لماذا نرفض تعليم الاستحالة الجوهرية، ونتمسك بالاستحالة السرية؟

إنضم
21 مارس 2008
المشاركات
7,802
مستوى التفاعل
772
النقاط
113
الإقامة
عائدٌ من القبر
لماذا نرفض تعليم الاستحالة الجوهرية، ونتمسك بالاستحالة السرية؟

1- يبدو بشكل سطحي أن التمييز بين الجوهر والعَرَض هو تعليم بريء غير ضار، ولكن الحقيقة هي غير ذلك؛ لأن الجوهر فلسفياً هو ما يكوَّن الوجود أو الحياة. وجوهر الإنسان هو النطق – العقل – الإرادة – الفهم، وليس الجسد، ولا شكل الجسد مثل طول القامة أو لون الجلد أو أية خصائص جسدية.
والإيمان بالتجسد لا يقبل أن يقع رب الحياة تحت هذا التقسيم الأرسطوطاليسي، فليس في المسيح جوهرٌ وعَرَض، بل هو الإله واهب الحياة. عندما تجلَّى على جبل طابور كانت ملابسه تسطع بنورٍ يفوق نور الشمس -هذا عند أرسطو عَرَض- وعندما تفل على الأرض وصنع من التفل طيناً وطلى عيني الأعمى، أبصر الأعمى -هذا عند أرسطو عَرَض. والجروح التي ظلت في جسده بعد القيامة ليست “عَرَضاً”، بل نحن نقول في صلواتنا: “لكي نضيء بشكلك المحيي” (القداس الكيرلسي). ولقد رفضت التقوى الأرثوذكسية أن تصف جسد المسيح بكلمة “جزء”، بل وصفته بـ “جوهرة”، وهي ليست من “الجوهر”، بل تعني بها ما هو ثمين، ولذلك نقول إن أصغر جوهرة هي جسد الرب، وكل نقطة من الكأس بعد التقديس هي دم المسيح.


2- الأجساد البشرية كلها مزيَّفة. فقد زيَّفها الموت، ودخلت عليها قوة الخطية، ولم يعد في التاريخ البشري جسداً حقيقياً إلَّا جسد يسوع: “جسدي مأكلٌ حق، ودمي مشربٌ حق”. والحق هنا لا يمكن أن ينقسم إلى جوهر وعَرَض، لأن جسدنا الترابي هذا – في أطول نص في العهد الجديد شغل 1 كور 15 كله، يتحول إلى جسد سمائي روحاني، وهو لا يفنى؛ لأن كل الأعراض الجسدية: الطول والوزن …إلخ حسب أرسطو، تتحول بسرٍّ لا ندركه الآن، فلا يفنى الجسد. وما يزرع قوة القيامة التي فينا هو سر الشكر حسب النطق الإلهي: “وأنا أقيمه في اليوم الأخير”. ولذلك -حسب الترجمة القبطية للصلاة الربانية- الإفخارستيا هي “خبزنا الذي للغد”؛ لأن الغد هو القيامة، وهو صدى لأقدم شرح للصلاة الربانية للعلَّامة أوريجينوس.


3- لم يكن الرب يسوع يحيا حياةً حسب الجوهر، ولها صفات عَرَضية؛ لأن حتى المرأة نازفة الدم، لما لمست هُدبَ ثوبه، “شُفِيَت”؛ لأن قول الرب “قوة خرجت مني” صارخٌ في الآذان أن حياةً واحدة لا تنقسم فلسفياً، وبالتالي لا يقسَّم السر نفسه، سر اتحادنا بالمسيح.


4- وتشديد الآباء على أن الخبز والخمر بعد استدعاء الروح القدس، ليسا مثل أي خبز أو خمر، بل صارا جسد الرب ودمه، يؤكد لنا أن التحول يبدأ أولاً في المعمودية والميرون؛ لأننا في صلاتنا نطلب تحول الموعوظين إلى أبناء النور، أبناء الحق، ويسأل الكاهن: “حولهم – ابدلهم”. فالانتقال إلى ملكوت الله، هو تلك الرؤيا المستيكية التي يتم فيها تحول المياه إلى قوة خالقة تلد الإنسان، وتقدس الميرون، وتنقل الخبز والخمر حسب استدعاء الروح القدس في القداسات الأرثوذكسية التي حرصت على استخدام تعبير: “ليصيرا”. وحسب النص اليوناني بعد استدعاء الروح القدس
“καί ποίησον τόν μέν άρτον, τίμιον εώμα τού χριστού σου
واجعل هذا الخبز جسد مسيحنا”.


5- ولعل غياب تعبير “الاستحالة الجوهرية” من القداسات الأرثوذكسية، يجعلنا ندقق في ألَّا نعلِّم بشيء لا وجود له في التسيم الكنسي؛ لأن فاعلية حلول الروح القدس –حسب صلواتنا القبطية- هي: “اظهره قدساً لقديسيك”؛ لأن ما يُستعلَن في الإفخارستيا هو جسد الرب، وليس حساباً عقلياً أو تحليلاً فلسفياً. ولم يكن أرسطو في العلية ليلة تأسيس السر لكي يحكم على العطية الإلهية بأنها حسب الجوهر، وشكلها عَرَضي. ولعل في عبارة الرب يسوع نفسه: “أنا هو خبز الحياة” (يو 6: 35، 48، 51)، و “الخبز الذي أنا عطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم” (يو 6: 51)، نقول لعل في هذه العبارة القول الفصل.
فلا ثنائية بين الخبز والخمر، وبين المسيح رب الحياة. وخبز الحياة هو يسوع، كما أن يسوع هو خبز الحياة، وعلينا أن نحذر الانقسام الفكري؛ لأنه يضعف محبتا للعطية الإلهية.
أرجو أن نتحرى الدقة التاريخية.


دكتور
جورج حبيب بباوي
 
أعلى