كأسُ ماء بارد ونصفُ ثمرةيوسفى
٢٦/ ٣/ ٢٠١٢
بقلم فاطمة ناعوت
بقلم فاطمة ناعوت
كأنى به اليومَ يبتسمُ فىبِشْر، كعادته كلما ابتهجَ قلبُه الطفلُ الذى امتلأ بحب الله، فلم يدع مكانً البُغض، وكلما أشرقت عيناه إذ غمرهما نورُ الله فما عادتا تريان قبحًا أو نقيصة. يبتسم إذ يرى المشهدَ الذى حكته لى السيدةُ الجميلةُ التى تُعيننى على بيتى وترتّبُفوضاه.
أم كلثوم، كما أناديها، أو أم محمد، كما يناديها جيرانُها الطيبون الذين يظنّون اسمَ المرأة عورةً تُخفى، رغم أن اللهَ كرّمنا بأسمائنا وسوف ينادينا بهايوم القيامة. كانت فى طريقها إلى عملها غُداة رحيل البابا شنودة. تجلس فى باص مدينةالرحاب جوار زميلتها التى تعمل فى الحضانة. بادرتها زميلتُها: «خير يا أم محمد،لابسة أسود ليه بعد الشر؟»
فردّت أم كلثوم بحزن: «البقية فى حياتك فى البابا،كلنا زعلنا عليه.. كان راجل طيب وكل كلامه خير». فما كان من زميلتها «ليليان» إلاأن أجهشت بالدمع، ثم اقتسمت مع أم كلثوم ثمرةَ يوسفى، فطورها. فغدا نصفُ الثمرة فىيد تحمل صليبًا، والنصفُ الآخرُ فى يد ترفعُ إصبعَها للشهادة.
هذا هو شعبنُاالمصرىُّ الذى عرفتَه وعرفناه يا بابا شنودة. والحكايا التى سمعناها الأسبوعَالماضى لا تنتهى. ولا تتوقف عند مشهد جنازك الشعبىّ المهيب الذى لم نرَ مثله منذجناز عبدالناصر. امتدّ من الكاتدرائية وحتى وادى النطرون، حيث يرتاحُ جسدُك المتعَببهموم شعبك الطيب، الذى علّمته الغفرانَ والتسامح والتجاوز عن سخافات يأتيها بؤساءٌمصدوعو الروح. تحكى لى سكرتيرتى الأستاذة «منى فؤاد»، وهى مُعلّمة بمدرسة «الشهيدعبدالمنعم رياض» الابتدائية بحلوان، عن «أم آلاء»، وليّة أمر إحدى تلميذاتها، وكيفحضرت للمدرسة متّشحةً بالسواد لتعزّى المعلّمات المسيحيات بالمدرسة مع العديد من الأمهات الأخريات.
وعن مدير المدرسة الأستاذ «عبدالناصر محمود»، الذى أوقفَ التلاميذ دقيقةً حدادًا فى طابور الصباح على الراحل العظيم، بعدما حكى للصغار عن المشوار الروحىّ والسياسىّ لهذه القامة الرفيعة، ليعرفوا تاريخَ بلادهم ويقفوا علىرموزها، فيجعلوا منها نماذجَ ودلائل طريق، تساعدهم على المُضى فى درب الخير والنهوض بمصرَ الثرية بشرفائها. وهذاشيخُ الأزهر يؤجلُ اجتماعاتِ «بيت العائلة» حدادًا على صديقه. وتلك صورٌ جميلة رسمت بعضَ فرحٍ على وجه مصر الحزين. سيداتٌ مصريات يقفن بحجابهن فى شُرفاتهن على طول شارع رمسيس فى محيط الكاتدرائية. يُدلين سلالَهنبزجاجات مياه باردة ليشربَ المُشيّعون الذين انتثروا بمئات الآلاف فى وداعالبابا.
تصعدُ سلالٌ بزجاجات فارغة، لتهبط بغيرها ممتلئة. وتستمر رحلةُ صعودالسلال وهبوطها ستَّ ساعات متواصلة. كأن أولئك المسلمات الطيبات قد سمعن السيدَالمسيح يقول: «كأسُ ماءٍ بارد، لا يضيعُ أجرُه». أولئك هم المصريون الذى لميتلوّثوا بالسموم الوافدة إلينا من قفر الصحارى، أولئك الذين حموا أرواحَهم من دَنس البغضاء.
لم يكن لك أبناءٌ بالجسد أيها الراهب المتبتّل، لكن أبناءً لكبالملايين من أقباط مصر، مسيحيين ومسلمين، ومن شتّى أرجاء الأرض. تعلّموا منك وبكوافراقك وفرحوا لإتمامك رسالتك. يوم جنازتك، شاهدتُ اليمامات تحطُّ فوق نعشك ثمتُحلّق فى فضاء الكاتدرائية. كأن هديلَ الحمام يقول عنك للباكيات والباكين: «لايُبكى على رجل صالح. لا تحزنوا لأن: الله موجود، وكله للخير، ومسيرها تنتهى، دعونىأسافرُ دون دموع، لكى أنعم بلحظة عُرسى السماوىّ.. وأبدًا لن أنساكم ولن أنسى مصرَ،لأنها، كما تعلمون، فى قلبى، الوطن الذى يعيش فينا، لا الذى نعيشفيه».
المصرى اليوم
أم كلثوم، كما أناديها، أو أم محمد، كما يناديها جيرانُها الطيبون الذين يظنّون اسمَ المرأة عورةً تُخفى، رغم أن اللهَ كرّمنا بأسمائنا وسوف ينادينا بهايوم القيامة. كانت فى طريقها إلى عملها غُداة رحيل البابا شنودة. تجلس فى باص مدينةالرحاب جوار زميلتها التى تعمل فى الحضانة. بادرتها زميلتُها: «خير يا أم محمد،لابسة أسود ليه بعد الشر؟»
فردّت أم كلثوم بحزن: «البقية فى حياتك فى البابا،كلنا زعلنا عليه.. كان راجل طيب وكل كلامه خير». فما كان من زميلتها «ليليان» إلاأن أجهشت بالدمع، ثم اقتسمت مع أم كلثوم ثمرةَ يوسفى، فطورها. فغدا نصفُ الثمرة فىيد تحمل صليبًا، والنصفُ الآخرُ فى يد ترفعُ إصبعَها للشهادة.
هذا هو شعبنُاالمصرىُّ الذى عرفتَه وعرفناه يا بابا شنودة. والحكايا التى سمعناها الأسبوعَالماضى لا تنتهى. ولا تتوقف عند مشهد جنازك الشعبىّ المهيب الذى لم نرَ مثله منذجناز عبدالناصر. امتدّ من الكاتدرائية وحتى وادى النطرون، حيث يرتاحُ جسدُك المتعَببهموم شعبك الطيب، الذى علّمته الغفرانَ والتسامح والتجاوز عن سخافات يأتيها بؤساءٌمصدوعو الروح. تحكى لى سكرتيرتى الأستاذة «منى فؤاد»، وهى مُعلّمة بمدرسة «الشهيدعبدالمنعم رياض» الابتدائية بحلوان، عن «أم آلاء»، وليّة أمر إحدى تلميذاتها، وكيفحضرت للمدرسة متّشحةً بالسواد لتعزّى المعلّمات المسيحيات بالمدرسة مع العديد من الأمهات الأخريات.
وعن مدير المدرسة الأستاذ «عبدالناصر محمود»، الذى أوقفَ التلاميذ دقيقةً حدادًا فى طابور الصباح على الراحل العظيم، بعدما حكى للصغار عن المشوار الروحىّ والسياسىّ لهذه القامة الرفيعة، ليعرفوا تاريخَ بلادهم ويقفوا علىرموزها، فيجعلوا منها نماذجَ ودلائل طريق، تساعدهم على المُضى فى درب الخير والنهوض بمصرَ الثرية بشرفائها. وهذاشيخُ الأزهر يؤجلُ اجتماعاتِ «بيت العائلة» حدادًا على صديقه. وتلك صورٌ جميلة رسمت بعضَ فرحٍ على وجه مصر الحزين. سيداتٌ مصريات يقفن بحجابهن فى شُرفاتهن على طول شارع رمسيس فى محيط الكاتدرائية. يُدلين سلالَهنبزجاجات مياه باردة ليشربَ المُشيّعون الذين انتثروا بمئات الآلاف فى وداعالبابا.
تصعدُ سلالٌ بزجاجات فارغة، لتهبط بغيرها ممتلئة. وتستمر رحلةُ صعودالسلال وهبوطها ستَّ ساعات متواصلة. كأن أولئك المسلمات الطيبات قد سمعن السيدَالمسيح يقول: «كأسُ ماءٍ بارد، لا يضيعُ أجرُه». أولئك هم المصريون الذى لميتلوّثوا بالسموم الوافدة إلينا من قفر الصحارى، أولئك الذين حموا أرواحَهم من دَنس البغضاء.
لم يكن لك أبناءٌ بالجسد أيها الراهب المتبتّل، لكن أبناءً لكبالملايين من أقباط مصر، مسيحيين ومسلمين، ومن شتّى أرجاء الأرض. تعلّموا منك وبكوافراقك وفرحوا لإتمامك رسالتك. يوم جنازتك، شاهدتُ اليمامات تحطُّ فوق نعشك ثمتُحلّق فى فضاء الكاتدرائية. كأن هديلَ الحمام يقول عنك للباكيات والباكين: «لايُبكى على رجل صالح. لا تحزنوا لأن: الله موجود، وكله للخير، ومسيرها تنتهى، دعونىأسافرُ دون دموع، لكى أنعم بلحظة عُرسى السماوىّ.. وأبدًا لن أنساكم ولن أنسى مصرَ،لأنها، كما تعلمون، فى قلبى، الوطن الذى يعيش فينا، لا الذى نعيشفيه».
المصرى اليوم
التعديل الأخير: