الله لا يأمرنا بتنفيذ المستحيل لقداسة البابا شنودة الثالث
لذلك لا تقل عن وصية الرب إنها صعبة. لأنها لو كانت صعبة ما أمر الرب بها. كيف يأمر بما لا يمكن تنفيذه؟!
إن الله لا يمكن أن يأمرنا بالمستحيل. إنه يعطي الوصية -مهما كانت تبدو صعبة- وفي نفس الوقت يعطي القدرة على تنفيذها. يعطي القدرة على تنفيذها. يعطي الوصية، ويعطي معها النعمة. والروح القدس يعمل داخل القلب لكي يؤهله للعمل، بل ويشترك في العمل معه.. وإلا ما كان أحد يقدر أن ينتصر على إبليس الذي هو مثل أسد يزار يجول ملتمسًا من يبتلعه هو (1بط5: 8).
إن إبراهيم أبا الآباء لم يمتنع عن تنفيذ وصية صعبة جدًا..
قال له الرب "خذ ابنك، وحيدك، الذي تحبه، إسحق.. وأصعده محرقة.." (تك22: 2). ولم يعتذر أبونا إبراهيم بصعوبة الوصية، وبأنها فوق مستوي الطبيعة، وبأن هذا ابن المواعيد، وإن شيخوخته، وماذا يقول لأمه.. بل بكر صباحًا، وذهب لينفذ وصية الله..
الله الذي أعطي إبراهيم القوة على التنفيذ، هو أيضًا قادر أن يعطيك قوة الذي جعل أرميا الصغير مدينة حصينة وأسوار نحاس على كل الأرض (أر1: 8) هو قادر أن يقويك مثله..
في طريق التوبة، لا تخف من خطية، ولا من عادة أو طبع، ولا من شيطان، بل قل "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني".. ولا تجعل هذا الخوف مبررًا لك في ترك العمل الروحي..
أبونا إبراهيم طلب الله منه ابنه الوحيد ليذبحه، فلم يبخل به عليه، ولم يقل الوصية صعبه. ولم يحاول أن يوجد مبررات ليمتنع.
وأنت، ما هو الشيء الصعب الذي يطلبه الرب منك ولا تستطيعه؟! هل هو يطلب منك أن تذبح ابنك الوحيد، أم المطلوب منك بسيط جدًا؟!
طوباهم أولئك الجبابرة الذين انتصروا على قلوبهم من الداخل، يعتذروا بصعوبة الوصية كما نفعل نحن في تبرير أنفسنا..
حقًا إن ملكوت السموات يحتاج إلى قلوب كالصخر، لا تلين أمام العوائق، ولا تضعف أمام الصعاب. وتنفيذ وصية الكتاب في قوله "تشدد، وكن رجلًا" (1مل2: 2). هنا تظهر الرجولة الحقة، في حياة النقاوة.
إن الله يشبع كل حي من رضاه, دون أن يطلب, هو يرسل المطر والشمس, ويدبر أمور الناس من جهة الكون, ويعطي الطعام لكل ذي جسد. حتى للملحدين الذين لا يؤمنون به وبالتالي لا يطلبون منه شيئا. بل الله يعطي أيضا جمالا لزنابق الحقل, وصوتا جميلا لكثير من الطيور, طبعا بدون طلب, وليس بسبب استحقاق الخليقة. وإنما هو جود الله وكرمه. والله تبارك اسمه ـ من فرط جوده أيضا وعد الناس بالنعيم الأبدي بما لم تره عين, ولم تسمع به أذن, ولم يخطر علي بال إنسان. وطبعًا من المستحيل أن أحدًا كان يطلب ما لم يخطر علي باله. إننا قد نطلب نعيما. ولكن هذه الصورة بالذات, هي فوق ما نطلب بكل تفاصيله.
لقلب الضيق الخالي من الحب هو الذي لا يتحمل الآخرين, أما القلب الواسع فيستطيع أن يتحمل الناس, لذلك يا أخي كن متسعًا في قلبك وفي صدرك وفي فهمك, ولا تتضايق بسرعة, واعرف ان المجتمع فيه أنواع متعددة من الناس وليسوا جميعا من النوع الذي تريده, فيوجد فيهم كثيرون لم يصلوا بعد إلي المستوي المثالي ولا إلي المستوي المتوسط, وعلينا أن نحبهم جميعا وبالمحبة ننزل إلي مستواهم لنرفعهم إلي مستوي أعلي, وهكذا نتأنى عليهم ونترفق بهم ونتحمل كل ما يصدر عنهم من جهالات ونصبر عليهم حتى يصلوا.
كان السيد المسيح يتعامل مع الناس بكل بساطة وشعبية يتعامل مع الكل. حتى مع الأطفال الذين كانوا يحيطون به, متمتعين بمحبته. والذين قال عنهم لتلاميذه 'إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال, فلن تدخلوا ملكوت الله'، ونص الآية هو: "إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ" (إنجيل متى 18: 3). يقصد مثل الأطفال في براءتهم وبساطتهم وصدقهم, وليس في عقليتهم طبعًا.
المسيح أيضا في تواضعه وبساطته, لم يجعل الكنائس تبني باسمه, ولا حتى الأناجيل تحمل اسمه.
لا تقف أمام الله وتقول سأترك هذه الخطية ولا أرتكبها بعد الآن, إنما قل: أعطني يا رب قوة لأتركها, لأنك إن لم تمسك بيدي لن أتقدم خطوة واحدة بدونك.. إنني لست أقوي من الشيطان, الذي هو أكثر حيلة, وأكثر معرفة بالنفس البشرية وضعفاتها, وأكثر خبرة بالحروب الروحية.. أنت يا رب الذي تنقذني منها. أفرح لا بقوتي, بل بنعمتك التي تخلصني.. أنا لا أحب إطلاقًا أن أتكبر, والكتاب يقول: "قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ" (سفر الأمثال 16: 18). نجني يا رب من كليهما, ولك المجد الدائم إلي الأبد, آمين.
إن الشخص قد يمارس العمل الروحي بتغصب. ولكنه بعد حين يجد لذة في هذا العمل الروحي, فيكمله في حب ويسعى إليه باشتياق قلب. وهكذا يكون التغصب هو مجرد مرحلة روحية تنتهي بالفضيلة في وضعها الكامل.
ولكن الشيطان قد يهزأ بالتغصب. ويحاول أن يتخذه وسيلة لإبطال العمل الروحي جملة. فيقول لك هل من الأدب الحديث مع الله بتغصب؟! أين الحب الذي قال عنه داود النبي للرب في صلاته: "بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ، كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي" (سفر المزامير 63: 4، 5).. وحينئذ يدعوك الشيطان أن توقف هذه الصلاة احتراما للمثاليات التي تنقصها!! ولكن الله يقبل صلاتك, كما يقبل الحروف التي يتلفظها الطفل بلا معني في أولي درجات الكلام حتى يصل إلي الكمال، . ويري تحركات الطفل المتعثرة, علي أنها أولي الخطوات للسير المنتظم السريع. إنه سبحانه لا يحتقر هذا التغصب بل يشجعه كخطوات نحو نمو سليم. وبهذا لا يستمر التغصب تغصبًا, بل يكون خطوة تتحول إلي أفضل.
عوِّد نفسك على العطاء. فقد قال الكتاب: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ".
أعط بفرح وليس بتضايق لأن الكتاب يقول: "المعطى بسرور يحبه الرب". وأعط عن حب وعن عاطفة. وأعط بوفرة وبكرم أعط وأنت موسر، وأعط وأنت معوز، فالذي يعطى من أعوازه، يكون أعظم بكثير ممن يعطون من سعة. وأجره أكبر في السماء.
وإن لم يكن لك ما تعطيه، أعط ابتسامة طيبة، أو كلمة تشجيع، أو عبارة تفرح قلب غيرك. ولا تظن أن هذا العطاء المعنوي أقل من العطاء المادي في شيء، بل أحيانًا يكون أعمق منه أثرًا، ولكن حذار أن تكتفي بالعطاء المعنوي إن كان بإمكانك أن تعطى المادة أيضًا.
واشعر -عندما تعطي- أنك تأخذ. إن السعادة التي يشعر بها قلبك حينما يحقق سعادة لغيره، هي شيء كبير أسمى من أن يقتنى بالمال.. إن راحة الضمير التي تأخذها، وفرحة القلب برضى الناس، كلها أمور أسمى من المادة قد أخذتها وأنت تعطى.. وستأخذ أعظم منها في السماء.
وعندما تعطى لا تحقق كثيرًا مع الذي تعطيه. وإلا كانت منزلتك هي منزلة قاض لا عابد.. لا تحقق كثيرًا لئلا تخجل الذي تعطيه، وتريق ماء وجهه. أعطه دون أن تشعره بأنه يأخذ.. حسن إنك قد أعطيته حاجته، أعطه أيضًا كرامة وعزة نفس، ولا تشعره بذله في الأخذ.
وعندما تعطى أنس أنك قد أعطيت. ولا تتحدث عما فعلته، بل لا تفكر فيه. ولعل هذا هو ما يقصده السيد المسيح بقوله: "إذا أعطيت صدقة، فلا تجعل شمالك تعرف ما فعلته يمينك". وإن تذكرت قل لنفسك: "أنا لم أعط هذا الإنسان شيئًا، بل هو الذي أعطاني فرصة لأسعد بهذا الأمر".
إن الأم تعطى ابنها حنانًا، إنما تسعد هي نفسها بهذا الحنان. وهى عندما ترضعه، إنما تشعر براحة، ربما أكثر من راحته هو في الرضاعة. ذلك إن عمل الحب هو عمل متبادل يأخذ فيه الإنسان أثناء إعطائه لغيره.
وعمل الخير الذي لا تأخذ منه سعادة، ليس هو خيرًا على وجه الحقيقة. إن أجره ليس فيه، وليس فيما بعد. انه عمل ضائع.
كذلك عندما تأخذ، خذ من الله وحده، وممن يرسلهم الله إليك. وحاذر من أن تأخذ من الشيطان شيئًا ولا من جنوده.
علمنا السيد المسيح فضيلة عظمى، وهى إنكار الذات.. وشرح لنا كيف أن الذي يحب أن يسير في طريق الرب، عليه أولًا أن ينكر ذاته.
إن الشخص النبيل لا يزاحم الناس في طريق الحياة، بل يفسح لهم مجالًا لكي يعبروا، ولو سبقوه.. أنه يختفي لكي يظهر غيره، ويصمت لكي يتكلم غيره، ويمدح غيره أكثر مما يمدح نفسه، ويعطى مكانه ومكانته لغيره، وإن كان بذلك يسعد نفسه من نفوس الناس..
إن الإنسان الكامل هو دائم التفكير في غيره، ومحبة غيره، وصالح غيره، وأبدية غيره، وقداسة غيره..
أما ذاته فيضعها أخر الكل، أو يضعها خادمة للكل.. إنه لا ينافس أحدًا من الناس. فطريق الله يسع الكل.. وهو يشعر بسعادة عميقة كلما أسعد إنسانًا يجد سعادته في سعادته، وراحته، يجد فيهم ذاته الحقيقية. لا ذاته الشخصية.. إنه يفرح لأفراحهم، ولو كانت الآلام تحيطه من كل جهة.. وإن أصابهم ألم لا يستريح، وإن كانت وسائل الراحة تحت قدميه..
إنه شمعة تذوب لكي تضئ للآخرين.. لا تفكر في ذاتها إنها تنقرض، إنما تنشغل بالآخرين كيف يستنيرون.. وفي أنارتها للناس لا تفرح بأنها صارت نورًا، إنما تفرح لأن الآخرين قد استناروا.. ذاتها لا وجود لها في أهدافها.. ولو فكرت في ذاتها، لما استطاعت أن تنير للناس..
إن أنجح الناس في المجتمع هم الأشخاص المنكرون لذواتهم، وأكثر الناس فشلًا هم الأنانيون.
وسنضرب أمثلة من الإنجيل لهذا النوع:
أ- الذين يشكون في عناية الرب بهم في المأكل أو الملبس. هؤلاء ضرب الرب لهم مثلًا بزنابق الحقل التي ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها. ثم وبخهم قائلًا "فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدًا في التنور، يلبسه الله هكذا، أفليس بالحري يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان؟!" (متى 6: 28-30، لو 12: 28).
ب- كذلك وبخ التلاميذ لما فكروا أنهم لم يأخذوا معهم خبزًا، فانتهرهم قائلًا "يا قليلي الإيمان" (متى 16: 8).
ج- ووبخ الرب القديس بطرس لما خاف بعدما مشى معه على الماء فبدأ يغرق حينئذ أمسكه الرب قائلًا له "يا قليلي الإيمان ، لماذا شككت؟" (متى 14: 31).
د- وبالمثل وبخ التلاميذ لما خافوا حينما غطت الأمواج السفينة أثناء نومه فيها. حينئذ قال لهم "ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان" (متى 8: 26 ).
إذن الخوف، والشك في معونة الله دليلان على قلة الإيمان.
ه- وقد ضرب الرسول مثلًا في ضعف الإيمان بالأخ الذي يعثر من أكل ما ذبح للأوثان. وأمر بأن ضعف الإيمان لا يجوز إدانته ولا الازدراء به، وقال "هو لمولاه: يثبت أو يسقط. ولكنه سيثبت لأن يثبته" (رو 14: 1-4) هنا ويعجبني والد الطفل المصروع، لما سأله الرب "أتؤمن؟ "لكي يشفيه. حينئذ أجاب "أؤمن يا رب. أعن عدم إيماني" (مر9: 24). إن الإيمان الضعيف يحتاج إلى من يصلي لأجله، لكي يعينه الرب. ولا يجب مطلقًا أن نزدريه. فالله قادر أن يثبته.
الفضيلة ليست مجرد عمل الخير، إنما هي بالأكثر محبة الخير.
لأن بعض الناس قد يعملون الخير خوفًا من العقوبة، أو من أجل السمعة وتجنبًا لكلام الناس. أو يعلمون الخير حبًا في المديح، أو رغبة في نوال مكافأة، أو مجاراة لجو معين.. ولكن ليس في كل ذلك فضيلة..
إنما الفضيلة هي حب الخير، حتى إن لم تفعله لسبب خارج عن إرادتك. ولذلك نقول في أوشية القرابين، ضمن من نطلب لهم بركة العطاء "والذين يريدون أن يقدموا وليس لهم".
ولكن إن مجدت إمكانية لعمل الخير، لأبد أن تعمله.
وهكذا تجتمع نية القلب، مع الإرادة مع العمل. لأن النية وحدها لا تفيد الآخرين.
الإنسان الناجح لا ييأس أبدًا، حتى إن فشل في الخطوات الأولى، فإنه يعود ويقوم.. كما قيل عن الصديق إنه يسقط سبع مرات ويقوم (أم 24: 31). أي مهما سقط يقوم.
لو عاش الإنسان حياة الشكر الحقيقية، لكان يشكر الله على كل نفس يتنفسه، وعلى كل خطوة يخطوها، وعلى كل عمل يعمله، وعلى كل ما يأتي عليه. ولا يرى أن هناك شيئًا إلا ويستحق الشكر، من تدابير الله معه. ويقول عن كل ما يحدث له (كله للخير)..
لو عاش الإنسان حياة الشكر الحقيقية، لكان يشكر الله على كل نفس يتنفسه، وعلى كل خطوة يخطوها، وعلى كل عمل يعمله، وعلى كل ما يأتي عليه. ولا يرى أن هناك شيئًا إلا ويستحق الشكر، من تدابير الله معه. ويقول عن كل ما يحدث له (كله للخير)..
كانت محبة الله لنا مملوءة اتضاعًا، في ميلاده، وفي صلبه.
في هذا الاتضاع قبل أن يولد في مذود بقر، وأن يهرب من هيرودس، كما في اتضاعه أطاع حتى الموت،موت الصليب، وقبل كل الآلام والإهانات لكي يخلص هذا الإنسان الذي هلك. رأي الرب كم فعلت الخطية بالإنسان! فتحنن عليه...
في الأمور الروحية اترك فرصة للروح لكي تقودك، ولا ترغمها علي الخضوع للجسد، أتركها علي سجيتها تنطلق وتسبح في عالم الإلهيات "وطوبي لمن آمن دون أن يري" (يو29:20).
لأنه بالاتضاع تلصق بك النعمة (يع4: 6). فتستطيع بها أن تغلب. قل لنفسك: أنا مازلت سائرًا في الطريق، ولم أصل إلى نهايته بعد، والعبرة كلها بالنهاية , فلأكن إذن محترسًا، ومتذكرًا قول الرسول:
"من يظن أنه قائم، فلينظر لئلا يسقط" (1كو 10: 12).
وإله السماء قادر أن يحفظك بالاتضاع، ويعطيك النصرة من عنده.
إن التوبة ليست مجرد أجازة "عطلة" من الخطية بحيث يمكن أن يعود الإنسان إليها مرة أخرى. إنما هي قطع كل صلة بها إلى الأبد، بكل تصميم، وبكل حب له. وكما قال أحد القديسين في تعريف التوبة أنها "استبدال شهوة بشهوة" أي أن شهوة الإنسان بالنسبة إلى العالم تنتهي، لتحل محلها شهوة الحياة مع الله، وتصبح هدف الإنسان من حياته. وبهذا تحول أولئك الخطاة ليس فقط إلى تائبين وإنما صاروا قديسين.
ساروا في تصميم شديد لدرجة تنفيذ قول الرب: إن أعثرتك عينيك فاقلعها والقها عنك... وإن أعثرتك يدك اليمنى فاقطعها والقها عنك (متى5: 29: 30). مثال آخر في التصميم على الهدف الروحي: سلوك الشهداء.