سيرة القديس العظيم الشهيد إسحق الدفراوي من المخطوطات الأصلية نقلاً عن النص القبطي

karas karas

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
13 مارس 2022
المشاركات
755
مستوى التفاعل
637
النقاط
93
image.jpg


يُحتفل بعيد استشهاده في 6 بشنس الموافق 14 مايو، بينما يقع عيد تكريس كنيسته في السادس من شهر طوبة، الموافق لـ 14-15 يناير.

الترجمة :

استشهاد قديس وشهيد ربنا يسوع المسيح، ابا اسحق الدفراوي 11، في مقاطعة باناو 12، والذي تم في اليوم السادس من شهر بشنس 13 (الموافق ليوم 14 مايو)، بسلام الله، آمين.

ارتكب الإمبراطور دقلديانوس في أيامه أفعالًا محرمة الفعل ، إذ صنع أصنامًا وعبدها، وترك إله السماء 14. إلى جانب ذلك، أصدر مرسومًا 15 يقول فيه: «أنا، الإمبراطور دقلديانوس، آمر العالم أجمع أن يقدموا الذبائح للآلهة؛ ومن لا يطيع هذا المرسوم، يُعذب عذابًا شديدًا، وبعد ذلك يُنهب بيته، ويُسلب كل ما يملك». وأعطى الأمر إلى القائد كولكيانوس، الذي حمله إلى الإسكندرية، حيث أمر الجموع بتقديم الذبائح. ثم واصل رحلته واتجه جنوباً نحو مصر، ودخل الى (منطقة يدعى اسمها) توبه (أو طوا) 16 ونزل في الميناء.

كان في قرية "دفرا"، الواقعة في إقليم "باناو"، شابٌ حكيمٌ يُدعى اسحق ؛ كان في الخامسة والعشرين من عمره، فائقَ الجمال، وكان يعبد الله ليلاً ونهاراً. فتراءى له ملاك الرب بينما كان نائماً في الحقل خلف كوخه، وأيقظه قائلاً: "السلام عليك يا أبا اسحق ، يا حامل الله؛ لماذا تنامُ والجهادُ قد اتسع نطاقُه؟" |78 ثم أراه إكليلاً وقال له: "تشجّع، فهذا الإكليلُ لك، ولا تُهمل خلاصَك. قُم واذهب إلى حاكم "تاوبة"، واعترف بالمسيح، لكي تموتَ من أجل اسمه القدوس وتدخلَ ملكوتَه الأبدي". ولما قال الملاكُ ذلك، فارقه ومضى.

عندما أشرق النهار على الأرض، قام اسحق ودخل منزله، وحيّا أباه وأمه قائلاً: "سلامي لكما يا والديّ". فسألاه: "إلى أين أنت ذاهب؟" فأجابهما: "أنا ذاهب إلى الحاكم لأموت من أجل اسم ربي يسوع المسيح، الذي صلبوه في عهد بيلاطس البنطي؛ فمن الخير لي أن أموت عن هذا العالم لأحيا في ملكوت الله". غير أنهما أمسكا به وقالا: "لن ندعك تذهب يا ولدنا الحبيب لتلقى ميتةً شنيعة".

عند منتصف الليل، تراءى له ملاك الرب، فأضاء البيت كله بنور ساطع. وقال له الملاك: "السلام عليك يا أبا اسحق ، وليكن الرب معك"؛ فأجابه الرجل المبارك: "ولتكن نعمتك معي". ثم أخرجه من قريته ومن بيته قائلاً: "اصبر لتنال الإكليل الذي لا يفنى، فإني أقول لك: إن إكليلك وعرشك في السماء. لا تخف، فسأكون معك حتى تتمم شهادتك؛ إذ ستعاني آلاماً كثيرة من أجل اسم المسيح، ولكن تشجع، فسآتي لإعانتك". وبعد أن قال هذا، صعد الملاك إلى السماء. حينئذٍ، نهض المبارك أبا اسحق بقوة المسيح، وانطلق ماشياً إلى "توبة"، حيث وجد الوالي في الحمام، فوقف أمام الباب. وإذا بجندي اسمه ديونيسيوس يخرج إليه ويسأله: "ما حاجتك؟" فأجاب الرجل النبيل: "أريد مقابلة الوالي". فرد الجندي: "وما شأنك بالوالي؟" فأجابه القديس: "أنا مسيحي". فقال له ديونيسيوس: "وما علاقتك بهذا الأمر؟ هل تريد أن تموت ميتة شنيعة؟" فأجاب الرجل المبارك: "إن موت هذا العالم ليس موتاً بالنسبة لي، بل هو حياة في العالم الآتي". وبينما كان يتحدث مع ديونيسيوس، خرج الوالي من الحمام؛ فلما رآه النبيل أبا اسحق ، هتف قائلاً: "أنا مسيحي". فنظر إليه الوالي "كولكيانوس" وقال: "هل تعرف ما هو المسيحي؟" فأجاب القديس: "أعرف أنني عبد للرب يسوع المسيح". فقال له الوالي: "إن أطعتني تحيا، وإن لم تطعني فستموت ميتة شنيعة". فأجاب القديس أبا اسحق قائلاً: "مكتوب في الإنجيل المقدس: لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكنهم لا يستطيعون قتل النفس، بل خافوا بالأحرى ممن يقدر أن يهلك النفس والجسد في جهنم النار". فقال له الوالي: "أين كُتب هذا الكلام؟" فأجابه الرجل القديس: "إنه مكتوب في الأناجيل". وعاد الوالي وسأله: "هل أنت القارئ؟" فقال الرجل القديس: "لا". ثم سأله الوالي: "من أين جئت؟" فأجاب الرجل القديس: "أنا رجل من دفرا، في إقليم باناو". وقال الوالي لديونيسيوس: "انظر إن كنت تستطيع إقناعه ريثما أذهب إلى تانياتي (دمياط حاليا) وأعود"؛ فصعد إلى سفينة ومضى إلى تانياتي.

عندئذٍ، أخذ ديونيسيوس الرجلَ القديسَ إلى منزله وقال له: "اسمعني، وقَدِّمِ الذبيحةَ للآلهة؛ فلي ابنةٌ وحيدةٌ سأزوجها لك. وسأجعل الحاكمَ يمنحك منصباً في الجيش لتنال التكريم. ما شأنك وهذا الاسم، اسم يسوع؟" فأجابه القديس قائلاً: "بصلوات القديسين، لو منحتني مُلكَ دقلديانوس بأسره، لما أنكرتُ ربي يسوع المسيح، ابنَ الله الحي". فلما أدرك ديونيسيوس أنه لن يستجيب له، كفَّ عن محاورته وأمر بحبسه، مكتفياً بتزويده بالخبز والماء كقوتٍ يوميٍ له.

وحدث ذات يوم أن خرج الرجل القديس، فإذا برجل أعمى جالس يستجدي. فقال له ديونيسيوس: "اذهب والتمس من رجل الله أن يضع يده على عينيك فتبصر"؛ فصرخ الرجل في الحال قائلاً: "يا رجل الله، أعنّي لكي أُبصر". فقال له المبارك: "إن ربنا يسوع لم يقل لأحد ’أبصِر‘، بل قال: ’ليكن لك بحسب إيمانك‘". ثم وضع يديه على عينيه وقال: "باسم الرب يسوع المسيح، أَبصِر". فأبصر في الحال وصرخ قائلاً: "إله المسيحيين واحد، وهو إله أبا إسحق". وإذ بامرأة تصرخ قائلة: "يا سيد (يا رب) ارحمني وأعنّي، فأنا وابني فقيران". فقال لها الرجل المبارك: "أي آلهة تعبدين؟" فأجابت: "أعبد زيوس وهيرميس"؛ فقال القديس: "أنتِ فقيرة، وآلهتكِ فقيرة أيضاً. فإن أصغيتِ إليّ، تحل عليكِ بركة الله: اذهبي واعبدي المسيح، فتكون بركته معكِ أيضاً".

أقام إسحق المبارك في منزل ديونيسيوس الجندي حتى عاد الحاكم من الجنوب. ولما وصل، سأل ديونيسيوس: "هل أقنع ذلك المسيحي نفسه بتقديم الذبيحة؟"

فأجاب قائلاً: "لتُحرق أنت وأصنامك المدنّسة معك؛ فمن الآن فصاعداً سأعبد الرب يسوع المسيح، ابن الله الحي، والروح القدس". عندئذٍ قال له الوالي: "لا شأن لي بك، بل سأرسلك إلى قائدك العسكري". فقال له ديونيسيوس: "حيٌّ هو إله أبا إسحق، إنك لن تأكل ولن تشرب حتى تصدر الحكم عليّ، لكي أنال إكليل المسيح في ملكوته".

وعندما همَّ الوالي بالعودة إلى منزله، تأخرت مركبته فتعذر عليه الذهاب لتناول طعام العشاء. فقال لديونيسيوس: "أرِني سحرك اليوم!" فأجابه: "لستُ ساحراً، بل أنا خادمٌ ليسوع المسيح". حينئذٍ دوّن الوالي حكمه الذي جاء فيه: "آمرُ بقطع رأس ديونيسيوس -الجندي العاصي لأوامر الأباطرة- بحد السيف". فاقتادوه إلى غرب المدينة، إلى موقع المسرح، وهناك قُطِع رأسه؛ فنال إكليل الشهادة في اليوم الخامس من شهر "بشنس" (الموافق ل 13 مايو)، بسلام الله. آمين.

ثم قال الوالي لأبا إسحق: "هوذا الجندي قد مات بسببك؛ وسآخذك معي إلى بيشاتي 17 لأحاكمك بالطريقة نفسها"؛ فأخذه معه على متن السفينة وجاء به إلى بيشاتي. وفي الغد، حين جلس الوالي على كرسي الحكم، أمر بإحضار المبارك أبا إسحق للمثول أمامه. "ولما أحضروه، قال له: 'اسمع مني وقدم ذبيحة للآلهة كي تنجو من عذابات كثيرة، فإني أشعر بأسىً شديدٍ عليك'. فأجابه القديس: 'إن كنت قد أسفتَ عليّ بالأمس، فلا تشفق عليّ اليوم'. غير أن الوالي أمر بتعليقه على الهنبازين ليُعذَّب. حينئذٍ رشم القديس علامة الصليب قائلاً: 'باسم الآب والابن والروح القدس، أعنّي أيها المخلص الصالح'؛ فانشطر الهنبازين إلى نصفين في الحال. ولما رأى الجنود تلك الأعجوبة، هتفوا قائلين: 'واحد هو إله المسيحيين فقط ، إله أبا إسحق'. ثم أمر الوالي بوضعه على سرير حديدي 18 وتسخينه حتى يحترق جسده تماماً، وبصب الكبريت والقار في حلقه. وفي تلك الأثناء، قال الوالي لإسحق: 'اسمع مني ولا تمت هذه الميتة الشنيعة'. فأجابه الرجل المبارك: 'بقوة المسيح أستطيع احتمال أي عذاب تود إنزاله بي'. فقال الوالي: 'خذوه إلى السجن حتى أنظر فيما سأفعله به'؛ فأخذوه واقتادوه إلى السجن. وفي الغد، وبينما كان الوالي جالساً على كرسي القضاء، وصل القائد أريانوس إلى المدينة وتبادلا التحية. ثم قال كولكيانوس لأريانوس: 'هنا مسيحيٌ عجزتُ عن إجباره على تقديم الذبائح لآلهة الإمبراطور'. فقال له أريانوس: 'أرِني إياه'. ولما أحضروا القديس، قال له أريانوس: 'أأنت الساحر القادم من دفرا، الذي يزدري آلهة الإمبراطور؟'. فأجابه الرجل المبارك: 'لستُ ساحراً، بل أنا أنتمي للآب والابن والروح القدس'. فقال أريانوس لكولكيانوس: 'أرسله إليّ وسأؤدبه'. حينئذٍ قال كولكيانوس للقديس إسحق: 'بما أنك لم تسمع لي، فها أنا أنفيك'؛ وأرسله بعيداً مع أريانوس، الذي أبحر نحو الجنوب.

فألقوا الرجل المبارك في جوف السفينة، وإذا بالمخلص يتراءى له هناك. فلما رآه الرجل المبارك، ارتمى أمامه وسجد له قائلاً: "اذكرني يا رب، وثبّتني حتى أُتمّ مسيرتي". فقال له الرب: "لا تخف، فلن أتخلى عنك -ولا عن أمثالك- أبداً حتى ترثوا الملكوت". وبعد أن قال له ذلك، منحه السلام وصعد إلى السماء. فصلى المبارك أبا إسحق إلى الله قائلاً: "يا الله، يا من صوّرتني في بطن أمي، أعنّي في كل مكان أذهب إليه، ولا تبتعد عني، لئلا يقول الوثنيون: أين إلههم؟"

وبينما كان يتحدث بهذه الكلمات، كان بحارة السفينة يصغون إليه ويقولون فيما بينهم: "هذا رجلٌ من عند الله". وعندما فتح أحد البحارة باب عنبر السفينة وقال له: "سلامٌ لك!"، أجابه الرجل المبارك: "سلامٌ لك يا أخي الطيب؛ اصنع معي معروفاً وأعطني قليلاً من الماء". فأحضر البحارُ وعاءً للرجل القديس، فشرب منه ثم قال للبحار: "ليشملكَ الله برحمته في يوم الدينونة العظيمة". فأخذ البحار الوعاء -وكان قد بقي فيه قليلٌ من الماء- وسكبه مازحاً على بحارٍ آخر كان يعاني من علةٍ في عينه؛ ففتحت العينُ فوراً وعادت سليمةً وكأنها لم تكن مريضةً قط. حينئذٍ مجّد البحارُ الذي نال الشفاءَ اللهَ، الذي يصنع وحده العجائب والأمور العظيمة. وفي مرةٍ أخرى، أحضروا له خبزاً ليأكل، فقال لهم الرجل المبارك: "ليبارككم إلهي، ولكنني لن آكل حتى أُتمّ مسيرتي؛ وحينها سآكل الخبز في ملكوت السماوات مع ربي يسوع المسيح".

وفي نهاية اليوم السادس عشر، وصل إلى الميناء، فأدخلوه إلى المدينة التي أظهر أهلها كرم ضيافةٍ فائقاً؛ وهناك وجد فيلوكسينوس وأبا سورين في السجن، فحيّاهما.19 فقالا له: "تشجّع أيها الأخ الحبيب، فقد نلنا نعمةً بلقائك"؛ وقال المبارك أبا سورين: "ليمنحنا الرب الإله القوة لنثبت في اسمه القدوس حتى نُتمّ جهادنا". فقال المبارك أبا إسحق: "اذكروني أيها الآباء، فأنا لستُ سوى صغير لا أعرف شيئاً"؛ فأجابه فيلوكسينوس: "تشجّع يا أخي، فسيستمع الحاكم إليك قبلنا، وستنال إكليل استشهادك؛ واذكرنا [حين تكون] في بيت الله".

وفي منتصف الليل، صلى الرجل القديس؛ ففتح أبا إسحق فاه وبارك الله قائلاً: "أباركك يا الله في حياتي، وأسبحك ما دمتُ حياً؛ ولتَصْعَدْ صلواتي أمامك كبخورٍ زكيّ: احفظني في ظل جناحيك، ونجّني باسمك القدوس، فلك المجد إلى الأبد". وفي الغد، جلس أريانوس الوالي على كرسي القضاء وأمر قائلاً: "أحضروا إليّ الساحر القادم من دفرا". فذهب الجلادون إلى السجن [لإحضاره]. وحينئذٍ قال المبارك أبا إسحق للقديسين: "تضرعوا إلى الله أن يمنحني القوة". فأجابوه قائلين: "إن إلهنا الذي نعبده ليلاً ونهاراً سيمنحك القوة حتى تُتِمَّ سعيَك".

ولما أمثلوه أمام الوالي، قال له عبر مترجم: "ألم تقنع نفسك بعد بتقديم الذبائح للآلهة المجيدة -التي أصدر الأباطرة مراسيم بشأنها- كي تنجو من العذاب؟" فأجاب القديس أبا إسحق: "لقد أخبرتك مراراً وتكراراً أنني لن أقدم ذبائح لآلهتك؛ ولقد أخبرتك أيضاً أن العالم بأسره سيزول ويهلك، أما مجد إلهي فسيبقى إلى الأبد". فلما سمع الوالي ذلك استشاط غضباً، وأمر بضرب فم القديس بقضيب من حديد حتى تكسرت أسنانه واقتلعت. ثم قاسى الرجل القديس آلاماً مبرحة جراء صنوف التعذيب هذه: فقد شقوا أجزاءً مختلفة من جسده بسكاكين حديدية، وسكبوا الخل والحمض (ربما المقصود بالحمض هو الجير أو اللملح) على جراحه، واقتلعوا أظافر يديه وقدميه واحداً تلو الآخر ووضعوا رماداً ساخناً (أو جيراً) مكانها، كما أحضروا أسياخاً حديدية محمّاة في النار وغرسوها في أذنيه حتى وصلت الحرارة إلى رأسه؛ ومع ذلك، فقد احتمل القديس كل هذه الأمور بصبر وجلد عظيمين 20 . حينئذٍ، تعجب الجمع الغفير والوالي نفسه. والتفت أريانوس الوالي إلى أبا إسحق -ذلك الرجل الشجاع- وقال له: "حقاً، لقد أظهرت سحرك اليوم". فقال القديس: "ألا ترى أيها الأحمق أن ربي يسوع قد جاء مراراً وتكراراً لينقذني من مكائدك وعذابك؟" فقال له أريانوس: "حقاً، لا شيء يمكن أن ينجيك من كل هذا إلا السحر الذي تمارسه باسم يسوع الذي تؤمن به. ولكن، وحياة الآلهة -بأبولو وأرتميس أم الآلهة- سأقطع جسدك إرباً إرباً حتى أرى (أعرف) ما إذا كان سحرك قادراً على تخليصك من بين يديّ". ثم سأله الوالي: "ما اسمك؟" فأجاب القديس: "الاسم الذي أطلقه عليّ والداي بالجسد -وفقاً لعادات العالم- هو إسحق، أما الاسم الذي أحيا به كإنسان حر فهو مسيحي". فقال له الحاكم: "يا إسحق، لن تجديك كلمات الجنون هذه نفعاً؛ فأصغِ إليّ وقرِّب ذبيحةً للآلهة". فأجابه الرجل القديس: "إنني عاقل ولستُ مجنوناً، ولكن لو أصغيتُ إليك، لأصبحتُ مجنوناً حقاً".

فأمر الوالي بأن يُنقل الهنبازين وأن يُعذَّب حتى تندلق أحشاؤه. فقال له الوالي: "قدِّم ذبيحةً لأُخلي سبيلك". فأجابه الرجل المبارك: "في مقدورك أن تُنزل بجسدي شتى أنواع العذاب، أما روحي ونفسي فلا سلطان لك عليهما". حينئذٍ أمر الوالي قائلاً: "أحضروا زيتاً وشمعاً وكبريتاً، وضعوها في قِدرٍ وأوقدوا النار تحتها حتى تغلي؛ ثم صُبُّوا بعضاً منها في حلقه، واسكبوا الباقي على سائر جسده"؛ ففعلوا ذلك. ولما رأى الرجل القديس القِدر، قال: "يا رب يسوع المسيح، أعنِّي؛ وكما أرسلتَ ملاكك ونجَّيتَ القديسين الثلاثة من أتون نار الملك نبوخذنصّر، نجِّني أنا أيضاً يا رب يسوع المسيح، لئلا يقول الوالي: أين إلهه؟". وبعد أن قال هذا، رسم علامة الصليب ثلاث مرات، قائلاً: "باسم الآب والابن والروح القدس". ثم دخل في القِدر (المرجل او القيزان) وصلَّى قائلاً: "تعالَ إليَّ يا ربي يسوع المسيح، ولا تبتعد عني". وإذا بالملاك ميخائيل ينزل فوراً من السماء ويُبرِّد القِدر، جاعلاً إياها كالماء البارد.

فلما رأى أهل المدينة ما حدث، أرادوا رجم الوالي وصرخوا قائلين: "إما أن تطلق سراحه أو تصدر حكماً عليه". فأمر الوالي بنقله إلى السفينة وحمله إلى "توبه"؛ وفي معرض الحكم عليه كتب ما يلي: "بما أن هذا الرجل، إسحق الذي من دفرا في إقليم باناو (مدينة بنها في مصر حاليا)، يرغب في الموت من أجل اسم يسوع، فإنني آمر بقطع رأسه بحد السيف"؛ ثم طوى الورقة وقام عن كرسي القضاء.

عندما وصل أعوان الشر، اقتادوا الرجل القديس وقد كُمِّم فمه. وحين أتوا به إلى مدينة "توبه"، خرجت المدينة بأسرها لاستقباله، وذهلوا لحسن محياه وللمجد الذي كان يحيط به. وبينما كانوا يهمّون بقطع رأسه، قال القديس أبا إسحق للجنود الذين يمسكون به: "ليطل الله في أعماركم يا إخوتي، وأمهلوني قليلاً من الوقت لأصلي لإلهي قبل أن تقتلوني". فابتعد الجلادون عن المبارك أبا إسحق، وإذ وجّه وجهه نحو الشرق، فتح فاه وصلّى قائلاً: يا ملائكة النور، قفوا معي في هذا اليوم؛ ويا رؤساء ملائكة النور، قفوا معي في هذا اليوم؛ ويا سيرافيم النور، قفوا معي في هذا اليوم؛ ويا خدام النور، قفوا معي في هذا اليوم. هلمَّ إليَّ في هذا اليوم أيها الرب يسوع المسيح، وامنحني القوة؛ عسى أن أكون مستحقاً لسماع صوتك قبل مماتي، فيتعزى قلبي بطلب ما فيه منك. وبينما كان القديس أبا إسحق يتلفظ بهذه الكلمات، إذ بالرب يسوع المسيح -راكباً مركبةً من نور- قد أقبل من السماء، تحيط به ألوف الملائكة يسبحونه. وإذ أوقف المركبة فوق المكان الذي كان فيه الرجل القديس، نادى الرب بصوتٍ عظيمٍ قائلاً: "تعال إليَّ يا حبيبي إسحق، وسأمنحك أجور تعويضك لأجل الآلام التي تكبدتها من أجل اسمي. وسأمنحك كل إلتماس ترغب في تقديمه، لأن أبي هو معطي بسرور. فلما سمع القديس أبا إسحق المخلّصَ يقول له هذا الكلام، تشجّع قلبه وخاطبه قائلاً: "اسمعني أيها الرب إلهي، وأفرِح قلبي [بمنحي] ما سأطلبه من يدك؛ فأنت تعلم يا الله أن مدينتي صغيرة، ولئلا يقوم عليها عدو، أرسل رئيس الملائكة ميخائيل لمساعدتهم ومنحهم القوة لهزيمتهم. إذا أتى رجل خاطئ إلى جسدي وصلى إليك، فاغفر له خطيئته قبل غروب شمس ذلك اليوم. ثم قال له الرب: يا حبيبي، كما تشاء فليكن. فقال له القديس أبا إسحق: أتوسل إليك أيضًا من أجل من سيضع جسدي في تابوت (أو يكفنه)، أن تستر جسده وقت حاجته فلا يصير عريانا؛ وأسألك أيضًا أن تكتب اسم من سيكتب [قصة] استشهادي، وينشرني (أي ينشر اسمي وسيرة استشهادي) في سفر الحياة؛ وأن تجعل قلب من سيسمي ابنه طواعية باسمي سعيدًا بفرح (وترضيه)؛ وأن تعطي جزءًا من التقدمة الدائمة لمن يقدم قربانًا على (أو عند) قبري. ولما قال القديس أبا إسحق هذا، أجابه المخلص بصوتٍ وديعٍ قائلاً: "الحق أقول لك: كل ما طلبته باسمي سأمنحك إياه، والأشياء التي لم تذكرها سأمنحك إياها أيضاً. وها أنا أُقيم ميخائيل، رئيس الملائكة، في الموضع الذي سيُوضع فيه جسدك، ليخدمك في كل ما يطلبه منك الناس من أجل الشفاء". وبعد ذلك، التفت المبارك أبا إسحق إلى الجلادين وقال لهم: "تعالوا ونفذوا ما أُمرتم به". فجاءوا ووضعوا اللجام في فمه، ثم وضعوا رأسه على حجرٍ كبيرٍ ومددوا عنقه وقطعوا رأسه المقدس بالسيف. حينئذٍ، اهتز المكان الذي قُطع فيه رأسه يميناً وشمالاً ثلاث مرات، وساد الخوف والاضطراب في المدينة. وجرى دمٌ ولبنٌ من جسد الرجل المبارك؛ فخرج كثيرون ممن سمعوا بذلك ليروا تلك الأعجوبة التي حدثت. وعندما أخذ العميان والعرج والصم والبكم من ذلك الدم واللبن الخارج من جسد الرجل المبارك ووضعوه على أعضائهم المصابة، شُفوا جميعاً في الحال: فأبصر الأعمى، ومشى الأعرج، وسمع الأصم، وتكلم الأبكم. هكذا أكمل القديس أبا إسحق جهاد استشهاده في اليوم السادس من شهر "بشنس"، وانتقل إلى من أحبه، ربنا يسوع المسيح، ونال إكليله الذي لا يفنى في ملكوت السماوات.

وبعد ذلك، أحضر كبير أعيان المدينة ثوباً من نسيج "البِيسوس" (الكتان الفاخر) ولفّ به رأس [الشهيد]؛ ثم أحضر ثوباً آخر من الكتان الناعم ودفن فيه جسد المبارك أبا إسحق. وكنتُ أنا - خريستوفورس، الخاطئ وقريب الرجل القديس - برفقته منذ البداية، وقد دوّنتُ سيرته؛ فلم أضف إليها شيئاً ولم أنقص منها شيئاً. وحين رأيتُ أنه لا يوجد أحد معي هناك لنقل [الجسد]، طلبتُ المساعدة من كبير الأعيان، فمنحني عربةً ذات أربع عجلات ووضع عشرةً من خدمه في عوني. وضعتُ الجسد على العربة ونقلته إلى مرفأ قريته، لكنني لم أجد قارباً لنقله عبر النهر. فأمر الله الخيول (؟) فسارت فوق المياه وكأنها تسير على اليابسة. وعندما سمع أهل المدينة بذلك، خرجوا جميعاً -صغاراً وكباراً- لاستقبال الجسد، وحملوه إلى الكنيسة بكل إكرام ومجد، مبتهجين ومسبّحين الله الذي يصنع العجائب وحده.

وبعد ذلك، قمتُ أنا خريستوفورس بهدم منزله الكائن شمال الكنيسة قُبيل نهاية الشهر الثامن، وشيَّدتُ مصلىً للقديس وأتممتُ بناءه. ثم أرسلنا في طلب الأسقف فكرَّسه في اليوم السادس من شهر "طوبة"؛ وجرت فيه أعمالٌ عظيمة وعجائبُ باهرة، وهم مجَّدوا ربنا يسوع المسيح وجميع قديسيه؛ الذي يليق به - مع الآب والروح المحيي والمساوي له في الجوهر - كلُّ المجد والجلال والعبادة، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين. آمين.

جاء في خاتمة المخطوطة ما يلي:-----

باسم الآب والابن والروح القدس، الثالوث الكامل المتساوي في الجوهر في لاهوت واحد: هذا هو إلهنا، ونحن المسيحيين نسبحه ونمجده. يا من قبلتَ تقدمة هابيل الصديق، وذبيحة أبينا نوح، وقربان أبينا إبراهيم، وفلسي الأرملة، وصدقات كرنيليوس؛ تقبَّل هذه التقدمة من عبدك أبي، الأب "ستاوروس"، الراهب في دير أبينا البار العظيم "يوحنا" (ابن تيمانشوبي-بيهووت). لقد تكبَّد عناءً كبيراً في إعداد هذا الكتاب المقدس، وقدمه للكنيسة المقدسة المكرسة باسم إيليا النبي العظيم، لكي يقرأ فيه هو ومن يأتي بعده. وأرجو من كل من يقرأ فيه أن يقول: "ليشمل الرب يسوع المسيح هذا الأب برحمته في أمور هذا العالم؛ وعندما يفارق الجسد، فليسترح في حضن أبينا البطريرك إبراهيم، مع إسحق ويعقوب وإيليا النبي، في ملكوت السماوات". فمن يقول "آمين"، فليكن مباركاً. آمين، آمين، تسعة وتسعون مرة.

في السنة 915 من تقويم الشهداء (أي عام 1199 ميلادية)، في عهد أبينا البطريرك "أبا يوحنا"، رئيس أساقفة الإسكندرية، وربنا يسوع المسيح ملكٌ علينا. آمين.21

الهوامش

11. 5 تيفري (Tiphre) أو ديفري (Dephri): قرية في مقاطعة الغربية (Garbjah)، ضمن إقليم "بوسيريس" (Busirite nome) في الدلتا. انظر: كواترمير (Quatremère)، "Mémoires" (مذكرات)، المجلد الأول، ص 107؛ وشامبليون (Champollion)، "L'Egypte sous les Pharaons" (مصر في عهد الفراعنة)، المجلد الثاني، ص 183.

12. 6 اسم لمدينة وإقليم في الدلتا؛ وتُعرف أيضاً باسم "بانا" (Bana)، وهي "بنها" (Benha) المذكورة عند نيبور (Niebuhr) في كتابه "Voyage in Arabia" (رحلة في الجزيرة العربية)، المجلد الأول، ص 64. انظر: كواترمير، "Mémoires"، المجلد الأول، ص 105-107؛ وشامبليون، "L'Egypte sous les Pharaons"، المجلد الثاني، ص 181-183.

13. 7 يبدأ هذا الشهر في السادس والعشرين من شهر أبريل.

14. 1 ذُكر في موضع آخر أنه صنع سبعين تمثالاً من الذهب - خمسة وثلاثين تمثالاً ذكراً ومثلها للإناث - وأطلق عليها أسماء الآلهة، بدءاً بأبولو وزيوس وديانا. زويغا (Zoega)، "Cat. Copt." (فهرس المخطوطات القبطية). المخطوطات (MSS.)، ص 32؛ مخطوطة الفاتيكان، ص 66.

15. 2 ربما كان هذا هو مرسومه الثاني ضد المسيحيين، وصدر في عام 303 ميلادية.

16. 3 [قبطي] أو "تابا" (Taba)، وهي مدينة تقع بالقرب من [قبطي]، جنوب الإسكندرية في مصر السفلى؛ وهي المدينة التي ذكرها بطليموس باسم [قبطي]، وذكرها إسطيفانوس البيزنطي باسم [قبطي]. وفي "دليل رحلات أنطونينوس" (Itinerary of Antoninus)، تقع المدينة بين "سينو" (Cyno) و"أندرو" (Andro)، حيث تبعد ثلاثين ميلاً عن الأولى واثني عشر ميلاً عن الثانية. وكان حاكمها أو واليها في عهد الشهيد إسحق هو "كولكيانوس" (Culcianus). انظر: كواترمير (Quatremère)، "مذكرات" (Mémoires)، المجلد الأول، ص 350؛ وشامبوليون (Champ.)، "مصر في عهد الفراعنة" (L'Égypte sous les Pharaons)، المجلد الثاني، ص 175؛ ودليل أنطونينوس (Anton. Itin.) طبعة ويسلينج (Wessel.)، ص 153.

17. 2 "نيسين" (Nicin) باللاتينية، وهي حاضرة إقليم "بروسوبيتس" (Prosopites nome)، وتقع على الضفة اليمنى للفرع الغربي لنهر النيل، باتجاه رشيد. وقد استشهد اثنان من أساقفتها، وهما "سارابامين" (Sarapamen) و"ماكروبيوس" (Macrobius)، في عهد دقلديانوس. انظر: كواترمير، "مذكرات"، المجلد الأول، ص 420؛ والمجلد الثاني، ص 162؛ ولو كوين (Le Quien)، "الشرق المسيحي" (Oriens Christianus)، المجلد الثاني، ص 523؛ وشامبوليون، "مصر في عهد الفراعنة"، المجلد الثاني، ص 162.

18. 1 غالباً ما كان يُسكب الزيت على النار المشتعلة تحت السرير لزيادة تعذيب الضحية. انظر " Praefat. De Miraculis،" الصفحات من الثامن والأربعين إلى التاسع عشر.

19. 3 في استشهاد القديسين أبادير وإيرائي يقال إن القديس إسحق الدفراوي كان في سجن أنطينو(انصنا) مع القديسين بفنوتي وشامول وسمعان الطبشوي وسيسينيوس وثيؤدوروس وموسى فيلوثاوس ومكاريوس ومكسيموس وآخرين كثيرين. انظر Hyvernat, Les Actes des Martyrs de l'Egypte, p. 100

20. 1 للحصول على قائمة بالأهوال التي تعرض لها الشهداء، انظر "Praefat. De Miraculis،" ص 1xiii-lxxxviii.

21. 1 كان بطريرك الإسكندرية الأول، المدعو يوحنا، رئيساً للكنيسة لمدة ثماني أو تسع سنوات 498-507 م. - انظر
Le Quien: 'Oriens. Christ.,' vol. ii., pp. 423-425; Eusebius Renaudot: 'Historia Patriarcharum Alexandrinorum Jacobitarum.' Paris, 1713, pp. 125, 126.
 
التعديل الأخير:
أعلى