وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واعتمد من يوحنا في الأردن ( مر 1: 9 )
قد يعطف الغني على فقير، لكنه لا يستطيع أن يتوحَّد معه ليعيش معه فقره. وقد يشفق الطبيب على مريض، لكنه لا يستطيع أن يتوحَّد معه ليتذوق معه ألمه. لكن ها هو المسيح، المُحب الحقيقي الفريد، لا يتوقف عند حد العطف أو الشفقة على الإنسان، لم يُرسل له رسالة يُخبره فيها عن محبته، بل جاء إليه بنفسه! ولم يرسل له مالاً أو علاجًا، بل جاء ليكون قُربه ويلتصق به، ولكي ما، بكل الحب يتوحَّد معه.
ومن أروع اللوحات التي تُرينا محبة المسيح للجنس البشري، هي لوحة نزوله إلى مياه المعمودية، ليعلن توحُّده مع التائبين. جاء يوحنا يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، فكثيرون إذ سمعوا برروا الله وأدانوا أنفسهم، وقبلوا النزول إلى مياه الأردن معترفين بخطاياهم. فإذا بالسيد يأتي إلى يوحنا طالبًا أن يعتمد منه!!
واندهش يوحنا، واندهشت ـ يقينًا ـ ملائكة السماء، فما علاقة القدوس بالتوبة، والمغفرة، والخطايا؟! بالطبع ليس له أدنى علاقة بهذه كلها، وبالتالي ليس له أدنى علاقة بالمعمودية. هذا صحيح، لكنه، وإن كان ليس له أدنى علاقة بالخطية، كانت له أقوى علاقة مع الخطاة، علاقة الحب الحقيقي، فأراد أن يُعلن عن حبه لهم والتصاقه بهم وتوحده معهم، بنزوله، معهم، إلى مياه المعمودية في الأردن، كمقدمة لنزوله، بعد قليل من أجلهم، إلى مياه الدينونة في الجلجثة.
لقد كان، في المعمودية، كمَن يحصل على شرعية تمثيله للخطاة الآثمين بتوحده معهم، لكي يستطيع، قانونيًا، الوقوف نيابة عنهم على صليب الجلجثة أمام عدالة الله كممثل لهم!!
أحبائي .. هو لم يستنكف أن يعيش بؤس الفقراء في الناصرة، بينما نحن عندما يسمح لنا الرب أن نجتاز في فقر أو ظلم أو أي شيء مما يجتاز فيه الناس، لكي نشعر بهم ونتعاطف معهم ونسعى لخلاص نفوسهم؛ تجدنا نتذمر ونتضجر، وكأننا نفترض أننا ما دمنا مؤمنين لا ينبغي أن نجتاز فيما يجتاز فيه الناس. بينما الواقع هو أننا ما دمنا مسيحيين ينبغي أن نجتاز ما اجتاز فيه المسيح لأجل الإنسان.
هو لم يشمئز منهم كخطاة عندما ربط نفسه بهم في المعمودية، لكن نحن نبتعد عن الناس بسبب خطاياهم، بينما كان ينبغي أن خطاياهم هي التي تجعلنا نشفق، فنحب، ونقترب، ونبلِّغ الخبر السار.
هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح، ووكلاء سرائر الله، ثم يُسأل في الوُكلاء لكي يوجد الإنسان أمينًا
( 1كو 4: 1 ، 2) الأمين هو الشخص الذي يخاف الرب، أي يحيا في محضره، ويسلك قدامه في كل حين، ولا يكره سوى الخطية
( نح 7: 2 ؛ دا4: 6؛ تك39: 6).
والأمانة من أهم الصفات الشخصية وأعظمها، وهي الصفة التي تنهض في يوم الدين كالقياس الصحيح للسلامة الروحية. «كنت أمينًا» ( مت 25: 21 1كو 4: 2 )، لأنها تتعلق بكل إنسان مهما كانت ظروفه المختلفة في الحياة، ومهما كثرت أو قَلَّت مواهبه وإمكانياته، فهي لازمة للفقير كما للغني، للمتعلم كما للعامي، للقوي كما للضعيف، للسيد كما للعبد، وهي الشيء الذي لا يستطيع أحد الاعتذار عنه أو التعلل بأنه خارج قدرته وحياته ونطاقه. وهي وإن كانت واجبة للجميع، فهي لخادم الرب ألزَم وأوجَب، وذلك لأن نجاح الخدمة وفشلها يرتبطان بمدى الأمانة عنده(1كو4: 2؛ 2تي2: 2).
والمؤمن ليس فقط ابنًا في عائلة الله، وعضوًا في جسد المسيح، وحجرًا في هيكل سُكنى الروح القدس، بل هو أيضًا «وكيل على نعمة الله المتنوعة» ( 1بط 4: 10 )، وعطايا سيده أمانة في عنقه. فالوكيل ليس هو صاحب الشيء، إنما هو أمين على مال سيده، ومركز الوكالة يضع عليه مسؤولية الأمانة التي سيؤدي عنها الحساب «ثم يُسأل في الوُكلاء لكي يوجد الإنسان أمينًا» ( 1كو 4: 2 ).
وفي هذا الصَدَد، نتذكر أن الرب يسوع المسيح، في أمثاله، وبفمه الطاهر، علَّمنا ضرورة الأمانة.
1 ـ ففي مَثَل العبد ( مت 24: 45 - 50) حدَّثنا عن ضرورة الأمانة في الخدمة داخل البيت، أي في الكنيسة، كما هو مكتوب «وبيته نحن» ( عب 3: 6 ).
2ـ وفي مَثَل العشر العذارى ( مت 25: 1 - 13)، حدَّثنا عن ضرورة الأمانة في الأشواق في انتظار العريس. فإن كنا ننتظر الرب كالسيد، فيجب أن ننتظره بأمانة واجتهاد العبيد الأمناء الحكماء، وإن كنا ننتظره كالعريس، فيجب أن ننتظره بأشواق العروس.
3ـ وفي مَثَل الوَزنات ( مت 25: 14 - 30)، حدَّثنا عن ضرورة الأمانة في الخدمة خارج البيت، واستخدام كل ما يعطيه المسيح لنا من المواهب الطبيعية أو الروحية، لنبشر بإنجيل الله بطريقةٍ ما.
4ـ وفي مَثَل الأمناء ( لو 19: 12 - 27)، حدَّثنا عن ضرورة الأمانة للرب في العيشة والسلوك كما يحق لإنجيل المسيح.
بعد قليل جدًا لأنه بعد قليل جدًا سيأتي الآتي ولا يُبطئ ( عب 10: 37 )
يُنظر إلى المؤمنين في عبرانيين10 كمجاهدين في مواجهة اضطهاد وأخطار وصعوبات طريق السفر، فيُقال لهم: «تحتاجون إلى الصبر حتى ... تنالون الموعِد» ( عب 10: 36 ) أي ثابروا فستصلون إلى الهدف في لحظة، وما هي إلا خطوة أو اثنتين وتدخلون سماء الراحة. ما هي إلا لحظة أخرى ويصل ذاك الذي هو في طريقه إليكم. وحينئذٍ نكون كلنا مع الرب كل حين.
هذا هو رجاء الذين هم للمسيح، أن يُكمَلوا عند مجيئه ( عب 11: 40 ). وهذا هو دخولنا إلى السماء بيتنا الأبدي. وكلما تفكرنا في أن مجيئه يقرب، وكلما أصغينا إلى دعوته، فإن مدة انتظارنا حادثة كهذه تبدو كأيام قليلة بسبب محبتنا لذاك الذي أحبنا أولاً ويرغب في أن يأخذنا إلى حيث هو.
ومع أن علينا أن ننتظر، ولكن ماذا تكون ساعات الانتظار؟ إنها مهما طالت بحسب مقاييس الزمن الأرضية، فما هي إلا فترة قصيرة جدًا إذا ما قورنت بأحقاب الأبدية الشاسعة التي ستُقضى في شركة صافية مع المُحب الفادي. وعندما نُلقي نظرة من موطننا السعيد في بيت الآب إلى ساعات الظلمة التي سبقت قدوم الصباح، نجدها وقد تضاءلت قيمتها إزاء إشراق محضره له المجد. وسنقول حينذاك: ما كان أقصر تلك الفترة، إن لم نستطع أن نقول ذلك في أوقات الظلام الحاضرة.
ولكن إن تشبَّعت قلوبنا بالمسيح وبكلمته الآن، فلا بد أن نتمتع الآن بحقيقة وعده، وبحقيقة معنى القول «بعد قليل جدًا» ( عب 10: 37 ). ليتنا لا نكون بطيئي الفهم مثل تلاميذ الرب عندما قالوا: «ما هو هذا القليل الذي يقوله لنا: بعد قليل لا تُبصرونني، ثم بعد قليل أيضًا ترونني، ولأني ذاهبٌ إلى الآب؟ فقالوا: ما هو هذا القليل الذي يقول عنه؟ لسنا نعلم بماذا يتكلم!» ( يو 16: 17 ، 18). وواضح أن العبارة البسيطة «بعد قليل» قد حيَّرت الرسل.
والحق إنهم لم يصدقوا كلماته، ولذلك لم يفهموا كلامه. ليتنا نثق ونصدق أنه بعد قليل جدًا سيأتي الآتي ولا يبطئ. إن العبد الشرير هو الذي يقول في قلبه «سيدي يُبطئ قدومه» ( مت 24: 48 ).
ليتنا نتوق أن نكون بين أولئك العبيد الصالحين والأمناء الذين سيجدهم سيدهم في نهاية هذا الوقت «القليل جدًا» ساهرين.
فوضعَ (الملك أحشويرش) تاجَ المُلْكِ على رأسها ومَلَّكها مكان وشتي ( أس 2: 17 )
طريق الله هو طريق رائع، فهو يتناول مَنْ هو لا شيء ويجعل منه شيئًا يليق بالله، يتناول أشخاص تُميزهم المسكَنة والمذلة، ويُرفّعهم ويُرقّيهم إلى أعلى المراتب وأرفعها.
طريق الله هو طريق الآلام أولاً ثم الأمجاد، ولكى نتحقق من هذا الفكر دعونا نلاحظ أستير، فتاة بلا أب ولا أم، كانت تعانى من آلام خاصة تتمثل في فقدها لذويها، وفوق هذا هي فتاة مسبية في شوشن، لها آلامها الخاصة، وشاركت بني جنسها في الآلام الجماعية المتمثلة في السبي، وقد ربَّاها ابن عمها.
وإذا نظرنا الى بداية أستير المتواضعة، وقارنا بين هذه البدايات وبين وصولها إلى المُلك وصيرورتها ملكة لواحدة من أعظم الممالك آنذاك، حيث أصبحت زوجة لأحشويروش الذي كان ملكًا على 127 كورة، طبعًا هذا في نظرنا أمر غير عادي، أن تتحول هذه الفتاة المسكينة لتصبح الملكة لمملكة مادي وفارس،
ولكن عندما يعمل الله يستطيع أن يتناول أستير المسكينة ويجعلها الملكة. والشيء ذاته صنعه الله معنا، فقد كنا جميعًا مسبيين كأستير وحوَّلنا الله إلى ملوك. جميل أن يُقال عن الله «يا رب، مَن مثلك المُنقذ المسكين ممَّن هو أقوى منهُ، والفقير والبائس مِن سالبهِ؟» ( مز 35: 10 ).
لقد كنا مسبيين لعدو قاسى، كنا في حكم أمتعته التي يحفظها متسلحًا، ولكن الجميل أن الرب تدَّخل فى حياتنا وصيَّرنا ملوكًا بعد أن كنا عبيدًا «الذي أحبنا، وقد غسَّلنا من خطايانا بدمِهِ، وجعلنا ملوكًا وكهنة لله أبيه، له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين» ( رؤ 1: 5 ، 6).
لم تكن المشكلة فقط تتمثل فى وصول أستير إلى المُلك، بل أن تتصرف بما أُعطيَ لها من إمكانيات في يوم مجيء الكارثة المتمثلة في إبادة شعبها، وهنا عادت الآلام لأستير والمخاوف بصورة مرعبة، كيف ستغامر بنفسها لكى تدخل إلى الملك. فى المرة الأولى كان الأمر أسهل فقد تصير ملكة أو تظل مسبية، ولكن الأمر فى المرة الثانية إما ستأخذ حياة بإمداد الملك قضيب الذهب لها، أو تموت وتهلك فى الحال.
تعقدت الأمور مرة أخرى مع أستير، وكما عملت يد الله لتجعل أستير ملكة، حفظتها لتستمر ملكة، وفى الوقت ذاته تكون بركة لشعبها ولبنى جنسها.
مَن له الابن فله الحياة، ومَن ليس له ابن الله فليست له الحياة ( 1يو 5: 12 )
الحياة الأبدية حياة بلا نهاية. هي حياة كل مَن نالها كعطية من الله بيسوع المسيح ربنا لا يمكن أن يفقدها على الإطلاق. إن مُعطيها هو الله، ومَن أُعطيت فيه هو يسوع المسيح ربنا، ومتى علمنا ذلك يسهل علينا التأكد من عدم ضياعها أو استردادها. لو كانت الحياة الأبدية شيئًا مُنح لنا في مقابل ميزة أو أمانة فينا، لكان يحق لنا أن نخاف من ضياع هذه البركة بضياع أو تغير الصفة التي أُعطيت لنا على أساسها. ولكن حيث إن هذه الحياة هي عطية الله المجانية في ربنا يسوع المسيح فإنها تبقى لنا إلى الأبد، لأن عطايا الله وهِباته هي بلا ندامة. وأكثر من ذلك أن هذه الحياة لم يُعهد إلينا بالمحافظة عليها حتى يكون خطر فقدانها قريبًا منا على الدوام. انظر ما تقوله كلمة الله عنها: «وهذه هي الشهادة: أن الله أعطانا حياةً أبدية، وهذه الحياة هي في ابنهِ» ( 1يو 5: 11 ). هل يمكن أن أفقد شيئًا قد حُفظ لي في ابن الله؟ إنه لا توجد خزانة على الأرض مهما كانت متينة إلا ويستطيع اللصوص كسرها وأخذ ما فيها، ولكن أي سارق يتمكن أن يأخذ قهرًا من المسيح ما هو محفوظ لي فيه؟ إنه قد انتصر على كل عدو وهزم كل خصم. إن يده قد كسرت قوة الموت، وهذه اليد القديرة هي التي تُمسك بالمؤمن، وعليها يرتكز سلامه الأبدي. لذلك يقول عن حق إن كل مَن نال هذه الحياة لن يهلك البتة، بل تكون هذه الحياة ملكًا له إلى الأبد ( 1يو 5: 12 ).
واسمع أيضًا ما تقوله كلمة الله: «كتبت هذا إليكم، أنتم المؤمنين باسم ابن الله، لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية» ( 1يو 5: 13 ). لا يقول ”لكي ترجوا“ أو ”لكي تشعروا“، بل ”لكي تعلموا“. مَن مِن الذين ألقوا حِمل خطاياهم عند قدمي المخلِّص العظيم، ومَن مِن الذين قد نظروا إليه بالإيمان البسيط القلبي يشك في كلامه؟ إن الرب هو نفسه الذي قال عن خرافه، عن جميع المؤمنين به «وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي» ( يو 10: 28 ). أَ ليس هذا كافيًا لإيجاد الطمأنينة في قلوب المؤمنين من ناحية حياتهم الأبدية؟
لا هَوْلَ قوَّاتِ الجحيمْ أخْشَى ولا المَنُونَ
لأني في الفادي الكريمْ أبقَى المدَى مَصُونَ
ولما قال هذا ارتفع وهم ينظرون. وأخذته سحابة عن أعينهم ( أع 1: 9 )
كان لقيامة المسيح، والتي تبرهنت بظهوره حيًا للتلاميذ عِدَّة مرات، أروع أثر في نفوسهم. وفي نهاية الأربعين يومًا بعد قيامته «أخرجهم خارجًا إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم. وفيما هو يباركهم، انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء» ( لو 24: 50 ، 51).
لقد ظلت عيونهم مرفوعة ومتعلقة به حتى جاءت السحابة وأخذته عن أعينهم. وماذا كانت مشاعرهم في هذه اللحظات؟ إنهم على الأرض لن يروه ثانيةً. وما كانوا يدركون إلا قليلاً جدًا عن المجد الذي ارتقى إليه، والعرش الذي جلس عليه، والكرامة والسلطان والقوة التي أُعطيت له. ومع ذلك فقد سجدوا له، ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيم.
قبل ذلك ملأ الحزن قلوبهم عندما سمعوا أنه سيتركهم ويمضي إلى الآب عن طريق الصليب. فقد علَّقوا آمالهم عليه باعتباره المسيا المزمع أن يفدي إسرائيل من أعدائهم ويملك عليهم.
أما الآن فقد رجعوا بفرحٍ عظيم في انتظار تحقيق الوعد بإرسال الروح القدس، المعزي الآخر، الذي سيمكث معهم ويكون فيهم إلى الأبد، والذي سيربطهم في وضع جديد وعلاقة جديدة مع المسيح الذي رُفع في المجد. وهذا أسمى بما لا يُقاس من علاقتهم به كالمسيا على الأرض.
لقد نزل الروح القدس ليعلن أن المسيح هو الرأس الممجد في الأعالي. وأنه قد اجتاز السماوات صاعدًا ظافرًا على كل العِدَى. وإذ ذاك ارتعدت كل أجناد الشر الروحية في السماويات مع رئيس سلطان الهواء، وهم يرون هذا الشخص العظيم يشق السماوات مرتفعًا إلى عرش الله، حائزًا أسمى مقام، ليجلس في يمين العظمة في الأعالي.
فالذي وُضع قليلاً عن الملائكة، صار أعظم من الملائكة. إذ قد مضى إلى السماء، وملائكة وسلاطين وقوات مُخضعة له ( 1بط 3: 22 ).
والذي رُفض وأُهين وكُلل بالأشواك على الأرض، قبلته السماء ورحَّبت به، والآب قد كلَّله بالمجد والكرامة، وأجلسه عن يمينه في ذات عرشه. والذي رُفع على الصليب قد رفَّعه الله أيضًا فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة وكل اسم يُسمَّى. إن قلوبنا تطفر فرحًا وشوقًا كلما أعلن الروح القدس عن أمجاده هناك في الأعالي. وهذا ما يجعلنا نسجد له بفرحٍ عظيم.
قدِّموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة، وفي المعرفة تعففًا، وفي التعفف صبرًا، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودَّ’ أخوية، وفي المودَّة الأخوية محبة ( 2بط 1: 5 - 7)
في 2بطرس1: 5- 7 يرتب الرسول الصفات التي تميز حياة التقوى. والصفة الأولى العظيمة للحياة المنتصرة هي الإيمان.
ولذلك أمكن للرسول يوحنا أن يقول: «وهذه هي الغَلبة التي تغلب العالم: إيماننا»، والإيمان يلزم أن يكون له غرض، ويبيِّن لنا الرسول هذا الغرض إذ يقول: «مَن هو الذي يغلب العالم، إلا الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله؟» ( 1يو 5: 4 ، 5).
فالإيمان يتحول عن كل ما هو منظور ومحسوس ويتطلع إلى الرب يسوع ( غل 2: 20 ).
وثانيًا: مع إيماننا نحتاج إلى الفضيلة أو الشجاعة الروحية والقوة الأدبية. وبهذه الشجاعة الأدبية سنتمكن من رفض أعمال الجسد فينا، ونقاوم الشرير في الخارج. فلكي نحيا حياة عملية تقوية، هذا يتطلب قوة روحية لننكر أنفسنا، ونرفض العالم، ونقاوم إبليس.
ثالثًا: ومع الفضيلة نحتاج إلى المعرفة لنكتسب الحكمة الإلهية لتقودنا في كل طرقنا العملية. فبعيدًا عن معرفة الله وفكره المُعلن في كلمته، فإن قوتنا قد تقودنا إلى طرق الإرادة الذاتية.
رابعًا: فإن كانت المعرفة تنفخ، فإننا نحتاج مع المعرفة إلى تعفف أو ضبط النفس. وبدون ضبط النفس هذا فإن المعرفة قد تُستخدم لتعظيم ذواتنا.
خامسًا: نحتاج أيضًا إلى الصبر مع الآخرين. وبدون هذا الصبر فإن ضبط النفس الذي نمارسه مع أنفسنا ربما يقودنا إلى الغضب والإثارة مع الآخرين الذين لا يُظهرون قدرة كافية لضبط النفس.
سادسًا: لا بد أن يُمارس الصبر مع التقوى أو مخافة الله، وإلا فإن هذا الصبر يقود إلى مساومة مع الشر. فالتقوى تفترض السير بالشركة مع الله حتى تصبح حياتنا محكومة بموجب قيادته وتوجيهه. فهل نأخذ كل الظروف المتغيرة للحياة كامتحان لتقوانا، سواء ظروف مزدهرة أو معوّقة، نأخذها من الرب؟
سابعًا: مع التقوى التي تفكر فيما يخص الله لا ننسى المودَّة الأخوية. فالتقوى تقود إلى العواطف التي تنساب لأولئك الذين هم أولاد الله، وهم إخوتنا.
وأخيرًا، مع المودَّة الأخوية نمتلك المحبة؛ المحبة الإلهية، وإلا فإن محبتنا تنحصر في إخوتنا، بدلاً من أن تنساب في اتساعها فتتجه إلى العالم المحيط بنا. وبالإضافة إلى ذلك فالمحبة الأخوية يمكن أن تتحول بسهولة إلى مجرد العواطف البشرية.
فلما أتى يسوع وجد أنه قد صار له أربعة أيام في القبر ( يو 11: 17 )
يا له من فكر سامٍ من شأنه أن يسند قلوبنا ويشجع نفوسنا في كل أزمنة البلايا والرزايا عندما نعلم أن كل شيء لا بد وأن يؤول لمجد الله، وأن «كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله».
صحيح أنه يعسر علينا رؤية ذلك عند نزول التجربة وحلول الضيقة، عندما ننظر بعين القلق صديقًا طريحًا على فراش المرض، أو نطأ بأقدامنا غرفة الأحزان، أو نتلوى نحن أنفسنا على أسّرة الوجع ذابلين من شدة العلة، أو إذا انحنت نفوسنا من أخبار الخسائر. ونحن لا ننكر أنه عسير علينا أن نرى مجد الله ونُعاين خيرنا وبركاتنا ونحن في مثل هذه الظروف،
أما الإيمان فيرى هذا الغرض في كل شيء، بينما عدم الإيمان الأعمى لا بد له وأن يضل سواء السبيل. ولو حكمت أختا بيت عنيا حسب العيان، فلا مفر من مُعاناة شدة التجربة في هذه الليالي والأيام التي صرفتاها في المَلل والتعب عند فراش أخيهما المحبوب. وليس ذلك فقط بل حينما حانت ساعة التجربة المُرّة وشاهدتاها في مشهدها الختامي، كم من الهواجس المظلمة دبت في قلبيهما.
أما الرب يسوع، فكان ينظر إلى الأمام وقلبه معهما. كان يراقب سير تجربتهما من أسمى مرقب، ألا وهو «مجد الله»، فقد وزن الحالة من سائر وجوهها ونتائجها. لقد رق قلبه وحنَّت أحشاؤه لمصاب هاتين الأختين وشاركهما حزنهما بقلب بشري كامل. ومع أنه كان غائبًا عنهما بالجسد، لكنه كان حاضرًا معهما بروحه،
وكان ينتظر وقت الله المعيَّن حتى يأتي لنجدتهما وإعانتهما وإنارة ظلمة الموت والقبر بأشعة مجد القيامة المنير «فلما سمع أنه مريضٌ مكث حينئذٍ في الموضع الذي كان فيه يومين» فترك الأمور تجري في أعنّتها وأذن للموت أن يجوس خلال هذه الدار المحبوبة، وكل هذا كان لمجد الله. وربما ظهر للعيان أن العدو قد فاز وانتصر، ولكن في الواقع قد مهَّد الموت السبيل لإظهار مجد الله «هذا المرض ليس للموت، بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به».
هذا هو سبيل ربنا، سبيله مع الآب، فقد قصد مجد الآب في كل حركة تحركها، وكل خطوة خطاها، وكل عمل عمله، وكل لفظة نطقها، وكل فكر جال بفكره. ومع حبه السامي لعائلة بيت عنيا، لم تحمله عواطف قلبه للذهاب توًا إلى مشهد الحزن، فلم يؤم هذه الدار إلا في الوقت المعين لإظهار مجد الله.
كان أحد الأطفال يرنم ترنيمة جاءت فيها هذه العبارة ”خطاياي أضع على مخلِّص الورى“. وإذ سمعته أمه قالت له: ”يا بني، هل وضعت خطاياك على المخلِّص؟“ فأجابها الولد بصوت ملؤه اليقين والثبات: ”كلا، إني لم أضعها بل الله قد وضعها“.
عزيزي القارئ: ليس بكافٍ أن تستطيع القول ”إني أضع خطاياي على المخلِّص“، لأنك لا تعرف جزءًا من ألف من خطاياك. إن ضميرك لن يدرك قط كثرة خطاياك ولا إلى أي عمق قد وصل إثمك. إن ضمير الإنسان شيء وبر الله شيء آخر يختلف عنه كُليةً.
ما العمل في هذا؟ ثم ما العمل في أصل هذه الخطايا كلها، طبيعتك الفاسدة؟ أَ ليس من الواضح الجلي أنه قبل أن تحصل النفس على السلام يجب أن تكون قد أدركت إدراكًا عميقًا معنى كون الله قد وضع على ابنه الحبيب كل خطاياها؟
عزيزي .. ما رأيك في جواب هذا الطفل؟ هل إذا سُئلت نفس هذا السؤال تستطيع أن تُجيب بإخلاص نفس الجواب؟ هل إذا دعاك الرب من هذا العالم تستطيع أن تصرِّح بأنك ذاهب إلى الرب يسوع؟
أيها العزيز، هل أنت مستعد؟ هل تؤمن الآن من كل قلبك أن الله نفسه قد وجد علاجًا لخرابك، قد وجد فدية لآثامك، برًا كاملاً تستطيع به الوقوف أمامه؟ إن هذا هو الأساس الراسخ لسلام النفس.
لا يستطيع أي شيء آخر أن يمنح هذا السلام. لا أعمالنا، ولا صدقَاتنا، ولا صلواتنا، ولا واجباتنا الدينية، ولا ذهابنا إلى الكنائس، ولا صيامنا، ولا شعورنا ولا اختباراتنا.
ليس واحدة من هذه كلها ولا كلها معًا تستطيع أن تعطي للنفس سلامًا. يجب أن نعرف أن الله قد تداخل في أمرنا بنفسه وأعد العلاج الذي يناسبه. إنه، بما عمله، قد ارتاح راحة أبدية من ناحية خطايانا، إذ وضعها جميعها على ابنه، ذلك الابن المبارك الذي حملها كلها وطرحها بعيدًا إلى الأبد، ثم رجع إلى السماء بدونها.
هذا هو الأساس الحقيقي الوحيد لسلام نفس الخاطئ، وهو ما تُرينا إياه بحق تلك الكلمات التي نطق بها هذا الطفل: «الله قد وضعها».
فصلبوا هامان على الخشبة التي أعدَّها لمردخاي ( أس 7: 10 )
إن كان الله يبدأ بالضعيف ويصنع منه شيئًا عظيمًا ورائعًا مثلما فعل مع أستير كما رأينا في الأسبوع الماضي، فإن الإنسان يبدأ بالمجد والعظمة وينحدر ويصل إلى لا شيء. طريق الإنسان هو طريق الانحدار والدمار.
في برج بابل نرى هذا الأمر بوضوح، فقد تحركوا بعظمة وداعبتهم الكبرياء ليتصوَّروا أنهم قادرون على الوصول للسماء من خلال البرج الذي فكروا في بنائه، وانتهى بهم الأمر إلى لا شيء، وليس إلى لا شيء فقط بل إلى مصيبة كبيرة تتمثل فى بلبلة الألسنة.
أيضًا نبوخذنصر، داعبته أفكاره فتصوَّر عظمته، وتخيَّل أن ما هو فيه صنعه لنفسه بقوته واقتداره، والنتيجة أن عقله تغير وطُرد من مكانه وصارت سُكناه مع البهائم وابتل جسمه بندى السماء وأكل العشب كالثيران (دا4).
وهذا الطريق هو ذات طريق الشيطان؛ فقد بدأ فى نقطة عالية وسينتهى به الأمر إلى الهلاك والقضاء النهائي بطرحه في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت في النهاية. بدأ الشيطان من جبل الاجتماع (حز28)، وسينتهي به الأمر إلى بحيرة النار؛ إلى أخفض نقطة، بل إلى مكان القضاء والدينونة المريعة.
فى سفر أستير نجد هذا الطريق بوضوح فى هامان. وإذا تصوَّرنا كل ما كان عليه هامان من عظمة، وتخيلنا أنه في النهاية سيموت معلقًا على صليب، سنقول إن هذا أمر مستحيل، ولكن هذا ما حدث فعلاً.
لقد توفرت لهامان إمكانيات كثيرة أهمها أنه كان له يد الملك، فكل ما يستطيع الملك أن يفعله يستطيع هامان أن يصنعه أيضًا، وكان له أُذن الملك، فكان الملك يستمع إلى مشورته بل وينفذها، حتى إنه أقنعه بإبادة اليهود، وفى الوقت ذاته دفع ليده عشرة ألاف من الفضة حتى يتمم هذا الأمر ووافقه أحشويروش على هذا. أخيرًا كان له خاتم الملك، لقد أعطاه الملك خاتمه ليختم أمر إهلاك اليهود، ولكن يا له من أمر عجيب فذاك الذى له يد المَلك وأذنه وخاتمه قد رفضه الملك وقام بصلبه على الصليب الذى كان قد أعدَّه هو بنفسه لمردخاى!
هذا هو طريق الإنسان الذى يصل ليكون كل شيء ثم يؤول به الأمر إلى لا شيء. ويا للعجب!
فاذكر من أين سقطت وتُب، واعمل الأعمال الأولى، وإلا فإني آتيك عن قريبٍ وأزحزح منارتك من مكانها، إن لم تَتُب ( رؤ 2: 5 )
عزيزي : أما تذكر حالتك قبل الإيمان ؟
أما تذكر كيف كنت بائسًا شقيًا، محكومًا عليك بالهلاك في قتام الظلام إلى الأبد؟
أما تذكر كيف كنت أسيرًا لتلك العادات الرديئة التي كانت تفتك بعقلك وجسمك وأموالك وكرامتك؟
ألا تتصور مقدار بؤسك وشقائك إذ ذاك، وكيف أن الله نقلك من الظلمة إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى؟
وكيف أشرق عليك بشمس بره، وهو لا يزال معك، يقودك ويحفظك، ويضمن سعادتك وراحتك؟
ألا تذكر مقدار ما صنع الرب بك وكيف رحمك؟
وهلا ترى أمامك ذلك المستقبل المجيد، والمُلك السعيد، الذي ستتمتع فيه بأقصى درجات السرور الأبدي؟
وهلا كانت محبة المسيح التي تفوق العقول، وتسمو على كل تصور، كافية لأن تحصرك وتأسرك؟
وهل من عرفان الجميل أن تعامل الذي أحبك بهذا البرود المعيب، وهذا الفتور الشائن؟
أَ ليس من المُخجل أن تدّعي أنك مسيحي، ولم يبقَ فيك من المسيحية إلا رائحتها، وبعض آثار كادت تبلى،
حتى لا يكاد مَن يراك أو يعرفك يستطيع أن يشير إليك قائلاً: كانت هناك مسيحية، وكان لهذا مسيح؟
لأي غرض وُجدت؟ ولأي غاية خُلقت؟ هل لتعمل في الأرض، وما كان الله بحاجة إلى مَن يُصلح الأرض قبل أن تفسدها؟
أم لتأكل وتشرب وتتنعم وتترفه، وكان الله في غنى عن أن يخلق أُناسًا ليأكلوا ويشربوا ويتنعموا، ثم ينسون ربهم؟
فكأنه ما خلقهم وما كانوا مخلوقين له.
إن كنت قد ظننت أنك قد خُلقت لهذا، وأنك لهذا تسعى، فبئس الظن وبئس المسعى.
هل تظن أنك مهما عملت وتعبت تستطيع أن تجد لنفسك راحة أو سعادة؟
هل نسيت اختباراتك الماضية، وأفضال الله عليك؟
وكيف تنسى أن القناعة هي أعظم الخير، وأن كل الخيرات المادية بدون القناعة لا تشبع النفس البشرية الشَرِهة؟
أما علَّمتك المسيحية الاكتفاء؟
أما تعلَّمت أنك لا ترى كفايتك إلا في الرب يسوع؟
عندئذٍ تكفيك من الماديات القليل، ومن المنظور الضروري. فكيف تسرَّبت هذه التعاليم، ومن أي طريق هربت؟
تذكَّر جيدًا، واذكر من أين سقطت. من أين؟
اجلس وتأمل وتذكَّر من أين! وتُب واعمل الأعمال الأولى، وعُد إلى «محبتك الأولى»، وارجع إلى حالتك الأولى، وإلا فإن يسوع المسيح يأتيك عن قريب، ويزحزح منارتك من مكانها إن لم تَتُب.