الاتحاد الإعجازي
عظة 9:45 للقديس غريغوريوس النزينزي
يا له من اتحاد من نوع جديد, يا له من التحام إعجازي, الكائن بذاته يشترك في الصيرورة, قد صار جسدًا، غير المخلوق يجعل نفسه مخلوقًا، غير المحوى يصير محويًا، وذلك بتوسط نفس عاقلة تتوسط بين لاهوته وكثافة الجسد. الذي يغني الجميع يجعل نفسه مفتقرًا، فقد افتقر بأخذ جسدي لكي أغتني أنا بلاهوته. الذي هو الملء قد أفرغ نفسه، أفرغ نفسه من مجده إلى حين لكي يجعلني أنا شريكًا في ملئه. فما أغنى صلاحه، وما أعظم هذا السر الذي صنعه لأجلي! كنت شريكًا في صورته، ولم أحافظ على الصورة، والآن قد اشترك في جسدي، ليجدد فيَّ هذه الصورة، بل ويجعل جسدي أيضًا خالدًا. فقد أعطاني شركة معه أعجب جدًا من الشركة الأولى: ففي القديم أشركني فيما هو أفضل مني, أي صورته ومثاله, وأما الآن فقد اشترك هو في أردأ ما فيَّ, ليخلِّصني منه، وهذا العمل الأخير يظهر صلاحه الإلهي بطريقة أسمى جدًا من العمل الأول لدى ذوي الفهم.
إنه افتقر بأخذ جسدي لكي أغتني أنا بلاهوته
عظة 38 عن الظهور الإلهى للقديس غريغوريوس النزينزي
لقد وُلد بكل ما للإنسان, ما خلا الخطية، وُلد من عذراء طهرها الروح القدس جسدًا وروحًا، خرج منها إلهاً مع الجسد الذي اقتناه، واحداً من اثنين مختلَفين، جسد وروح، حيث ان أحدهما كان يؤلِّه, والآخر يتألَّه. يا له من اقتران من نوع جديد! يا له من اتصال مدهش عجيب! فهوذا الكائن بذاته يصير جسداً, وغير المخلوق يأخذ صفة المخلوق، وغير المحوى يدخل إلى حدود الزمان والمكان، ومُعطي الغنى يجعل نفسه فقيراً, إنه أفتقر بأخذ جسدي، لكي أغتني أنا بلاهوته. هوذا المملوء نعمة وحقاً يخلي نفسه, أي يفرغ ذاته, إنه يفرغ ذاته من مجده الخاص إلى حين، حتى أشترك أنا في امتلائه, فما أعظم غنى صلاحه, وما أعظم هذا السر الحادث من أجلي.
لقد صار مُجرباً لكي ننتصر نحن في التجارب
العظة الأولي: 5 للقديس غريغوريوس النزينزي
فْلنصر مثل المسيح, لأن المسيح أيضاً صار مثلنا؛ لنصر آلهًة من أجله، لأنه هو أيضًا من أجلنا صار إنسانًا. لقد أخذ منا الأردأ لكي يعطينا الأفضل، لقد افتقر لكي نغتني نحن بفقره, لقد أخذ شكل العبد لكي نستعيد نحن الحرية، لقد نزل لكي نرتفع نحن، لقد صار مُجرباً لكي ننتصر نحن في التجارب، أُهين لكي يمجدنا، مات لكي يخلِّصنا، صعد لكي يجذبنا إليه, نحن المنطرحين في سقطة الخطية. ليت كل واحد يقدم له كل شيئاً، ويصير مثمراً في كل شيء، للذي بذل نفسه فدية عنا من أجل مصالحتنا! لكن ليس أحد يقدم شيئاً مثل من يقدم نفسه وله دراية بسر المسيح، فيصير من أجله كل ما صار هو من أجلنا.
فلنصرْ مثل المسيح لأن المسيح أيضًا صار مثلنا
العظة الأولي عن القيامة للقديس غريغوريوس النزينزي
بالأمس صُلبت مع المسيح، واليوم أنا أتمجد معه. بالأمس مت معه، واليوم أستعيد الحياة معه. بالأمس دُفنت معه، واليوم أقوم معه. فلنقدم قرابيننا للذي مات وقام من أجلنا, لعلكم تظنون أني أقصد بذلك أن اقدم ذهباً أو فضة أو أقمشة أو حجارة ثمينة لامعة أو أية مواد هيولية زائلة وترابية, بل لنقدم له ذواتنا، لأن هذا أكرم شيء لدى الله وأقرب شيء إليه, فْلنصر مثل المسيح, لأن المسيح أيضًا صار مثلنا, لنصر آلهًة من أجله، لأنه هو أيضًا من أجلنا صار إنساناً, لقد أخذ منا الأردأ لكي يُعطينا الأفضل, لقد افتقر لكي نغتني نحن بفقره, لقد أخذ شكل العبد لكي نستعيد نحن الحرية, نزل لكي نرتفع نحن، صار مجٌربًا لكي ننتصر نحن, أُهين لكي يمجدنا، مات لكي يخلِّصنا، صعد لكي يجذبنا إليه نحن المنطرحين في سقطة الخطية, ليت كل أحد يقدم له كل شيء، ويصير مثمراً في كل شيء، للذي بذل نفسه فديًة عنا من أجل مُصالحتنا, لكن ليس أحد يقدم شيئًا مثل من يقدم نفسه وله دراية بسر المسيح، فيصير من أجله كل ما صار هو من أجلنا.
لنصعد على الصليب بشجاعة
عظة فى عيد الفصح 2:45و23 للقديس غريغوريوس النزينزي
أنه فصح الرب, في هذه المناسبة ليقدم كل واحد ثمراً صالحًا، قرباناً لائقاً بالعيد، سواء كان صغيراً أو كبيراً، من الأشياء الروحية المحبوبة عند الله، كل أحد على قدر طاقته... لنذبح لله ذبيحة التسبيح على المذبح السماوي مع الخوارس العلوية.... بل إني أقول ما هو أعظم من ذلك: لنذبح لله ذواتنا, أو بالحري لنقدم نفوسنا ذبائح كل يوم وفي كل مناسبة, لنقبل كل شيء من أجل خاطر اللوغوس، لنتمثَّل بآلامه بواسطة آلامنا، ولنكرم دمه بواسطة دمائنا، ولنصعد على الصليب بشجاعة؛ فإن المسامير حلوة ولو أنها مؤلمة للغاية، لأن الألم مع المسيح ومن أجل المسيح أفضل من الحياة الهنية مع الآخرين.
إنه يبكي, ولكنه يكفكف دموع الآخرين، إنه بِيع وبأبخس ثمن، بثلاثين من الفضة فقط, ولكنه اشترى العالم كله وبأغلى ثمن, بدم نفسه, كحمل سيق إلى الذبح ولكنه هو راعى إسرائيل, بل والمسكونة كلها, أنه كخروف صامت ولكنه هو الكلمة ذاته, أنه مسحوق ... ومجروح, إلا إنه يشفي كل مرض وكل ضعف, ولكنه لقد رُفع على الخشبة وسُمر عليها، ولكنه يُقومنا بشجرة الحياة, سقوه خلاًّ وأطعموه المر وهو الذي حول الماء خمرًا طيبًا, الذي أبطل طعم المرارة, الذى هو حلاوة وكله مشتهيات, لقد أسلم نفسه ولكن له سلطان أن يأخذها أيضاً, لقد مات ولكنه أحيا الآخرين وأبطل الموت بالموت, لقد قُبِر ولكنه قام, لقد نزل إلى الجحيم، ولكنه رفع النفوس التي فيه وصعد بها إلى السماء.
الروح القدس يجدد خلقتنا
عظة عن يوم الخمسين 14:41 للقديس غريغوريوس النزينزي
«ترسل روحك فتخَلق وتجدد وجه الأرض» (مز30:104), فالروح هو الذي يخلقنا في الميلاد الجديد الروحي (يو5:3). هذا الروح إن وجد صيادين يصطادهم للمسيح، ويجعلهم يصطادون العالم كله في شباك الكلمة, اذكر بطرس وأندرياس وابني الرعد الذين صاروا يجاهرون بالروحيات مثل الرعد. وإن وجد عشارين يربحهم ليصيروا تلاميذ، بل ويجعلهم يتاجرون في ربح نفوس الناس، فهوذا متى الذي كان بالأمس عشارًا يصير اليوم إنجيليًا, وإن وجد أُناسًا يضطهدون الآخرين بغيرة شديدة فإنه يحول غيرï؛—ﻬم ويجعلهم مثل بولس بدل شاول، ويعطيهم غيرة على التقوى بقدر ما كانت لهم غيرة في الشر... هذا الروح بعينه هو الذي دفعني اليوم أن أكلِّمكم بمجاهرة، وإن كان ذلك لا يعود بالخطر علي فشكرًا لله، وإن عاد علي بالخطر فله الشكر أيضًا؛ في الحالة الأولى لأنه جنب مبغضينا من الوقوع في الخطية، وفي الحالة الثانية لأنه قدسنا بنوال مكافأة خدمتنا للإنجيل، بأن نصير مُكملين بالدم.
حلول الروح القدس في يوم الخمسين
عظة عن يوم الخمسين 11:41-12 للقديس غريغوريوس النزينزي
إن الروح القدس لم يحل هنا كمجرد قوة كما كان فيما سبق، وإنما يمكن أن يُقال إنه بجوهره صار يشاركنا ويعايشنا. فقد كان لائقًا بعد أن عاش الابن في وسطنا جسدياً، أن يظهر لنا الروح أيضاً في هيئة جسمية.... وقد جاء في هيئة ألسنة بسبب اتصاله بالكلمة، وهذه الألسنة كانت نارية بسبب قدرته على التطهير... أو بسبب جوهره الناري، لأن إلهنا نار آكلة, تأكل التواني, والألسنة كانت «منقسمة» بسبب تنوع المواهب، وكانت «جالسة (مستقرة) على كل واحد» إشارة إلى أن الروح يملك ويستريح في قديسيه, وقد حدث ذلك في «علية» إشارة إلى أن العتيدين أن يقبلوه يجب عليهم أن يرتفعوا ويتساموا عن الأرضيات، وهكذا يسوع أيضاً في علية قد منح شركة أسراره للذين تكملوا بالخيرات الفائقة
مفاعيل الروح القدس الإلهية
عظة عن الروح القدس 28:31-29 للقديس غريغوريوس النزينزي
من الروح القدس قد نلنا الميلاد الجديد (يو5:3), وبالميلاد الجديد نلنا الخليقة الجديدة، وبالخليقة الجديدة نلنا معرفة فائقة لسمو الذي خلقنا من جديد... الروح القدس هو الروح الخالق (مز30:104), بل هو الذي يجدد الخلقة بالمعمودية وبالقيامة. هو الروح الذي يعرف كل شيء (1كو10:2)، وهو الذي يعلِّمنا كل شيء (يو26:14) هو الذي يهب حيث يشاء (يو8:3), وهو الذي يرشدنا إلى جميع الحق (يو13:16), هو «روح الإعلان» (أف17:1) وهو الذي ينير (أف18:1), ويُحيي (يو63:6), بل وهو بذاته النور والحياة. هو الذي يجعلنا هياكل لله (1كو16:3), بل ويؤلِّهنا أيضًا. هو الذي يسبق ويؤهل للمعمودية (أع17:11), وهو الذي من بعد المعمودية نطلبه بإلحاح (لو13:11), هو الذي يصنع كل هذه كإله، والذي ينقسم كألسنة من نار (أع3:2), ويوزع المواهب (1كو11:12)
لنحفظ وحدانية الروح لأن هذا هو الأهم
عظة 12:4 & 24:2 للقديس غريغوريوس النزينزي
إن كان المسيح بدلا من أن يبقى في كرامته الإلهية الخاصة، أخلى نفسه آخذًا صورة عبد, وليس ذلك فقط، بل واحتمل الصليب أيضًا مستهينًا بالخزي, لكي يُبطل الخطية بآلامه، ويُميت الموت بموته, فكيف ونحن تلاميذ المسيح الذي أخلى نفسه من أجلنا آخذًا صورة عبد، وجمعنا إليه نحن الغرباء عن الخيرات السماوية، كيف لا نسعى لأن نتآلف مع بعضنا البعض، بل ونعانق بعضنا بعضاً، لنحفظ وحدانية الروح برباط السلام, أليس هذا هو السر المُخَفى في الناموس والأنبياء, بل وأهم شيء فيهما؟
لا نعرف المسيح بعد حسب الجسد
فى البتولية 2:2 للقديس غريغوريوس النيسي
إن ما تمَّ جسديًا في مريم الطاهرة حتى تجلَّى كل ملء اللاهوت جسديًا في المسيح بواسطة بتوليتها، هذا أيضًا يتم في كل نفس تحفظ البتولية الروحية بحسب اللوغوس, غير أن الرب لا يجعل حضوره بعد جسديًا، لأننا، كما يقول بولس: "لا نعرف المسيح بعد حسب الجسد" ولكنه يسكن فينا روحيًا، بل ويحضر أباه أيضًا معه كما يقول الإنجيل
الصليب سر انجماع الخليقة كلها
العظة التعليمية الكبري للقديس غريغوريوس النيسي
بخصوص الصليب ... هذا هو ما وصل إلينا من التقليد ... وهذا هو ما نتعلَّمه من شكل الصليب: فهو منقسم إلى أربعة أفرع، وكأنها انبثاقات أربعة من المركز الذي فيه ترتبط معاً، لأن الذي تمدد عليه في زمن تدبير موته هو الذي يربط جميع الأشياء في نفسه ويجعلها تتوافق معاً, فهو يجمع طبائع الكائنات المتخالفة، يجمعها بواسطة نفسه إلى وحدة الحس والتواُفق, لأن جميع الكائنات إذا اعتبرها الفكر فهو يجدها إما كائنات علوية أو سفلية أو موجودة في الجانبين... وحيث إن كل الخليقة تتطلَّع إليه وتوجد حوله, وبواسطته تصير متحدة بنفسها, العلويين مع السفليين، والذين في الجانبين مع بعضهما البعض... لذلك ينطلق العظيم بولس ويكشف الأسرار لشعب أفسس، ويبث فيهم قوًة بواسطة تعليمه، ليعرفوا ما هو العمق والعلو والطول والعرض, وهو بذلك يعبر عن فروع الصليب بأسمائها الخاصة .. هذا هو السر الذي تعلَّمناه بخصوص الصليب.
جسد المسيح الذي يفوق الموت يحولنا إلى طبعه الخاص
العظة التعليمية الكبرى للقديس غريغوريوس النيسي
كما أن الذين تناولوا سماً بمكيدة أعدائهم يبطلون مفعوله المهلك بواسطة عقار آخر، هكذا نحن الذين أكلنا ما انحلَّت به طبيعتنا، نحتاج بالضرورة أن نتناول ما يجمع من جديد هذه الطبيعة المنحلة، بحيث أن هذا الترياق الحال فينا يبطل بقدرته الشافية الخاصة تلك الأضرار التي أصابت الجسد من ذلك السم. وماذا يكون هذا الترياق؟ ليس إلا ذلك الجسد الذي استعلن أقوى من الموت وصار لنا بدءًا للحياة. فكما أن خميرة صغيرة, بحسب قول الرسول, تجعل العجين كله مشابهاً لها، هكذا أيضاً هذا الجسد الذي جعله الله غير مائت، حينما يحل داخل جسدنا فإنه يحوله وينقله كله إلى ذاته. فكما أن العقار المهلك إذا امتزج بالترياق الشافي فإن مزيج الاثنين يكون كله غير ضار، هكذا أيضاً الجسد غير المائت حينما يحل في الذي يتناوله فإنه يحوله بكامله إلى طبعه الخاص.
المحبة أهم ما يجعلنا على صورة الله ومثاله
في خلقة الإنسان للقديس غريغوريوس النيسي
كما أن الرسامين ينقلون المعالم البشرية إلى اللوحات الفنية بواسطة ألوان معينة، فيضعون على الرسم صبغات خاصة متوافقة تجعل جمال الأصل ينتقل بكل دقة إلى الصورة؛ هكذا افهم معي أن خالقنا أيضًا قد زين صورتنا بخلع فضائله عليها، وكأنها ألوان بهية حتى تنال جماله الخاص، فيُظهر فينا أصل كيانه الخاص... الله محبة وينبوع المحبة، لأن يوحنا العظيم يقول: «الله محبة» و«المحبة هي من الله» لذلك فالذي جبل طبيعتنا قد جعل هذه تكون أيضًا سمتنا الأساسية، إذا يقول: «بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن أحببتم بعضكم بعضًا», لذلك إن كانت هذه غائبة، فإن طابع الصورة برمته يكون مشوهًا.
الامتلاء المتزايد إلى كل ملء الله
للقديس غريغوريوس النيسي
لأجل هذا أُخرجت الطبيعة العاقلة إلى الوجود, لكي لا يبقى غنى الخيرات الإلهية بدون منفذ. ولكن حكمة الله المدبرة لكل شيء قد هيأت مثل هذه الآنية ذات الإرادة الحرة، أي النفوس البشرية، لكي توجد كائنات تستقبل الخيرات الإلهية، وتنمو على الدوام بازدياد الفيض المنسكب فيها. وهذا هو العجب في مشاركة الخيرات الإلهية, إنها تجعل الذي تحل فيه يزداد اتساعاً وقدرًة على الاستيعاب، ثم من قدرته واتساعه تتخذ فرصة لتزيد العطاء اُلمُعطى له، حتى أنه ينمو باستمرار ولا يكفّ أبدًا من النمو. وبينما يفيض ينبوع الخيرات بلا توقُّف، فإن طبيعة الشخص الذي ينالها تحول كل هذا الفيض إلى ازدياد سعتها الخاصة، فتصير أكثر قدرة على اجتذاب الخيرات الإلهية، وأكثر اتساعاً لاستقبالها. وكل من الأمرين ينمو بنمو الآخر, فالقدرة على الاستيعاب تجد في وفرة الخيرات ما يدفعها إلى النمو أكثر؛ وكذلك النعمة المعطاة تجد في نمو الذين ينالونها فرصة لتزيد انسكابها.
الروح القدس هو المجد الذي أعطانا المسيح إياه
فى شرح «حينئذ الابن نفسه سيخضع...» (1كو28:15) للقديس غريغوريوس النيسي
يقول الرب في الإنجيل موجهًا الكلام للآب: «ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا» ..... «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني» (يو21:17-22). وأعتقد أن ما يقصده بهذا المجد هو الروح القدس الذي أعطاه لتلاميذه بالنفخ في وجوههم، لأنه لم يكن ممكنًا لهؤلاء المتفرقين بعضهم عن بعض أن يصيروا واحداً إلاَّ بتوافقهم بوحدانية الروح القدس.... فالروح هو المجد، كما يقول أيضًا للآب: «مجدني بالمجد الذي كان لي منذ البدء عندك قبل كون العالم» هذا المجد هو الروح القدس، لأنه لم يكن شيء منذ الأزل سوى الآب والابن والروح القدس. ولذلك يقول بنفس المعنى: «المجد الذى اعطيتني قد اعطيتهم» لكي بواسطته يصيروا واحداً معي، وبواسطتي يصيروا واحداً معك.
الطفل الإله
عظة عن مجيء الرب للقديس كيرلس الأورشليمي
اليوم جاء الله من تيمان (حب 3 : 3) إلى صهيون, اليوم جاء إلى هيكله العريس السماوي, يا بنات أورشليم اخرجن للقائه، أضئن مصابيحكن بفرح بالنور الحقيقي، زين ملابس نفوسكن تكريمًا للعريس المسيح... كل نسمة فلتسبح الرب ولتسجد له الأرض كلها وليرنم له كل لسان، وليسبح الجميع ويمجدوا الطفل الإله. الطفل الصغير وهو قديم الأيام, الطفل الرضيع وهو خالق العالمين, فإني أرى طفلا ولكني أميز فيه إلهي, أرى طفلا رضيعًا وهو الذي يعول العالم كله, طفلا باكيًا وهو المانح العالم الفرح والحياة, طفلا مقمطًا وهو الذي يفكُّني من رباطات الخطية.... هذا الطفل قد أبطل الموت وأخزى الشيطان، وحلَّ اللعنة وأباد الحزن ومنح الخليقة القيامة, هذا الطفل قد خلَّص آدم وأعاد خلقة حواء
معمودية المسيح ومعموديتنا
العظة الثالثة عن الأسرار للقديس كيرلس الأورشليمي
لمَّا اعتمدتم للمسيح ولبستم المسيح صرتم مشابهين صورة ابن الله (رو29:8) لأن الله إذ سبق وعيننا للتبني، جعلنا مشابهين صورة جسد مجد المسيح (في21:3) وصرتم شركاء المسيح (عب 3:14) ولذلك دُعيتم بحق "مسحاء", فإن الله يقول عنكم: لا تمسوا مسحائي (مز 15:104), لقد صرتم مسحاء لأنكم قبلتم رسم الروح القدس، وكل شيء قد تم فيكم على صورة ما حدث للمسيح لأنكم صرتم صورة للمسيح....أما هو فلما اغتسل في نهر الأردن، ووهب المياه رائحَة لاهوته، صعد منها وظهر الروح القدس حالاًّ عليه بجوهره، إذ أن المثيل يستريح على المثيل. وأنتم أيضًا بشبه ذلك لما صعدتم من جرن الماء المقدس قد نلتم مسحة, هي صورة لتلك التي مُسِح بها المسيح، وهذا هو الروح القدس.
إن الشيطان استخدم الجسد أداة ضدنا, والقديس بولس إذ عرف ذلك قال: ولكنني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني ... إلى آخر القول (رو 23:7) وهكذا، فإنه بالأسلحة التي حارب بها الشيطان ضدنا، بهذه عينها نحن خَلصنا, والرب أخذ منا شبهنا، حتى نخَلص بمن اتحد بالناسوت, لقد اتخذ منا شبهنا حتى يعطي نعمة أكبر لمن تعوزه النعمة؛ لكي تصير الطبيعة البشرية الخاطئة شريكًة لله, لأنه حيث كثرت الخطية، ازدادت النعمة جدًا (رو 20:5) كان لا بد أن يتألَّم الرب من أجلنا، ولكن لو كان الشيطان قد اكتشفه، لما تجرأ على الاقتراب منه:" لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" (1كو 8:2) لذلك، فإن جسده صار طُعمًا للموت، حتى يأمل التنين أن يبتلعه، فيتقيأ كل الذين سبق أن ابتلعهم: "لأن الموت اُبتَلع متجبرا" وأيضاً: "يمسح الله كل دمعة من على كل وجه" (إش 8:25 سبعينية).
لم يذبح أحدا آخر، لكنه بذل نفسه فدية
عظة للموعوظين 2:13 للقديس كيرلس الأورشليمي
لا تعجبوا من القول بأن العالم أجمع قد اُفتدي! لأن الذي مات عن العالم لم يكن مجرد إنسان، بل هو ابن الله الوحيد. لقد استطاعت خطية إنسان واحد، وهو آدم، أن تُدخل الموت إلى العالم. فإن كان بسقطة إنسان واحد قد ملك الموت على العالم، فكيف لا تملك الحياة بالأحرى ببر إنسان واحد (رو17:5)؟ وإن كانا حينذاك قد طُردا من الفردوس بسبب شجرة أكلا منها، أليس من الأسهل أن يدخل المؤمنون الآن الفردوس بسبب شجرة يسوع؟ وإن كان الإنسان الأول، المجبول من التراب، أتى بالموت الشامل، فالذي خلقه من التراب ألا يأتي بالحياة الأبدية، إذ أنه هو نفسه الحياة, وإن كان فينحاس بغيرته على قتل فاعلي الإثم قد أوقف غضب الله, فيسوع الذي لم يذبح إنساناً آخر «بل بذل نفسه فدية عن كثيرين» (1تى6:2) أفلا يصرف غضب الله عن الإنسان؟