- إنضم
- 3 يوليو 2007
- المشاركات
- 2,619
- مستوى التفاعل
- 388
- النقاط
- 83
[عرُس في القرية]
ريثما يلتقط أنفاسه، توقف الراهب العجوز إذ كان قد أعياه المسير، كان الطريق الزراعي الضيق الذي يصل ما بين محطة القطار والقرية التي يقصدها، يقل قليلاً عن الثلاثة كليومترات، لم يكن الطريق معبداً بعد، ومن ثم فلم تكن وسيلة للانتقال ما بين المحطة والقرية سوى الدواب. كان ذلك في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي.
كان النهار قد بدأ في الانصراف، بينما كان على العجوز الوصول إلى القرية قبل حلول الظلام ليس بسبب تعذر الرؤية ليلاً فحسب، وانما بسبب شهرة تلك الوصلة من الطريق بالخطورة الشديدة على المارين، سواء أكانت تلك المخاطر آتية من قطاع الطرق والذين ارتكبوا أبشع الجرائم هناك، أو بسبب الأخطار الناجمة عن بعض الوحوش والأفاعي، التي ترعى على جانبي ذلك الطريق المتعرج يميناً وشمالاً وكذلك ارتفاعاً وهبوطاً. كانت موشحة كالخراب، كئيبة كنهار مقفهر، ثقيلة على قلب السائر كمن هو مضطر لعمل يمقته.
وبينما كان يجلس على حافة حجر بجانب الطريق، ترامت إليه أصوات صراخ كثيفة آتية من جهة القرية ولكن تلك الأصوات لم تستغرق سوى لحظات عاد بعدها السكون ليخيّم على المكان من جديد، ثم حانت منه التفاته فخيّل إليه أنه رأى الشبح إنسان يمرق قاطعاً الطريق قبل أن يختفي بذات السرعة التي اختفى بها الصراخ..
ولكن ترى ما هو مصدر الصراخ. لعلّ أحداً بالقرية قد تنيّح، ‘ذاً والحالة هكذا فإنه لن يستطيع العودة إلى الدير في الصباح عقب انتهاء القداس، بل عليه أن ينتظر ريثما يصلي قداس الأحد من كل أسبوع في كنيسة تلك القرية.. أو النجع الصغير.. ريثما تتم سيامة كاهن آخر بدلاً من ذاك الذي تنيح منذ ستة أسابيع.
فعندما استأذن أسقف الأبروشية رئيس الدير في انتداب أحد رهبانه للقيام بهذه المهمة بشكل مؤقت، استدعاه ورجاه في ذلك، ورغم أنه كان على أعتاب الستين من عمره في ذلك الوقت، إلا أنه قبل في اتضاع وصمت.
وبينما كان يغادر جلسته رشم ذاته بعلامة الصليب المقدسة وهو يقول: "الرب يحفظ دخولك وخروجك".. "حافظك حافظ إسرائيل"، ولم تنقض ربع الساعة حتى كان قد وصل إلى مشارف القرية حيث كان الظلام قد كسى المكان بحلته البهية، فانحسر الضوء وتعالت أصوات خرير الماء ونقيق الضفادع، وبقايا محادثات كان القرية تموج بها في النهار، وبين آن وآخر ينهق حمار هنا، أو ينبح كلب هناك.
عند مدخل القرية تقابل مع أحد الشبان يركب حماراً ويسحبه بقوة من خلفه بحبل، وترجّل الشاب فبادره الأب بالتحية وأعقبها بسؤال عما إن كان أحد قد تنيح، فأجاب الشاب بالنفي، فظن على الفور أن ما يسمعه في الطريق لم يكن سوى أضغاث خيال بسبب الأعياء من السير، ومن ثم نسى الأمر كليّة..
ويستطرد الأب الراهب فيكمل قصته ونحن جلوس حوله في القلاية نحصّه على المواصلة لنعرف تفاصيل تلك الواقعة المثيرة التي جرت معه منذ عشرين عاماً حين كان يقوم بتلك المهمة التي كلفه بها رئيس الدير، وكان هو يتلمس منا الرفق بسنّه الذي تجاوز الثمانين بينما كنا لا نشبع أبداً من قصصه التراثية تلك، قال:
كان عُرس في تلك القرية الصغيرة والتي لم يكن عدد سكانها يتجاوز الألف نفس مطلقاً، وكان ابن لرجل تقي هناك يُسمى سليم وهو تاجر كبير للمواشي، سوف يتزوج من ابنة شيخ البلد آنئذ ويدعى خليفة. ولم تكن الأعراس في ذلك الوقت : "عرس اليوم الواحد" كما هو الحال الآن حيث يعقد الأكليل في الكنيسة يعقبه حفل استقبال في أحد الفنادق.
ويقاطعه أحدنا سائلاً:
-كم كان يتكلف مثل ذلك الزواج وقتئذ؟
فيجيب هو الآخر بسؤال:
-أفيدوني أنتم أولاً كم يتكلف الزواج على طريقتكم العصرية هذه؟
فنظر بعضنا إلى البعض الآخر مبتسمين ومشفقين عليه من صدمة الرقم، فقد كان من بيننا من جاء إلى العالم من سنتين فقط، وإلى هذا التفتنا طالبين إليه أن يخبره ويخبرنا عن أحدث الأرقام بهذا الصدد، فقال:
-بداية من البحث عن شقة ونهاية بفاتورة الفندق، فقد يتكلف الأمر نصف مليون جنية.. خمسمائة ألف جنية كاملة، وقد تزيد في بعض الحالات الخاصة إلى أضعاف هذا الرقم، بين فئة "الذوات" في المجتمع، بينما أقل تكلفة داخل القاهرة تقارب المائة ألف جنية.
ويفغر الأب العجوز فاه مندهشاً ويتسائل مستنكراً لعلهم يبالغون أو يمزحون، ولكن يؤكدون له ذلك وقبل أن يعلّق يبادره أحدنا بالسؤال:
-هل تذكر كم تكلف ذلك الزواج في القرية التي تتحدث عنها؟
-بالطبع لم أسأل ولكني سمعت الرجل يشكو من ذلك الزواج قد قسم ظهره وأثر على رأس مال تجارته، إذ كلّفه خمسمائة وثلاثين جنيهاً كاملة!! عدا بعض اللوازم والتي لم يشترها لأنها كانت في حوزته أصلا!
فقلنا متبسّمين بمكر طفولي:
-ولم هذه الإسراف؟!
-لقد احتاج الأمر بالطبع إلى إعداد حجرة في البيت الكبير، ثم الحلوى والمشروبات والهدايا والولائم وبعض الرسوم والهبات المالية، ثم تنهد قليلاً قبل أن يستطرد:
-يبدو لي أن الفرق بين مشروع الزواج قديماً وحديثاً أن الكماليات الآن تعادل نصف التكلفة الكلية وربما تتجاوزها، وكثير من الناس تحكمها المظاهر والغيرة والتفاخر والتنافس بين العائلات والجيران، وكان أجدى أن يهتموا بالأساسيات وأهمها "السر نفسه" سر الزواج المقدس.. ثم أردف قائلاً:
-ولكن ما شأنكم أنتم الآن بمثل تلك الأمور وقد تركتم العالم بكل من فيه وما فيه! ثم سألناه:
-كيف كان ذلك المبلغ الزهيد الذي تكلفه العرس في أيامه كفيلاً بالقيام بنفقات الزواج واحتفالاته.
-كان ذلك الحدث السعيد مبعث بهجة وطرب في جنبات القرية كلها، ليس بسبب محبة أهلها للرجل فحسب وإنما لأن مثل تلك الأحداث السعيدة تأتي عقب "موسم القطن" وهو الموسم الذي يحصل فيه المزارع على العائد المالي الرئيسي خلال العام كله، وفيه تنفذ الوعود وتُسدّد الديون وتعلن الأفراح المؤجلة، وتكتسي القرية كلها –شأنها في ذلك شأن جميع ريف مصر- بحلة بهية، وهذا الموسم يشبه إلى حد كبير موسم "جز الغنم" عند بني إسرائيل والذي كان موعده في فصل الربيع.
فقبل موعد الزفاف بأسبوع تبدأ حركة دائبة في كل مكان، فهوذا النجارون يحملون عملهم إلى البيت حيث يصقلونه هناك، وهاهم المنجّدون يعدون الحشيات والوسائد والأغطية، وهنا وهناك أطفال يمرحون وبأيديهم حلوى، والبعض الآخر من الرجال يدورون بأكواب المشروبات المثلجة على الجميع داخل وخارج البيت السعيد، وبعض النسوة يجلسن حول الفرن يخبزن كميات وفيرة من الخبز، وأخريات يعددن ألواناً عديدة من الطعام، وبينما البيت مفتوح على مصراعيه جلست بعض الفتيات في مدخله يغنين ويطبلن. وبين كل هؤلاء وأولئك يتردد كثير من الفقراء في حركة دائبة من وإلى البيت، ينعمون بعطف أصحاب العرس والذين بدوا كرماء لطفاء ودودين اكثر من العادة. أما خارج الدار فقد اصطف عدد كبير من الرجال على جانبي الباب فوق مقاعد خشبية عريضة ذات وسائد، وكأنهم حراس لذلك "الكرنفال الكبير" يتلقون التهاني ويتبادلون أحاديثهم التقليدية، بينما راح بعض من العمال يثبتون عدداً من "الكلوبات" الغازية على الحوائط.
كان العرس من الأيام التي لا تنسى ولن تمحى من ذاكرة جميع الذين عاصروه، ليس بسبب هذا البذخ وإنما لسبب آخر، فالناس الآن لا يتذكرون ماذا أكلوا أو شربوا أو سمعوا من موسيقى، ولكنهك يتذكرون جيداً ذلك الحدث الذي جرى مثل "فقاعة" كبيرة ظهرت لدقائق ثم اختفت، بعد أن خلفت رعباً شديداً لساعات في تلك القرية الآمنة المطمئنة، دون أن تحدث أيه خسائر من أي نوع.
ففي ذلك الوقت وخلال تلك المظاهر المبهجة، نظر الشياطين أحدهم إلى الآخر مستنكرين متسائلين، هل سيتركون القرية وسط هذه الأفراح التي تلفّها وتشمل مختلف فئاتها وأعمار أهلها ومرافقها. فأنكر الجميع ذلك على نفسهم وعلى القرية بكل ما فيها ومن فيها. ومن ثم بدأوا يفكرون في العمل الذي يتوّجب عليهم القيام به تجاه هذا التجاوز والتطاول من جهة أولئك القرويين البسطاء!
ويصمت الأب ريثما يلتقط انفاسه، فنحثه على كشف السر، بعد أن ألهب خيالنا بما رواه وأضرم اشتياقنا إلى معرفة كنة ما جرى، فقال:
في تلك الليلة صليت العشة ونمت حيث قمت بصلاة القداس في صباح اليوم التالي، وبعد أن تناولت افطاري قضيت بعض الشئون الصغيرة التي تخص الكنيسة ثم انصرفت من هناك متخذاً ذات الطريق الذي أتيتُ منه، وفي أوله عرض عليّ أحد الرجال أن أركب حمارته فشكرته مفضّلاً المسير علّي أصلي وأتأمل، وعندما وصلت محطة القطار جلست هناك في أحد الأركان صامتاً، وطال بي الوقت وكنت قد صرفت الشخص الذي جاء معي يرافقني في الطريق إلى المحطة. ولم يأت القطار في ذلك النهار وعرفت من بعض المنتظرين مثلي أن هناك عطل ما حالً دون وصول القطار.
واضطرت لقضاء جزء من الليل في رحاب ذلك المكان الموحش، ورحت أتمشى قليلاً مبتعداً عن المحطة، فخيّل لي أني أسمع أصواتاً غير عادية.. أي أصواتاً "ليست لبشر".. ولما أرهفت السمع إذا بي أسمع أصواتاً فهمت من خلالها السرّ فيما جرة بالأمس فلعله دار الحيث التالي:
-أقترح قتل العريس أو على الأقل واحداً من أسرته فيتحول الفرح بذلك إلى مأتم.
-بل يمكننا اضرام النار في بعض الحقول أو المنازل فيغتمّون ولو لبعض الوقت..
ولكن شيطاناً صغيراً طلب أن يأذن له الرئيس والباقين بالقيام بهذه المهمة، وسألوه عن خطته ولكنه رفض الافصاح عنها، فلما حصل على الإذن انطلق من توهّ إلى داخل القرية، وفي الطريق أبصر الراهب الشيخ متجهاً إلى هناك فغافله واختفى عنه.
وفي ذلك الوقت كان بعض من الشياطين الآخرين ينتظرون بعيداً ماذا عساه أن يفعل ذلك المتجاسر قليل الخبرة؟! فما هي إلا دقائق حتى سمعوا صراحاً مدوِّياً يهز القرية بكاملها: إذ كان جميع من بالقرية يصرخون في وقت واحد، وفيما الشياطي مندهشون أبصروا ذلك الشيطان الصغير وقد عاد لتوه من القرية، فتلقّفوه بوابل من الأسئلة مندهشين وملحين عليه كيف أمكنه بهذه السرعة الفائقة تحقيق ذلك.
أمّا هو وقد اسكرته نشوة الانتصار، كان هادئاً واثقاً عندما ردّ باستخفاف وبغير اكتراث وهو يطل بوجه قبيح وعينان يتطاير منهما الشرر:
-أبداً.. كل ما هنالك انني حركت الوتد!!
-ماذا تقصد (سأله الشياطين الأردياء):
فنتهّد عميقاً ثم قال:
كانت في تلك الدار بقرة صغيرة مربوطة إلى وتد مثبّت بالأرض، فاقتربت في هدوء وانحنيت لأسفل ثم حركت الوتد من مكانه وابتعدت قليلاً. ففي واحدة من حركاتها التلقائية قفزت البقرة من موضعها لتجد نفسها حرّة منذ لك القيد، فانطلقت مسرورة تقفز هنا وهناك جزلة سعيدة، وبينما هي تتحرك دون شرط! قفزت إلى داخل الفناء حيث بعض النسوة جالسات حول الفرن يعددن الخبز، فما أن رأينها وكأنها هاجمة عليهن حتى انتابهن الهلع فصرخ بعضهن، وتبع صراخهن صراخ البقية الموجودة معهن حول الفرن. فوقع صراخهن وقع الصاعقة على كل من في أركان الدار، فإذا بالنسوة الباقيات وقبل أن يتحققن الأمر أطلقن صراخهن، وفي لحظات تعالت الصرخات الحادة لحوالي أثنتين وعشرين سيدة داخل ذلك الدار، وطار الصراخ إلى مسامع بقية النسوة في بيوتهن فإذا بعن يتجاوبن معهن كمجاملة تلقائية دون وعي، وقبل أن يسألن عن الخطب!!
وخرج الرجال من بيوتهم، بينما دخل الرجال الجالسون أمام الدار يستطلعون الأمر، فبادروا أول من وجودها بالسؤال عن سبب صراخها فلم تعرف.. وراحوا يسالوا الباقيات واحدة تلو الأخرى، فلم تعرف واحدة منهم لماذا صرخت، وفي الطريق لاحظ أحد الرجال أن البقرة طليقة فأمسك بالحل ليعيدها في هدوء إلى مكانها دون أن يعرف من أولئك اللائي يخبزن انها هي السبب.
وهكذا دون سبب حقيقي انتشر الخوف والهلع بين جميع أفراد القرية من الشيوخ إلى النساء إلى الرجال والأطفال، وتحون العرس إلى مناحة في لحظات كما رغب الشياطين!.
ويعلق الشيطان الكبير على ذلك بقوله:
-انهم البشر والذي يسهل انتزاع سلامهم وارعابهم.. إن الحرب ما بيننا سجالٌ، فكم أذاقونا من مرارة وعلينا رد ذلك عليهم أضعافاً.
وصمت الراهب الشيخ قليلاً ثم قال:
-هذا ما حدث، وبقدر ما أن الشياطين يحقدون علينا ويتفننون بالشر علينا، فهم في الواقع تافهون يخافون ويرتعبون متى كنا أقوياء في مواجهتهم.
دير البراموس
يونيو 2002م
ــــــــــيونيو 2002م
نقلتها نصاً من كتاب سلسلة قصص روحية قصيرة وهادفة - المجموعة الثانية - عين ماء
(وهو الجزء الثاني من سلسلة أجراء وأبناء)
(وهو الجزء الثاني من سلسلة أجراء وأبناء)