الرصاصة في الغرفة الزجاجية
لم يكن غيفارا خلال تلك الفترة "رجل الثورة الكوبية الاقتصادي" فحسب، بل كان رجل المهمات السرية والخاصة، فنرى كاسترو يرسله كديبلوماسي متجوّل إلى الأرجنتين والأمم المتّحدة وجنيف وإلى دول العالم الثالث، فيقابل نهرو وعبد الناصر وسوكارنو، ويوقع في موسكو سنة 1962 الاتّفاق السري الذي سوف يؤدّي إلى تركيز الصواريخ السوفياتية في كوبا، وما سينتج عنها من توتّر دولي.
في 5 آذار 1965، يعود غيفارا إلى هافانا ويبدأ السرّ يخيّم على هذا الرجل. وهناك روايتان حول اختفاء غيفارا من كوبا.
الرواية الأولى تقول أنَّ غيفارا شعر بفشله كرجل دولة، وأدرك أنّه لا يستطيع أن يكون إلا الثائر المتجوّل الذي ينطلق في أميركا اللاتينية المليئة بحكايات الأبطال والثوار. وتقول هذه الرواية أنَّ غيفارا بعد عودته إلى هافانا من جولةٍ دامت ثلاثة أشهر، أعلن أمام كاسترو حاجته إلى "لبط" الكرسي الذي يجلس فوقه وضرورة مغادرته البلاد ليعود الثائر الباحث عن الآمال البعيدة. ويردّد غيفارا أمام كاسترو العبارة الشهيرة التي دفعته في يومٍ إلى أن يتخلَّى عن مجتمعه وعائلته ووطنه: "التاعسون هم مصدر القوة في العالم".
ويقول غيفارا أنّه سيبحث عنهم وسيثور من أجلهم ثم يضيف: "إنّ الثورة تتجمّد، والثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون على الكراسي ويبدأون بناء ما ناضلت من أجله الثورة. وهذا هو التناقض المأساوي في الثورة: أن تناضل وتكافح وتحارب من أجل هدف معيّن، وحين تبلغه، وتحقّقه، تتوقّف الثورة وتتجمّد في القوالب. وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمّدة داخلي".
وهناك رواية أخرى عن اختفاء غيفارا تبدو للوهلة الأولى أكثر "واقعية". تقول هذه الرواية أنَّ فيديل كاسترو وشقيقه راوول ودورتيكوس – الذي احتلَّ جميع مراكز "تشي" – كانوا ينتظرون غيفارا يوم 5 آذار 1965 على المطار، وأنّه فور نزوله من الطائرة أخذوه إلى غرفةٍ صغيرة زجاجية تستعمل لاستقبال ضيوف الشرف وكان يبدو أنَّ السلطات الكوبية تريد أن يتجنّب غيفارا التحدّث إلى أحد.
وتضيف الرواية أنَّ مشادّة عنيفة وقعت بين غيفارا من جهة، وراوول كاسترو ودورتيكوس من جهةٍ ثانية، بينما بقي فيديل "على الحياد". ويُقال أنَّ الجدال اشتدَّ إلى درجة أنَّ دورتيكوس، الذي أثارته ردود تشي العنيفة، أخرج مسدّسه من جيبه الخلفي وحاول إطلاق النار عليه.
لكنّ كاسترو منعه من ذلك. وكان النقاش يدور حول تهجّم غيفارا على الاتّحاد السوفياتي، والذي اعتبره المسؤولون في كوبا تهجّماً غير مباشراً على سياسة كوبا نفسها.
وتقول الرواية أيضاً أنَّ غيفارا التقى مرةً ثانية ليلة وصوله إلى هافانا بفيديل كاسترو وشقيقه راوول ودورتيكوس وبعض الرفاق القدامى، وأنَّ الجدال اشتدَّ بين تشي والآخرين فاضطرَّ أحد الموجودين لأن يشهر مسدّسه ويطلق رصاصة. ولا أحد يعلم أين انطلقت الرصاصة ومَن أصابت.
ومنذ ذلك اليوم بدأ السرّ يحوم حول غيفارا.
وفي 22 آذار 1965 يلقي تشي محاضرة بين عدد ضئيل من المستمعين، يتحدّث فيها عن رحلته، ويقول أنّه مرتاح الضمير لأنّه خدم قضية كوبا بينما يتّهمه الآخرون بخيانتها.
وفي أيار من السنة نفسها، يشاهد غيفارا للمرة الأخيرة في هافانا في دار "منشورات الثورة"، حيث جاء لتصليح "بروفات" كتابه: "الاشتراكية والإنسان في كوبا".
وتسري الإشاعات العديدة في كوبا، وفي جميع أنحاء العالم، تتّهم كاسترو بأنّه عمد إلى تصفية رفيق الدرب واغتياله.
ويثور كاسترو، ثم يعلن بعد أشهر من اختفاء غيفارا، في نهاية أيلول 1965، أنّه يملك الأدلّة التي توضح أسباب اختفاء غيفارا، وأنّه سيطلع الرأي العام عليها.
وفي 2 تشرين الأول، يقرأ فيديل كاستو، في حفلة رسمية كبيرة حضرتها زوجة غيفارا وهي ترتدي ثوباً أزرق، الرسالة التي وجّهها غيفارا إليه، معلناً تخلّيه عن جميع مناصبه، وعن جنسيّته الكوبية ويقول فيها: "هناك أماكن أخرى في العالم بحاجة إلى جهودي المتواضعة. وأستطيع أن أحقّق ما لا تستطيعه أنت، بسبب مسؤوليّتك في كوبا. سأنقل إلى ساحات النضال الجديدة الروح الثورية التي هي أقوى سلاح في وجه القوى الأميركية المسيطرة.
أريد أن أقول لك وللشعب الكوبي الذي تبنّاني أشياء كثيرة ولكنّي أحسُّ بأنَّ هذا ليس ضرورياً فالكلمات لا تستطيع أن تعبّر عن مشاعري في هذه اللحظة".
وبكت زوجة غيفارا، وتأثّر بعض الحضور، لكنّ الأسطورة كانت رحلة وأعطت نفسها لقلوب أخرى بحاجة أكثر إلى الحبّ والإيمان بها.
وبعد أسابيع قليلة من "رسالة الوداع" إلى كاسترو، كتب غيفارا رسالة إلى والديه يقول فيها: "منذ عشر سنين، رحلتُ للمرة الأولى عنكما، وما زالت "صفقة" الباب القوية ترنُّ في أذني. واليوم أرحل للمرة الثانية عنكما، وعن البلد الذي أحببت، وعن الزوجة والأولاد والأصدقاء، لأنّني شعرت الشعوب ذاته الذي انتابني منذ عشر سنين تقريباً: إنَّ حبّي الحقيقي، الذي يرويني ليس حبّ الوطن والزوجة والعائلة والأصدقاء، إنّه أكبر من هذا بكثير، إنّه الشعلة التي تحترق داخل الملايين من بائسي العالم المحرومين، شعلة البحث عن الحرية والحقّ والعدالة".
"إنّني أؤمن بأنَّ النضال المسلّح هو الطريق الوحيد أمام الشعوب الساعية إلى التحرّر. ويعتبرني الكثيرون مغامراً".
"فعلاً، أنا مغامر، لكن من طراز مختلف عن المغامرين الساعين وراء نزوات فردية عابرة، إذ إنّني أضحّي بكلِّ شيء من أجل الثورة والنضال المستمرّ".
"قد تكون هذه الرسالة، الأخيرة، لكنّني أودّ أن أقول لكما شيئاً واحداً: لقد أحببتكما كما لم يحبّكما أي إنسان، لكنّني عجزتُ عن إظهار هذا الحبّ، ربّما لأنّني قاسٍ في تصرّفاتي، مع نفسي ومع الآخرين، وأعتقد أنّكما لم تفهماني معظم الأحيان. وأعترف بأنّه ليس من السهل أن يفهمني أحد".
"والدتي أقول: لا تخافي، إنَّ إرادتي القوية، والشعلة التي تحرقني باستمرار، ستكونان العكاز التي سيسند قدميَّ الضعيفتين ورئتي المتعبة وصدري الذي يزفر". "أرجو منكما شيئاً واحداً: أن تتذكّرا دائماً ولدكما التائه الذي يطوف الجبال والأدغال والأودية في أصعب الظروف وأدقّها لأنَّ شيئاً ما يتململ في داخله ويجعله متيقّظاً تجاه الآخرين، ملايين التاعسين في العالم".