المرعب
××××××××*
اقترب ذلك المسخ بهدوء وبطء شنيع وكأنه يمشي علي الهواء , أنه فعلاً يزحف متقدماً وهو طائر ببطئه هذا وأقدامه لا تلامس أرضية حجرة النوم التي أظلمت إلا من بعض شعيرات ضوء تأتي متذبذبة من خلال الكشاف الذي سقط من صاحبنا هذا فأعطت لهذا المشهد رعباً فوق رعبه الجاثم بداخل المكان وفوق لوحة هذا المشهد المبهر في فزعه وشناعته
لم يستمر ناجي واقفاً هكذا دون حراك كثيرا , بل نفض عنه هذا الخنوع المميت وتلك الأحاسيس المفزعة التي شلت حركته وتفكيره لثوان.
ففي أقل من ثانية وقبل أن يمسك ذلك المسخ الطائر ببطلنا إلا وأهتبل ناجي الفرصة وقفز لينقض على جسد ذلك المرعب الرهيب ويحتضنه وهو يصرخ بشده كأنه إنسان يبغي الخلاص من حياته بالوقوف أمام قطار , بل ويحتضن هذا القطار وهو يصرخ رعباً وغيظاً .
ولكن حدث ما جعل ناجي يصعق بعدما نجح في احتضان هذا المسخ وهو يقفز أخذاً معه النصف الأسفل ...فقط من المسخ ليقع معه أرضاً ,ويبقى الجزء العلوي لهذا البلاء كما هو, طائرا!
نظر ناجي لجزع المسخ التي يحتضنها وهو جاثم فوقها على أرضية الحجرة ليلتفت ببطء ناظراً بشدة لذلك الجزء العلوي من جسد المسخ الذي كان يقترب منه,
فترك ذلك الجزء الممسك به في فزع وقام من سقطة بسرعة رهيبة قبل أن ينقض عليه المسخ ثانياً .
ليقفز بطلنا هذا من أعلا سلالم الطابق الثاني ليقع على ركبتيه بشده وقسوة في بهو الطابق الأرضي ليشعر معها بتكسر كل عظام جسده ...ولكن قسوة وشدة الرعب كانا أقوى من إي إحساس أخر فلم يحفل بهذه الآلام الصارخة في كل عظامه
قام ناجي من سقطة وهو يسحب أقدامه بصعوبة باحثاً في الظلام عن باب هذا القصر الملعون فلم ينجح. حتى وجد نفسه أمام باب القبو , القبو الذي خرج منه هذا المسخ الرهيب .
لم يكن أمامه خياراً أخر غير الهروب من أمام هذا الذي نزل طائراً من الطابق الثاني ألا داخل المكان الوحيد الموجود والمسموح أمامه ألان بدخوله. وهو القبو
فتحه بسرعة ودخل مغلقاً القبو خلفه مستنداً على الباب وهو ينهج بشدة
ليشعر ثانياً بأن المسخ يحاول تحطيم الباب عليه فجعل من جسده حائل دن الفتح أو التحطيم.
ولكن قوة ضربات هذا المرعب كانت قادرة على الإطاحة بالباب وناجي أيضاً.
ففي الوقت الذي يئس صاحبنا من الهروب أمام هذا المسخ الذي لا يكل أبداً ولا يتعب إلا وتلامست يده بمفتاح الباب موضوع به, فأسرع ويده ترتعش ليدير المفتاح سامعاً تلك التكه التي أحبها بشدة الآن إيذانا بإغلاق الباب من الداخل
حاول المسخ بكل قوة أن يزحزح هذا الباب ولكنه لأول مره منذ تقابلا هو وناجي في هذه الليلة يشرب من كأس الفشل, حاول المسخ كثيراً حتى بالنهاية ترك الباب وهدأ المكان إلا من صوت دقات قلب المختبئ, قلب ناجي
بعدما سكن المكان وأسترجع بطلنا بعضاً من اتزانه وهدوءه وتماسكت أعصابه قليلاً تلفت حوله محاولاً أخترق ذلك الحائط الفولاذي الذي أحاطه من كل جانب
الظلام
××××××××
نعم الظلام , كان هو هذا الحائط الذي جعله في مكان لا يعرف عنه غير المساحة التي يقف فوقها فقط, أما ما أمامه فلا يرى أو يسمع شيء , خواء رهيب وصمت مطبق يخيم ويعسكر ويفرد أجنحته المظلمة الحالكة داخل هذا القبو.
ذلك الظلام الذي هو دائماً أبداً التيمة الشهيرة والبطل المشترك في كل أقاصيص وروايات الرعب والفزع والغموض الرائجة.
وكأن القدر كتب لهذا الإنسان آلا يترك شيء واحد من تلك المحفزات للرعب
إلا وأن يتقابل معها وجهاً لوجه ..بل ويصطدم بها وبكل عنف .
صرخ ناجي بشدة قائلاً لنفسه : أنا كنت غبي لما صدقت وزارة الصحة على التحذير من التدخين والسجاير, يعني لو أنا دلوقتي من المدخنين مش كنت لقيت في جيبي ولاعة أو حتى علبة كبريت أشوف بيها الضلمه المرعبة دي . ؟!
ضحك ناجي على ما يهزئ به ففرد ذراعيه أمامه بشدة حتى يستطيع أن يستكشف المكان وهو يهتف قائلاً بصوت جعله مرتفعاً حتى يكون أنيسً له في ظلمته تلك :
ده أيه المكان ده !!.. ده ولا القبر , أسترها يارب معايا , هو مفيش حاجه في البدروم ده ؟..المكان باين عليه فاضي خالص .
كان يتناقش مع ذاته ويتمتم بين الحين والآخر ببعض الألحان التي كانت تخرج بعصبية غصباً عنه من هول هذا المكان الذي كان مظلماً رطباً بشدة .
وفجأة تصطدم يده بشيء رخو فيقترب منها مددا عنقه بحذر وبطء ورهبة بدأت تتعال معدلاتها حتى أحس أن قلبه توقف عن الخفقان وضخ دماءه لشرايين جسده .
فالشيء الواقف في مواجهته أقل ما يقال عنه أنه كارثة لا توصف
يتراجع جوارها المسخ الذي هرب منه ناجي منذ قليل تراجع الحمل أمام وحش مفترس
فعندما اشرأب ناجي بعنقه لينظر بشده ذلك الشيء الرخو هذا إلا ويجد عيوناً حمراء تتوهج في الظلام أمامه ليظهر هذا التوهج وجه كائن رهيب ذو رأس كبير كرأس الجاموس البري في ضخامتها ذو ملامح تفننت أنامل الطبيعة المتوحشة في إخراج هذا الشنيع وتلك الملامح
فعيناه كما قلنا كجمرات متوهجة خارجاً بشده للأمام
بلا رموش أو أجفان , وفمه يكاد أن يمتلئ به وجهه من أتساعه وبالأخص مع تلك الأنياب التي تبرز من جوانبها التي كانت ذات صبغة سوداء كالحة , والآنف أفطس مقطوع الأرنبة
ذات فتحتان كأنهما كهفان محفوران في وجهه هذا الغول , وفوق كل تلك الملامح الموحية بنهاية ناجي, ينتشر فوق وجهه شعر أسود فيزيده بشاعة فوق ما هو عليه.
أحس ناجي بأنفاس هذا المخلوق الذي يقف أمامه تحف بوجهه , أنفاس ثقيلة ذات رائحة منفرة وكأنها لجثة إنسان تحللت بفعل الموت وتحولت لرمة . كان هذا هو أقرب وصف لهذا الوحش , كائن هو أقرب لرمة, مات منذ أمد قريب.
وقبل أن يقدم ناجي على الانسحاب من أمام هذا الرهيب الذي ظهر له فجأة في الظلام
إلا ويجد يد هذا المرعب كالكلابات تمسك برقبته لترفعه عالياً وتضرب به الأرض بقوة وعنف وفي أقل من ثانية .
لتهتز الصورة والمشاهد أمام بصر ناجي بسرعة
ويشاهد في الثانية الأخرى قدم هذا الكائن وهي ترتفع أمام عيناه وتنزل بقسوة وعنف فوق وجهه. قبل أن يغمى عليه ويذهب بعيداً من شدة هذه الضربة القاضية