مفاهيم الحرية...
أن العالم يعتز بالحرية، ولاسيما في أيامنا هذه، ولكن ما الذي تؤدي إليه هذه الحرية، وما الذي نراه يتأكد باسمها؟ عبودية النفس والانتحار الأخلاقي. يقول الناس: "إن لك رغبات، فعليك أن تسعى إلى إرضائها، لان حقوقك لا تقل عن حقوق الأغنياء والكبار. لا تخشى إرضاء نفسك . هذه هي العقيدة التي يؤمن بها الناس اليوم، وهذه هي الحرية كما يتصورها الناس في هذا العصر. فما الذي يؤدي إليه هذا الحق في تنوع رغبات المرء؟ انه يؤدي إلى العزلة والموت النفسي عند الأغنياء، والكراهية والقتل لدى الفقراء. ذلك إن الناس قد أعطوا حقوقاً ولكنهم حُرموا من وسائل تحقيقها. ويزعم بعضهم أن العالم يتجه نحو مزيد من الاتحاد، ذلك أن زوال المسافات وانتشار الفكر يزيد من الأخوة والتضامن.
واحسرتاه! لا تضعوا ثقتكم في مثل هذا التضامن والاتحاد. إن تفسير الحرية على إنها قدرة الفرد على الإكثار من حاجاته و إرضائها بسرعة، يشوه طبيعته، ويثير فيها حاجات باطلة لا سبيل إلى تحقيقها، ويخلق لديه عادات سيئة و أوهاماً زائفة. فلا يعيش الناس إلا في الحسد لإشباع شهواتهم و إرضاء غرورهم. إن إقامة الحفلات، والخروج في النزهات، والتمتع بالمآدب، واقتناء العربات الفاخرة، والظهور بالمظاهر الخلابة، وامتلاك الخدم، يبدو لأبناء المجتمع كضرورة لا غنى لهم عنها، وحاجة يضحوا بحياتهم وشرفهم في سبيلها، وقد يتخلى الإنسان عن حب أخيه الإنسان، أو يؤثر الانتحار على أن يتنازل عنها. وهذا يصدق أيضاً على من لا يملكون ثراءً طائلاً. أما الفقراء فإنهم ينجرون إلى السكر، لما يشعرون به من حسد، وما يدركونه من استحالة إرضاء رغباتهم. وسيأتي اليوم الذي يسكرون فيه بالدم لا بالخمر. فإلى هذا إنما يدفعون. وإني أسأل.. إذا كانت هذه هي الحرية؟ لقد عرفت في الماضي مثقفاً كان "يناضل في سبيل فكرة". وقد قال لي هذا الرجل في ذات يوم انه حين حُرمَ من التدخين في السجن بلغ ألمه من هذا الحرمان أنه أوشك أن يخون فكره في سبيل التدخين. وكان يزعم أنه يريد أن "يناضل في سبيل الإنسانية".
الحرية هي فقط تحررنا من الخطيئة التي تستعبدنا وغير ذلك فالحرية يجب ان تكون ضمن حدود المعرفة..