- إنضم
- 13 مارس 2022
- المشاركات
- 703
- مستوى التفاعل
- 603
- النقاط
- 93
الشهيدة المقدسة وبطلة المسيح، إليسا، التي جاهدت في جزيرة كيثيرا في عام (375 ميلادية). تنطق أيضا إليسيس و إليساس وإليسان
عيد استشهادها يوم 1 أغسطس واستشهدت عام 375 ميلادية تقريبا
النص المترجم :
إليسا، الشهيدة المستحقة للمديح والمجيدة التي للمسيح، كانت من (منطقة) البيلوبونيز الشهيرة (في اليونان)، ابنة حاكم يوناني ثري وفخور يُدعى هيلاديوس. كانت والدتها مسيحية الأصل وتخشى الله، واسمها يوجينيا. كانت عاقرًا، فدعت الله أن يرحمها ويجعلها جديرة بإنجاب طفل، لكي تُكرّسه لنعمته وتهديه إلى الإيمان الكاثوليكي المقدس.
في أحد الأيام، وهي وحدها في بيتها تصلي، سمعت صوتًا من السماء يقول لها: ”لقد استجاب الله لطلبك، وأعطاك ثمرة رحمك“. ولكنها لم تخبر زوجها بما حدث، وعندما أدركت أنها حامل، مجدت الله وأخبرت أقاربها وزوجها بكل ما حدث؛ أي أنها طلبت من الله أن يمنحها طفلاً، وأنها صلت ووعدت الله بأنها ستكرسه له، أنها سمعت ذلك الصوت السماوي من الرب، وأن الله قد منحها الرحمة التي طلبتها، ففرحوا جميعًا معها. وعندما حان الوقت وولدت الطفلة، فرح جميع الأقارب والأصدقاء فرحًا عظيمًا، وهي شكرت الله وسبحته بالدموع على النعمة والرحمة التي نالتها، وقالت لزوجها: «لنسمي ابنتنا، يا زوجي الحبيب، إليسا». فأجابها: «ليكن كما تريدين». وأرسلها إلى كاهن يُدعى صوفرونيون، كان يعيش هناك سراً، وعمدها باسم الآب والابن والروح القدس، وسمّاها إيليسان حسب الصوت الذي سمعه (أو سمعته الضمير غير واضح ربما يقصد ام القديسة او الكاهن سمع ايضا نفس الصوت الذي سمعته الام): ”الله رحمك“(اليسين تعني رحمة باليونانية ومن هذه اللفظة يشتق اسم إليسا او او إليسيس أو إليساس او إليسان اسم القديسة). أما والد الطفلة، باعتباره كافراً، نسي موافقته السابقة وغضب بسبب تعميدها، لكنه أحبها وتحمل ذلك من أجل حبه لها.
وقد نمت الفتاة في العمر والحكمة وتشددت بالروح؛ وكما كانت ترى أمها الصالحة، فكانت تفعل مثلها وتقتدي بها في كل شيء، وتطيعها دائماً في كل ما تنصحها به، وتقتدي بجميع تعاليم العقيدة المسيحية الجامعة (الكاثوليكية) وتتمتع بتقوى كبيرة بالإيمان بالمسيح وتجاه والدة الإله.
وقد تعلمت من أمها صلوات مختلفة وكانت ترددها ليلاً ونهاراً، وكانت تصوم وتصدر الصدقات وترسل سراً إلى الكهنة ليؤدوا القداسات من أجل خلاص نفسها. لكنها كانت تكره دين والدها، أو بالأحرى كفره وإلحاده، وتعتبره كافرًا وعابدًا للأوثان. عندما بلغت الرابعة عشرة من عمرها، عرفت والدتها يوجينيا قرب أجلها. لذلك، ناديت ابنتها الحبيبة وقلت: "يا ابنتي الحبيبة إليسا، إني أعتبر أن أجلي قد اقترب، ولا أحزن على ذلك، إنما يحزنني فراقكِ، لأن والدكِ فاجر(أو كافر أو غير تقي)، وسيسبب لكي الأذى في كل وقت.. أما أنتِ يا ابنتي، فحافظي على إيمانكِ مقدسًا طاهرًا نقيًا حتى نهاية حياتكِ، كما علمتكِ إياه بتواضع، لأن الرب سيجعلكِ جديرة بأن تكوني من خاصته، وأن تنالي إكليل الخلود في ملكوته السماوي، وأن يمجدكِ في الحياة الآخرة." احتضنتها والدموع تملأ عينيها، ثم صلت عليها وباركتها، ولفظت أنفاسها الأخيرة.
أما إليسا فقد حزنت حزنا شديدا وبكت بمرارة على فقدان حب أمها ورفقتها والاستمتاع بنصائحها الجيدة (الصالحة) ؛ ولكنها، مع ذلك، أعطت المجد لله ودفنتها بطريقة مسيحية، لأن زوجها كان يحبها حباً جماً لفضائلها الحميدة، ولم يجرؤ أحد على التحدث عنها، لأنه كان أول وأغنى رجل. وبقيت إليسا وحدها سيدة هذا البيت، وكانت تدير العبيد والخدم وكل ما في البيت. ومن يروي صلواتها وصيامها وصدقاتها وغيرها من الفضائل التي كانت تمارسها بجدارة؟ كل ساعة كانت تسلم نفسها إلى ربنا يسوع المسيح وإلى أمه الكاملة تطلب منه أن يجعلها تنهي حياتها في الإيمان الحقيقي ويخلصها من كفر والدها. وبعد ذلك، بعد عام من وفاة والدتها، تذكر والدها أن ابنته إليسا قد بلغت سن الزواج، لأنه كان يحبها كثيرًا لجمالها وحكمتها وتواضعها وغيرها من الفضائل التي كانت تتمتع بها، وكانت مشهورة في البلاد وأكثر تميزًا من جميع أقرانها.
في أحد الأيام قال والدها لإليسا (لها): "يا ابنتي إيلسا، أرى أن آلهتنا قد أنعمت عليك بالعمر والجمال، وعندما أنظر إليك فأشعر بفرح عظيم في قلبي. لذلك أريد أن أريحك من متاعبك لتستمتعي بحياتك، وعليك أن تصغي إلى كلامي؛ وإذا سمعتني، سأكرمك وأجعلك تستحقين الكثير من الثروة والشرف، لم يحصل عليهما أحد غيرك. أريد أن أزوجكِ لأحصل أنا أيضاً على الفرح والسعادة ولتتحرري أنتِ أيضاً من أحزان اليتم وأي شخص تريدينه من حكام البلاد سأعطيه لك زوجًا وسأعطيك كل ما أملك. أنت تعلمين أنك نور عيني". فأجابت إليسا، خادمة الرب الحكيمة، قائلة لأبيها: "أبي، أنا لست مستعدة للزواج في الوقت الحالي، وأرجوك أن تترك هذا الأمر لي، والله سيرشدني في الوقت المناسب". فأجابها: ”لماذا يا ابنتي؟ هذا يريحني، فلا تعصين كلامي“. فصمتت هي؛ وكان والدها يكرر عليها نفس الكلام، يحثها على الزواج، لكنها لم ترد أن تسمع، فوجهت وجهها صامتة، وكانت تصلي في سريرتها قائلة: "إليك يا رب يسوع المسيح، أسلم روحي، وأنت يا مسيحي، تدبرني كما تشاء، وتحفظني، لكي تخلص روحي، وأحفظ عذريتي سليمة، وأعطني الصبر لأتحمل كلام أبي الفاجر (الكافر).
وبعد عدة أيام سافر والدها إلى مكان بعيد. ولما رأت إيلسا أن والدها قد رحل، قالت لنفسها: " هذا هو زمن النعمة، هذا هو زمن الخلاص؛ أنت يا رب المليء بالرحمة والرأفة.، بواسطة شفاعة أمك الكلية الطهارة وجميع قديسيك، وبواسطة صلوات أمي الصالحة، التي توفر العون والخلاص للذين يطلبونها بإيمان، أرشدني إلى طريق الخلاص، وخلصني من يدي أبي الكافر، واحفظني تحت رعايتك". وعندئذ بدأت توزع الكثير من الصدقات على الفقراء والأيتام والأماكن المقدسة، وأرسلت إحدى أكثر خادماتها جرأة ودعت أحد البحارة وقالت له: أريد أن تقلني سراً على متن سفينتك إلى جزيرة كيثيروس (كيثيرا)، وسأدفع لك (مالا) جيداً على عملك (أو جهدك) ».
فأجابها: ”بكل سرور، سيدتي، سأحقق رغبتك، إذا أعطيتني أجري“. ففرحت إليسا كثيرًا ووعدته بسرور أنها ستعطيه أجرة جيدة. وبعد أن استيقظت وكان الوقت قد حان للإبحار، طلبت منها خادماتها أن تأخذهن معها. فلما رأت رغبتهن أخذتهن، وعندما خرجت من بيتها لتركب السفينة، رفعت عينيها ويدها إلى السماء وصليت باكية وقالت: "أنت يا أيها الرب، الوحيد القدير على كل شيء، الذي قلت لأبراهيم: ”اخرج من أرضك ومن عشيرتك، وامض إلى الأرض التي أريك“، ها أنا أترك وطني وأقاربي، وثروتي ومجدي الدنيوي من أجل حبك. أرجوك أن ترشدني لأحافظ على إيماني بلا شائبة وأرضيك حتى نهاية حياتي". وبعد أن قالت ذلك، دخلت مع الخادمات إلى السفينة، وأثناء الإبحار، بفضل العون الإلهي، هبّت ريح طيبة، ووصلوا إلى جزيرة كيثيرا، التي كانت مكاناً مهجوراً ومناسباً للزهد، لأنه لم يكن بها بشر، بل وحوش وثعابين فقط.
عندما وصلوا إلى هناك، أنزل البحارة إليسا وخادماتها ومؤنهم، وخرج بعضهم للتجول، وهم يسيرون هنا وهناك، لدغت أفعى سامة أحدهم، وفي وقت قصير غطى جسده بالكامل حراشف، وبعد آلام مبرحة مات؛ بينما حزن الآخرون حزنًا شديدًا على فقدان رفيقهم. عندما سمعت القديسة بما حدث، طمأنتهم قائلة: "لا تبكوا، فإني أثق في ربنا يسوع المسيح، الإله الحق، الذي هو الحياة والقيامة، أنه سيقيمه بنعمته القديرة". ورفعت صلاة طويلة إلى الله، ورسمت عليه رمز الصليب المقدس، وصرخت بصوت عالٍ: "يا رب يسوع المسيح، انت هوة حياة وقيامة الموتى، أيها القدير، أقمه، لكي يتمجد اسمه القدوس". وعلى الفور (يا رب، ما أعظم معجزاتك!) قام الرجل الميت وجلس، ورأى الآخرون عظمة الأمر، فتعجبوا ومجدوا الله، وشكروا القديسة؛ ولكن خوفًا من أن يعانوا هم أيضًا من نفس الشيء، أخذوه إلى السفينة وأبحروا بعيدًا إلى الريف، وعندما وصلوا إلى بلادهم أخبروا هناك بالأحداث والمعجزة التي صنعتها القديسة.
وبعد أيام عديدة، عاد والد القديسة هيلاديوس إلى منزله من رحلته ولما لم يجد ابنته إليسا، بل وجد واحدة فقط من خادماته فقال لها: ”أين ابنتي الحبيبة إيلسا؟“. فأجابته: "يا سيدي، عندما سافرت، بعد أيام قليلة، استدعت سيدتي من الميناء بحارًا وتحدثت معه سراً، وفي المساء التالي خرجت من منزلها مع خادمتيها الأخرييتين، ووزعت أولاً الكثير من الصدقات على الفقراء، ثم هربت في تلك الليلة قائلة لي: ”اجلسي في بيت سيدك واحفظيه جيدًا حتى يأتي أبي“. ومنذ ذلك الحين لم تعد إلى هنا. أما والدها فقد حزن حزنا شديدا وأصابه الكرب لفرار ابنته، وبعد أن بحث بدقة في البلاد، علم بما حدث، أنها ذهبت إلى جزيرة كيثيرا وكانت تدعو باسم المسيح علنًا وتجري المعجزات.
عندما سمع هيلاديوس أن ابنته أصبحت مسيحية وأنها رحلت لتمارس النسك، غضب وقد أقسم أنه سيبحث عنها بكل الطرق ويقتلها دون تأخير. وبعد بحثه، عرف البحار الذي نقلها، وبعد أن استجوبه عن ابنته، علم بما حدث وبإحياء من قتله الثعبان، ولما كان هيلاديوس ينوي قتل البحار، أجابه هذا قائلاً: "أنا أعمل في نقل الناس وأتقاضى أجري، ولهذا أمتلك السفينة؛ لكنني لم أجعل ابنتك مسيحية، ولم أنصحها بذلك، لكنها هي التي طلبت السفينة، ولو لم أذهب أنا، لذهب غيري. فقال له هيلاديوس: ”انقلني بسرعة إلى المكان نفسه وسأكافئك على عنائك". وبعد أن استعدوا، أخذ هيلاديوس آخرين معه، ودفع لهم ليذهبوا ويبحثوا عنها.
أخيرًا، أخذهم جميعًا ونزل به وبرفاقه في المكان نفسه، وبعد أن بحث جيدًا، وجد ابنته إليسان هناك بالقرب منه، على جبل شاهق في الجزء الجنوبي من كيثيرا، وكانت مع إحدى خادماتها تمارس الزهد، بينما كانت الخادمة الأخرى على مسافة قصيرة تصلي بمفردها. وعندما جاء هيلاديوس إلى ابنته إليسان، وقال لها بعد أن ذرف الدموع: «يا ابنتي الحبيبة، ماذا فعلتِ بي حتى جعلتِني بائساً ومتعباً وهربتِ من منزلنا وأحزنتِني بشدة، وكل أقاربنا حزينون عليك؟ ألم يعجبك المكان والبلد والثروات ,الكرامة والراحة التي كنت تتمتعين بها؟ هل أتيت إلى هذا الموضع المهجور والبري لتعيشي مع الحيوانات؟ كيف تحملت كل الأيام التي قضيتها هنا ولم تموتين من الجوع والعري والتعب والعذاب ؟ أنتِ التي كنتِ جميلة جداً وأصبحتِ الآن مشوهة (حرفيا غير قابلة للتعرف عليكِ) ؟ لكن يا ابنتي، فلتكن هذه الحماقات مغفورة، التي قمت بها كشابة في سنك ، واستمعي لي. الآن لنعد معاً إلى موطننا، وتكونين سيدة منزلنا كما في السابق، لكي تتصرفي (فيه) كما تريدين، لأنك تعلمين جيدًا أنني لا أملك أملًا آخر، لأنك أنت نور عينيّ؛ لذلك انهضي لنذهب الى هناك
بعد أن سمعت القديسة هذا الكلام، قال له: "يا أبي، لقد أحسنتَ صنعًا بقدومك إليّ لأطلب منك المغفرة كأبي، ولكن المجيء معك مستحيل". ثم قال لها بصرامة: "لا تتفوهي بهذا الكلام؛ لم أجدك، لبقيت هنا حتى تصبحين طعامًا للوحوش ؛ ولكن الآلهة قد أشفقت عليكِ، وها أنا قد وجدتكِ؛ لذلك هيا بنا سريعًا، وإلا سأقتادكِ بالقوة وستُصابين بأذى؛ ولكن أسألكِ، ما سبب هروبكِ بهذه السعادة، ولماذا تُعارضين رأيي الآن للعودة؟" فأجابت ابنته: " سأقول لك الحقيقة يا أبي، ولا تغضب مني، لأنك من دين آخر، وأنا مسيحية منذ صغري، إذ تعمّدتُ باسم الثالوث الأقدس، فليس من اللائق لي أن أعيش معك أو مع غيرك من عبدة الأوثان، ولهذا السبب جئت إلى هذا المكان، وأفضل أن أسكن مع الحيوانات على أن أسكن مع البشر الكافرين والوثنيين، الذين هم أكثر جهلاً من الحيوانات ويعبدون أصناماً بلا روح، أصنامًا صماء وبكماء، يصنعونها بأيديهم ويحترمونها كآلهة. لكنني أعبد وأؤمن بالله الحقيقي، الذي خلق السماء والأرض، وكل ما يرى وما لا يرى، وبابنه الوحيد، ربنا يسوع المسيح، وبالروح القدس، إله واحد مثلث الأقانيم، الذي باسمه عُمدت، وأنا أحبه، ولا أفضّل شيئًا آخر على حبه، ولا حتى حياتي هذه. ها أنا قد أخبرتك بكل الحقيقة، فاغفر لي، وامنحني عفوك، واذهب. فقال لها: «اتركي هذا الكلام الفارغ وتعالي لنذهب ، لا تجعليني أغضب وأثور، لئلا أضربك ضرباً مبرحاً وأعذبك عذاباً شديداً، بل وأقتلك في النهاية".
ثم أجابت إليسا المباركة: "أفضل أن أتقبل هذا، على أن أذهب معك إلى ظلام الأصنام". عندئذٍ، غضب، فأمسكها من خصلات شعرها وجرها إلى الأرض، وضربها بالعصي حتى أوقعها جريحة. أما هي فرددت: «ارحمني يا الله». ولما رأى هيلاديوس ثبات رأيها، ربط يديها خلف ظهرها وعلقها من شعرها على اغصان شجرة خروب، وعذبها بعقوبات قاسية وضرب مبرح، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة، مسلمة لنفسها المباركة بين يدي الله. ثم فك وثاق جسدها المقدس الشهيد وألقاه على الأرض. لكن نعمة الله حلت عليها، فنهضت وجلست، شاكرةً الله قائلةً: «أشكرك يا رب، يا خالق السماوات والأرض، لأنك جعلتني ان أستحق وأن أتحمل مختلف الآلام من أجل حبك. لذلك، أتوسل إليك أن تعينني على الثبات حتى النهاية، وأن تنقذني من يد أبي الطاغي الكافر، وأن تجعلني أهلاً لملكوتك السماوي؛ وإذا دعاك أي مسيحي باسمي، فأرجوك أن تعطيه ما يسأله».
عند سماع ذلك، امتلأ والد القديسة غضباً، وأخذ حجراً بيده ليضربها به، لكن القديسة هربت، بينما اقترب منها بغضب شديد. ثم انشقت صخرة كبيرة من الجبل، وعبرت القديسة إلى الجانب الآخر (كما يبدو أن تلك الصخرة لا تزال موجودة حتى يومنا هذا)، وسجدت على ركبتيها، وصليت ووالدها الوحشي ركض وراءها، وضربها بحجر على جبينها وحطم أسنانها، ثم سحب سيفه وقطع رأسها المقدس، في الأول من أغسطس، عام 375 م. وهكذا حصلت القديسة على إكليل الشهادة. أما إحدى جواري القديسة فقد وقفت أمامها وشاهدت ما حدث؛ أما الأخرى فقد أخذها هيلاديوس ووضعها في السفينة بدون أرادتها، وعادوا إلى بيلوبونيز إلى أرضه. أما الجارية الأولى، التي كانت مختبئة في المقابل وكانت تشاهد، فعندما أبحرت السفينة، جاءت إلى جثمان القديسة وهي تبكي وتقبله بدموع وقامت بدفنه بإحترام في مكان مرتفع، حيث رقدت، على الجبل أعلاه. ولهذا السبب، يُسمى هذا الجبل حتى اليوم جبل القديسة إليسا.
مكثت خادمة القديسة في هذا المكان أربعين يومًا، وكانت تسمع كل ليلة ترانيم ملائكية كثيرة فوق قبرها، ورأت نورًا سماويًا يسطع من فوق قبرها، فمجدت الله وباركت القديسة على ما رأت. بعد أربعين يومًا، وصلت سفينة من المسيحيين إلى هذه الجزيرة، ونزلت من الجبل، ودخلت الجزيرة وغادرت، ورويت كل ما حدث عن القديسة في كل مدينة وبلد مرت به السفينة. سمع العديد من المسيحيين بهذه الأخبار، فجاءوا إلى هذه الجزيرة لتبجيل القديسة وتكريمها، وبنوا أيضًا كنيسة صغيرة باسم القديسة حيث جسد الشهيدة المقدس.
خاتمة:
أصبح هذا المزار مصدرًا للعجائب بالنسبة للزوار الذين يأتون إليه بإيمان، لأن اسم القديسة اشتهر، وكان الكثيرون من المناطق المجاورة يأتون ويحتفلون بذكراها (في الأول من شهر أغسطس، لأنه في هذا اليوم قُطعت رأسها) ونالوا منها بركاتٍ ونعمًا كثيرة، واستقروا شيئًا فشيئًا في هذه الجزيرة، وبفضل القديسة، وفي غضون سنوات قليلة، سكنت الجزيرة بأكملها حشود غفيرة، وكان الجميع يجتمعون في ذكرى القديسة حاملين الشموع والبخور، يمجدونها ويرنمون الترانيم في عيدها.
طوبى للمسيحيين المباركين الذين يأتون بإيمان لتكريم القديسة والشهيدة العذراء إليسا، ومهما كانت الصدقات التي يقدمونها لهيكلها المقدس، فإن هذه القديسة تمنحهم الأجر، كما أن كل من في هذه الجزيرة يعتبرها حاميةً وراعيةً لها، وكل من يأتي بإيمان ينال ما يطلبه من خلاص ونعمة وشفاء. لذلك كتبنا شهادتها المقدسة لمجدها ولمنفعة المسيحيين جميعًا.
بشفاعة قديستك الشهيدة إليسيس، أيها المسيح إلهنا، نجِ وطننا وعالمنا من كل خطر، ونجِ جميع الذين يمجدونك من كل تهديد وحاجة وحزن ، وخلص نفوسنا كإله صالح ومحب ورحيم، لأن لك كل المجد والإكرام والسجود إلى الأبد. آمين.
عيد استشهادها يوم 1 أغسطس واستشهدت عام 375 ميلادية تقريبا
النص المترجم :
إليسا، الشهيدة المستحقة للمديح والمجيدة التي للمسيح، كانت من (منطقة) البيلوبونيز الشهيرة (في اليونان)، ابنة حاكم يوناني ثري وفخور يُدعى هيلاديوس. كانت والدتها مسيحية الأصل وتخشى الله، واسمها يوجينيا. كانت عاقرًا، فدعت الله أن يرحمها ويجعلها جديرة بإنجاب طفل، لكي تُكرّسه لنعمته وتهديه إلى الإيمان الكاثوليكي المقدس.
في أحد الأيام، وهي وحدها في بيتها تصلي، سمعت صوتًا من السماء يقول لها: ”لقد استجاب الله لطلبك، وأعطاك ثمرة رحمك“. ولكنها لم تخبر زوجها بما حدث، وعندما أدركت أنها حامل، مجدت الله وأخبرت أقاربها وزوجها بكل ما حدث؛ أي أنها طلبت من الله أن يمنحها طفلاً، وأنها صلت ووعدت الله بأنها ستكرسه له، أنها سمعت ذلك الصوت السماوي من الرب، وأن الله قد منحها الرحمة التي طلبتها، ففرحوا جميعًا معها. وعندما حان الوقت وولدت الطفلة، فرح جميع الأقارب والأصدقاء فرحًا عظيمًا، وهي شكرت الله وسبحته بالدموع على النعمة والرحمة التي نالتها، وقالت لزوجها: «لنسمي ابنتنا، يا زوجي الحبيب، إليسا». فأجابها: «ليكن كما تريدين». وأرسلها إلى كاهن يُدعى صوفرونيون، كان يعيش هناك سراً، وعمدها باسم الآب والابن والروح القدس، وسمّاها إيليسان حسب الصوت الذي سمعه (أو سمعته الضمير غير واضح ربما يقصد ام القديسة او الكاهن سمع ايضا نفس الصوت الذي سمعته الام): ”الله رحمك“(اليسين تعني رحمة باليونانية ومن هذه اللفظة يشتق اسم إليسا او او إليسيس أو إليساس او إليسان اسم القديسة). أما والد الطفلة، باعتباره كافراً، نسي موافقته السابقة وغضب بسبب تعميدها، لكنه أحبها وتحمل ذلك من أجل حبه لها.
وقد نمت الفتاة في العمر والحكمة وتشددت بالروح؛ وكما كانت ترى أمها الصالحة، فكانت تفعل مثلها وتقتدي بها في كل شيء، وتطيعها دائماً في كل ما تنصحها به، وتقتدي بجميع تعاليم العقيدة المسيحية الجامعة (الكاثوليكية) وتتمتع بتقوى كبيرة بالإيمان بالمسيح وتجاه والدة الإله.
وقد تعلمت من أمها صلوات مختلفة وكانت ترددها ليلاً ونهاراً، وكانت تصوم وتصدر الصدقات وترسل سراً إلى الكهنة ليؤدوا القداسات من أجل خلاص نفسها. لكنها كانت تكره دين والدها، أو بالأحرى كفره وإلحاده، وتعتبره كافرًا وعابدًا للأوثان. عندما بلغت الرابعة عشرة من عمرها، عرفت والدتها يوجينيا قرب أجلها. لذلك، ناديت ابنتها الحبيبة وقلت: "يا ابنتي الحبيبة إليسا، إني أعتبر أن أجلي قد اقترب، ولا أحزن على ذلك، إنما يحزنني فراقكِ، لأن والدكِ فاجر(أو كافر أو غير تقي)، وسيسبب لكي الأذى في كل وقت.. أما أنتِ يا ابنتي، فحافظي على إيمانكِ مقدسًا طاهرًا نقيًا حتى نهاية حياتكِ، كما علمتكِ إياه بتواضع، لأن الرب سيجعلكِ جديرة بأن تكوني من خاصته، وأن تنالي إكليل الخلود في ملكوته السماوي، وأن يمجدكِ في الحياة الآخرة." احتضنتها والدموع تملأ عينيها، ثم صلت عليها وباركتها، ولفظت أنفاسها الأخيرة.
أما إليسا فقد حزنت حزنا شديدا وبكت بمرارة على فقدان حب أمها ورفقتها والاستمتاع بنصائحها الجيدة (الصالحة) ؛ ولكنها، مع ذلك، أعطت المجد لله ودفنتها بطريقة مسيحية، لأن زوجها كان يحبها حباً جماً لفضائلها الحميدة، ولم يجرؤ أحد على التحدث عنها، لأنه كان أول وأغنى رجل. وبقيت إليسا وحدها سيدة هذا البيت، وكانت تدير العبيد والخدم وكل ما في البيت. ومن يروي صلواتها وصيامها وصدقاتها وغيرها من الفضائل التي كانت تمارسها بجدارة؟ كل ساعة كانت تسلم نفسها إلى ربنا يسوع المسيح وإلى أمه الكاملة تطلب منه أن يجعلها تنهي حياتها في الإيمان الحقيقي ويخلصها من كفر والدها. وبعد ذلك، بعد عام من وفاة والدتها، تذكر والدها أن ابنته إليسا قد بلغت سن الزواج، لأنه كان يحبها كثيرًا لجمالها وحكمتها وتواضعها وغيرها من الفضائل التي كانت تتمتع بها، وكانت مشهورة في البلاد وأكثر تميزًا من جميع أقرانها.
في أحد الأيام قال والدها لإليسا (لها): "يا ابنتي إيلسا، أرى أن آلهتنا قد أنعمت عليك بالعمر والجمال، وعندما أنظر إليك فأشعر بفرح عظيم في قلبي. لذلك أريد أن أريحك من متاعبك لتستمتعي بحياتك، وعليك أن تصغي إلى كلامي؛ وإذا سمعتني، سأكرمك وأجعلك تستحقين الكثير من الثروة والشرف، لم يحصل عليهما أحد غيرك. أريد أن أزوجكِ لأحصل أنا أيضاً على الفرح والسعادة ولتتحرري أنتِ أيضاً من أحزان اليتم وأي شخص تريدينه من حكام البلاد سأعطيه لك زوجًا وسأعطيك كل ما أملك. أنت تعلمين أنك نور عيني". فأجابت إليسا، خادمة الرب الحكيمة، قائلة لأبيها: "أبي، أنا لست مستعدة للزواج في الوقت الحالي، وأرجوك أن تترك هذا الأمر لي، والله سيرشدني في الوقت المناسب". فأجابها: ”لماذا يا ابنتي؟ هذا يريحني، فلا تعصين كلامي“. فصمتت هي؛ وكان والدها يكرر عليها نفس الكلام، يحثها على الزواج، لكنها لم ترد أن تسمع، فوجهت وجهها صامتة، وكانت تصلي في سريرتها قائلة: "إليك يا رب يسوع المسيح، أسلم روحي، وأنت يا مسيحي، تدبرني كما تشاء، وتحفظني، لكي تخلص روحي، وأحفظ عذريتي سليمة، وأعطني الصبر لأتحمل كلام أبي الفاجر (الكافر).
وبعد عدة أيام سافر والدها إلى مكان بعيد. ولما رأت إيلسا أن والدها قد رحل، قالت لنفسها: " هذا هو زمن النعمة، هذا هو زمن الخلاص؛ أنت يا رب المليء بالرحمة والرأفة.، بواسطة شفاعة أمك الكلية الطهارة وجميع قديسيك، وبواسطة صلوات أمي الصالحة، التي توفر العون والخلاص للذين يطلبونها بإيمان، أرشدني إلى طريق الخلاص، وخلصني من يدي أبي الكافر، واحفظني تحت رعايتك". وعندئذ بدأت توزع الكثير من الصدقات على الفقراء والأيتام والأماكن المقدسة، وأرسلت إحدى أكثر خادماتها جرأة ودعت أحد البحارة وقالت له: أريد أن تقلني سراً على متن سفينتك إلى جزيرة كيثيروس (كيثيرا)، وسأدفع لك (مالا) جيداً على عملك (أو جهدك) ».
فأجابها: ”بكل سرور، سيدتي، سأحقق رغبتك، إذا أعطيتني أجري“. ففرحت إليسا كثيرًا ووعدته بسرور أنها ستعطيه أجرة جيدة. وبعد أن استيقظت وكان الوقت قد حان للإبحار، طلبت منها خادماتها أن تأخذهن معها. فلما رأت رغبتهن أخذتهن، وعندما خرجت من بيتها لتركب السفينة، رفعت عينيها ويدها إلى السماء وصليت باكية وقالت: "أنت يا أيها الرب، الوحيد القدير على كل شيء، الذي قلت لأبراهيم: ”اخرج من أرضك ومن عشيرتك، وامض إلى الأرض التي أريك“، ها أنا أترك وطني وأقاربي، وثروتي ومجدي الدنيوي من أجل حبك. أرجوك أن ترشدني لأحافظ على إيماني بلا شائبة وأرضيك حتى نهاية حياتي". وبعد أن قالت ذلك، دخلت مع الخادمات إلى السفينة، وأثناء الإبحار، بفضل العون الإلهي، هبّت ريح طيبة، ووصلوا إلى جزيرة كيثيرا، التي كانت مكاناً مهجوراً ومناسباً للزهد، لأنه لم يكن بها بشر، بل وحوش وثعابين فقط.
عندما وصلوا إلى هناك، أنزل البحارة إليسا وخادماتها ومؤنهم، وخرج بعضهم للتجول، وهم يسيرون هنا وهناك، لدغت أفعى سامة أحدهم، وفي وقت قصير غطى جسده بالكامل حراشف، وبعد آلام مبرحة مات؛ بينما حزن الآخرون حزنًا شديدًا على فقدان رفيقهم. عندما سمعت القديسة بما حدث، طمأنتهم قائلة: "لا تبكوا، فإني أثق في ربنا يسوع المسيح، الإله الحق، الذي هو الحياة والقيامة، أنه سيقيمه بنعمته القديرة". ورفعت صلاة طويلة إلى الله، ورسمت عليه رمز الصليب المقدس، وصرخت بصوت عالٍ: "يا رب يسوع المسيح، انت هوة حياة وقيامة الموتى، أيها القدير، أقمه، لكي يتمجد اسمه القدوس". وعلى الفور (يا رب، ما أعظم معجزاتك!) قام الرجل الميت وجلس، ورأى الآخرون عظمة الأمر، فتعجبوا ومجدوا الله، وشكروا القديسة؛ ولكن خوفًا من أن يعانوا هم أيضًا من نفس الشيء، أخذوه إلى السفينة وأبحروا بعيدًا إلى الريف، وعندما وصلوا إلى بلادهم أخبروا هناك بالأحداث والمعجزة التي صنعتها القديسة.
وبعد أيام عديدة، عاد والد القديسة هيلاديوس إلى منزله من رحلته ولما لم يجد ابنته إليسا، بل وجد واحدة فقط من خادماته فقال لها: ”أين ابنتي الحبيبة إيلسا؟“. فأجابته: "يا سيدي، عندما سافرت، بعد أيام قليلة، استدعت سيدتي من الميناء بحارًا وتحدثت معه سراً، وفي المساء التالي خرجت من منزلها مع خادمتيها الأخرييتين، ووزعت أولاً الكثير من الصدقات على الفقراء، ثم هربت في تلك الليلة قائلة لي: ”اجلسي في بيت سيدك واحفظيه جيدًا حتى يأتي أبي“. ومنذ ذلك الحين لم تعد إلى هنا. أما والدها فقد حزن حزنا شديدا وأصابه الكرب لفرار ابنته، وبعد أن بحث بدقة في البلاد، علم بما حدث، أنها ذهبت إلى جزيرة كيثيرا وكانت تدعو باسم المسيح علنًا وتجري المعجزات.
عندما سمع هيلاديوس أن ابنته أصبحت مسيحية وأنها رحلت لتمارس النسك، غضب وقد أقسم أنه سيبحث عنها بكل الطرق ويقتلها دون تأخير. وبعد بحثه، عرف البحار الذي نقلها، وبعد أن استجوبه عن ابنته، علم بما حدث وبإحياء من قتله الثعبان، ولما كان هيلاديوس ينوي قتل البحار، أجابه هذا قائلاً: "أنا أعمل في نقل الناس وأتقاضى أجري، ولهذا أمتلك السفينة؛ لكنني لم أجعل ابنتك مسيحية، ولم أنصحها بذلك، لكنها هي التي طلبت السفينة، ولو لم أذهب أنا، لذهب غيري. فقال له هيلاديوس: ”انقلني بسرعة إلى المكان نفسه وسأكافئك على عنائك". وبعد أن استعدوا، أخذ هيلاديوس آخرين معه، ودفع لهم ليذهبوا ويبحثوا عنها.
أخيرًا، أخذهم جميعًا ونزل به وبرفاقه في المكان نفسه، وبعد أن بحث جيدًا، وجد ابنته إليسان هناك بالقرب منه، على جبل شاهق في الجزء الجنوبي من كيثيرا، وكانت مع إحدى خادماتها تمارس الزهد، بينما كانت الخادمة الأخرى على مسافة قصيرة تصلي بمفردها. وعندما جاء هيلاديوس إلى ابنته إليسان، وقال لها بعد أن ذرف الدموع: «يا ابنتي الحبيبة، ماذا فعلتِ بي حتى جعلتِني بائساً ومتعباً وهربتِ من منزلنا وأحزنتِني بشدة، وكل أقاربنا حزينون عليك؟ ألم يعجبك المكان والبلد والثروات ,الكرامة والراحة التي كنت تتمتعين بها؟ هل أتيت إلى هذا الموضع المهجور والبري لتعيشي مع الحيوانات؟ كيف تحملت كل الأيام التي قضيتها هنا ولم تموتين من الجوع والعري والتعب والعذاب ؟ أنتِ التي كنتِ جميلة جداً وأصبحتِ الآن مشوهة (حرفيا غير قابلة للتعرف عليكِ) ؟ لكن يا ابنتي، فلتكن هذه الحماقات مغفورة، التي قمت بها كشابة في سنك ، واستمعي لي. الآن لنعد معاً إلى موطننا، وتكونين سيدة منزلنا كما في السابق، لكي تتصرفي (فيه) كما تريدين، لأنك تعلمين جيدًا أنني لا أملك أملًا آخر، لأنك أنت نور عينيّ؛ لذلك انهضي لنذهب الى هناك
بعد أن سمعت القديسة هذا الكلام، قال له: "يا أبي، لقد أحسنتَ صنعًا بقدومك إليّ لأطلب منك المغفرة كأبي، ولكن المجيء معك مستحيل". ثم قال لها بصرامة: "لا تتفوهي بهذا الكلام؛ لم أجدك، لبقيت هنا حتى تصبحين طعامًا للوحوش ؛ ولكن الآلهة قد أشفقت عليكِ، وها أنا قد وجدتكِ؛ لذلك هيا بنا سريعًا، وإلا سأقتادكِ بالقوة وستُصابين بأذى؛ ولكن أسألكِ، ما سبب هروبكِ بهذه السعادة، ولماذا تُعارضين رأيي الآن للعودة؟" فأجابت ابنته: " سأقول لك الحقيقة يا أبي، ولا تغضب مني، لأنك من دين آخر، وأنا مسيحية منذ صغري، إذ تعمّدتُ باسم الثالوث الأقدس، فليس من اللائق لي أن أعيش معك أو مع غيرك من عبدة الأوثان، ولهذا السبب جئت إلى هذا المكان، وأفضل أن أسكن مع الحيوانات على أن أسكن مع البشر الكافرين والوثنيين، الذين هم أكثر جهلاً من الحيوانات ويعبدون أصناماً بلا روح، أصنامًا صماء وبكماء، يصنعونها بأيديهم ويحترمونها كآلهة. لكنني أعبد وأؤمن بالله الحقيقي، الذي خلق السماء والأرض، وكل ما يرى وما لا يرى، وبابنه الوحيد، ربنا يسوع المسيح، وبالروح القدس، إله واحد مثلث الأقانيم، الذي باسمه عُمدت، وأنا أحبه، ولا أفضّل شيئًا آخر على حبه، ولا حتى حياتي هذه. ها أنا قد أخبرتك بكل الحقيقة، فاغفر لي، وامنحني عفوك، واذهب. فقال لها: «اتركي هذا الكلام الفارغ وتعالي لنذهب ، لا تجعليني أغضب وأثور، لئلا أضربك ضرباً مبرحاً وأعذبك عذاباً شديداً، بل وأقتلك في النهاية".
ثم أجابت إليسا المباركة: "أفضل أن أتقبل هذا، على أن أذهب معك إلى ظلام الأصنام". عندئذٍ، غضب، فأمسكها من خصلات شعرها وجرها إلى الأرض، وضربها بالعصي حتى أوقعها جريحة. أما هي فرددت: «ارحمني يا الله». ولما رأى هيلاديوس ثبات رأيها، ربط يديها خلف ظهرها وعلقها من شعرها على اغصان شجرة خروب، وعذبها بعقوبات قاسية وضرب مبرح، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة، مسلمة لنفسها المباركة بين يدي الله. ثم فك وثاق جسدها المقدس الشهيد وألقاه على الأرض. لكن نعمة الله حلت عليها، فنهضت وجلست، شاكرةً الله قائلةً: «أشكرك يا رب، يا خالق السماوات والأرض، لأنك جعلتني ان أستحق وأن أتحمل مختلف الآلام من أجل حبك. لذلك، أتوسل إليك أن تعينني على الثبات حتى النهاية، وأن تنقذني من يد أبي الطاغي الكافر، وأن تجعلني أهلاً لملكوتك السماوي؛ وإذا دعاك أي مسيحي باسمي، فأرجوك أن تعطيه ما يسأله».
عند سماع ذلك، امتلأ والد القديسة غضباً، وأخذ حجراً بيده ليضربها به، لكن القديسة هربت، بينما اقترب منها بغضب شديد. ثم انشقت صخرة كبيرة من الجبل، وعبرت القديسة إلى الجانب الآخر (كما يبدو أن تلك الصخرة لا تزال موجودة حتى يومنا هذا)، وسجدت على ركبتيها، وصليت ووالدها الوحشي ركض وراءها، وضربها بحجر على جبينها وحطم أسنانها، ثم سحب سيفه وقطع رأسها المقدس، في الأول من أغسطس، عام 375 م. وهكذا حصلت القديسة على إكليل الشهادة. أما إحدى جواري القديسة فقد وقفت أمامها وشاهدت ما حدث؛ أما الأخرى فقد أخذها هيلاديوس ووضعها في السفينة بدون أرادتها، وعادوا إلى بيلوبونيز إلى أرضه. أما الجارية الأولى، التي كانت مختبئة في المقابل وكانت تشاهد، فعندما أبحرت السفينة، جاءت إلى جثمان القديسة وهي تبكي وتقبله بدموع وقامت بدفنه بإحترام في مكان مرتفع، حيث رقدت، على الجبل أعلاه. ولهذا السبب، يُسمى هذا الجبل حتى اليوم جبل القديسة إليسا.
مكثت خادمة القديسة في هذا المكان أربعين يومًا، وكانت تسمع كل ليلة ترانيم ملائكية كثيرة فوق قبرها، ورأت نورًا سماويًا يسطع من فوق قبرها، فمجدت الله وباركت القديسة على ما رأت. بعد أربعين يومًا، وصلت سفينة من المسيحيين إلى هذه الجزيرة، ونزلت من الجبل، ودخلت الجزيرة وغادرت، ورويت كل ما حدث عن القديسة في كل مدينة وبلد مرت به السفينة. سمع العديد من المسيحيين بهذه الأخبار، فجاءوا إلى هذه الجزيرة لتبجيل القديسة وتكريمها، وبنوا أيضًا كنيسة صغيرة باسم القديسة حيث جسد الشهيدة المقدس.
خاتمة:
أصبح هذا المزار مصدرًا للعجائب بالنسبة للزوار الذين يأتون إليه بإيمان، لأن اسم القديسة اشتهر، وكان الكثيرون من المناطق المجاورة يأتون ويحتفلون بذكراها (في الأول من شهر أغسطس، لأنه في هذا اليوم قُطعت رأسها) ونالوا منها بركاتٍ ونعمًا كثيرة، واستقروا شيئًا فشيئًا في هذه الجزيرة، وبفضل القديسة، وفي غضون سنوات قليلة، سكنت الجزيرة بأكملها حشود غفيرة، وكان الجميع يجتمعون في ذكرى القديسة حاملين الشموع والبخور، يمجدونها ويرنمون الترانيم في عيدها.
طوبى للمسيحيين المباركين الذين يأتون بإيمان لتكريم القديسة والشهيدة العذراء إليسا، ومهما كانت الصدقات التي يقدمونها لهيكلها المقدس، فإن هذه القديسة تمنحهم الأجر، كما أن كل من في هذه الجزيرة يعتبرها حاميةً وراعيةً لها، وكل من يأتي بإيمان ينال ما يطلبه من خلاص ونعمة وشفاء. لذلك كتبنا شهادتها المقدسة لمجدها ولمنفعة المسيحيين جميعًا.
بشفاعة قديستك الشهيدة إليسيس، أيها المسيح إلهنا، نجِ وطننا وعالمنا من كل خطر، ونجِ جميع الذين يمجدونك من كل تهديد وحاجة وحزن ، وخلص نفوسنا كإله صالح ومحب ورحيم، لأن لك كل المجد والإكرام والسجود إلى الأبد. آمين.