سيرة القديس العظيم الشهيد سوزونتوس الراعي القيليقي كاملة مترجمة من اليونانية

karas karas

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
13 مارس 2022
المشاركات
746
مستوى التفاعل
631
النقاط
93
N26179c.jpg

images.jpg

a6c43586-2cf1-4a0d-a56d-e92266167293.jpg

سيرة القديس العظيم الشهيد سوزونتوس ( ينطق اسمه أيضا سوزون ) الراعي القيليقي كاملة مترجمة من اليونانية عيد استشهاده يوم 7 سبتمبر الكلمات بين الأقواس هي للتوضيح

النص المترجم :

كان القديس الشهيد "سوزون" ينحدر من منطقة "ليكاونيا" (وهي جزء من "كبادوكيا"، وتحديداً "كارامانيا"، وتمتد جنوباً نحو "كيليكيا")، وقد عاش في أواخر القرن الثالث الميلادي (حوالي عام 288). كان يُدعى في الأصل "تاراسيوس"، ولكن بعد إيمانه بالمسيح ونيله المعمودية المقدسة، نبذ حياته السابقة البعيدة عن التقوى واسمه القديم، واتخذ لنفسه اسم "سوزون".عاش في تلك المنطقة ممارساً مهنة رعي الأغنام، لكنه تحول أيضاً إلى راعٍ للنفوس البشرية؛ إذ كان حيثما ذهب بقطيعه، يبشّر بكلمة التقوى ويُعرّف الناس بتعاليم الإنجيل الخلاصية، وقد نجح بفضل تعليمه في ضم الكثيرين منهم إلى حظيرة المسيح. لقد كان هذا الرجل اللامع والمتميز المتمسك بالإيمان الإلهي، بشوشاً وعذب الطباع والسلوك، وقد جعل شريعة الرب أساساً لإرادته، متأملاً فيها ليلاً ونهاراً؛ وبهذه الحال وذلك النهج في حياته، استحق حقاً أن ينال الطوبى التي تحدث عنها النبي داود.


عاش سوزون المبارك على هذا النحو طوال حياته، وهكذا عاش في الدنيا؛ ولكن في أحد الأيام، كان مع قطيعه في مكان فيه نبع ماء بارد، وحوله عشب كثيف ووافر، فترك قطيعه يرعى فيه. وهناك، حيث كان جالساً يرعى قطيعه، غلبه النعاس، وفي الوقت نفسه رأى رؤيا شجّعته وعززت تقواه، وأجّجت في نفسه الغيرة الروحية ومنحته شجاعةً عظيمة. وكشفت له تلك الرؤيا أيضاً عن نعمةٍ ستنزل من السماء على ذلك المكان؛ إذ سمع صوتاً يخبره بأن هذا المكان وتلك البلاد سيكونان سبباً في خيرٍ وفيرٍ للناس، لأنهم سيجدون فيهما خلاصهم ويمجّدون الثالوث القدوس. وبعد أن استيقظ من نومه، توجّه ذلك الراعي الصالح، القديس سوزون، إلى مدينة "بومبيوبوليس"؛ وهناك، حين رأى تفشّي الكفر وعبادة الأوثان وازدهارهما، في مقابل إهمال الإيمان المسيحي والتقوى لله الحق وازدرائهما، لم يطق ذلك الأمر ولم تتحمله نفسه،ولكن سرعان ما تملكت قلبه رغبةٌ عارمةٌ وشديدة، واعتراه ألمٌ (في نفسه) مبرحٌ للغاية؛ فاقترب من معبد أولئك الأشرار -حيث كان ينتصب التمثال الذهبي- وانتزع يده الذهبية اليمنى، ثم باعها للصاغة بثمنٍ باهظٍ ووزّع كامل المبلغ الذي حصل عليه على فقراء المدينة ومحتاجيها.

أقدم القديس سوزون على هذا الفعل سراً، دون أن يلحظه حراس الهيكل إطلاقاً. وحين رأوا ما حلّ بالتمثال من تشويه، بادروا فوراً إلى اعتقال العديد من الأبرياء الذين لم يقترفوا هذا العمل، وساقوهم إلى المحكمة بتهمة تدنيس المقدسات تمهيداً لمحاكمتهم ومعاقبتهم. لقد اعتبروهم أحطّ المجرمين وأكثرهم دنسًا بين من زجّوا بهم في السجن؛ لأنهم زعموا ارتكابهم تدنيسًا عظيمًا للمقدسات، وإساءتهم إلى شرف تمثال إلههم. لم يهبّ أحد لنجدة هؤلاء الأبرياء المنكوبين، بل تخلّى عنهم حتى أصدقاؤهم وكذلك السجانون؛ فقد ظنّ أولئك القوم عديمو التقوى أنهم ينالون رضا إلههم إذا ما عاملوا السجناء بقسوة. غير أن الرياضي ( المجاهد ) الشجاع سوزون، رغبةً منه في إظهار تقواه والإعتراف بها وتحرير أولئك الأبرياء وإنقاذهم — وهم الذين لم يكن لديهم أدنى علم بما جرى — تقدّم أمام حراس الهيكل وأعلن أنه هو من أقدم على ذلك الفعل ونزع اليد الذهبية للتمثال.

وما إن سمعوا ذلك حتى ألقى حراس الهيكل القبض عليه على الفور ومَثُلوه أمام مكسيميان، حاكم كيليكيا؛ ذلك الرجل الذي أبدى حماسةً بالغةً لنشر الكفر وترسيخ هيمنته، مطبّقاً بصرامة المرسوم الإمبراطوري الصادر آنذاك. فقد كان قد أمر بتقديم ذبيحةٍ فخمةٍ وباهظة التكلفة للتمثال الذهبي المُبجَّل في تلك المدينة، رغبةً منه في استعراض ولائه للأصنام أمام الجماهير، وسعياً بذلك إلى نيل حظوة الإمبراطور.

جلس الحاكم على منصة عالية وأمر بإحضار الشهيد أمامه، ثم خاطبه بوقارٍ مصطنع وغطرسة ونظرة متعالية قائلاً: "ما اسمك، وما دينك، ومن أي أرضٍ جئت؟" فأجاب الشهيد: «عندما وُلدتُ، أطلق عليَّ والداي اسم "تاراسيوس"، ولكنني نلت اسم ’سوزون‘ في المعمودية المقدسة "؛ أما موطني فليس "ليكاونيا" -وإن كنتُ قد وُلدتُ فيها- بل أنا مسيحيٌّ بالإيمان، أعبدُ وأُجِلُّ المسيحَ وحدَه، الإلهَ الحقَّ خالقَ السماء والأرض». حينئذٍ سأله مكسيميان: «ما الذي جاء بك إلى هذه المدينة؟» فأجاب سوزون: "أنا أرعى قطيعاً من الغنم وأتنقلُ به؛ وحيثما أجدُ مكاناً تتوفر فيه الأعشابُ الوفيرةُ والمياهُ الصافيةُ -مما يصلحُ للرعي- في أيِّ وقتٍ من أوقات السنة، أقودُ غنمي للرعيِ هناك". فقال مكسيميان: "كيف تجرؤُ على ارتكابِ عدم التقوى العظيمة هذه وقطع يدِ الإله اليمنى؟"

فأجاب سوزون قائلاً: "إن ما فعلتُه ليس عملاً جريئاً، ولا ينبغي لأحد أن يعدّه جريمة؛ ويبدو لي أن إلهكم نفسه يشهد بذلك؛ فهو لم يُبدِ أي غضب تجاهي حين أزحتُ يده عنه، ولم ينطق بكلمة، ولم يظهر عليه أي استياء لتعرّضه لإهانة أو مذلّة؛ بل إنه -رغم إهانته- لم يلحق بي أي أذى وأنا من أهنته. أما لو قُدِّر له أن ينطق أخيراً، فيبدو لي أنه سيوجه خطابه إليك أنت، وسيتهمك صراحةً بأنك هجرتَ خالق كل شيء والتفتَّ إلى مواد جامدة -من حجارة وخشب ومعدن- تحسبونها آلهةً وتعبدونها، وبأنك تظهر الجحود ونكران الجميل تجاه مُنعِمك (من انعم عليك أي الاله الحقيقي) ".

فقال الحاكم: "إن كنت ترغب حقاً -لا في نيل الغفران عما اقترفته فحسب، بل في الظفر بمكافآت عظيمة أيضاً- فاهجر هذه الثرثرة وأنقذ نفسك يا سوزون، وهلمَّ لتعبد الآلهة".". فأجابه الشهيد: "وكيف لا أكون أشدَّ غباوةً وتبلداً من إلهكم هذا، إن آثرتُ تكريمَ مَن عجز حتى عن الدفاع عن نفسه حين ألحقتُ به المهانة؟ فهو لم ينبس ببنت شفة، ولم يستغث بأحد لنجدته، ولم يكن قادراً على الاحتجاج -حتى لو أراد أن يشكو معاناته- بل كان في غاية البؤس والشقاء. فاحذر إذن أيها الحاكم؛ احذر -أقول لك- من أن تجعل من خلق الآلهة وصنعها وتشييدها يوماً بعد يوم، واستحداث غيرها، مجرد حرفة وصنعة. عندئذٍ، وفي غمرة غضبه العارم، أنزل مكسيميان بالشهيد عقوباتٍ قاسيةً وعذاباتٍ مروعةً. ففي البداية، مزّقوا جسده بمخالب حديدية؛ وقد بلغ هذا العذاب الوحشي حدّ النيل من عظام الشهيد، إلا أنه ظلّ يستغيث بالله طالباً عونه ونصرته، محتملاً تلك العقوبة القاسية ببهجةٍ وسكينةٍ عظيمتين — وكأنّ جسده مصنوعٌ من حديد — وبقي ثابتاً لا يتزعزع، بل أكثر تماسكاً حتى من أولئك الذين كانوا يمارسون التعذيب بحقه.

عندئذٍ، شرع مكسيميان في استخدام صنوفٍ أخرى من التعذيب، فأمر بإلباس "الرياضي" (المجاهد في سبيل الإيمان) حذاءً زُرعت في باطنه مسامير حديدية، وأجبره على السير به. غير أن ذلك المبارك، إذ لم يشعر بأي ألم، راح يركض كما لو كان يدوس على عجلة؛ وحين رأى الدماء الغزيرة تسيل من قدميه المثقوبتين، خيّل إليه أنه يغتسل بمياهٍ عذبةٍ ولذيذة، واعتبر سخرية الطاغية واستهزاء الحاضرين به بمثابة كلمات إطراءٍ ومديح؛ وبدا وكأن ذلك "الرياضي" قد تزيّن بالدماء زينةً تفوق في جمالها وبهاءها رداء السلطة الذي كان يرتديه الحاكم. وحينئذٍ، أخذ الحاكم يسخر منه قائلاً: "غداً، حين تخرج الإلهة، اعزف على المزمار يا سوزون؛ وأقسم لك أنها هي نفسها ستُخلّصك فوراً من كل عقوبةٍ وجزاء، وستبرّئك من الجرم الذي اقترفته في حقها".

فأجابه الشهيد قائلاً: "إنما تقول لي هذا سخريةً واستهزاءً، بتحريضٍ من الشيطان الشرير الذي تحمله في أحشائك. أما أنا، فقد كنت أعلم أنه بعد نيل الخير العظيم الذي استحققتُ التمتع به — ألا وهو المعمودية المقدسة —(أشعر وكأني) كنتُ أمرحُ بفرحٍ في ساحتي الواقعة وسط الحقل حيث كنت أرعى أغنامي، منادياً إياها بمزمار الرعاة المعهود، والآن، أُنشِدُ للربِّ ترنيمةً جديدةً على غرارِ النبيِّ المَلِك، مُعلِناً خلاصَ البشريةِ جمعاء؛ ذلك الخلاصَ الذي رتَّبَهُ ربُّنا يسوعُ المسيحُ بتجسُّدِهِ وصَلْبِهِ وقيامتِهِ، في حين ستقفُ إلهتُكِ -كما يقولُ المَثَلُ- كالحمارِ أمامَ المِزمارِ؛ جامدةً تماماً وعديمةَ الإحساس." (كالحمارِ أمامَ المِزمارِ مثل قديم يضرب لتبلد الاحساس وانعدامه)

عند سماع ذلك، استشاط مكسيميان غضباً شديداً على الشهيد، وأمر بجلده بقسوة تفوق ما سبق؛ لدرجة أن مفاصل عظامه وروابطها -على حد تعبيره- كانت ستتزعزع من وطأة هذا العذاب، وتتفكك أوصال جسده، وتنسكب أحشاؤه كالمياه. ثم، وسط تهديدٍ مروع، أمر بإضرام نارٍ ليُلقى فيها ما تبقى من جسده بعد ذلك الجلد الوحشي، فيحترق ويُحرم حتى من مراسم الدفن التي ينالها سائر البشر.

أمر مكسيميان بذلك، فتمّ كل شيء؛ ومن جراء الجراح المروعة التي ألحقها الجلادون بالشهيد بسياطهم، تهرّأ لحمه وانكشفت أحشاؤه وبدت للعيان. غير أن بطل المسيح الشجاع بدا وكأنه في حديقة غنّاء أو وسط مرجٍ يقطف أزهار الربيع؛ وفي غمرة هذا الفرح والابتهاج، أسلم المغبوط روحه بين يدي الله. وعلى الفور، أضرم الجلادون النار في كومة الحطب (ليحرقوا جسد الشهيد) ؛ وبينما كانت ألسنة اللهب تتصاعد عالياً، سُمع فجأة دويّ رعدٍ هائل أثار الرعب والهلع في نفوس الحاضرين، وانهمر في الوقت ذاته مطرٌ غزيرٌ فرّق الجلادين وجعلهم يتوارون عن الأنظار.

لكن محبين الشهداء - بل وأكثر المسيحيين حماسةً ورسمية ( أو بروزاً ربما المقصود هو مسيحيين ذو رتب دينية او مركز أو تقوى كبيرين )- انتهزوا فرصةً سانحةً، إذ لم يعد أحدٌ يعترض سبيلهم أو يراقبهم، فجمعوا رفات الشهيد بابتهاجٍ عظيم.

في غضون ذلك، حلّ الليل، غير أن ذلك لم يشكّل عائقاً أمام مهمتهم التقية؛ إذ لم تكن تلك الليلة ظلاماً دامساً، بل سطع فيها نورٌ باهرٌ وعجيبٌ مكّن أولئك المسيحيين الأتقياء والورعين من تمييز ما تبقّى من رفات الشهيد. وفي غمرة هذا الضياء، جمعوا الرفات بيسرٍ، ثم واروها الثرى (دفنوها) بوقارٍ عظيم وخشوعٍ وتجلةٍ (إجلال) مهيبة، وذلك في اليوم السابع من شهر سبتمبر. وهذا النور، الذي كان قد أرشدهم إلى موضع جمع الرفات المقدسة، جاء وحامَ فوق القبر، وظلَّ هناك حتى اكتملت مراسم دفن جميع الرفات ؛ وبعد الدفن، عاد الليل ليُخيّم بظلمته المعهودة. وهكذا، ومن خلال كل هذه الآيات، أُعلنت عظمة "سوزون"، ذلك الرياضي ( البطل ) المظفّر والمجاهد المكلّل بالمجد. لمجد الله الآب، وربنا يسوع المسيح، والروح القدس، الثالوث الأقدس؛ الذي له تجب الكرامة والقوة، الآن وكل اوان وإلى دهر الداهرين. آمين.
 
التعديل الأخير:
أعلى