صوت صارخ
New member
ويوم الأحد طلبت من محمود أن يظل خارج غرفة الاستقبال خشية أن يشوه منظرها بالعابه المتناثرة. وملأت المزهريات بالأزهار، ورتبت السجاجيد العجمية ذات التقوش الجميلة. وأزلت الغبار عن المفروشات ومن قرب النوافذ. وعندما حان موعد الاجتماع سمعت السيارات تقف عند المدخل، والبوابة تفتح على مصراعيها. وتوافد المدعوون وكنا في الاجتماع 12شخصا. فبدأنا بالترنيم والصلوات وقراءة فصل من الكتاب المقدس. ثم تكلم البعض عن اختباراته الروحية وما صنعه الله في حياته. وكان محمود يجلس في غرفة مجاورة ويصغي بهدوء لما يجري في الاجتماع وتصورت الآلاف من الأشخاص غير المرئيين الذين لابد وأن يرافقونا في الابتهالات والصلوات لله الأب السماوي. بأرواحهم إذ يتعذر وجودهم جسديا.
وبعد الاجتماع تحسست أن الأخوة المسيحيين كانوا قلقين على سلامتي فسألتني ماري: أما زلت قلقة على مصيرك، ومهتمة كثيرا بما حدث لك من تغيير في حياتك؟ ابتسمت وقلت لا أستطيع أن أعمل شيئا لأنه إذا أراد أحد أن يؤذيني ففي وسعه أن يفعل ذلك بسهولة لأن البيت ليس محصنا كفاية. وعلى الأثر نهض كين ليتفحص الأبواب والنوافذ فوجدها غير منيعة. فشبكة الأسلاك الموضوعة على النوافذ مع الزجاج لا تحول دون دخول أي معتد للبيت. وهز رأسه وقال: فعلا إن هذه الوسائل لا تضمن لك الحماية الكافية يا سيدة بلقيس! وإني أقترح وضع قضبان من حديد لتدعم الأسلاك بسهولة. فأجبته سأنظر في هذه الأمور يوم غد. وعندما وعدته بذلك تصورت في مخيلتي اختفاء مجد الرب من حولي. وقلت في نفسي: هل اختفاء الله وعدم حضوره راجع إلى تفكيري الخاطئ، أو هو واقع حقيقي؟ إنما اختباري كان أنه لما أبتعد عن خطة الله يبتعد الأب السماوي عني ويتواري.
وبعد أن تفرق المجتمعون شعرت بأني أسعد من المعتاد، إذ أن اجتماع الأخوة المؤمنين بعث فيّ حيوية جديدة. وعندما فكرت ثاني يوم باستدعاء أحد الحدادين من القرية لوضع بعض القضبان على النوافذ إذا بي أشعر باختفاء الحضرة الإلهية عني وانحجاب مجده الاسني عن منزلي. فقلت ربما كان اختفاء الله راجع لاستسلامي للخوف. وعندما بادرت إلى استدعاء أحد الحدادين بدأ أهل القرية يتهامسون فيما بينهم عن خوفي ومحاولتي حماية المنزل من المعتدين. وكنت أسمع تقولات الناس وهم يعلنون قائلين: ما نوع هذا الدين لأن المرء إذا أصبح مسيحيا يبدأ يعيش في الخوف. وقلت هذا هو السر في انحجاب نور الله عني ساعة خوفي وارتباكي. ونمت تلك الليلة نوما هادئا بعد أن اتخذت قرارا بأن أطيع الله وأن أعدل عن وضع قضبان حديدية على نوافذ بيتي. وكنت متأكدة أن هذا هو القرار الصحيح في هذا الموضوع.
وصحوت أثناء نومي على صوت مفاجئ. فجلست في فراشي لكن بدون أن يلازمني أي خوف أو رجل. وللحال ظهر أمام منظر يخلب الألباب إذ شاهدت من خلال جدران غرفتي الحديقة بأسرها وكانت هذه الرؤية بطريقة فائقة للطبيعة. وكانت الحديقة مغمورة بضوء أبيض لامع فرأيت كل ورقة شجر أو زهرة في البستان. وقد خيمت على الحديقة سكينة وجللهاء الصفاء. وسمعت أبي السماوي يكلمني ويقول: لقد فعلت الشئ الصحيح يا بلقيس. وتأكدي أنني معك دائما! وعلى الأثر تواري ذلك النور الفياض وانحجب ضياء الله، فأشعلت مصباحي ورفعت يدي إلى العلاء شاكرة ربي وحماية أبي السماوي الذي تراءى لي وسط ظلام الليل وأضطراب الحياة. وهتفت من أعماق قلبي قائلة: لا أستطيع يا أبتاه أن أشكرك كفاية لأنك تعتني بي كثيرا ولا تتركني وحيدة!
واستدعيت صباح ذلك اليوم الخدام وقلت لهم في وسمعكم أن تناموا في بيوتكم إن أردتم، أما أنا ومحمود فسنبقى في هذا البيت الكبير وحدنا. وتبادل الخدام نظرات الاستغراب والدهشة بين بعضهم البعض، فبعضهم فرح لهذا الخبر، بينما بات البعض الأخر مشدوها ومذعورًا. وكان هذا قرارا حازما مني أني لا أروم حمايتي بنفسي، فالله هو الذي يحميني، والحماية التي انشدها مصدرها ذلك الأب السماوي. وعلى أثر اتخاذي مثل هذا القرار عاد المجد الإلهي للظهور وأخذ أمد بقائه يطول.
وصدف ذات يوم والجارية ريشام تمشط شعري أن قالت: لقد سمعنا يا سيدتي أن ابن عمتك كريم قد توفى. وكان كريم هذا هو الذي وعد بأن يأخذ محمود لصيد السمك، وليدربه على هذه الهواية. وكنت ممن أحب هذا الشاب الناشئ والطموح. وقلت في نفسي بعد أن تأكدت من هذا الخبر المشؤوم من ريشام، لماذا أبحث عن وفاة كريم الخدام، وربما كانت هذه مجرد إشاعات أو ربما كانت ريشام مخطئته في الاسم، وكان المتوفى شخصا أخر باسم كريم. وبعد الاستفسار والتحري عرفت أن هذا الخبر صحيح وليس إشاعة, وأفادني من أرسلته للاستفسار بأن كريم مات الليلة الماضية أثر نوبة قلبية مفاجئة وأن جنازته ستكون في ذلك اليوم, وتألمت كثيرا عندما عرفت أن عمتي طلبت من عائلتها أن يخبروني بذلك، لكن لا أحد من العائلة نفذ طلبها. وجلست قرب النافذة أفكر في هذه المقاطعة العائلية حتى عند وفاة أحد المقربين الأعزاء. وقلت ها أنا محرومة من حضور الحفلات العائلية لمدة ستة أشهر، ولم تكن المقاطعة قد أثرت عليّ مثلما أثر عليّ هذا الحادث وحرماني من حضور جنازة أحد الأقارب الأعزاء على قلبي.
وفيما أنا جالسة على الكرسي الهزاز قرب فراشي رفعت قلبي بالصلاة لله. وكعادتي بعد كل صلاة كنت أحظى بجواب من أبي السماوي. وما أن فرغت من صلاتي حتى شعرت بعباءة توضع على أكتافي وتجلب الدفء لجسمي. وفي غمرة هذا الشعور والنشوة النورانية تسربت إلى ذهني فكرة مفاجئة وجاءتني خطة غير عادية وجرئية. فقلت إن هذه هي خطة الله وهذا وحي من العلي. وها هو أبي السماوي يكلمني.
وبعد الاجتماع تحسست أن الأخوة المسيحيين كانوا قلقين على سلامتي فسألتني ماري: أما زلت قلقة على مصيرك، ومهتمة كثيرا بما حدث لك من تغيير في حياتك؟ ابتسمت وقلت لا أستطيع أن أعمل شيئا لأنه إذا أراد أحد أن يؤذيني ففي وسعه أن يفعل ذلك بسهولة لأن البيت ليس محصنا كفاية. وعلى الأثر نهض كين ليتفحص الأبواب والنوافذ فوجدها غير منيعة. فشبكة الأسلاك الموضوعة على النوافذ مع الزجاج لا تحول دون دخول أي معتد للبيت. وهز رأسه وقال: فعلا إن هذه الوسائل لا تضمن لك الحماية الكافية يا سيدة بلقيس! وإني أقترح وضع قضبان من حديد لتدعم الأسلاك بسهولة. فأجبته سأنظر في هذه الأمور يوم غد. وعندما وعدته بذلك تصورت في مخيلتي اختفاء مجد الرب من حولي. وقلت في نفسي: هل اختفاء الله وعدم حضوره راجع إلى تفكيري الخاطئ، أو هو واقع حقيقي؟ إنما اختباري كان أنه لما أبتعد عن خطة الله يبتعد الأب السماوي عني ويتواري.
وبعد أن تفرق المجتمعون شعرت بأني أسعد من المعتاد، إذ أن اجتماع الأخوة المؤمنين بعث فيّ حيوية جديدة. وعندما فكرت ثاني يوم باستدعاء أحد الحدادين من القرية لوضع بعض القضبان على النوافذ إذا بي أشعر باختفاء الحضرة الإلهية عني وانحجاب مجده الاسني عن منزلي. فقلت ربما كان اختفاء الله راجع لاستسلامي للخوف. وعندما بادرت إلى استدعاء أحد الحدادين بدأ أهل القرية يتهامسون فيما بينهم عن خوفي ومحاولتي حماية المنزل من المعتدين. وكنت أسمع تقولات الناس وهم يعلنون قائلين: ما نوع هذا الدين لأن المرء إذا أصبح مسيحيا يبدأ يعيش في الخوف. وقلت هذا هو السر في انحجاب نور الله عني ساعة خوفي وارتباكي. ونمت تلك الليلة نوما هادئا بعد أن اتخذت قرارا بأن أطيع الله وأن أعدل عن وضع قضبان حديدية على نوافذ بيتي. وكنت متأكدة أن هذا هو القرار الصحيح في هذا الموضوع.
وصحوت أثناء نومي على صوت مفاجئ. فجلست في فراشي لكن بدون أن يلازمني أي خوف أو رجل. وللحال ظهر أمام منظر يخلب الألباب إذ شاهدت من خلال جدران غرفتي الحديقة بأسرها وكانت هذه الرؤية بطريقة فائقة للطبيعة. وكانت الحديقة مغمورة بضوء أبيض لامع فرأيت كل ورقة شجر أو زهرة في البستان. وقد خيمت على الحديقة سكينة وجللهاء الصفاء. وسمعت أبي السماوي يكلمني ويقول: لقد فعلت الشئ الصحيح يا بلقيس. وتأكدي أنني معك دائما! وعلى الأثر تواري ذلك النور الفياض وانحجب ضياء الله، فأشعلت مصباحي ورفعت يدي إلى العلاء شاكرة ربي وحماية أبي السماوي الذي تراءى لي وسط ظلام الليل وأضطراب الحياة. وهتفت من أعماق قلبي قائلة: لا أستطيع يا أبتاه أن أشكرك كفاية لأنك تعتني بي كثيرا ولا تتركني وحيدة!
واستدعيت صباح ذلك اليوم الخدام وقلت لهم في وسمعكم أن تناموا في بيوتكم إن أردتم، أما أنا ومحمود فسنبقى في هذا البيت الكبير وحدنا. وتبادل الخدام نظرات الاستغراب والدهشة بين بعضهم البعض، فبعضهم فرح لهذا الخبر، بينما بات البعض الأخر مشدوها ومذعورًا. وكان هذا قرارا حازما مني أني لا أروم حمايتي بنفسي، فالله هو الذي يحميني، والحماية التي انشدها مصدرها ذلك الأب السماوي. وعلى أثر اتخاذي مثل هذا القرار عاد المجد الإلهي للظهور وأخذ أمد بقائه يطول.
وصدف ذات يوم والجارية ريشام تمشط شعري أن قالت: لقد سمعنا يا سيدتي أن ابن عمتك كريم قد توفى. وكان كريم هذا هو الذي وعد بأن يأخذ محمود لصيد السمك، وليدربه على هذه الهواية. وكنت ممن أحب هذا الشاب الناشئ والطموح. وقلت في نفسي بعد أن تأكدت من هذا الخبر المشؤوم من ريشام، لماذا أبحث عن وفاة كريم الخدام، وربما كانت هذه مجرد إشاعات أو ربما كانت ريشام مخطئته في الاسم، وكان المتوفى شخصا أخر باسم كريم. وبعد الاستفسار والتحري عرفت أن هذا الخبر صحيح وليس إشاعة, وأفادني من أرسلته للاستفسار بأن كريم مات الليلة الماضية أثر نوبة قلبية مفاجئة وأن جنازته ستكون في ذلك اليوم, وتألمت كثيرا عندما عرفت أن عمتي طلبت من عائلتها أن يخبروني بذلك، لكن لا أحد من العائلة نفذ طلبها. وجلست قرب النافذة أفكر في هذه المقاطعة العائلية حتى عند وفاة أحد المقربين الأعزاء. وقلت ها أنا محرومة من حضور الحفلات العائلية لمدة ستة أشهر، ولم تكن المقاطعة قد أثرت عليّ مثلما أثر عليّ هذا الحادث وحرماني من حضور جنازة أحد الأقارب الأعزاء على قلبي.
وفيما أنا جالسة على الكرسي الهزاز قرب فراشي رفعت قلبي بالصلاة لله. وكعادتي بعد كل صلاة كنت أحظى بجواب من أبي السماوي. وما أن فرغت من صلاتي حتى شعرت بعباءة توضع على أكتافي وتجلب الدفء لجسمي. وفي غمرة هذا الشعور والنشوة النورانية تسربت إلى ذهني فكرة مفاجئة وجاءتني خطة غير عادية وجرئية. فقلت إن هذه هي خطة الله وهذا وحي من العلي. وها هو أبي السماوي يكلمني.