداية الحريق. وبعد ساعة جاءت الشرطة لأجراء التحقيق وأخذ الإفادات، وتدوين ما حدث. وأما أنا فرجعت إلى غرفتي وفتحت كتابي المقدس لأرى إن كان لدى الله في كتابة العزيز شيئا خاصا يكلمني به على لسان أنبياءه فوقع نظري على ما هو مدون في سفر التكوين (22:19) إذ يقول: "اسرع اهرب إلى هناك لأني لا أستطيع أن أعمل شيئا حتى تجئ إلى هناك". وقد تكون هذه إرادة الله لي أن أهرب من وجه الإخطار المحدقة بي. وقلت كل ما ابتغيه منك يا إلهي هو أن ترشدني إلى الطريق الذي يتحتم عليّ سلوكه، وهل تريدني حقا أن أترك البلاد! وهل ذلك الطريق صعب أم سهل؟ لقد أتجرد عن كل ما أملك، ولست أدري إن كان هذا التجرد سيشمل الصبي محمود؟!
وفي شهر مايو عام 1972, أي بعد مضي ستة أشهر من الحريق المفتعل في منزلي تكلم الله بحلم آخر. ولشد ما جاءت ريشام في أحد الأيام تقول: أرجوك يا سيدتي أن تتفقدي نقودك وتري إن كان صندوق النقود في أمان. وقد بدأ القلق يرتسم على محياها، وأشارت بيدها إلى الصندوق القوي الذي كنت أختزن فيه نقودي. أجبتها: ما الذي حملك على هذا السؤال فالصندوق في أمان تام. قالت: لقد حلمت الليلة الماضية أنك مسافرة، ومن عادتك أن تحملي الصندوق معك أن أوقفك بعض الأشرار وأخذوا الصندوق منك عنوة. وهنا بدأ الاضطراب على وجه ريشام فبادرت إلى تهدئة روعها، وقلت في نفسي: إن فقدان الإيمان ربما يقربني أكثر من إلهي، ويجعلني أعتمد بكليتي على أبي السماوي.
وسرعان ما شغل بالي حلم ريشام، وكانت قد ذهبت لمتابعة عملها أما أنا فبدأت أفكر في معنى الحلم، وهل هذا حلم نبوي يريد أن ينبئني إلى ما سيحدث في المستقبل؟ وهل معنى ذلك أن أموالي ستؤخذ، وأملاكي ستصادر مني؟ وهل أترك في هذه الدنيا بدون مال أو سند؟ وفعلا فإن تلك الأيام كانت أياما مريعة، والحكومة الجديدة تتخذ إجراءات جديدة. وتقوم بمصادرة الأراضي الواسعة التي يملكها بعض الإقطاعيين وكبار الملاكين.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وفي شهر يوليو من ذلك العام قدم ولدي خالد من لاهور ليزورني فقلت: ما معنى هذه الزيارة المفاجئة؟ فالطقس حار، والحرارة لاهبة في الصيف، ولم يخبرني بأني سيجيء فهل من سبب طارئ؟ وللحال فاتحني خالد عن سبب مجيئه، إذ قال هناك إشاعة بأن الحكومة سوف تصادر كثيرا من الأملاك الشخصية. وعلى الأثر فكرت بما ذكره لي صديقي الموظف في الحكومة قبل سنة أي في عام 1971. وكأنه تنبأ عما سيحدث. وتابع خالد حديثه وقد أخذ يتكلم بصوت منخفض هادئ كيلا يثير أشجاني ويزعج عواطفي: إن الزعيم بوتو بدأ يصدر قوانين جديدة منها ما يتعلق بالأراضي وبمصادرة بعض ممتلكات أصحاب الأطيان الواسعة. وسألت ابني: ماذا تظن يا ولدي يجب أن أعمل؟ وهل تعتقد أنهم سيطاردون الكثير من ممتلكاتي؟ وللحال نهض خالد عن الكرسي الذي كان جالسا عليه، وأخذ ي يذرع أرض الغرفة ووقف قرب النافذة وهو مستغرق في تفكيره ثم التفت إليّ وقال: لا أحد يعرف ما سيحصل يا أماه! ولكن ربما كان الأحسن لك أن تبيعي بعضا من هذه الأملاك الشاسعة، وفي وسعك أن تقسمي الأطيان إلى قطع صغيرة تبيعينها إلى صغار الملاك. وبهذه الطريقة يكون المالك الجديد محميا من مصادرة الحكومة لأرضه. ففكرت في الرأي الذي قدمه خالد، وقلت ربما يكون هذا أحسن طريق نتبعه وأفضل سبيل نسلكه.
وعلى الأثر توجهنا لنتباحث في هذا الأمر مع ابنتي توني، وتم الاتفاق بيننا الثلاثة أن هذه أفضل طريقة نتبعها. وقررنا أن يعود خالد إلى لاهور، ويبدأ بأعداد أوراق تسجيل الأراضي، والاتصال ببعض العملاء الذين مهنتهم بيع الأراضي والممتلكات. وأخذنا اهبتنا للذهاب إلى لاهور توني وأنا، واصطحبنا محمود معنا خشية أن نتركه وحده في بلده واه. وعندما تركت حديقة منزلي بتّ مشدوهة ومضطربة إذ كيف أترك هذه البقعة الجميلة من الأرض، وكانت براعم الأشجار والأزهار تملأ الروض. وتدفق ماء الغدير بغزارة، وطربت لحفيف الأوراق، وصوت الماء الجاري ومنظر الطبيعة الساحر في تلك البقعة من الأرض العزيزة على قلبي، وقلت كيف أفرط بهذه الأملاك التي هي جزء من نفسي؟! وكنت قد أخبرت الموظفين بأننا سنعود إلى واه بعد بضعة أسابيع لذلك اطمأنت نفسي إلى فكرة العودة، وعدم فقدان هذا الفردوس الأرضي! وجاءت ريشام ونورجان ليودعاني، وقرأت في عيونهم ما وددن التحدث به عما سمعتاه وحلمتا به. وودعنني والدموع تسكب من على خدودهن وقالتا: الله معك يا سيدة!
لقد كانت لغة السكون أبلغ من لغة الكلام ساعة الوداع. وأحسست بشيء داخلي ينبئني بأني ربما لا أرى ريشام الخادمة الأمينة المخلصة مرة ثانية، وكنت قد ارتبطت بها برباط المحبة الوثيقة، وبالرغم من كونها خادمة إلا أنها كانت مخلصة وأمينة وقد تعودت على تمشيط شعري، وتهيئة ملابسي، ففقدانها خسارة كبيرة لي. ولم تستطع أن تراني أبرح واه ومنزلي ووطني، لذلك هي توارت عني، وحبست نفسها في مكان منفرد لتعبر فيه عن عواطفها المكبوتة بالبكاء والنحيب.
وقبل مبارحتي المنزل ذهبت لأغلق باب غرفة النوم، وكان السكون قد خيم عليها، وأشعة الشمس تغمرها، فتذكرت أنه في هذا الركن الأمين من البيت تعرفت على الله، وقرب نافذة غرفتي ظهرت لي الرؤيا السماوية. ففي هذه الأركان المقدسة من البيت، وفي تلك الجنبات عزيزة من الحديقة ظهر لي مجد الله عدة مرات، وهو الذي هداني إلى معرفة أبي السماوي. لقد تحدثت ذلك الأب إليّ مرات عديدة وأرشدني إلى الطريق القويم الذي يجب أن أسلكه في حياتي.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
نحن الآن في عام 1978، ويكون قد مضى عليّ في هذه البلاد سنة أعوام، وأنا أرى موطني يتلاشى في الضباب. لقد كانت معرفتي واضحة بأني لن أرى بلادي مرة ثانية. ولن أعود إليها بعد الأربعة أشهر المزعومة فقط. ولأسباب عديدة مددت تلك الزيارة التي كان مفروضا فيها أن لا تطول أكثر من أربعة أشهر. فأصدقائي في باكستان حذروني أنه من الأفضل لسلامتي أن أبقى في العالم الجديد. ومحمود الذي كان في التاسعة من عمرة قد بلغ الآن الخامسة عشر وأصبح في ريعان شبابه، واتخذت له في أميركا اسما جديدا حيث أصبح يعرف باسم داود. وخشية أن يختطف أرباب الشر هذا الصبي الناشي مني أثرت أنأ أظل بعيدة عن بلادي. وبعض المسؤولين في دولة باكستان من الذين يغارون على مصلحتي نصحوني بعدم العودة إلى البلاد. وقد سمعت عن قرارات المؤتمر الإسلامي العالمي الذي أنعقد عام 1976 ومن بعض هذه القرارات وجوب انسحاب الإرساليات المسيحية، وأغلاق المؤسسات التبشيرية ومحطات اذاعاتهم. ودلت أمثال هذه التطورات أنه ليس من المستحسن عودتي، وأن روجوعي إلى العالم القديم ليس مستحبا أو مستحسنا.
وعلاوة على ما ذكرت فقد أوضح الله لي بطرق مختلفة وبظهوره النوراني لي أن أبقى في أميركا، لأنهم يحتاجون إلى سماع شهادتي في الولايات المتحدة. وقد أرادني الرب أن أتكلم عن الأعباء التي تواجهها الكنائس وأنه لا بد من فصل الخراف عن الجداء. وإن الدينونة باتت وشيكة. وقلت هذه إرادة الأب السماوي لي. لكن من أنا لأقوم بهذه المهمة الخطرة؟! فليست وظيفتي أن أخبر الآخرين عن نقائصهم، لا سيما وأنني زائرة لهذه البلاد الراقية، وأنا من المسيحيين المستجدين، فمن أنا لأعظ وأرشد أولئك الراسخين في إيمانهم، والعريقيين في مسيحيتهم؟! فرجوت الله مرارا أن يدلني لماذا أرادني أن أعمل كل هذا؟!
وكان جواب الله على سؤالي أن تطلع إلي بعينين حزينتين تنم عن اهتمامه بحالة الكنائس والنفوس، وأحياء الحياة الروحية في الإنسان العصري. وعلى الأثر جثوت على ركبتي ووعدت ربي أن أطيع أوامره وأنفذ إرادته. بيد أنني لكوني إنسانا ضعيفا بقيت مترددة. وأخذت أسائل نفسي: أحقيقة هذه الدعوة موجهة لي من الله أبي السماوي؟! وقلت ما دمت يا إلهي قد حملتني بالروح إلى قربك فلا شئ في العالم سيقف في طريقي أو أية صعوبة ستعترض سبيلي. فسأعمل جهدي في نشر الأخبار السارة عن المسيح، وسأظل تلميذة وفية لذلك السيد العظيم. وتحقيقا لآمالي عندما لامس رأسي الوسادة ذات ليلة، إذا بي أنقل بالروح ورأيت ضوءًا عظيما يغمرني، فقلت هذه مسحة الروح من ربي وإلهي. وكان نداؤه لي واضحا وجليًا، إذ أمرني أن أمجد اسمه، وأن أتحدث عن رحمته ومحبته لأعضاء الكنائس، وللجماعات الأخرى في كل مكان، وأن أؤدي شهادتي المسيحية بوضوح للإنسان الحديث العائش في أرقى دولة من بلاد العالم.
ولشدّ ما تحققت جميع الرؤى التي تراءت لي في الماضي وفي بلادي, باكستان ، وتمت هذه الأمور التي تمثلت أمام نواظري للمستقبل. وفي الولايات المتحدة شاهدت الحياة الحقيقة للشعب الأمريكي وكيف يعيش في بلاده، وكيف يتعبد في الكنائس. وكل ما تراءى لي من أحلام وروى قد تحقق، وكان هذا تأكيدا لإرشادات الأب السماوي لي. وربما كان أكبر تأكيد لي ما سمعته من زوجة الفس هرلد ولد، وهي مع زوجها ترعى كنيسة المنارة للإرسالية في بورتلند أورغون. فقد كتبت تلك السيدة متحدثة عن رؤيا حصلت لها قبل عشر سنوات وهو يواكب التاريخ الذي ظهر لي فيه الأب السماوي لأول مرة في الباكستان. كتبت تقول: بينما كنت أصلي في غرفتي فإذا قوة الله تهبط عليّ فجأة، فشعرت بأن قدمي لم تعودا تلمسان أرض الغرفة. وتراءى أمامي منظر جميل، إذ ظهرت سيدة شريفية تلبس الساري ولونها يميل إلى السمرة. وعرفت من هيئتها وزيها أنها من سليل طبقة النبلاء والأشراف. وتطلعت إليّ مدة وهي ساكنة، وقد أدركت أنه عندما أجتمع بهذه السيدة أستطيع أن أميزها جيدا. وعندما جئت إلى كنيستنا لتؤدي شهادتك لنا عرفت أنك أنت هي السيدة المعنية التي تراءت لي في تلك الرؤيا المجيدة الخالدة.
والغريب من أمر حياتي أنني أعيش في هذه الأيام منتظرة ما يريده الرب لي. وكل ما أعرفه يقينا أن الله يريدني أن أشهد له بأمانة وإخلاص. والأمر الثاني الذي يشغل تفكيري هو أن أعبر عن الحرية التي يتمتع بها الأمريكيون في بلادهم. فلديهم حرية تامة في الدين والمعتقد. وهم أحرار فيما يعبدون. وهذا يشجعني من أجل الصلاة لبلادي لتسود الحرية الدينية فيها. وإن كنت لا أستطيع الشهادة لأهل بلادي لبعدي عنهم، لكني انتهز كل فرصة مواتية للشهادة لمن أجتمع بهم من بلادي عن يسوع المخلص الفادي. ولقد زارتني في هذه الديار ابنتاي توني وخالدة. وزارني ولدي خالد أيضا، فتحدثت إليهم عن المسيح وتكلمت لهم بحرية تامة عن فدائة للإنسان بموته على الصليب من أجلهم. وإن كنت لا أرى باقي الأصحاب والأقارب الذين هم في الوطن، إلا أنني ما زلت أواظب على الصلاة من أجلهم بانتظام، داعية لهم بخلاص نفوسهم. كما أنني أصلي من أجل إخواننا المسلمين الذين هم قريبون من الله، ويعتقدون أنهم يخلصون عن طريق الأعمال الصالحة وحياة البر والإحسان، فأعبر عن الإيمان، وأدعو لهم أن يعرفوا المسيح الذي هم مخلص الأنام والرب الفادي. وأطلب من الله أن يهدي قلوبهم ليتسنى لها الالتقاء بهذا السيد العظيم، والمخلص الفادي قبل مجيئه الثاني.
وبنوع خاص أنا أفكر فى نورجان وريشام وباقي الأخوة المسيحيين المقيمين في العالم القديم، وفي تلك البقعة من الأرض المعروفة بباكستان. فإني أفكر فيهم دائما، وأقلق على مصيرهم. وإني على مثل اليقين أن الله معهم ولن يتركهم. فهو القائل في إنجيل يوحنا 18:14 "لا أترككم يتامى أني أتي إليكم.."
ولشد ما غدا هذا العالم وممتلكاته لا يعنيان شيئا لي، لا سيما عندما عرفت أنني لن أعود إلى بلادي. ولقد كتبت لأفراد عائلتي أن يتصرفوا كما يشاؤون بأثاث بيتي وبمفروشاتي. ويشق عليّ بنوع خاص التفريط ببعض التذكارات الثمينة التي توارثتها عن أمي وجدتي، كما أنني أهوى السجاجيد العجمية التي كانت تفرش غرفتي. يكفينا أن الدائم هو الله وحده. وهذه المقتنيات الأرضية لا تضاهي الأفراح التي أحصل عليها عندما أشاهد ربي، وأحظى بالتمتع بنور سناء هذا الأب السماوي.
 

صوت صارخ

New member
إنضم
3 أغسطس 2007
المشاركات
30,370
مستوى التفاعل
3,286
النقاط
0
الإقامة
تحت قدمى المصلوب
وكنت قد هيأت وكالة رسمية لتوني ابنتي أن تتولى إدارة أملاكي وأن تخصص شيئا من الأموال التي تركتها لرواتب الموظفين والخدام لأني أشعر معهم وأعتبرهم من أفراد عائلتي، وأرغب أن أوفر لهم الراحة بعد تركي إياهم. وهذا المال الذي أخصصه لهم هو مكافأة لهم على خدمتهم لي بأمانة، وليتسنى لهم أن يبدءوا حياة جديدة في نطاق أعمالهم الأخرى، ووظائفهم المستحدثة عليهم. وفكرت في منزلي وحديقتي وقلت ربما تكون الحكومة قد صادرت ممتلكاتي واطياني لأن لبعض منها قيمة تاريخية. ولم أسمع من واه شيئا عما حدث للمنزل وللحديقة، وربما رغب الأصدقاء والأقارب إلا أعلم بما حلّ في تلك الواحة الجميلة من إهمال، وكيف أن حالة الحديقة والمنزل قد ساعت جدا! وكأنهم لا يدركون موقفي الجديد من أمور هذه الدنيا. فأمور العالم أخذت تبدو أمامي فانية، وظلالا زائلة. لأن بيتي هو الرب. وعائلتي في المسيح هي عائلتي الجديدة..
أنى أعيش هذه الأيام في أورشليم الجديد. وهي موطني على هذه الأرض. وفي ظل هذه المدينة المقدسة لا أملك شيئا ماديا. وقد تعلمت أنه عندما لا يملك الإنسان شيئا عندئذ يستطيع الأب السماوي أن يعمل فينا. وعندذاك يؤثر بروحه القدوس علينا ويمنحنا السلام والاشراق الروحي! فأنا تعلمت أن أعيش دائما في ظل مجد الله وفي انعكاس نوره الاسني! يكفيني أن الله معي فهو ملجأي وسندي! أنهل من ينبوع محبته الفياض، وأعيش تحت أجنحة الإله القدير! ويكفيني أن أظل حاصلة على نوره الإلهي، وحاظية بمعرفة هذا الإله الذي هو أبي السماوي والأب لجميع الناس.
 
أعلى