هل الكريسماس عيد وثني؟ وهل ولد المسيح في يوم 25 ديسيمبر؟

My Rock

خدام الكل
مدير المنتدى
إنضم
16 مارس 2005
المشاركات
27,311
مستوى التفاعل
3,159
النقاط
113
الإقامة
منقوش على كفيه

هل الكريسماس عيد وثني؟ وهل ولد المسيح في يوم 25 ديسيمبر؟​

pewforumchristmas_hdv.jpg
كثيراً ما يتكرر هذا السؤال نسبة لأهمية هذا اليوم في حياتنا نحن المسيحيين ومن حولنا. في الفترة الآخيرة أنتشرت كثيراً معلومات ان يوم 25 ديسيمبر هو ليس عيد ميلاد المسيح وانه عيد وثني يجب علينا الإبتعاد عن ممارسته.

من جهتي انا لا أحتفل بهذا اليوم بصورة تختلف عن الايام الباقية سوى اننا نكون بعيدين عن العمل ومع رفقة الأهل والكنيسة. لكني بحثت كثيراً في الموضوع وحبيت أن اطرح لكم خلاصة بحثي عن يوم ولادة السيد المسيح وان كانه هو فعلاً في يوم 25 ديسيمبر وما يذكره لنا التاريخ عن هذا اليوم وعن الأعياد الوثنية المقاربة لهذا اليوم.
(راجع الموضوع التالي متى ولد المسيح؟ في أي سنة ولد المسيح؟)

هل ولد المسيح في يوم 25 ديسيمبر؟​

للإجابة على هذا السؤال يجب علينا التعرف على بعض الحقائق في الكتاب المقدس والتاريخ:
  • يوم ولادة السيد المسيح غير مذكور في الأناجيل والكتاب المقدس. فكتبة الأناجيل يذكرون لنا تفاصيل ولادة السيد المسيح وتحقيق النبؤات لكن لا يوجد ذكر بالتحديد ليوم ولادة السيد المسيح.​
  • الاناجيل تذكر لنا ان الرعاة كانوا يرعون رعيتهم في الخارج في وقت ولادة السيد المسيح ومن الممكن ان تكون هذه اشارة الى استحالة كون هذا التاريخ في شهر ديسيمبر البارد. لكن الواقع هو أن علماء الكتاب المقدس لهم وجهات نظر مختلفة في الموضوع فهناك من يرى ان الجو بارد وقارص في شهر ديسيمبر وهناك من يرى العكس لان درجة الحرارة أعلى في الشرق الأوسط.​
  • المسيحييون الأوائل لم يكونوا مهتمين كثيراً بيوم ميلاد المسيح. فنرى من التاريخ ان المسيحييون الأوائل لم يناقشوا يوم ولادة المسيح في اول قرنين، وبدأ المسيحييون بمناقشة يوم ولادة السيد المسيح من القرن الثالث فما بعد.​
  • يوم ولادة السيد المسيح تم مناقشته بصورة متزايدة في القرن الثالث والى القرن الرابع أصبح من الشائع الإحتفال بميلاد بيوم 25 ديسيمبر او 6 يناير. الحقيقة هي ان اقدم التواريخ التي تم مناقشتها هي تواريخ آخرى غير هذه التواريخ فمثلاً كيليمندس الاسكندري ناقش يوم ولادة السيد المسيح بكونه يوم 20 من شهر مايو.​
  • نرى في التاريخ أيضاً بعض المعلومات التي تخص يوم 25 ديسيمبر. فمثلاً تيرتيليان في القرن الثالث يذكر لنا ان هناك تقليد ان المسيح مات في يوم 25 مارس وكان هذا التقليد ان الانبياء كانوا يموتون بنفس اليوم الذي حُبل فيهم. فاذا كان يوم حبلت العذراء مريم بالمسيح هو يوم 25 مارس سيكون يوم ولادته بعد تسعة اشهر اي يوم 25 ديسيمبر، لكن تيرتيليان لا يذكر يوم 25 ديسيمبر بالذكر المباشر وايضاً نعلم ان الولادة لا تتم بعد 9 اشهر بالظبط.​
  • اول ذكر ليوم ميلاد السيد المسيح يوم 25 ديسيمبر كان في سنة 336 دون ذكر الأدلة والاسباب عن هذا اليوم.​

بطبيعة الحال المعلومات غير أكيدة و متداخلة ومتنوعة ومن الصعب تعيين يوم ولادة السيد المسيح بصورة دقيقة الا انه من الواضح انه في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع أصبحت العادة بين المسيحيين ان يحتفلوا بعيد ولادة السيد المسيح في يوم 25 ديسيمبر او 6 يناير كل بحسب تقوييمه الشرقي والغربي.
الحقيقة انه اننا لا نعرف بالتأكيد يوم ولادة المسيح، فهناك من يرجح يوم 25 ديسيمبر بسبب كونه 9 اشهر من عيد الفصح وهناك من يفسره بصورة رمزية الى ان ابتداء طول فترة الشمس هو اشارة الي المسيح وهناك من يرجح كونه أستبدال للأعياد الوثنية ووضع الإحتفال بالسيد المسيح بدلها.


هل يوم 25 ديسيمبر هو عيد وثني؟​

1_MeH7elbzPp5cKn2jCNle9Q.jpg
الحقيقة هي تاريخ من 25 ديسيمبر يتقارب مع تواريخ إحتفالات وثنية تخص انقلاب الشمس في الشتاء اذ أنقسم الرأي في تفسيرها. فهناك من يفسر ان الامور بأنها تغيير مقصود لتاريخ يوم ولادة المسيح وتبديله بتاريخ عيد وثني وهناك من يفسر الأمور بأن الكنيسة أستغلت قرب التواريخ للفوز بالنفوس وعرض بديل للأعياد الوثنية.

الحقيقة هي ان الوثائق التاريخية التي بين يدينا لا تحسم الموضوع ومن الواضح ان هذا الإستنتاج ليس بالسهولة التي يجزم فيها البعض. سأعرض أهم المعلومات التي تخص هذه الإحتفالات والأعياد الوثنية وبعدها نبني خلاصة الموضوع.

هناك ثلاثة أعياد وثنية يتم ربطها مع يوم 25 ديسيمبر:


  • ولادة ميثرا: هناك الكثير من المغالطات بشأن مثيرا وحورس وغيرهم من فيلم zeitgeist سنرد عليها بالتفصيل في موضوع منفصل في الاسابيع القادمة. لكن ما يخص هذا الموضوع اي موضوع يوم ولادة السيد المسيح، فلا يوجد بين ايدينا اي موثوقة تاريخية تؤرخ يوم ولادة ميثرا سواء ان كانت يوم 25 ديسيمبر ام غيره. فهذه المعلومة (وبقية المعلومات المعروضة بالفلم) هي خطأ.​
  • عيد ساتورن: الذي هو إحتفال روماني قديم كان يبدأ يوم 17 ديسيمبر والإحتفال به بالبداية ثلاثة ايام وتم تطويل ايام الإحتفال الى مدة اسبوع بسبب رغبة الشعب بالاحتفال بهذا العيد. العادة في هذا العيد لها علاقة بإنقلاب الشمس في الشتاء وإحتفالهم بأن الشمس تتم إعادة ولادتها من جديد لان طول فترة الشمس في اليوم تكون في ازدياد بعد هذه الإحتفالات. تقاليد الإحتفال بهذا العيد كان يحتوي على زيارة البيوت والغناء عراة وتقديم الذبائح البشرية والسكر والفعاليات الجنسية الغير اخلاقية.​
  • عيد إله الشمس سول إنفكتوس: لا نعرف الكثير من خلال التاريخ عن هذا العيد واول ذكر للتاريخ لهذا العيد كونه في يوم 25 ديسيمبر هو في القرن الرابع. نفس الوثيقة التي تذكر تاريخ عيد اله الشمس تذكر تاريخ ولادة السيد المسيح والاثنين كونهم يوم 25 ديسيمبر. فلا يوجد بين أيدينا وثائق تاريخية قبلها تخبرنا عن هذا العيد وتفاصيله ولا لوجد اولوية لهذا التاريخ لانهم مذكورين في نفس الوقت وفي نفس الوثيقة التاريخية.​
بطبيعة الحالة هناك احتفالات بعيد الشمس مقاربة ليوم 25 ديسيمبر لكنها ليست في نفس اليوم وفيها تقاليد مختلفة تماماً لما نحتفل بيه حالياً ولا توجد لدينا ادلة تاريخية كافية للجزم في الموضوع. فلا توجد أدلة ان كانت هناك خطة لتزوير يوم ميلاد المسيح للإحتفال بعيد وثني، فالوثائق التاريخية متقاربة وغير دقيقة في وصفها لهذه الأعياد الوثنية. ولا توجد أيضاً أدلة كافية ترجح ان المسيحييون قاموا بأستبدال هذا العيد لغرض كسب النفوس من بين الرومان.


الخلاصة

لا توجد آدلة تاريخية كافية تنفي أو تؤكد يوم ولادة السيد المسيح يوم 25 ديسيمبر، واكثر علماء الكتاب المقدس يرجحون ان يوم تم إختياره بدون وضع الدلائل.
نعلم من التاريخ تقارب وقت الإحتفالات الوثنية بانقلاب الشمس لكن التواريخ غير مطابقة وتقاليد الإحتفالات مختلفة جداً عن التقاليد المسيحية. فلا توجد أدلة بأن تم توزير يوم ميلاد السيد المسيح ومن المرجح ان تم إختيار هذا اليوم بسبب بعض التقاليد المسيحية والسهولة العملية في وضع تاريخ إحتفال جامع للامبراطورية الرومانية.

لذلك الموضوع يبقى مفتوح لفكرنا نحن كمسيحيين وكيف نقرأ الحقائق وكيف نحتفل بالمسيح في حياتنا. الرسول بولس في رسالته الى اهل رومية يعلمنا ان نعيش يومنا للرب:

  • 5. وَاحِدٌ يَعْتَبِرُ يَوْماً دُونَ يَوْمٍ وَآخَرُ يَعْتَبِرُ كُلَّ يَوْمٍ - فَلْيَتَيَقَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ فِي عَقْلِهِ:
  • 6. الَّذِي يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ فَلِلرَّبِّ يَهْتَمُّ وَالَّذِي لاَ يَهْتَمُّ بِالْيَوْمِ فَلِلرَّبِّ لاَ يَهْتَمُّ. وَالَّذِي يَأْكُلُ فَلِلرَّبِّ يَأْكُلُ لأَنَّهُ يَشْكُرُ اللهَ وَالَّذِي لاَ يَأْكُلُ فَلِلرَّبِّ لاَ يَأْكُلُ وَيَشْكُرُ اللهَ.
فالتعليم الكتابي واضح، اذا اردنا الإحتفال بميلاد السيد المسيح ام لا، مادام يومنا هو للرب، فلا فرق في ان نكون نحتفل في يوم 25 ديسيمبر ام 6 يناير ام في اي شهر آخر. هذه الأشياء رفعنا عنها السيد المسيح عندما خلصنا على الصليب ورفع من مستوانا الروحي لأكثر من مجرد الإحتفال، لكن الإحتفال وتقديم كل يوم في حياتنا للرب. فلا يوجد شئ وثني بالإحتفال بيوم ميلاد المسيح، فالملاكة والرعاة تهللوا وإحتفلوا بهذا الحدث العظيم. في نفس الوقت يجب علينا ان نكون نبهين وحذرين من العاداة التقاليد التي تتناقلها شعوبنا ومجتمعاتنا وان نكون على يقين بأن كل إحتفال وكل يوم نقدمه بكل قداسة وطهارة للرب.

اتمنى ان يكون الموضوع سبب فائدة للقارئ. موضوعنا القادم هو هل شجرة عيد الميلاد هي عادة وثنية؟ ارميا 10 يليه موضوع آخر عن حقيقة شخصية البابا نويل. تابعونا.

سلام ونعمة
 
التعديل الأخير:

paul iraqe

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
3 يناير 2014
المشاركات
15,606
مستوى التفاعل
1,314
النقاط
113
الإقامة
IRAQ-BAGHDAD
شكرا جزيلا اخي الكريم على الموضوع المهم
واسمح لي بمداخلة حول بعض المتعلقات التأريخية حول الموضوع

يعود تقليد تزيين أشجار عيد الميلاد إلى زمن طويل قبل انتشار المسيحية، وبالتحديد ترجع أصول تقاليد الكريسماس إلى الحضارات القديمة في أوروبا، حيث استخدم الناس الأشجار دائمة الخضرة للاحتفال بالانقلاب الشتوي أو عيد منتصف الشتاء، حيث بداية زيادة طول النهار ونقصان ساعات الليل.

وقد أصبحت ممارسة تزيين أشجار عيد الميلاد شائعة بألمانيا في العصور الحديثة، ومن هناك امتدت إلى أجزاء أخرى من أوروبا، وفي النهاية إلى الولايات المتحدة التي ترددت كثيرا في اقتباسه نظرا لجذوره الوثنية.

وفي مقاله بموقع "ذا كونفيرذيشن" (The Conversation) يقول الكاتب والأكاديمي تروي بيكهام، أستاذ التاريخ بجامعة تكساس "إيه آند إم"، إنه لا يحب شراء شجرة عيد ميلاد جاهزة ليشعر بالالتحام مع واحد من أقدم التقاليد الدينية في العالم.
رمز الحياة زمن العتمة

لطالما كانت كل المجتمعات الزراعية، تقريبا، تقدس الشمس في مجمع الآلهة الخاصة بها في وقت من الأوقات، فهو الآلهة "سول" (Sol) في الأساطير الإسكندنافية، و"هيتزيلوبوتشي" (Huitzilopochtli) في حضارة الآزتيك، و"هيليوس" (Helios) في الميثولوجيا الإغريقية.

وكانت الانقلابات الشمسية، أي عندما تكون الشمس في أعلى وأدنى نقطة في السماء، أحداثا كبرى. وكان الانقلاب الشتوي -حيث تكون السماء في أحلك حالاتها- يوما مميزا للاحتفال في المجتمعات الزراعية عبر تاريخ البشرية.

ففي بلاد فارس كانوا يحتفلون بذلك اليوم ويسمونه "شب يلدا" (Shab-e Yalda) ويعني (ليلة يلدا) وفي الصين وأيضا في هونغ كونغ وتايوان واليابان وفيتنام وكوريا كان يسمى "دونغتشي" (Dongzhi)، وفي أميركا الشمالية كان السكان الأصليون مثل قبائل زوني وعرقية هوبي يحتفلون به باسم احتفال "سويال" (Soyal).

فما هي الزينة المفضلة بالانقلابات الشتوية القديمة؟ الإجابة هي: النباتات دائمة الخضرة.

ولطالما استخدمت النباتات دائمة الخضرة رموزا للمثابرة في الحياة خلال فصل الشتاء الموحش، ووعدا وأملا بعودة الشمس، سواءً كان ذلك عبر جمع أغصان النخيل للاحتفال بالآلهة رع في ممالك مصر القديمة (الفرعونية)، أو أكاليل الزهور في عيد الآلهة ساتورن (آلهة الحصاد) في الأساطير الرومانية.


عيد الميلاد يطل بتؤدة

في ذلك السياق القديم، جاء عيد الميلاد متأخرا جدا، إذ لم يحدد موعد له في روزنامات الشعائر الدينية إلا بعد قرن من ولادة نبي الله عيسى المسيح (صلى الله عليه وسلم) ولم تظهر كلمة "كريسماس" (Christmas) الإنجليزية -وهي اختصار لفظة "قداس المسيح" (Christ’s Mass)- إلا بعد مرور أكثر من ألف عام على الحدث الأصلي (ميلاد المسيح عليه السلام).

ولما كان يوم 25 ديسمبر/كانون الأول يوم عيد مسيحي، فقد نقل العديد من الأوروبيين ببساطة تلك التقاليد من احتفالات الانقلاب الشتوي، والتي كانت تنطوي على مظاهر احتفالية صاخبة. فعلى سبيل المثال، فإن أصل الاحتفال بعيد الميلاد لمدة 12 يوما، والترنم بالتراتيل الشعبية، يعود في الواقع إلى تقاليد مهرجانات الشعوب الجرمانية القديمة (تنحدر من شمال أوروبا).

كما أن استخدام النباتات دائمة الخضرة -وعلى الأخص شجرة عيد الميلاد- يعد الأثر الباقي الأكثر وضوحا لاحتفالات الانقلاب الشمسي القديمة الموروثة عما قبل المسيحية.

ورغم أن الترنيمة الشهيرة التي تغنى بها الشاعر والمؤرخ الألماني إرنست أنشوتز عام 1824، وخص بها شجرة التنُّوب، تُرجمت إلى الإنجليزية باسم (O Christmas Tree) وتعني (يا شجرة عيد الميلاد) فإن عنوان النغمة الألمانية الأصلية هو ببساطة (Tannenbaum) أي شجرة التنُّوب. ولا توجد أي إشارة إلى عيد الميلاد في الترنيمة، بل إن أنشوتز اعتمد في ترنيمته على أغنية حب شعبية أقدم بكثير من تراث شعوب سيليزيا التي تتقاسمها حاليا ألمانيا وبولندا والتشيك.

وحفاظا على تقاليد الاحتفالات القديمة بالانقلاب الشمسي، تشيد الأغنية بقوة تحمل الشجرة -التي أصبحت شجرة عيد الميلاد لاحقا- خلال الشتاء المظلم والبارد.
ردة فعل عكسية

أعطى البروتستانت الألمان -المتحمسون لإزالة الأيقونات (التماثيل) والقطع الأثرية الخاصة بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية في القرن الـ 16- دعما كبيرا لفكرة شجرة عيد الميلاد عندما استخدموها لتحل محل مشاهد ولادة المسيح (المهد). ويُزعم أن المصلح الديني مارتن لوثر (1483- 1546) تبنى هذه الممارسة وأضاف إليها الشموع، بحسب الروائي الكندي تروي بيكهام.

لكن بعد قرن من الزمان، استاء الإنجليز التطهيريون (البيوريتانيون) من العطلة غير المنتظمة لافتقارها إلى شرعية العهد القديم، فحظروها في خمسينيات القرن الـ17، حيث قام الجنود بدوريات في شوارع لندن بحثا عن أي شخص يجرؤ على الاحتفال باليوم.

وفعل المستعمرون البيوريتانيون (مذهب مسيحي بروتستانتي ينادي بإلغاء الرتب الكهنوتية ويتبنى تقاليد اجتماعية محافظة) في ولاية ماساتشوستس الأميركية الشيء نفسه، عندما فرضوا غرامة على "كل من يُعثر عليه وهو يحتفل بعيد الميلاد أو ما شابه، سواء بالامتناع عن العمل أو للهو الصاخب أو بأي طريقة أخرى".

وقد كان للهجرة الألمانية إلى المستعمرات الأميركية الفضل في أن يترسخ تقليد استخدام الأشجار في العالم الجديد. وقدر الرئيس الأميركي بنجامين فرانكلين (1706- 1790) أن ما لا يقل عن ثلث السكان البيض في ولاية بنسلفانيا كانوا ألمانا قبل الثورة الأميركية.

ومع ذلك، ازدهر التقليد الألماني لشجرة عيد الميلاد في الولايات المتحدة إلى حد كبير، إذ يعود نسب العائلة الملكية البريطانية إلى ألمانيا الجرمانية.


التقاط إشارة الملكة

منذ عام 1701، مُنع الملوك الإنجليز من اعتناق المذهب الكاثوليكي أو الزواج. وكان لألمانيا -التي كانت تتشكل من خليط من الممالك- أمراء وأميرات بروتستانت مؤهلون بقوا على مذهبهم.

واحتفظ العديد من أفراد العائلة المالكة البريطانية سرا بالتقليد المألوف في استخدام شجرة عيد الميلاد. لكن الملكة فيكتوريا (1819- 1901) -والتي كانت أمها ألمانية وجدتها لأبيها ألمانية كذلك- جعلت هذه الممارسة علنية وعصرية.

وصاغ أسلوب حكم فيكتوريا الأخلاق الصارمة (المحافظة) ظاهريا التي تمحورت حول الأسرة وهيمنت على حياة الطبقة الوسطى خلال تلك الحقبة. وفي أربعينيات القرن الـ 19، أصبح عيد الميلاد هدفا للإصلاحيين -مثل الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز (توفي 1870)- الذين سعوا إلى تحويل الاحتفالات الصاخبة للعطلة التي تم تهميشها إلى حد كبير إلى يوم عائلي يمكن فيه لشعب الدولة الصناعية الاسترخاء والابتهاج وشكر النعم.

وقد دوّن الروائي الإنجليزي الشهير فكرته عن الكريسماس في روايته "ترنيمة عيد الميلاد"، ويرفض فيها بطل الرواية اعتبار هذه المناسبة عيدا، ويرفض الانضمام لحفل الكريسماس ليبقى وحيدا في بيته ويزوره شبح يحذره من عواقب بخله الشديد.

وساعدت رواية ديكنز واسعة الانتشار في إبراز ما كان يجري بالفعل في مناسبة الكريسماس في بريطانيا التي خرجت منها تقاليد الكريسماس، وجرى التركيز بالعصر الفيكتوري على دور الأسرة في المناسبة وكذلك تقليد تقديم الهدايا، وجرى استنساخ صورة الاحتفال وطقوسه وتعميمها عبر وسائل الإعلام والمجلات والمسرح آنذاك، بحسب الأكاديمي كارل دبليو جونز بجامعة وستمنستر.

وقد أضافت الملكة فيكتوريا شجرة التنوب للاحتفالات العائلية بعد 5 سنوات. ورغم أن أشجار الميلاد كانت جزءا من الاحتفالات الملكية الخاصة لعقود من الزمن، فإن مجلة "لندن إيلستريتيد نيوز" (London Illustrated News) المصورة أظهرت عام 1848 صورة لفيكتوريا مع زوجها الألماني وأطفالها وهم يزينون شجرة عيد الميلاد في قلعة وندسور.

وكان التأثير الثقافي لتلك الصورة شبه فوري، حيث بدأت أشجار عيد الميلاد تظهر بالمنازل في جميع أنحاء إنجلترا ومستعمراتها وبقية العالم الناطق بالإنجليزية. ونشر ديكنز قصته القصيرة (A Christmas Tree) "شجرة عيد الميلاد" بعد ذلك بعامين.


أميركا تتبنى تقليد شجرة الميلاد

خلال تلك الفترة، احتضنت الطبقات الوسطى في أميركا عموما كل ما وصلها من الحقبة الفيكتورية، من الهندسة المعمارية إلى أفكار الإصلاح الديني والمحافظة الاجتماعية.

واستغلت الأديبة الأميركية سارة هيل -التي ذاع صيتها بقصيدة لأطفالها "ماري لديها حمل صغير" (Mary had a Little Lamb)- منصبها كمحررة للمجلة الأكثر مبيعا "غوديز ليديز بوك" (Godey’s Ladies Book) للدفع بأجندة إصلاحية تضمنت إلغاء العبودية، وإقامة عطلات روجت للقيم الأسرية والتقوى الدينية. ربما كان اعتماد عيد الشكر كعطلة وطنية عام 1863 هو إنجازها الأكبر.

وأصبح تزيين الأشجار على نحو غير منتظم، في منازل المهاجرين الألمان بالولايات المتحدة، ممارسة سائدة لدى أفراد الطبقة الوسطى عندما نشرت مجلة "غوديز" عام 1850 رسما منقوشا للملكة فيكتوريا وشجرة عيد الميلاد الخاصة بها. وساعدت هيل -وهي من مؤيدي ديكنز وحركة إعادة إحياء عيد الميلاد – في الترويج لشجرة الميلاد العائلية على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي.

ولم تعترف الولايات المتحدة بعيد الميلاد كعطلة رسمية على مستوى الدولة إلا عام 1870.

وظهرت ممارسة إقامة أشجار عيد الميلاد في العلن بالولايات المتحدة في القرن العشرين. وعام 1923، ظهرت أول شجرة من ذلك النوع في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض. وخلال فترة الكساد الكبير، بدأت المواقع الشهيرة مثل مركز روكفلر بنيويورك في نصب أشجار أكبر بشكل متزايد.
أشجار عيد الميلاد تصبح عالمية

وبعد أن تمدد تأثير كل من الثقافتين الأميركية والبريطانية في جميع أنحاء العالم، بدأت أشجار عيد الميلاد بالظهور في الفضاءات العامة حتى في البلدان التي لا يغلب عليها الطابع المسيحي بما في ذلك بلدان غير مسيحية كثيرة.

وربما كانت الدعاية ووسائل الإعلان الجماعية هي السبب وراء تطور ارتباط عيد الميلاد (الكريسماس) بالهدايا التي شكلت الملمح الأبرز للكريسماس ذاته، الوقت الحاضر.

وقد أدركت الشركات أن عيد الميلاد يمكن أن يدر أموالا كثيرة، وبدأت الإعلانات الموسمية تشدد على سلوك "تقديم الهدايا" كجزء رئيسي من تقاليد عيد الميلاد عبر عرض "بابا نويل" مع المنتجات ذات العلامات التجارية التي تنامى الإقبال عليها من قبل المستهلكين.

وتعد شجرة عيد الميلاد الحديثة رمزا عالميا يحمل مزيجا من المعاني الدينية وغير الدينية. وتعزز تلك الشجرة، المزينة بالأضواء، الأمل وتشيع الألق بالفعل في أحلك أوقات السنة لنصف العالم.
 

خادم البتول

عضو نشيط
عضو نشيط
إنضم
13 أبريل 2012
المشاركات
1,082
مستوى التفاعل
1,060
النقاط
113
الإقامة
عابـــر سبيــــل
.
سلام المسيح أستاذنا الحبيب وكل عام وأنت بخير. أيضا تحياتي وتقديري للجهد الكبير الذي بذلته في هذا الموضوع، باعتمادك على مصادر عديدة وحيادك قدر المستطاع عند طرح الأمر من كافة الزوايا وهكذا. يعني الموضوع "متعوب فيه" كما كنا نقول في الزمن الجميل. :) ربنا يعوض تعبك.
تعليقي سيكون في جزأين. أولا ما هي الأسطورة؟
الأسطورة ببساطة هي ما "سطره" الأوائل. هذا هو المعنى الأصلي للكلمة. الأساطير بالتالي لا تعني "الخرافات"، بل هي بالأحرى تراث الإنسانية المتراكم عبر آلاف السنين. ارتبطت "الأسطورة" بـ"الخرافة" فقط لأن ما تحكيه الأساطير يأتي في العادة خرافيا خياليا أو حتى عبثيا لا معقولا. ولكن الأساطير ـ خلف هذه الواجهة الخرافية المثيرة ـ تحمل في العادة رموزا شديدة الثراء وتقدم معانٍ إنسانية هامة لا تنسجم فقط مع العقل أو الواقع بل ربما تساعدنا أيضا على فهمه وحتى فهم أنفسنا أحيانا.
الآن تأمل فضلا ما يلي في ضوء هذا الأفكار.
مباشرة بعد زيارتي الأخيرة هنا ظهرت على اليوتيوب محاضرة للعلامة مانلي هول، كان موضوعها أيضا حول الكريسماس. في هذه المحاضرة يحكي لنا هول ـ باختصار ـ عن "النور" وعلاقته بـ"الحياة" وكيف كان ميلاد "الشمس" يحمل معنى "الرجاء" وكيف ينطوي على فكرة "التجديد" و"القيامة" و"الخلود" وغيرها. هذه كلها معانٍ إنسانية ووجودية عميقة، أكبر من أي أسطورة أو ديانة أو حتى ثقافة بعينها. من هنا كان احتفال الإنسان القديم بعودة الشمس هو أهم احتفالاته وأكبرها وأكثرها شيوعا، نجد آثاره عند كل الشعوب تقريبا وفي سائر الديانات والأساطير القديمة.
هل ترى ما يشير هول إليه وما يريد قوله؟
يصل هول بالتالي إلى خلاصة هامة: هي أن الكنيسة حين "مسحنت" هذا التاريخ في شهر ديسمبر (أي جعلته مسيحيا) كانت تنطلق بالأحرى من فهم عميق لهذه المعاني الإنسانية الكبرى. الكنيسة لم يكن هدفها "ربح النفوس" كما ذهب لذلك مثلا أسيموف أو غيره. لا، المسألة أعمق من ذلك بكثير. بالأحرى رأت الكنيسة في كل هذه الاحتفالات وفي كل هذه الأساطير رمزا للمسيح، إرهاصة بمجيئه وبشارة بقدومه، بالضبط كما رأت رموز المسيح وإرهاصاته في "العهد القديم" على سبيل المثال. إنها "حقائق كونية" و"معانٍ وجودية" عميقة، لا مجرد "عادات وثنية" أو حتى "ديانات محلية" أثرت على الكنيسة أو تأثرت بها.
***
كانت هذه باختصار هي خلاصة المحاضرة. لكن "كلمة واحدة" لفتت نظري بل أدهشتني، وهي في الحقيقة ما أكتب اليوم لأجله. إنها كلمة "إيريناوس"، التي ذكرها هول عَرَضا في سياق حديثه، في إشارة إلى أن القديس إيريناوس تحدث بهذا الأمر وهو الذي أخبرنا أن الكنيسة تحتفل بميلاد السيد المسيح في الخامس والعشرين من ديسمبر!
كان هذا بالتالي خبرا جديدا تماما! صحيح أنني لست مختصا بهذا الفرع من البحث، ولكني لم أسمع أبدا من قبل ـ لا عند أسيموف ولا حتى هنا في موضوعك هذا الذي تعددت مصادره ـ أن إيريناوس تحدث بالأمر!
وبالطبع لا تخفي عليكم قيمة إيريناوس التاريخية. إيريناوس لم يكن مجرد قديس كبير بل كان معبرا لنا نحو الرسل، لم يفصله عنهم سوى بوليكارب معلمه، الذي تلقى مباشرة من يوحنا وأعطى إيريناوس. شهادة إيريناوس بالتالي تفوق تاريخيا أي شهادة أخرى ولو جاءت من الذين عاصروه (مثل ترتليان) أو حتى الذين سبقوه (مثل يوستن الشهيد، الذي ـ رغم أسبقيته تاريخيا ـ لم يكن له أي اتصال مباشر مع "الآباء الرسوليين").
من ناحية أخرى كانت هذه مرجعية هول شخصيا! إذا قال رجل مثل مانلي هول إن «إيريناوس تحدث بالأمر» فقد تحدث إيريناوس بالأمر. قُضي الأمر. لا مجال للشك أو المراجعة أو حتى النقاش مع هذا الرجل! ?
بحثت بالتالي قليلا فوجدت ما قد يغير فكرتنا تماما، بل يقلب الأمور رأسا على عقب! لأجل هذا قررت أخيرا كتابة هذا التعليق المطوّل، وفيما يلي بالتالي الجزء الثاني والأهم من تعليقي.
 

خادم البتول

عضو نشيط
عضو نشيط
إنضم
13 أبريل 2012
المشاركات
1,082
مستوى التفاعل
1,060
النقاط
113
الإقامة
عابـــر سبيــــل
. . . . . . . . . . . . .
حسب الكاتب الكاثوليكي شين شيتزل: نعم، إيريناوس 1كر بالفعل هذا الأمر في كتابه الأشهر "ضد الهرطقات". إيريناوس بالتالي هو على الأرجح أقدم مصادرنا! يقول إيريناوس إن المسيحيين الأوائل ـ أي منذ عهد الرسل نفسه ـ كانوا يحتفلون بميلاد المسيح في ديسمبر، بعد 9 أشهر بالضبط من الحمل به في مارس.
ثانيا وهو الأهم ـ يقول شيتزل ـ إن الكنيسة لم تأخذ أي عيد وثني وتجعل منه تاريخا لميلاد المسيح. بالأحرى كان ما حدث هو العكس تماما: لقد أخذ الوثنيون تاريخ ميلاد المسيح وجعلوا منه عيدا وثنيا! الوثنيون هم الذين "اختطفوا" العيد المسيحي، حسب تعبيره، وليس العكس!
نعم، عبادة الشمس قديمة ومعروفة منذ زمن بعيد جدا، لكن احتفال الوثنيين الرئيسي بالشمس كان بالأحرى في أغسطس، لا ديسمبر. ما الذي دفع بالتالي الإمبراطور أوريليان، عام 274، لإصدار مرسومه الذي أقر فيه يوم 25 ديسمبر عيدا لمولد الشمس؟
بعبارة أخرى: شهادة إيريناوس (130-202) سبقت مرسوم أوريليان. حتى شهادة سكستوس أفريكانوس (160-240) سبقت مرسوم أوريليان. ثم جاء أخيرا أوريليان (ما بين 270-275) فأصدر مرسومه، في فترة بدأت المسيحية خلالها بالانتشار والشيوع وبلغ الصراع ذروته بين الفريقين. مَن الذي أخذ بالتالي حقا من الآخر وحاول أن يستوعبه ويتجاوزه: المسيحيون أخذوا من الرومان، أم الرومان من المسيحيين؟
علاوة على ذلك: صدر هذا المرسوم في فترة هدنة نسبية بين اضطهادين عظيمين للمسيحيين: اضطهاد فاليريان، ما بين 253-260، واضطهاد دقلديانوس، ما بين 284-305. في سياق كهذا أيهما الأرجح: أن يأتي روماني مثل أوريليان ويحاول تحويل الانتباه عن الاحتفال المسيحي بتقديم عيده الوثني الخاص في نفس اليوم، أم أن يتبنى المسيحيون عيدا وثنيا على أنه عيدهم، ما بين اضطهادين حاول خلالهما الرومان إبادتهم كليا من الوجود؟ لنتذكر ـ يقول شيتزل ـ أن المسيحيين كانوا يواجهون الموت ويذهبون للاستشهاد تحديدا لأنهم رفضوا الامتثال لأي تقليد وثني. هل يُعقل بالتالي ـ في قلب هذه الاضطهادات ـ أن يتبنوا تقليدا وثنيا؟ أليس هذا بالأحرى هراء لا منطق فيه على الإطلاق؟
***
الخلاصة: يقدم شين شيتزل نظرية أرى أنها وجيهة جديرة بالاهتمام وتستحق إضافتها إلى موضوعك، الذي يتميز بأنه يقدم للقارئ بانوراما تطرح تقريبا جميع الأقوال في حياد، والموضوع لذلك مكتوب بطريقة "علمية" جيدة حقا. لكن هذا فيما أرى لا يكفي. يحتاج القارئ ـ علاوة على هذا ـ أن تقدم له في النهاية "ترجيحا" ما لأحد هذه الأقوال. يحتاج "رؤية" أو "نظرية" تتبناها ـ أو يتبناها اللاهوت الدفاعي ـ تفسر له ما حدث حقا، ولو ترجيحا، وتجيب له بوضوح عن سؤاله الأساسي: لماذا في النهاية يحتفل المسيحيون في هذا اليوم تحديدا بميلاد المسيح؟ أعتقد أن نظرية شيتزل يمكن أن نتبناها ولو مؤقتا في هذا السياق.
أطلت كثيرا فعذرا، ولكن كان لابد من توضيح الفكرة قدر المستطاع. تحياتي ومحبتي.
_______________________
* محاضرة مانلي هول الصوتية على اليوتيوب: ألقاها في 22 ديسمبر 1985، وهي بالتالي "محاضرة الكريسماس" التي اعتاد أن يقدمها سنويا.
* مقال شين شيتزل: ردا على شهود يهوه والأدفنتست وغيرهم ممن يهاجمون الكريسماس بالغرب. المقال طويل ومتنوع ولا يقف عند حدود ما ذكرته هنا فقط.
 
أعلى