ليحمل بعضكم أثقال بعض

فادية

ديفيد حبيبي
مشرف سابق
إنضم
19 أكتوبر 2006
المشاركات
9,073
مستوى التفاعل
44
النقاط
0
الإقامة
منقوشة على كفيه
لا صعوبةَ في أن يكتشف قارئ هذه الآيات ما يطغى عليها من طابع إرشاديّ وتوجيهيّ. ولكنّ طابع التعليم الأخلاقيّ عند بولس يختلف عن أسلوب الحُكماء والأنبياء لأنّه لاهوت أدبيّ أكثر من كَونه تأديباً خلقيّاً. وهذا اللاهوت يستند إلى التضادّ بين الروح والجسد. لا أريد أن أدخل، في هذه العُجالة، في موضوع تحديد لاهوتيّ لما تعنيه كلمة "الروح" ولما تعنيه كلمة "الجسد" عند بولس، وإنّما أبتغي التوقّف عند المعطيات الرعويَّة الناتجة من هذا اللاهوت الأدبيّ...
1-على المسيحيّ أن يختار، وأن يكون ملتزماً في اختياره
يضع بولس الرسول أهل غلاطية، ومعهم جميع المسيحيّين، أمام اختيار حياتيّ لتحديد موقفهم المبدئيّ (OPTIO FUNDAMENTALIS). ومن هنا، منطقيَّة الالتزام في السلوك الذي نستطيع التعبير عنه ضمن اختيارين: "إمّا... وإمّا... " (… AUT...AUT) .
فإمّا أنت مع شريعة المسيح... وإمّا أنت مع شريعة العهد القديم.
إمّا أن تعيش حياة الروح... وإمّا أن تعيش بحسب الجسد... إلخ.
وهكذا كان موقف السيّد المسيح نفسه لمّا طلب الاختيار.
- إمّا الله.. وإمّا المال (مر 10/23، لو 18/24، متّى 19/23-26).
- إمّا الطريق الضيّقة.. وإمّا الطريق العريضة (متّى 7/13-14، لو 13/24)... إلخ.
ليس للحلول الوُسطى والمواقف المزدوجة مكان في الأخلاقيَّة الإنجيليَّة. ولعلّ خيرَ تعبير عن ذلك ما جاء في سِفْر الرؤيا: "إنّي عليم بأعمالك، فلستَ بارداً ولا حارّاً. وليتك بارد أو حارّ! أمّا وأنت فاتر، لا حارّ ولا بارد، فسألفظك من فمي" (رؤ 3/15-16).
وإذا كانت الآية 25 من الفصل الخامس: "فإذا كنّا نحيا حياة الروح، فلنسِرْ أيضاً سيرة الروح" خاتمة ما سبقها من تعليم فهي، في الوقت نفسه، مدخل لما سيتبعها من إرشادات ووصايا، فلا يمكن إغفالها في سياق تأمّلنا في هذا المقطع من الرسالة.
2-المسير بحسب الروح
بقوله: "فلنسِرْ أيضاً سيرة الروح" ينصب بولس الرسول إشارات مروريَّة ولافتات دلاليَّة، وكأنّي به يغدو شرطيّ سير أو دليلاً سياحيّاً يوجِّه إلى الطريق الصحيح!
والسير في عالَم الروح أشدّ خطورة من عالَم الطُرُقات المعبّدة، لأنّه يتطلّب التواضع والوداعة والابتعاد عن الحسد... وكلّها فضائل تقي صاحبها من الانزلاق ومن الضلال في مسيرته الروحيَّة.
ما يميّز بولس في تعليمه أنّه منطقيّ مع ذاته. فنجد في كلّ رسالة من رسائله صدىً لما يقوله في رسالة أُخرى. تكفي الإشارة إلى الفصل الثامن من الرسالة إلى أهل رومة لتتأكّد لكم صحّة ما ذهبنا إليه. هناك أيضاً يحدّثنا عن حياة المسيحيّ في الروح "لأنّ شريعة الروح الذي يهب الحياة في يسوع المسيح قد حرّرتني من شريعة الخطيئة والموت... نحن الذين لا يسلكون سبيل الجسد، بل سبيل الروح..." (روم 8/2-5).
أضفْ إلى ذلك أنّ تعاليم بولس هي تأكيد لتعاليم المسيح، كما قال لنيقوديمُس: "الحقّ الحقّ أقول لك: ما من أحد يمكنه أن يدخل ملكوت الله إلاّ إذا وُلِدَ من الماء والروح. فمولود الجسد يكون جسداً ومولود الروح يكون روحاً" (يو 3/5-6). وكما قـال أيضاً للسامريَّة: "ولكن تأتي ساعة - وقـد حضرت الآن - فيها العباد الصادقون يعبدون الآب بالروح والحقّ فمثل أولئك العباد يريد الآب. إنّ الله روح فعلى العباد أن يعبدوه بالروح والحقّ" (يو 4/23-24).
ألم يرسم لنا المسيح، قبل بولس، مخطّط السير للوصول إلى الملكوت: "طوبى لفقراء الروح فإنّ لهم ملكوت السموات. طوبى للودعاء فإنّهم يرثون الأرض" (متّى 5/3-4). "احملوا نيري وتتلمذوا لي فإنّي وديع متواضع القلب، تجدوا الراحة لنفوسكم" (متّى 11/29)؟
3- إصلاح الآخَرين
ليست المسيرة الروحيَّة عند بولس مسيرة أنانيَّة فرديَّة، بل هي مشارَكة مع الآخَرين. لا بل هي عمليَّة إصلاحيَّة مفروضة على الجميع.
فإذا زلّ أحد فعلى المؤمنين أن يهبّوا لنجدته وإخراجه من فخّ الشرّ (راجع متّى 18/15 و2تس 3/14- 15 ويع 5/19-20 و2طيم 2/25).
وينعت بولس أهل غلاطية المسيحيّين "بالروحيّين" خلافاً لأهل قورنتس الذين ينعتهم "بالبَشَريّين" (1قور 3). والروحانيّون هم الذين نالوا "روح الله" ويعيشون بحسبه ويتكلّمون به فيعبّرون "عن الأمور الروحيَّة بعبارات روحيَّة" (1قور 2/13).
ولكنّه يعرف حقّ المعرفة أنّ الغرور قد يكتنف المؤمن فيعتبر نَفْسه معصوماً من الخطإ وأفضل من الآخَرين، ولذلك يضيف: "بروح الوداعة" أي أصلحْ أخاك بلطف وليونة.
ويحذّر من الغرور بلهجة أشدّ "لئلاّ تُجرَّب أنت أيضاً" أي إنّك، أنت أيضاً، معرّض للوقوع في شَرَك الخطيئة.
يظهر بولس الرسول بمظهر العالِم بالنَفْس البَشَريَّة وأهوائها: فهو المعلِّم الذي عركته الحياة فتعلّمها، وهو الرحّالة الذي شقّ غمار البحار فاختبرها، وهو "الروحانيّ" الذي مرّ من التجربة فاعتبر بها.
4- ليحملْ بعضُكم أثقالَ بعض
ولعلّ هذا الإرشاد من أكثر الإرشادات البولسيَّة إنسانيَّة. فكما أنّنا لا نستطيع أن نكون سعداء بمفردنا أي بمعزل عن الآخَرين (بحسب قول الأب بيارAbbé Pierre) كذلك لا نستطيع أن نعيش حياة الروح بمفردنا أي بمعزل عن الآخَرين.
من هنا مسؤوليَّة واحدنا تجاه الآخَر.
من هنا التضامن والمشارَكة والوحدة في الحيـاة الروحيَّة. لأنّك لو أردتَ أن تصل بمفردك إلى السماء فلن تصل أبداً‍!
قرأتُ في كتاب عنوانه "متقدّم المتسلّقين"(Premier de cordée)للكـاتب الفرنسـيّ روجيه فريزون – روش Roger Frison - Roch كيف أنّ متسلّقي الجبال الثلجيَّة يقومون برحلتهم الاستكشافيَّة، معاً، ويكون واحدهم موثوقاً إلى الآخَـر بحبل خشية الانزلاق أو الضياع. وتقع على متقدِّم المسيرة مهمّة فتح الطريق وشدّ سائر رفاقه من ورائه. وعندما يتعب المتقدِّم يأخـذ مكانه رَجل آخَر حاملاً عنه عبء المسؤوليَّة!
ما أجمل أن يحمل بعضنا أثقال بعض! وكم من أثقال في حياتنا!
وإذا سألنا عن ماهيَّة الأثقال التي يعنيها بولس الرسول لوجدنا فيها هموم الدنيا!
فأخي البائس همّ، وأخي المريض همّ، وأخي الخاطئ همّ...
ربّما، في منطقنا البَشَريّ، نقول: "هنيئاً لمَن ليس عنده همّ". أمّا في منطق الإنجيل فإنّ السعادة لمَن عنده الهمّ: همّ الجائع والعطشان والعريان والغريب والمريض والسجين... (متّى 25/31-39).
طالعتُ يوماً خبراً في جريدة مفاده أنّ طفلاً أُصيب بمرض خبيث، وأُخضع لمعالجة كيماويَّة أفقدته شعر رأسه، فرفض الذهاب إلى المدرسة وأبى متابعة سنته الدراسيَّة خجلاً من زملائه وخوفاً من أن يكون محطّ سخريّتهم. وما إن سمع زملاؤه الأطفال الخبر حتّى قرّروا حلق شعر رؤوسهم لكيلا يشعر زميلهم بأنّه مختلف عنهم، فيعود إلى الدراسة واللعب معهم كما بالأمس!
أرأيتم إلى هذا المَثَل الرائع النابع من الأطفال في تحمّل أثقال الآخَرين!
أليس هذا ما فعله بولس كما كتب: "صرتُ للضعفاء ضعيفاً لأربح الضعفاء، وصرتُ للناس كلّهم كلّ شيء، لأخلّص بعضهم مهما يكن الأمر. وأفعل هذا كلّه في سبيل البشارة، لأشارك فيها" (1قور 9/22 -23).
أضفْ إلى ذلك كلّ ما فعله ليحمل أثقال رعاياه المادّيَّة والمعنويَّة فكانت الرحلات والرسائل وكان جمع التبرّعات وتكبّد المشقّات، وكانت مواجهة الأخطار..
والأثقال على أنواع تعترضك في الحياة الرهبانيَّة كما في الحياة الزوجيَّة، منها النَفْسيَّة والعاطفيَّة... بما فيها الزلاّت والتجارب التي تسبِّب آلاماً شخصيَّة وجَماعيَّة. فالجماعة ليست مكاناً لتبادل التهم، بل هي "مكان المسامحة" كما يقول جان فانييه Jean Vanier .
والأثقال على مستويات منها العائليَّة والاجتماعيَّة والكنسيَّة..
أينما حوّلتَ نظركَ وجدتَ مَن يحتاج إلى أن تحمل معه ثقله، كما يأتي يوم تحتاج فيه، أنت أيضاً، إلى مَن يحمل عنك ثقلك!
هذه قصّة صديقَين تعرّضا لحادث سيّارة مروّع، فنُقلا إلى المستشفى في حالة إسعاف: أحدهما يعاني من نزيف حـادّ، والآخَر بلا حراك معطوب العَمود الفقريّ. ثمّ وُضِعا في غرفة معاً، الأوّل قرب النافذة والثاني في زاوية جوار الحائط. وبعد فترة من العناية المشدَّدة استعادا وعييهما.. ويوماً بعد يوم، راحا يتبادلان الكلمات فالأحاديث.. وكان النازف نزيل النافذة يصف لصديقه المُلقى في الزاوية ما يراه من زرقة السماء واخضرار الأشجار وتفتّح الزهور ولمعان النجوم وضوء القمر وأسراب السنونو..
ودارت الأيّام... وساءت حالة نزيل النافذة وما عاد يصف ما يراه لصديقه المُقعد. وفجأة.. توقّفت كليتاه عن العمل. وبعد ساعات فارق الحياة، فبكاه صديقه كثيراً..
في اليوم التالي طلب المُقعد أن يُنقل إلى سرير مَن غادر علّه يتمتّع بما كان يراه صديقه من جَمال الطبيعة. تمّ له ذلك.. وكم كانت مفاجأته كبيرة لمّا حوّل نظره إلى النافذة فلم يجد سوى حائط أبيض أملس..! حينئذٍ أدرك الحقيقة فبكى مرّة ثانية.. بكى صديقاً صدوقاً نسيَ علّته واخترع المَشاهد وجاد بالوصف ليسلّيه ويروّح عن نَفْسه..
هذا هو الحُبّ الكبير: أن ينسى الإنسان أثقاله ليحمل أثقال الآخَرين...
ألم يأتِ المسيح من أجل أثقالنا أيضاً؟.. "لقد حمل هو آلامنا واحتمل أوجاعنا فحسبناه مُصاباً مضروباً من الله ومذلّلاً. طُعن بسبب معاصينا وسُحق بسبب آثامنا نزل بـه العقاب من أجل سلامنا وبجُرحه شُفينا" (أش 53/4 -5).
5- العمل بحسب شريعة المسيح
مَن أراد أن يتبع المسيح عليه أن يحفظ كلامه ويعمل به لأنّه "روح وحياة" (يو 6/63)، أو، بتعبير آخَر، عليه أن يعيش "حياة الروح".
وشريعة الروح هذه، الباطنيَّة والمحرِّرة، لا تصلح إلاّ إذا كان قوامها المحبّة.
وهذا ما عناه بولس الرسول بقوله: "أتِمّوا هكذا العمل بشريعة المسيح". لأنّ الشريعة الجديدة (يو 13/34) هي شريعة الحرّيَّة (يع 1/25) حرّيَّة أبناء الله.
إنّ جوهر الأخلاق المسيحيَّة هو وصيَّة المحبّة، التي توحّد في ذاتها محبّة الله ومحبّة القريب بحيث لا يمكن الفصل بينهما. فمحبّة الله يجب أن تظهر وتُثبت صحّتها في محبّة القريب، ومحبّة القريب تجد في محبّة الله سندها واتّجاهها. وما يميّز الأخلاق المسيحيَّة، بوجه حاسم، هو تعلّقها بشخص يسوع المسيح. "لقد جاءنا بكلّ جديد، لأنّه جاءنا بنَفْسه" (القدِّيس إيريناوس أسقف ليون، الردّ على الهراطقة، 4، 34، 1). يسوع هو محبّة الله المتجسِّدة التي صارت مقياس السلوك الأخلاقيّ.
يقول القدِّيس أوغسطينُس في عظته في رسالة القدِّيس يوحنّا الأُولى: "ألزمْ نَفْسك نهائيّاً بالوصيَّة القصيرة التالية: أحببْ، وافعلْ ما تشاء! إن صمتَّ، فاصمتْ عن محبّة، وإن تكلّمتَ، فتكلّمْ عن محبّة، وإن أنّبتَ، فأنّبْ عن محبّة، وإن داريتَ، فدارِ عن محبّة. لتكن ِالمحبّة متأصّلة في قلبك. ومن هذه الأصول لن يُزهر سوى الخير" (مقالة 7، 8). هذا القول "أحببْ، وافعلْ ما تشاء!" لا ينبغي أن يُفهم كأنّه يجوز للإنسان أن يتصرّف على هواه، فالمقصود، بالحريّ، هو أنّ كلّ الأعمال الصالحة التي نفعلها تحصل على قيمتها الحقيقيَّة من المحبّة. والمُحِبّ لا يمكن أن يفعل السوء.
المحبّة الحقّ تكمن في أن نصغي إلى نداءات الروح...
ثمّة شخص ينوء به حِمل ثقيل..
ثمّة أشخاص تحت الركام..
اُمددْ يدكَ... اِرفعِ الحَجَر... اِحملْ صليبكَ وصليب الآخَرين...
فتكونَ، حينئذٍ، من أتباع المسيح.
​

منقووووووول​
 
أعلى