سلام المسيح لكم وعليكم أيها الأحباء واشرقت صباحاتكم ومساءاتكم أينما كنتم بأنوار المسيح دائما. أحد الأصدقاء (خارج المنتدى) لفت نظري إلى أن إحدى رسائلي الأخيرة هنا حملت بعض عبارات غير دقيقة أو على الأقل خلافية (الفقرة الخاصة بالتأله). قمت بالمراجعة فوجدت أن هناك كلمة واحدة فقط تحتاج بالفعل إلى التغيير، جاءت غالبا نتيجة العَجَلة أثناء الكتابة وأعتذر بالطبع عن ذلك. لكن بقية الفقرة، فيما أعتقد، صحيح من الناحية العقيدية/ اللاهوتية، وإن كان ملتبسا أو غامضا بعض الشيء نتيجة الاختصار الشديد. كنت أتمنى لو كانت لدينا إمكانية تحرير الرسائل، كما كان الحال قديما، كي أضبط هذا الأمر كله في دقائق وأخرج في هدوء. من ناحية أخرى فالموضوع هنا خفيف لطيف لا يحتمل الخوض في هذه التفاصيل، لا سيما أن الفقرة المشار إليها جاءت كلها عَرَضا من الأصل.
لكنها الأمانة، وقد لزم بالتالي هذا التنويه على الأقل. سأحاول بمشية الرب مستقبلا ـ إذا توفر السياق وسمحت الفرصة ـ ضبط الكلمات مع شرح ما كنت أعنيه بطريقة أفضل. في الحقيقة كتبت ذلك بالفعل، وضعت شرحا كاملا تناولت فيه كل عبارة كتبتها بالتفصيل، ثم قمت أخيرا بإلغاء الرسالة كلها لأن طبيعة هذا الموضوع هنا لا تحتمل كما ذكرت. فقط أرسل لكم فيما يلي الجزء الأخير من هذه الرسالة، لعل أهدافي على الأقل أو منطلقاتي تتضح للأحباء جميعا.
*******************************
...............
أما مراجعنا في كل ذلك فهي تقريبا لا حصر لها، وقد ذكرت بالفعل كتاب فلاديمير لوسكي، واحد من أشهرها وأقدمها بالغرب. لذلك تعجبت تماما ـ وما أزال ـ أمام هذه الخلافات التي ظهرت بالشرق في العقود الأخيرة حول عقيدة التأله. (بل كان هذا نفسه فيما أرى سببا رئيسيا لماذا عزف البعض عن الإيمان وعن الكنيسة. ليس أسهل على الشعب لا سيما الشباب ـ بعد أن فقد بوصلته وأساس إيمانه ـ من أن يتأثر بحملات التشويه وكل تلك الشبهات والأباطيل من حوله، بل أن يتحوّل حتى عن الإيمان كليا ويلتحق بديانات أخرى زائفة، ليس أوضح من زيفها وخوائها، حتى أنها لا ترقي للمقارنة أصلا أو لمجرد النقاش مع الفكر المسيحي)!
فهل "التأله" هو بوصلة الشرق وأساس إيمانه؟ ليس بالضبط. نحن لا نفهم حتى معنى التأله أصلا، لأنه ببساطة يفوق العقل. التأله «فوق كل اسم» كما قال أحد القديسين. لكنها الثقافة عموما: التركيز على تجديد الإنسان ورفعه وتقديسه. إعطائه القيمة والأولوية دائما. التركيز على شفائه الداخلي والسعي بإخلاص لذلك. مشاركة الجميع ووجود المثال والقدوة أينما ذهبنا. إعطاء معنى لحياته ورسالة وهدفا أعظم لوجوده. إدراكه أن هذا الإيمان ليس مجرد فرار من عقوبة غاضبة لا نستحقها، أو من خطيئة أصلية لم نرتكبها، بل أساسه المحبة المطلقة وغايته رفع الإنسان دون حدود نحو الكمال، نحو الخير والحب والنور والقداسة، نحو الله ذاته وشركة الحياة الإلهية. وهكذا.
إنها الثقافة كلها. سائر الأفكار والقيم التي تتفاعل معا في هذه الثقافة وتحركها. ثقافة التجديد والتقديس والارتقاء الذي لا ينتهي. ثقافة الاحتفاء بالإنسان دائما، صورة الله وتاج الخليقة وكاهنها، مهما كان ضعفه أو خطيئته. كل ذلك ينطلق من عقيدة التأله، نعم، لكنها ليست "عقيدة التأله" ذاتها كمفهوم عقلي، فكرة مجردة، اصطلاح قد يُساء فهمه أو حتى يمتنع الفهم مطلقا. ما نقصده بالأحرى ـ كما في المسيحية كلها ـ هو الحياة وهو الخبرة نفسها، وليست النظرية المجردة. الروح والمعنى، وليس الحرف القاتل. النعمة والنور ومعرفة الله والدخول حقا في شركته، وليس الفكر أو الفلسفة أو حتى اللاهوت نفسه.
(أتذكر منذ فترة هنا كنا على سبيل المثال نشكو من "الحشمة في الكنيسة"، كما تفضل الأستاذ كاراس بإحدى المشاركات القيمة في ذلك. ولكن هل ينفصل هذا عن الثقافة كلها؟ إنها نفس الأزمة أيها الأحباء: ثقافة الخواء والضياع وفقدان المعنى، بدلا من الإيمان والثقة ووضوح الطريق والغاية. فقط على سبيل المثال).
أخيرا أضع في الختام هذا الرابط أيضا ـ عن "التأله والمتألهين" ـ من هذا المنتدى نفسه في عهده الذهبي، لمن يهتم بهذا المفهوم أو يرغب بمعرفة المزيد. تحياتي ومحبتي.
***