من اقوال قداسه البابا شنوده

النهيسى

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
27 يوليو 2008
المشاركات
92,326
مستوى التفاعل
3,201
النقاط
113
الإقامة
I love you Jesus
العنف المُنَفِّر والمدمِّر



لا يستريح أحد إلي العنف، حتى من الطبيعة إن كانت عنيفة:

إنها مخيفة تلك الأعاصير العنيفة التي تغرق مدنا وتشرد سكانها، وكذلك السيول العنيفة التي تجرف أمامها كل معالم الحياة. وأيضا الزلازل التي تهز الأرض وتهدم بيوتا. والبراكين التي تحرق وتدمر.. بل ما أشدها رعبا تلك الأمواج الصاخبة من بحر هائج تهدد السفن وركابها بالغرق. ومثلها الحرائق العنيفة التي تتلف وتميت.

أيضا عنيفة جدا تلك الأمراض التي يقف أمامها الطب عاجزا كل ما يستطيعه أن يسكن بعض الآلام القاسية التي تنتج عنها، دون أن يجد لها علاجًا..!

كل هذه أنواع عنف من الطبيعة. وكلها غير مقبولة. وماذا تراه يصنع الإنسان تجاهها؟! ولكن هناك نوعا آخر من العنف قد يصدر من جانب البشر أنفسهم. فما هو؟

عنف قد يبدأ بالإهانة والضرب، وقد يصل إلي القتل، أو ما يعرف باسم التصفية الجسدية. وربما يشمل ألوانا من التعذيب، تخرج عن نطاق المشاعر الإنسانية، ولا تتفق مع أبسط أنواع الرحمة. وقد يتعرض له الأبرياء بلا سبب.. وهذا ما يسمي الإرهاب. ومن ضحاياه الأفراد أو الجماعات.

والعنف عموما هو سلوك منفر، ولا يتفق مع الوداعة واللطف. ولا مع حسن التعامل بين الناس، ولا مع فضيلة السلام التي يدعو إليها الدين، والتي هي لازمة لسلامة المجتمع.. والعنف لا يتفق أيضًا مع المحبة التي تربط بين الناس. وفي ظلها يعيش كل شخص آمنا لا يخشي شرا من أحد.


وقد ينتج العنف عن أسباب عديدة، ربما في مقدمتها قساوة الطبع، أو التهور أو اللامبالاة بمشاعر الآخرين ومصائرهم..

فالشخص القاسي يكون عنيفًا:

ليس فقط في تصرفاته وتعامله مع غيره. بل حتى ملامح وجهه يظهر فيها العنف، في نظرات عينيه، وفي لهجة صوته، وفي أسلوب تخاطبه.

والشخص العنيف قد يظهر عنفه في كلامه الجارح العنيف الذي لا يحترم فيه أحدًا. بل يكون مستعدا للاحتكاك بغيره لأتفه الأسباب أو لغير ما سبب! ولقد صدق الشاعر حينما قال عن مثل هذا:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوَّت إنسان فكدت أطير

أما عن العنف الناتج عن تهور ولا مبالاة:

فمن أمثلته كثير من حوادث المرور، التي في بعضها يهجم سائق عربة نقل طائش علي سيارة خاصة أو علي أتوبيس، وتكون نتيجة طيشه ولامبالاته قتل بعض الركاب أو إصابة بعضهم بإصابات خطرة.. وهذا السائق نفسه قد يلقي حتفه.. وكل ذلك بسبب عنفه في قيادة عربته، وعدم مبالاته بأرواح الناس.

وقد يقول البعض انه عنف غير مقصود. ولكن نتائجه عنيفة حتى لو كانت غير مقصودة.. وهذا الأمر قد يتكرر أيضا في بعض حوادث القطارات عن إهمال.

هناك عنف آخر يحدث نتيجة للخصومة والعداوة:

ليست كل عداوة فيها عنف. فربما تقتصر علي مشاعر من الكراهية وتقف عند هذا الحد. ولكن عنف العداوة يظهر في الرغبة في الانتقام، أو في تدمير العدو بأية الطرق.. إما بتشويه سمعته، أو بتدبير بعض المؤامرات ضده. أو الشماتة به والفرح بسقوطه. وهنا تكون مشاعر الخصومة عنيفة جدًا.

وقد يظهر عنف الخصومة، حينما يرفض الطرف العنيف كل محاولات الصلح التي تبذل لإرجاع العلاقة بينه وبين الطرف الآخر.
وأحيانا يكون العنف في العتاب، إذا قبل أحد الخصمين عتابًا:

المفروض في العتاب انه تقريب لذات البين بين الطرفين، والوصول إلي التفاهم ثم إلي الصلح.. ولكن بعض أنواع العتاب تكون عنيفة جدًا، لدرجة أنها تعقد الأمور بالأكثر، وتجعل الهوة بين الطرفين أكثر اتساعا. وقد صدق الشاعر حينما قال:

ودع العتاب فرب شر كان أوله العتاب

لذلك إن أردت أن تعاتب، فكن لطيفًا في عتابك.. وليكون قصدك هو الصلح، وليس تبرئة نفسك وإظهار خطأ الطرف الآخر. ولا تستخدم في عتابك عبارات قاسية أو اتهامات.

هناك عنف آخر في طريقة التربية في محيط الأسرة..

إذ انه بفهم خاطئ، قد يظن الأب انه يكون حازما في تربية أولاده، وذلك بالتضييق عليهم في كل شيء في دخولهم وخروجهم ومعاملاتهم.. وتتعب ابنته مثلا من هذه القسوة، وتهرب من البيت، لتلقي بنفسها في أي صدر حنون يعوضها بشفقته عن قسوة أبيها. وهكذا يحصد الأب نتيجة عنفه..!

أو قد يحاول أحد والديها أن يرغمها علي الزواج من قريب لها لا تحبه. فتهرب من إتمام هذا الزواج الذي يراد إتمامه عنفًا، أو قد تقبل مرغمة وتحيا تعيسة تندب حظها..

وقد يحدث عنف آخر في محيط التربية بين أستاذ قاس وتلاميذه، فيكرهونه ويكرهون علمه بسبب معاملته القاسية.


وقد يكون عنف الزوج في معاملة زوجته، سببًا في أن تطلب الطلاق أو الخلع، هاربة من هذا الزواج الذي لم تعد تطيقه. أو قد ينتهي الأمر بجريمة للتخلص من الزوج، مثلما طلعت علينا الأخبار في بعض الجرائد.

حقًا، إن العنف كثيرًا ما يولد عنفا مضادا في الجانب الآخر.


علي أن العنف قد يوجد كذلك في محيط الإدارة والوظائف. مثال ذلك مدير يعاقب أحد الموظفين بطرده أو فصله فصلا تعسفيا، غير مبال بمصير هذا الموظف بعد فصله، وبخاصة إن لم يكن له مورد رزق آخر..!

إن الفصل من الوظيفة هو أعنف عقوبة بالنسبة إلي موظف.. وهناك عقوبات كثيرة أخري يمكن أن يلجأ إليها رئيس العمل، دون أن يلجأ إلي قطع رزق إنسان تحت إدارته..

والطرد من العمل يولد إحساسًا عنيفا بالظلم. وربما لا يقدر هذا المطرود أو المفصول أن يقف ضد رئيسه في المحاكم!

ونفس الإحساس بالظلم يشعر به من يرفض المسئولون تعيينه أو ترقيته، علي الرغم من أن كفاءته تؤهله لذلك. ولكنه العنف!

وقد يتطور الأمر بهذا المظلوم إلي اليأس، ويجره اليأس إلي أخطاء أخري.. واليأس شعور طاغ عنيف ونتائجه عنيفة..

والعنف يظهر كذلك في بعض الثورات الدموية العنيفة..

وقد حكي لنا التاريخ أمثلة منها، وما تبعتها من محاكمات ومن مقاصل وإعدام. ولعل ما فعله روبسبير بعد الثورة الفرنسية مثل لذلك.. وكذلك ما فعلته الثورة الشيوعية حينما قامت في روسيا..

وأحيانا لا يكون عنف الثورات فيما تسفكه من دماء، إنما قد يكون أيضا في قوانين عنيفة، يقصد بها حماية الثورة وتثبيتها..


والعنف كما يوجد عند الأفراد، يوجد أيضا عند شعوب عنيفة، لا تعالج مصالحها إلا بالعنف. ويوجد أيضا عند أصحاب ما يسمونه بالطبع الناري. كما يوجد كذلك في أفلام العنف وتأثيرها..

ولا يفوتني في هذا المجال أن أذكر عنف العادات وسيطرتها، وعنف الإدمان وما يرغم عليه المدمنين من أخطاء..

كذلك عنف الفكر إذا سيطر. وأعنف الأفكار سيطرة هو فكر الإلحاد، لأن الشيطان بكل عنفه يدفع إليه.
 

النهيسى

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
27 يوليو 2008
المشاركات
92,326
مستوى التفاعل
3,201
النقاط
113
الإقامة
I love you Jesus
الصراحة: كيف؟ ومع من؟ وما حدودها؟



سألني أحد الشبان ذات مرة قائلًا:

"إنني إنسان صريح. لا أعرف النفاق ولا الرياء ولا المجاملة. ولا أقول غير الصدق في صراحة كاملة. ولكنني -للأسف الشديد- ساءت علاقتي مع الذين أصارحهم برأيي فيهم أو في تصرفاتهم. فيتعبون، ويسببون لي متاعب...

- فماذا أفعل. بماذا تنصحني؟ هل من الخطأ أن أتكلم بصراحة؟"

ولما كان موضوع الصراحة يهم الجميع، كما يهم صاحب هذا السؤال، لذلك يسرني أن أناقشه معه ومعكم في هذا المقال...

الصراحة ليست خطأ، بل قد تكون فضيلة أحيان

إنما المهم هو في أسلوبها، ومع من تكون، وكيف تكون؟


والذي يتعب من صراحتك، إنما يتعب من الأسلوب الذي تتكلم به أثناء صراحتك معه. هل هو أسلوب لائق أم غير لائق؟ هل هو أسلوب جارح أو أسلوب قاسٍ؟ وهل يشمل اتهامًا أو توبيخًا؟ وهل هذا الاتهام فيه لون من الظلم، لأنه يعتمد على معلومات غير سليمة قد وصلت إليك؟ وهل أنت تتكلم بروح المحبة أم بروح الهجوم والهدم؟ وهل أنت في صراحتك تتدخل في ما لا يعنيك، وتتجرأ على ما هو ليس من اختصاصك؟


كذلك – في صراحتك – راع الأسلوب الذي تتكلم به مع شخص أكبر منك سنًا أو مقامًا أو مركزًا.

لاشك أن الصراحة معه تختلف عن صراحتك مع شخص في نفس سنك ومركزك. وتختلف عن صراحتك مع صديق توجد بينك وبينه دالة. وتسمح هذه الدالة أن تستخدم معه ألفاظًا لا تستطيع أن تستخدمها مع شخص كبير... إنك تستطيع مثلًا أن تقول في صراحتك مع صديق "أنت غلطان". ولكنك ربما لا تستطيع أن تقول هذه العبارة لوالدك أو عمك أو أي شخص له مهابة في نظرك. إنما تستخدم تعبيرًا آخر يكون فيه لون من الأدب والاستحياء...


لذلك فإن الصراحة يلزمها أدب المخاطبة:

فعليك في صراحتك أن تكون حريصًا على انتقاء الألفاظ. بحيث تستخدم ألفاظًا تصل بها إلى هدفك، دون أن تهين من تكلمه أو تجرحه أو تسئ إليه، لأن هذا غير لائق ولا يأتي بنتيجة سليمة... فهناك أشخاص -في صراحتهم- يستخدمون ألفاظًا مثل رجم الطوب. ويحاولون أن يخفوا هذا الخطأ تحت اسم الصراحة! ويكون العيب ليس في صراحتهم، وإنما في عدم حرصهم على أدب التخاطب، وفي عدم اللياقة...


كذلك ينبغي أن تكون الصراحة في حكمة، وبهدف روحي سليم...

فهل الهدف من صراحتك هو التوبيخ والإهانة ومجرد النقد؟ أم الهدف هو تبليغ رسالة معينة؟ أم الهدف هو العتاب والتصالح؟ فإن كان الهدف سليمًا، تكون الوسيلة الموصلة إليه سليمة أيضًا وتأتى بنتيجة طيبة...

أقول هذا، لأن البعض يظنون أن هدف الصراحة هو توبيخ المخطئ أو من يظنون أنه مخطئ. حسب قول أحدهم مفتخرًا بصراحته:

"أنا إنسان صريح. أقول للأعور: "أنت أعور" في عينه.

فهل يا أخي إن قلت هذا للأعور، تكون قد كسبته أم خسرته؟! وهل في معايرتك له بأنه أعور، تكون صراحتك سببًا في إرجاع البصر إلى عينه العوراء؟! أم هي صراحة لمجرد التجريح والإهانة والإيذاء؟! وبلا فائدة تجنيها منها...

مثل هذا الإنسان (الصريح) يرى في الصراحة إثباتًا لجرأته!!

يرى نفسه شجاعًا في تطاوله على غيره! إذن فلو كانت صراحته مجرد مجال لإثبات الذات لا تكون حينئذ فضيلة، بل خطية...

إنه يتجرأ في الهجوم على الكبار. وكلما ازداد قدر الذي يهاجمه، ازدادت ثقته بنفسه، واعتبر صراحته دفاعًا عن الحق، أو ما يتصور أنه حق! والمشكلة أن مثل هذا الشخص يتطور من الموضوعية إلى النواحي الشخصية! ولا يحترس في استخدام الألفاظ، حتى يصل إلى ما يعتبر سبًا وقذفًا!!

ويظن أن هذا كله هو لون من حرية التعبير! غير أن حرية التعبير لن تكون حرية في التحقير أو في التشهير!!


هنا ونشير إلى نوع من الصراحة، هو الصراحة الظالمة.

كأن يتكلم إنسان في (صراحة)، دون دراسة وافية لما يقوله، وإنما اعتمادًا على بعض شائعات أو أقاويل لا نصيب له من الصحة. فيوجّه اتهامات قاسية تجرح المشاعر، يقولها بدون تحقق، وبغير مبالاة لنفسية من يتهمه ظلمًا. ويدعى أن الدافع له هو الصراحة. ولكنها صراحة ظالمة...


والبعض قد يُدخل الصراحة في موضوع العتاب:

والعتاب يكون مقبولًا ونافعًا، إن كان الهدف منه هو التصالح وتنقية الأجواء، وإن كان في محبة ومودة. كأن يبدأ بذكر محاسن الصديق ومواقفه الطيبة، قبل أن يتعرض لنقطة العتاب. بهذا يكون أسلوبه مقبولًا ويصل به إلى نتيجة طيبة...

غير أن البعض -باسم الصراحة وعدم المجاملة- يعاتب في عنف، وبألفاظ جارحة. وكأنما ينتقم لنفسه أثناء العتاب، ويحط من شأن صديقه. فلا يقبل ذلك منه، ويرد عليه بالمثل، ويشتعل الموقف. وينتهي هذا (العتاب الصريح) بتوسيع الهوة بينهما. وكما قال الشاعر:

ودَعْ العتاب فربّ شرٍّ كان أوله العتاب.


أما عن الصراحة التي تصدر من كبير إلى صغير:

فينبغي أن تسودها روح الحنو، والرغبة في إفادته وليست السيطرة عليه. وهكذا تكون في محبة وإقناع، وفي نصح وتعليم. ولا تكون مجرد أحكام تصدر بتوبيخ وتعنيف، باسم الصراحة!

إن الصراحة عمومًا، من المفروض أن تمتزج بالأدب واللياقة، سواء من كبير إلى صغير، أو من صغير إلى كبير...

حقًا، إن هناك فرقًا بين الصراحة وسلاطة اللسان!

أهمّ ما في الأمور نهايتها
الصفحة التالية مقالات البابا شنو
 
أعلى