اوريجانوس المصري
عابر سبيل
لأنه مكتوب رئيس شعبك لا تقل فيه سوءً"
اعمال الرسل 23 : 5مقتبسة من الخروج 28:22
[FONT="]تقوم الكنيسة على الاحترام المتبادل وطاعة الصغير للكبير، فالمؤمن يشعر برعاية الله وعنايته فلا يخطئ إلى الله، وأيضًا يطيع الرؤساء في الرب.
كيف لم يعرف القديس بولس أنه رئيس الكهنة الذي يرأس مجمع السنهدرين، وقد كان بولس على علاقة بالمجمع في صباه، ويعرف الكثير عن المجمع؟
1. يري البعض أن هذه الجلسة لم تكن رسمية، ولم يكن رئيس الكهنة يرتدي ثيابه الرسمية، لهذا لم يتعرف عليه.
2. يرى آخرون أن بولس الرسول لم يرَ من الذي أصدر الأمر بضربه على فمه.
3. يرى فريق ثالث بأن الرسول نطق بهذا في صيغة تهكم، بمعنى أن من يفعل هذا لا يليق به أن يكون رئيس كهنة، أو ما حدث جعلني لا أحسب أن المتكلم رئيس كهنة، وإلا لكنت قدمت له الاحترام اللائق به. هذا الرأي يقبله كثير من الدارسين لأنه واضح من العبارة السابقة أنه كان يعرف أنه رئيس الكهنة، إذ قال له: "أفأنت جالس تحكم علي حسب الناموس، وأنت تأمر بضربي مخالفا للناموس؟"
4. يرى البعض أن القديس بولس لم يقدم اعتذارًا عما قاله لكنه يقدم تبريرًا، وكأنه يقول: "حقا لا يجوز أن نقول سوء في رئيس الكهنة، لكنني لست أحتسب حنانيا رئيس كهنة، بل هو مغتصب للمركز، جاء إلى هذا الموضع بالرشوة خلال الفساد، هذا وقد أوصى الكتاب المقدس ألا ننطق بسوءٍ عن الرئيس الديني أو المدني. جاء في سفر أيوب: "أيُقال للملك يا لئيم، وللندباء يا أشرار؟! (أي 34:18) وفي الجامعة: "لا تسب الملك ولا في فكرك" (جا 10: 20).
5. يري آخرون أن بولس الرسول أدرك أنه قد تسرع في الرد على غير عادته فقدم اعتذارًا.
v عندما ضُرب بأمر رئيس الكهنة رد عليه بمحبة، رغم ما يبدو من إجابته أنه كان غاضبًا، إذ قال: "سيضربك اللَّه أيها الحائط المبيض". فرده هذا يبدو شتيمة، أما حقيقة أمره فهو نبوة. فالحائط المبيض هو الرياء أو التظاهر في مظهر الكهنوت، كما لو كانت هناك قذارة مخبأة في غلاف أبيض. فاحتفظ الرسول بالتواضع بصورة عجيبة. فعندما قيل له: "أتشتم رئيس كهنة اللَّه؟" أجاب: "لم أكن أعرف أيها الاخوة أنه رئيس كهنةٍ، لأنه مكتوب رئيس شعبك لا تَقُل فيه سوءً" (أع 5:23)، فإجابته هذه تظهر مدى الهدوء الذي كان يتحدث به. فيما حسب أنه يتكلم بغضب فقد أجاب بسرعة ولطف، الأمر الذي لا يحدث من شخصٍ غاضبٍ أو معتذرٍ (بسبب الشتيمة)... كأنه قال: إنني أعرف رئيس كهنة آخر، المسيح، الذي أحتمل أنا من أجله أتعابًا
[/FONT]لم يعجب رئيس الكهنة أن بولس يقول أنه عاش بضمير صالح فأراد أن يعاقبه ونلاحظ أن بولس طالما أخذ رسائل من بعض من الموجودين من رؤساء الكهنة ليلقى القبض على المسيحيين. ولاحظ الفرق بين رد بولس حين لُطَم وبين رد المسيح. فمهما وصل الكمال الإنسانى فهو ناقص بجانب كمال المسيح المطلق.
كان حنانيا رئيس كهنة من سنة 48 إلى سنة 58 م، وقد اشتهر بالجشع والغطرسة والاستبداد.
وقف بولس الرسول أمام نفس رئيس الكهنة الذي وقف أمامه سيده، وربما الذى ضرب الرب على وجهه (يو 18: 22) هو نفسه الذي ضرب بولس على فمه. كان رئيس الكهنة يرى في كليهما مجدفين على الله. كان يطلب صلب السيد المسيح لأنه قال الحق أنه ابن الله، وها هو يطلب قتل بولس لأنه يفتح باب الإيمان أمام الأمم. لم يحتمل رئيس الكهنة أن يعلن السيد المسيح عن نفسه بنوته لله الآب ومساواته له، وها هو لا يحتمل بولس وهو يمتدح نفسه كفريسي بحسب الناموس، فإنه لا يجوز أن يمتدح أحد نفسه في حضرة رئيس الكهنة.
لقد سبق أن ضرب صدقيا بن كنعنة ميخا على فكه لأنه نطق بكلمة الرب (1 مل 22: 24)، ولذات السبب ضرب فشحور بن أمير الكاهن إرميا النبي (إر 20: 2). وقد قيل عن السيد المسيح أنه يقدم قبلات فمه (نش 1: 2 ) للذين قبلوا لطمات على أفواههم بسببه.
يطالبنا سليمان الحكيم أن نقًبل الشفاه التي تجاوب بكلام مستقيم (أم 24: 26)، لكن الأشرار يلطمون الشفاه الناطقة بالاستقامة. فالضرب على الفم يشير إلى رغبة الضارب ومن معه في أن يبكم فم الشخص الذي يضربه، لأنه ينطق بكلمات غير لائقة. هذا الأسلوب كان مستخدمًا في الشرق إلى وقت قريب, وهو يحمل إهانة شديدة، كأن الشخص غير أهل أن ينطق في حضرة الموجودين، ويلتزم بالصمت بسبب جهالته أو وقاحته أو تجديفه على الحق.
ولعل ضربه على فمه يشير إلى أن يكذب في حضرة رئيس الكهنة ويخدع الحاضرين، إذ يدعي أنه يحمل ضميرًا صالحًا، بينما يؤمن بيسوع أنه المسيح، وينشر تعاليمه.
يذكر آدم كلارك أن Krebs يؤكد أن رئيس الكهنة حنانيا هو نفسه الذي روى عنه يوسيفوس بأن كوادراتس Quadratus حاكم سوريا أرسله أسيرًا إلى روما، لأنه سبب منازعات بين اليهود والسامريين, وإذ أثبت براءته عاد إلى أورشليم واستعاد منصبه كرئيس كهنة.
نزلت كلمات الرسول كالصاعقة على رئيس الكهنة وكل المجتمعين, فإنهم لم يسمعوا قط يهوديًا ينطق بمثل هذه الكلمات عن رئيس الكهنة. إنها إهانة خطيرة لم تحدث في كل تاريخ إسرائيل.
يرى البعض أن الرسول بولس لم ينطق بهذا بدافع الغضب والانتقام، لكن أخذته الغيرة المقدسة أن رئيس الكهنة يفسد سلطته، ويهين العمل الكهنوتي بتصرفاته هذه. لقد حكم حنانيا بخلاف الناموس الذي أوصي ألا يُضرب أحد ما لم يُفحص ويُحكم عليه أنه مستحق للضرب ( تث 25: 2؛ راجع لا 19: 35). لذا ما نطق به الرسول كان بدافع النبوة.
يرى Grotius بأن نبوة القديس بولس هذه قد تحققت. جاء في يوسيفوس أن حنانيا وأخاه حزقيا قد ذُبحا أثناء الهياج الذي حدث في أورشليم عندما استولي عليها السالبون Sicarii بزعامة مناهيم Manahem؛ فقد حاول أن يختفي لكنهم سحبوه وقتلوه.
ولقد ضربه الله بالفعل بعد ذلك بخمس سنوات، فلقد ثار ضده إبنه وحوصر فى قصره فإضطر للإختباء فى بالوعة قديمة جافة فأخرجوه وذبحوه سنه 66م.
كما دعا السيد المسيح الفريسيين المرائيين قبورا مبيضة تحمل في داخلها نتانة (مت 23: 27)، هكذا يقول الرسول أن رئيس الكهنة بريائه حائط مبيض يحمل من الخارج صورة جميلة تخفي تحتها قذارة. ربما يقصد بالحائط المبيض الحائط الذي بدأ يتساقط فعوض وضع أساس سليم له وإعادة بنائه يقومون بوضع طبقة ملس بيضاء حوله تخفي ما تشقق منه فيبدو سليمًا، ويكون خطرًا على من يتكئ عليه أو يجلس بجواره.
يرى القديس جيروم أن ما نطق به القديس بولس هو ضعف بشري، فاختياره رسولاً لا ينفي عنه بعض الضعفات بسبب تهاونه ولو في امورٍ صغيرة، مثله مثل كافة الآباء والرسل والأنبياء.
في الرد على أتباع بيلاجيوس الذين يركزون على حرية الإرادة وحدها، ظانين أنه في استطاعة الإنسان بكامل حرية إرادته أن يسلك في الفضيلة في كمالها يقدم القديس جيروم أمثلة حية لقديسين عظماء مدحهم الله نفسه إلا أنهم عانوا من الضعف.
v عوض كونه متهمًا وكأنه يقول: "أنت الذي تستحق الضربات بلا عدد. انظروا كيف صُدموا بقوة بشجاعته، وذلك لأن النقطة التي كانوا يلقون كل الأمور عليها صارت مديحًا له.القديس يوحنا الذهبي الفم
v على سبيل المثال لنأخذ مثلاً واحدًا: "وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي، يعمل كل مشيئتي". بلا شك كان داود قديسًا، ومع أنه قد اختير لكي يتمم كل مشيئة الله، لكنه وُجد ملومًا في تصرفات معينة. حتمًا كان ممكنًا له وقد اُختير بقصد تتميم مشيئة الله أن لا يفعل هذا. لا يُلام الله الذي سبق فتحدث عن صنعه كل مشيئة الله كما يؤمر، وإنما يلتصق اللوم بذاك الذي لم يتمم ما سبق أن أُخبر به. فإن الله لم يقل أنه وجده إنسانًا يتمم أوامره بلا فشل ويتمم مشيئته، وإنما إنسان يود أن يتمم كل مشيئة الله. ونحن أيضًا نقول أن الإنسان يمكنه أن يتجنب أن يخطئ إن اختار ذلك حسب ظروفه المحلية المؤقتة وضعفه الجسدي، مادام فكره منصبًا على البرّ والوتر مهيئًا حسنًا في القيثارة. ولكن إن كان الإنسان يمارس تهاونًا بسيطًا. فإنه في قدرته كقائد المركب أن ينسحب في اتجاه مقاوم للتيار، هذا الذي متى توانى ولو إلى لحظة فإن المركب ترجع، وتحمله المياه المتدفقة حيث لا يريد. هذا هو حال الإنسان، فإن صار فينا إهمال طفيف ندرك ضعفنا ونجد أن قوتنا محدودة.
هل تظن أن الرسول بولس عندما كتب: "العباءة التي تركتها في ترواس أحضرها عندما تجيء والرقوق" (2 تي 4: 13)، كان يفكر في الأسرار الإلهية وليس في الأشياء التي تستلزمها الحياة اليومية، وتشبع احتياجاتنا الجسدية؟ أرني إنسانًا لم يجُع قط ولا عطش ولا عانى من برد، ولا عرف ألمًا أو حمى أو عذاب الغربة وأنا أقدم لك إنسانًا يمكن ألا يفكر في شيء سوى الفضيلة.
عندما لطم العبد الرسول سلم نفسه هكذا أن ينطق ضد رئيس الكهنة الذي أمر أن يلطمه: "سيضربك الله أيها الحائط المبيض". ينقصنا صبر المخلص الذي اُقتيد كحملٍ للذبح ولم يفتح فاه، بل قال برحمة لضاربيه: "إن كنت قد تكلمت بالشر فأشهد على الشر، وإن كان حسنًا فلماذا تلطمني؟ " (يو 17: 23). إننا لسنا نحط من قدر الرسول، بل نعلن مجد الله الذي احتمل في الجسد، وغلب الضرر الساقط على الجسد وضعف الجسد. لا نقول شيئا عما قاله الرسول في موضع آخر: "الكسندر الحداد صنع بي شرورًا كثيرة، ليجازه الرب الديان العادل في ذلك اليوم" (2 تي 4: 14).
التعديل الأخير: