- إنضم
- 20 أغسطس 2022
- المشاركات
- 6,191
- مستوى التفاعل
- 3,047
- النقاط
- 113
دراما الملك ، من سليمان الى المسيح
فِي الشَّعانِينِ يَدْخُلُ المَلِكُ أُورَشَلِيمَ، لا لِيَأْخُذَ العَرْشَ بَلْ لِيُعِيدَ تَعْرِيفَ المُلْكِ
لَيْسَ عِيدُ الشَّعانِينِ ذِكْرَى مَوْكِبٍ شَعْبِيٍّ عَابِرٍ، وَلَا مَشْهَدًا طَقْسِيًّا تَتَكَرَّرُ فِيهِ الأَغْصانُ وَالأَصْوَاتُ وَالهُتافاتُ فَيَمُرُّ عَلَى الوَعْيِ مَرورَ الزِّينَةِ عَلَى الجُدرانِ، بَلْ هُوَ مِنْ أَكْثَرِ الأَيّامِ الَّتِي يَنْكَشِفُ فِيهَا سِرُّ المُلْكِ فِي الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَفِي هٰذا اليَوْمِ لا يَدْخُلُ يَسوعُ أُورَشَلِيمَ كَحاجٍّ يَقتَرِبُ مِنَ المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، وَلَا كَنَبِيٍّ يَمُرُّ فِي زِحامِ الأَعْيادِ، بَلْ يَدْخُلُ كَمَلِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ مَلِكٌ لا يُشْبِهُ المُلُوكَ الَّذِينَ تَعَوَّدَتْهُمُ الأَرْضُ. وَهُنَا تَبْدَأُ المُفارَقَةُ الكُبْرَى: فَالَّذِي يَدْخُلُ لِيُعْلِنَ مُلْكَهُ لا يَرْكَبُ فَرَسًا حَرْبِيًّا، بَلْ جَحْشًا؛ وَالَّذِي يَستَحِقُّ الهَيْبَةَ كُلَّها يَدْخُلُ فِي مَظْهَرِ الوَداعَةِ؛ وَالَّذِي يَحْمِلُ سُلْطانَ السَّماءِ لا يَدْخُلُ لِيُسقِطَ أَعْداءَهُ بِالسَّيْفِ، بَلْ لِيُواجِهَ المَوْتَ نَفْسَهُ بِالبَذْلِ. لِذٰلِكَ لا يُمكِنُ فَهْمُ الشَّعانِينِ إِلَّا إِذا قُرِئَ فِي ضَوْءِ تَارِيخٍ مَلَكِيٍّ أَقْدَمَ، تَارِيخٍ يَمُرُّ بِأَدُونِيّا، وَناثانَ النَّبِيِّ، وَبَتشابَعَ زَوْجَةِ أُورِيّا، وَبِتَتْوِيجِ سُلَيْمانَ عَلَى بَغْلِ أَبِيهِ داوُدَ، ثُمَّ يَبْلُغُ كَمالَهُ فِي دُخُولِ ابْنِ داوُدَ الحَقِيقِيِّ إِلَى أُورَشَلِيمَ عَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتانٍ.
وَإِذا كانَ الكِتابُ المُقَدَّسُ لا يَذْكُرُ التَّفاصيلَ الكُبرى مِنْ أَجْلِ الزِّينَةِ السَّرْدِيَّةِ، فَإِنَّ ذِكْرَ البَغْلِ فِي خَبَرِ سُلَيْمانَ، وَذِكْرَ الجَحْشِ فِي خَبَرِ يَسوعَ، يَدُلُّ عَلى أَنَّنا أَمامَ رُموزٍ مَحمولَةٍ بِمَعانٍ، لا أَمامَ وَصفٍ عَرَضيٍّ. وَقَدْ فَهِمَ آباءُ الكَنيسَةِ هٰذِهِ الحَقيقَةَ مُبَكِّرًا، فَرَأَوْا أَنَّ الكِتابَ لا يَصْنَعُ التَّارِيخَ فَقَطْ، بَلْ يَنسُجُ مِنْهُ نُبُوءَةً، وَلا يَروي الأَحْداثَ فَقَطْ، بَلْ يَجعَلُها أَمامَ القارِئِ طَريقًا لِفَهْمِ مَقصِدِ اللهِ فِي تَدبيرِ الخَلاصِ. وَعِندَ أُوغُسطينوس، وَهُوَ اللاهوتيُّ الَّذي أَدرَكَ وَحدَةَ التَّاريخِ الإِلٰهيِّ مِنْ بَدْءِ الخَليقَةِ إِلى كَمالِها، لا يَقومُ العَهدُ الجَديدُ بِقَطعِ صِلَتِهِ بِالقَديمِ، بَلْ بِكَشفِ مَعناهُ الدَّاخِلِيِّ. وَهٰذا بِعَينِهِ ما نَحنُ أَمامَهُ فِي الشَّعانِينِ: فَدُخولُ يَسوعَ لا يَلغي دُخولَ سُلَيْمانَ، بَلْ يَفتَحُهُ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيُظْهِرُ أَنَّ ما كانَ في الأَوَّلِ شَرْعِيَّةً مَلَكِيَّةً، يَصيرُ في الثَّاني شَرْعِيَّةً مَسيحانِيَّةً وَخَلاصِيَّةً.
يَبْدَأُ المَشهَدُ فِي سِفرِ المُلُوكِ الأَوَّلِ مِنْ أَزْمَةِ عَرشٍ وَسُؤالِ وَراثَةٍ، لٰكِنَّهُ فِي العُمقِ أَكْثَرُ مِنْ نِزاعٍ عائِلِيٍّ. فَأَدُونِيّا بْنُ داوُدَ «رَفَعَ نَفْسَهُ قائِلًا: أَنا أَمْلِكُ» (١ ملوك ١: ٥). وَهٰذِهِ العِبارَةُ القَصيرَةُ تَحْمِلُ ثِقَلًا لاهوتيًّا كَبِيرًا، لأَنَّها تَكشِفُ وَجهًا مِنْ وُجوهِ الخَطيئَةِ كَما يَظهَرُ في الكِتابِ كُلِّهِ: أَنْ يَستَبِقَ الإِنسانُ العَطِيَّةَ، وَيَمدَّ يَدَهُ إِلى ما لَمْ يُعطَ لَهُ، وَيُعلِنَ نَفسَهُ في مَوضِعِ الدَّعوةِ قَبلَ أَنْ يَدعوهُ اللهُ. لِذٰلِكَ لَيسَ بَعِيدًا أَنْ نَرى في أَدُونِيّا صَدًى قَديمًا لِحَرَكَةِ آدَمَ حِينَ أَرادَ أَنْ يَأْخُذَ لا أَنْ يَقبَلَ، وَأَنْ يَبلُغَ بِذَاتِهِ لا بِالطَّاعةِ. فَالخَطيئَةُ، كَما لَمَحَ أُوغُسطينوسُ في تَأَمُّلِهِ العَميقِ في مَدِينَتَيِ اللهِ وَالعالَمِ، لَيسَتْ فِعلًا مَعزولًا، بَلْ مَيْلًا داخِلِيًّا إِلى تَألِيهِ الأَنا. وَمِنْ هُنا يَصيرُ قَولُ أَدُونِيّا «أَنا أَمْلِكُ» أَكثَرَ مِنْ إِعلانٍ سِياسِيٍّ؛ إِنَّهُ شَكلٌ مِنْ أَشكالِ التَّسَلُّقِ إِلى ما لا يُنالُ إِلَّا وَهْبًا.
وَلَمْ يَكتَفِ أَدُونِيّا بِالنُّطقِ بِرَغْبَتِهِ، بَلْ «هَيَّأَ لِنَفْسِهِ مَرْكَبَاتٍ وَفُرْسانًا وَخَمْسِينَ رَجُلًا يَجرونَ أَمامَهُ» (١ ملوك ١: ٥). وَهُنا تَظهَرُ لُغَةُ السُّلْطَةِ كَما يَصنَعُها البَشَرُ: مَشهَدِيَّةٌ، عَدَدٌ، اِستِعراضٌ، وَتَقدِيمُ الصُّورَةِ عَلى الحَقيقَةِ. إِنَّهُ يُريدُ أَنْ يَصنَعَ هَيْبَةَ المُلكِ قَبلَ أَنْ يَحصُلَ عَلى مَسْحَةِ المُلكِ. وَكَأَنَّ الكِتابَ مِنْ هُنا يُقيمُ مُقابَلَةً بَينَ مَنْ يَبنِي شَرْعِيَّتَهُ عَلى المَظهَرِ، وَمَنْ تَأتيهِ الشَّرْعِيَّةُ مِنَ الوَعْدِ وَالعَهْدِ وَالقَصدِ الإِلٰهيِّ. وَقَدْ التَقَطَ رُومانُو غُوارْديني، وَهُوَ المُفَكِّرُ الرُّوحيُّ الَّذي تَأَمَّلَ طَويلًا في شَخصِيَّةِ المَسيحِ وَطَبيعَةِ السُّلْطانِ، أَنَّ أَخْطَرَ ما في السُّلْطَةِ لَيسَ قُوَّتَها فَحَسب، بَلْ قُدرَتُها عَلى أَنْ تَستَبدِلَ الحَقَّ بِالمَشهَدِ. وَهٰذا بِالضَّبطِ ما يَفعَلُهُ أَدُونِيّا: إِنَّهُ يُخرِجُ نَفسَهُ إِلى العَلَنِ كَمَلِكٍ قَبلَ أَنْ يَكونَ مَلِكًا. وَهُنا يَتَبَدّى الفَرقُ العَميقُ بَينَ المُلكِ الَّذي يُصنَعُ مِنْ أَسفَلَ بِأَدَواتِ الإِبهارِ، وَالمُلكِ الَّذي يَنزِلُ مِنْ أَعلَى بِسُلْطانِ الاِختِيَارِ.
فِي هٰذِهِ اللَّحظَةِ الحاسِمَةِ يَدخُلُ ناثانُ النَّبِيُّ وَبَتشابَعُ زَوجَةُ أُورِيّا إِلى صُلْبِ الحَدَثِ. وَلا يَجوزُ أَنْ نَقرَأَ تَدَخُّلَهُما كَحِيلَةٍ قَصرِيَّةٍ فَقَطْ، لأَنَّ الكِتابَ أَعمَقُ مِنْ أَنْ يَختَزِلَ الأَدوارَ فِي المَكرِ السِّياسِيِّ. ناثانُ، الَّذي وَقَفَ مِنْ قَبلُ أَمامَ داوُدَ لِيُواجِهَهُ بِخَطيئَتِهِ فِي قِصَّةِ أُورِيّا وَبَتشابَعَ (٢ صموئيل ١٢)، يَظهَرُ هُنا مَرَّةً أُخرى حارِسًا لِكَلِمَةِ اللهِ، لا خادِمًا لِمَصْلَحَةٍ عابِرَةٍ. إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذي يَمنَعُ التَّاريخَ مِنَ الاِنحِرافِ عَن مَقصِدِهِ. أَمَّا بَتشابَعُ، فَحُضورُها يَحمِلُ في عُمقِهِ مَفارَقَةً مُؤثِّرَةً: هِيَ المَرأَةُ الَّتي اقْتَرَنَ اسمُها بِجُرحٍ أَخلاقيٍّ كَبِيرٍ في بَيتِ داوُدَ، لٰكِنَّ اللهَ لَمْ يَترُكها حَبِيسَةَ الجُرحِ، بَلْ جَعَلَ مِنْ خِلالِها طَريقًا لِتَثبيتِ الوَعْدِ. وَهُنا تَظهَرُ وَاحِدَةٌ مِنْ أَعْمَقِ خُصوصِيّاتِ التَّاريخِ الخَلاصيِّ: إِنَّ اللهَ لا يَبني خُطَّتَهُ عَلَى بَشَرٍ بِلا شُروخٍ، بَلْ يُخرِجُ مِنَ الشُّروخِ نَفسِها مَنافِذَ لِلنِّعمَةِ. وَما أَعمَقَ ما أَدرَكَهُ هانْس أُورْس فون بَالْتازار، اللاهوتيُّ الَّذي رَأى التَّاريخَ كَدِراما إِلٰهِيَّةٍ، مِنْ أَنَّ اللهَ لا يَتَعامَلُ مَعَ الإِنسانِ عَلى سَطحِ أَعمالِهِ فَقَطْ، بَلْ يَدخُلُ إِلى تَعقيدِ حُرِّيَّتِهِ وَانْكِسارِهِ لِيُخرِجَ مِنْهُما شَكلًا أَعلَى لِمَقصِدِهِ.
مِنْ هُنا يَصيرُ دُخولُ بَتشابَعَ عَلى داوُدَ، ثُمَّ دُخولُ ناثانَ بَعدَها (١ ملوك ١: ١١-٢٧)، أَكثَرَ مِنْ تَرتيبٍ زَمَنِيٍّ. إِنَّهُ تَحالُفُ الذاكِرَةِ الجَريحَةِ مَعَ الكَلِمَةِ النَّبَوِيَّةِ لِكَي لا يُسرَقَ العَرشُ مِنْ صاحِبِ الوَعْدِ. وَهُنا يَتَّضِحُ أَنَّ المُلكَ في الكِتابِ لَيسَ اِمتِدادًا آليًّا لِلعائِلَةِ، وَلَا اِستِحقاقًا عُمُرِيًّا، وَلَا حَصيلَةَ مَهارَةٍ سِياسِيَّةٍ، بَلْ هُوَ رَهينُ العَهدِ الَّذي يَقطَعُهُ اللهُ وَيَحفَظُهُ. وَهٰذا ما يَجعَلُ سُلَيْمانَ، عَلى الرَّغمِ مِنْ أَنَّهُ لَيسَ الأَكبَرَ سِنًّا، صَاحِبَ الشَّرْعِيَّةِ الَّتي تَنبُعُ مِنْ وَصيَّةِ داوُدَ وَمِنَ الوَعْدِ الإِلٰهيِّ. وَهُنا نَقتَرِبُ شيئًا فَشيئًا مِنْ المَسيحِ، لأَنَّ يَسوعَ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ إِلى المُلكِ بِمُجرَّدِ التَّصفيقِ الشَّعبيِّ، بَلْ بِأَنَّهُ الاِبنُ الَّذي فِيهِ يَثبُتُ وَعدُ داوُدَ وَيَكمُلُ.
ثُمَّ يَأتي الأَمرُ الفاصِلُ الَّذي يَحْمِلُ في داخِلِهِ سِرَّ الرَّمزِ كُلِّهِ: «خُذوا مَعَكُم عَبيدَ سَيِّدِكُم، وَأَرْكِبوا سُلَيْمانَ ابني عَلى بَغْلِي الَّذي لي، وَأَنْزِلُوهُ إِلى جِيحونَ. وَلْيَمْسَحْهُ هُناكَ صادوقُ الكاهِنُ وَناثانُ النَّبِيُّ مَلِكًا عَلى إِسرائِيلَ» (١ ملوك ١: ٣٣-٣٤). إِنَّ البَغْلَ هُنا لَيسَ تَفصيلًا ريفيًّا، بَلْ عَلامَةُ اِنتِقالِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الأَبِ إِلى الاِبنِ. فَأَنْ يَركَبَ سُلَيْمانُ بَغْلَ داوُدَ يَعني أَنَّهُ يَظهَرُ أَمامَ الشَّعبِ في مَوضِعِ الوارِثِ الشَّرْعِيِّ، لا بِحُكمِ الإِدعاءِ، بَلْ بِحُكمِ التَّسليمِ. وَهُنا يَسقُطُ عالَمُ أَدُونِيّا كُلُّهُ: المَركَباتُ، وَالفُرسانُ، وَالخَمسونَ الَّذينَ يَجرونَ أَمامَهُ، لأَنَّ رَمزًا واحِدًا صادِرًا مِنَ الأَبِ أَقوى مِنْ كُلِّ اِستِعراضٍ مَصنوعٍ بِيَدِ البَشَرِ.
وَمِنَ النّاحِيَةِ التَّاريخِيَّةِ، لَمْ يَكُنِ اختِيارُ دابَّةٍ وَديعَةٍ لِلمَوكِبِ المَلَكِيِّ أَمرًا عارِيًا مِنَ الدَّلالَةِ في العالَمِ القَديمِ. فَالفَرَسُ كانَ يَرتَبِطُ في الغالِبِ بِالحَربِ وَالقِتالِ وَالقُوَّةِ العَسكَرِيَّةِ، أَمَّا البَغْلُ أَوِ الحِمارُ وَما يَتَّصِلُ بِهِما فَكانَ يُمكِنُ أَنْ يَحمِلَ مَعنى المُلكِ السِّلميِّ أَوِ السُّلْطانِ الَّذي لا يَتَأسَّسُ عَلى العُنْفِ. وَإِذا رَجَعْنا إِلى بَعضِ الإِشاراتِ الأَقدَمِ في تَقليدِ إِسرائِيلَ، نَجِدُ أَنَّ رُكوبَ الدَّوابِّ لَمْ يَكُنْ مُجرَّدَ وَسيلةِ نَقْلٍ، بَلْ كانَ أَحيانًا ذا بُعدٍ شَرَفيٍّ وَقَضائِيٍّ وَقِياديٍّ. وَقَدْ جاءَ في نَشيدِ دَبّورَةَ ذِكرُ «الرّاكِبينَ عَلى الأُتُنِ البِيضِ» (قضاة ٥: ١٠)، وَهِيَ إِشارَةٌ تُوحي بِمَكانَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ. كَما نَجِدُ في سِفرِ القُضاةِ أَنَّ يائيرَ الجِلعاديَّ «كانَ لَهُ ثَلاثونَ ابنًا يَركَبونَ عَلى ثَلاثينَ جَحشًا» (قضاة ١٠: ٤)، وَكَذٰلِكَ عَبدونُ «أَربَعونَ ابنًا وَثَلاثونَ حَفيدًا يَركَبونَ عَلى سَبعينَ جَحشًا» (قضاة ١٢: ١٤). وَلا يَعني هٰذا أَنَّ كُلَّ جَحْشٍ صارَ رَمزًا مَلَكِيًّا مُباشَرًا، لٰكِنَّهُ يَدُلُّ عَلى أَنَّ الرُّكوبَ عَلى هٰذِهِ الدَّوابِّ كانَ يَحمِلُ بُعدًا اِجتِماعيًّا وَقِياديًّا مَعلومًا، ما يَجعَلُ خَبَرَ سُلَيْمانَ وَخَبَرَ يَسوعَ داخِلَيْنِ في بِيئَةٍ رَمزيَّةٍ مَفهومَةٍ لا مُنفَصِلَيْنِ عَنْها.
وَمَعَ ذٰلِكَ يَبقى الفَرقُ قائِمًا بَينَ البَغْلِ وَالجَحْشِ، فسُلَيْمانُ لَمْ يَدخُلْ عَلى جَحْشٍ، بَلْ عَلى بَغْلِ أَبِيهِ داوُدَ. وَأَمَّا يَسوعُ فَدَخَلَ عَلى جَحْشٍ. وَالفَرقُ لَيسَ لُغَوِيًّا فَقَطْ، بَلْ رَمزيٌّ أَيْضًا. فَالبَغْلُ في خَبَرِ سُلَيْمانَ يَحمِلُ بُعدَ الاِنتِقالِ المَلَكِيِّ وَالتَّسليمِ الشَّرْعِيِّ، لأَنَّهُ بَغْلُ داوُدَ نَفسِهِ، أَيِ الأَداةُ الَّتي تُظهِرُ الاِمتِدادَ الواضِحَ بَينَ الأَبِ وَالاِبنِ. أَمَّا الجَحْشُ في خَبَرِ المَسيحِ فَيَحمِلُ بُعدًا نُبُوِيًّا وَمَسيحانِيًّا أَكثَرَ تَكثيفًا، لأَنَّهُ يَرتَبِطُ مُباشَرَةً بِنُبوءَةِ زَكَرِيّا، وَيُظهِرُ المَلِكَ لا في عَلاقَتِهِ بِوَراثَةِ عَرشٍ أَرْضِيٍّ فَحَسب، بَلْ في عَلاقَتِهِ بِمَلِكوتٍ يَأتي «وَديعًا». لِذٰلِكَ كانَ التَّدقيقُ بَينَ البَغْلِ وَالجَحْشِ دَقيقًا وَلٰازِمًا، لأَنَّ الرَّمزَ يَتَسَعُ لِلمُقارَنَةِ، وَلٰكِنَّهُ لا يَسْمَحُ بِإِذابةِ الفُروقِ.
وَحِينَ نَصِلُ إِلى زَكَرِيّا ٩: ٩، نَكونُ أَمامَ نَقْلَةٍ حاسِمَةٍ في بُنيةِ الرَّمزِ: «اِبْتَهِجي جِدًّا يا ابنَةَ صِهْيونَ، اِهتِفي يا بِنتَ أُورَشَلِيمَ، هُوَذا مَلِكُكِ يَأتي إِلَيكِ، هُوَ عادِلٌ وَمَنْصورٌ وَديعٌ، وَراكِبٌ عَلى حِمارٍ وَعَلى جَحْشٍ ابنِ أَتانٍ». لا يَنبَغي أَنْ نَقرَأَ هٰذِهِ العِبارَةَ كَأَنَّها تَراكُمُ أَوصافٍ بلا هَدَفٍ، لأَنَّ النُّبوءَةَ تَجمعُ هُنا بَينَ العَدالَةِ وَالنَّصرِ وَالوَداعَةِ في شَخصٍ واحِدٍ، وَهٰذا بِحَدِّ ذاتِهِ قَلْبٌ لِمَنطِقِ المُلكِ البَشَرِيِّ. فَالعادِلُ في مَفهومِ النّاسِ كَثيرًا ما يَحتاجُ إِلى القُوَّةِ لِيَثبُتَ، وَالمَنصورُ يَميلُ إِلى أَنْ يَظهَرَ بِهَيْبَةِ الغالِبِ، أَمَّا هُنا فَالمَلِكُ عادِلٌ وَمَنْصورٌ، وَمَعَ ذٰلِكَ وَديعٌ. كَأَنَّ النُّبوءَةَ تَقولُ مُبَكِّرًا إِنَّ أَعظَمَ نَصرٍ لَن يَكونَ ذٰلِكَ الَّذي يَصنَعُهُ السَّيفُ، بَلْ ذٰلِكَ الَّذي يَحْمِلُهُ الوَدَعاءُ. وَقَدْ كَانَ كِيرِلُّس الإِسكَنْدَرِيُّ، وَهُوَ المُفَسِّرُ الَّذي نَفَذَ إِلى أَعْماقِ أَسرارِ التَّجَسُّدِ، مُلتَفِتًا إِلى أَنَّ المَسيحَ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَجتَذِبَ الإِنسانَ بِالرُّعبِ، بَلْ بِالجَمالِ المُتواضِعِ؛ لأَنَّ اللهَ حِينَ يَقتَرِبُ مِنَ الإِنسانِ يَفعَلُ ذٰلِكَ بِصُورَةٍ تَسمَحُ لِلحُرِّيَّةِ أَنْ تُجاوِبَ، لا بِصُورَةٍ تَسحَقُها.
فَما مَعنى «جَحْشِ ابنِ أَتانٍ»؟ لَيسَ هٰذا تَكرارًا شِعريًّا مَحضًا، بَلْ تَكثيفٌ لِصورةِ المَلِكِ الَّذي لا يَدخُلُ عَلى أَداةِ حَربٍ، بَلْ عَلى دابَّةٍ وَديعَةٍ لَمْ تُجعَلْ لِلغَزوِ وَالقِتالِ. وَالجَحْشُ يَحْمِلُ في وَعْيِ السّامِعِ مَعنى الفَتاءِ وَالحَداثَةِ وَعَدَمِ الاِستهلاكِ في مَشاريعِ العُنفِ، كَأَنَّ المَلِكَ يَدخُلُ عَلى ما لَمْ تُدنِّسْهُ آليّاتُ الاِستِكبارِ البَشَرِيِّ. وَأَمَّا كَونُهُ «ابنَ أَتانٍ» فَيَزيدُ الرَّمزَ تَجذُّرًا في بَساطَةِ الأَرضِ وَواقِعِ العادِيِّينَ، فَالمَلِكُ الحَقُّ لا يَهبِطُ مِنْ عالَمٍ غَريبٍ عَنْ أَوجاعِ شَعبِهِ، بَلْ يَدخُلُ مِنْ داخِلِ مَعيشَتِهِم. وَهُنا يَكونُ ما لَمَحَهُ يُوحَنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ بَالِغَ الدِّقَّةِ، فَالمَسيحُ يَكشفُ بِفِعلِهِ نَوعَ مُلكِهِ قَبلَ أَنْ يَنطِقَ بِهِ. إِنَّهُ يُفَسِّرُ نَفسَهُ بِالمَشهَدِ قَبلَ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِالكَلِمَةِ.
وَحِينَ يَروي الإِنجيليُّونَ دُخولَ يَسوعَ إِلى أُورَشَلِيمَ، فَهُم لا يَنقُلونَ حَدَثًا مَحضًا، بَلْ يَصوغونَ اِعتِرافًا مَسيحانِيًّا. فَمَتّى يَقتَبِسُ زَكَرِيّا صَراحَةً (متى ٢١: ٤-٥)، وَيُظهِرُ أَنَّ ما جَرى لَمْ يَكُنْ مُصادَفَةً، بَلْ إِتمامًا لِما قيلَ. وَمَرقُسُ وَلوقا وَيُوحَنّا، كُلٌّ بِأُسلوبِهِ، يَجعَلونَ القارِئَ أَمامَ المَلِكِ الَّذي طالَ اِنتِظارُهُ. وَالجُموعُ لا تَقولُ كَلِماتٍ عاديَّةً، بَلْ تَهتِفُ بِعِباراتٍ خارِجَةٍ مِنْ مَزمورِ ١١٨: «أُوصَنّا! مُبارَكٌ الآتي بِاسمِ الرَّبِّ! مُبارَكَةٌ مَملَكَةُ أَبينا داوُدَ الآتِيَةُ!» (مرقس ١١: ٩-١٠؛ متى ٢١: ٩؛ يوحنا ١٢: ١٣). وَهٰذا لَيسَ تَعبيرًا تَقوِيًّا فَقَطْ، بَلْ إِعلانٌ صَريحٌ أَنَّ الدُّخولَ مَحمولٌ عَلى وَعيٍ مَسيحانِيٍّ، حَتّى لَو كانَ هٰذا الوَعيُ عِندَ الجُموعِ نِصفَ مُكْتَمِلٍ أَو مُختَلِطًا بِتَوقُّعاتٍ سِياسِيَّةٍ. إِنَّهُم يَستَخدِمونَ لُغَةَ الخَلاصِ وَالمُلكِ وَابنِ داوُدَ، وَبِذٰلِكَ يَربِطونَ يَسوعَ مُباشَرَةً بِسِلسِلَةِ الوَعدِ المَلَكِيِّ الَّذي يَمُرُّ بِداوُدَ وَسُلَيْمانَ.
وَهُنا تَظهَرُ وُجوهُ الشَّبَهِ بَينَ دُخولِ سُلَيْمانَ وَدُخولِ المَسيحِ بِقُوَّةٍ باهِرَةٍ. كِلاهُما يَرتَبِطُ بِبَيتِ داوُدَ. وَكِلاهُما يَدخُلُ في لَحظَةِ تَوتُّرٍ حَولَ مَعنى المُلكِ وَصاحِبِهِ. وَكِلاهُما لا يَظهَرُ عَلى فَرَسٍ حَربِيٍّ، بَلْ عَلى دابَّةٍ تَدلُّ عَلى نَوعٍ آخَرَ مِنَ السُّلْطانِ. وَكِلاهُما يُرافِقُهُ هُتافٌ جَماعيٌّ يُعلِنُ أَنَّ هٰذا الَّذي يَظهَرُ لَيسَ شَخصًا عاديًّا، بَلْ صاحِبُ مَقامٍ مَلَكِيٍّ. وَفي الحالتَينِ يَسقُطُ الإِدعاءُ أَمامَ الشَّرْعِيَّةِ، فَأَدُونِيّا يَنهارُ أَمامَ مَسحَةِ سُلَيْمانَ وَرُكوبِهِ بَغْلَ داوُدَ، وَالسُّلْطاتُ الَّتي عارَضَتْ يَسوعَ تَقفُ مُرتَبِكَةً أَمامَ مَشهدٍ يَستَدعي نُبوءَةَ زَكَرِيّا وَهُتافاتِ المَزاميرِ وَأَلقابَ ابْنِ داوُدَ. وَكَأَنَّ يَومَ الشَّعانِينِ يُعيدُ، عَلى مُستَوًى أَعمَقَ، يَومَ جِيحونَ؛ غَيرَ أَنَّ ما كانَ هُناكَ تَثبيتًا لِعَرشٍ أَرضِيٍّ، يَصيرُ هُنا إِعلانًا لِمَلِكوتٍ يَقتَحِمُ التَّاريخَ مِنْ داخِلِهِ.
غَيرَ أَنَّ الأَهمَّ لَا يَقومُ في التَّشابُهِ وَحدَهُ، بَلْ في الاِختِلافِ أَيْضًا، لأَنَّ الاِختِلافَ هُنا هُوَ الَّذي يَكشِفُ كَمالَ الصُّورَةِ. سُلَيْمانُ يَدخُلُ لِيَجلِسَ عَلى عَرشِ أَبيهِ. أَمَّا يَسوعُ فَيَدخُلُ لِيَتَّجِهَ نَحوَ الصَّليبِ. سُلَيْمانُ يَدخُلُ وَوَراءَهُ تَدخُّلُ ناثانَ وَمَسحَةُ صادوقَ وَوَصيَّةُ داوُدَ. أَمَّا يَسوعُ فَيَدخُلُ وَهُوَ في ذاتِهِ النُّبوءَةُ وَالمَسحَةُ وَالكَهَنوتُ. سُلَيْمانُ يُثَبِّتُ مَملَكَةً يَحتاجُ بَقاؤُها إِلى حِكمَةٍ وَتَدبيرٍ، أَمَّا يَسوعُ فَيَفتَتِحُ مَلَكوتًا لا يَقومُ عَلى مَوازينِ القُوَّةِ، بَلْ عَلى سِرِّ البَذلِ. سُلَيْمانُ، عَلى الرَّغمِ مِنْ عَظَمَتِهِ، بَقِيَ مَلِكًا تَاريخيًّا تَسْرِي عَلَيهِ حُدودُ الزَّمَنِ وَضعف القَلْبِ البَشَرِيِّ، أَمَّا يَسوعُ فَهُوَ ابْنُ داوُدَ الَّذي لا يَرِثُ العَرشَ فَقَطْ، بَلْ يُعيدُ تَقديسَهُ. وَهُنا تَصيرُ كَلِمَتُهُ «هُوَذا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمانَ هٰهُنا» (متى ١٢: ٤٢) مِفتاحًا تَفسيريًّا مُدهِشًا لِعيدِ الشَّعانِينِ. فَإِنْ كانَ سُلَيْمانُ مَلِكَ الحِكمَةِ، فَيَسوعُ هُوَ حِكمَةُ اللهِ المُتَجَسِّدَةُ. وَإِنْ كانَ سُلَيْمانُ بَاني الهَيكَلِ، فَيَسوعُ هُوَ الهَيكَلُ الَّذي يَسكُنُ فيهِ مِلءُ اللاهوتِ جَسَدِيًّا. وَإِنْ كانَ سُلَيْمانُ اِبنَ داوُدَ بِحَسَبِ الجَسَدِ وَالسُّلالَةِ، فَيَسوعُ هُوَ اِبنُ داوُدَ الَّذي فيهِ يَبلُغُ الوَعدُ شَكلَهُ النِّهائِيَّ.
أَمَّا الهُتافاتُ فَهِيَ واحِدَةٌ مِنْ أَغنَى نِقاطِ الرَّبطِ بَينَ الدُّخولَيْنِ. فَعِندَ مَسحِ سُلَيْمانَ «ضَرَبوا بِالبُوقِ، وَقالَ جَميعُ الشَّعبِ: لِيَحيَ المَلِكُ سُلَيْمانُ» (١ ملوك ١: ٣٩). وَعِندَ دُخولِ يَسوعَ «كانَتِ الجُموعُ تَصرُخُ قائِلَةً، "أُوصَنّا لابنِ داوُدَ! مُبارَكٌ الآتي بِاسمِ الرَّبِّ!» (متى ٢١: ٩). إِنَّ الهُتافَ في الحالتَينِ لَيسَ تَعليقًا خارِجيًّا عَلى مَوْكِبٍ، بَلْ شَهادَةٌ لِمَعنى الحَدَثِ. لٰكِنَّ الفَرقَ الدَّقيقَ هُنا مُهمٌّ جِدًّا، فَالهُتافُ لِسُلَيْمانَ يَتمَحْوَرُ حَولَ بَقاءِ المَلِكِ وَحَياتِهِ، أَمَّا الهُتافُ لِيَسوعَ فَيَتمَحْوَرُ حَولَ الخَلاصِ نَفسِهِ، لأَنَّ «أُوصَنّا» تَعني، "خَلِّصْنا الآن". وَبِهٰذا تَكونُ الجُموعُ، حَتّى مِنْ غَيرِ أَنْ تُدرِكَ المَدَى الكامِلَ لِما تَقولهُ، قَدْ اِنتَقَلَتْ مِنَ الاِحتِفاءِ بِمَلِكٍ يَضبُطُ المَملكَةَ، إِلى التَّوَجُّهِ نَحوَ مَلِكٍ يُنتَظَرُ مِنهُ الخَلاصُ. وَقَدْ أَدرَكَ يُوحَنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ الجُموعَ أَحيانًا تَنطِقُ بِما يَفوقُ وُعيَها، لأَنَّ التَّاريخَ الخَلاصيَّ يَستَخدِمُ أَصواتَ البَشَرِ لِيَقولَ مِنْ خِلالِها شَيئًا أَكبَرَ مِمّا يَقصِدونَهُ هُم أَنفُسُهُم.
وَإِذا كانَ في خَبَرِ سُلَيْمانَ صَوتُ بُوقٍ وَمَسحَةُ مَلِكٍ، فَفي خَبَرِ يَسوعَ حُضورُ مَزمورٍ وَنُبوءَةٍ وَتَرَقُّبِ إِسرائِيلَ كُلِّهِ. فَهُنا لا تَتِمُّ مَسحَةٌ بِزَيْتٍ مَصنوعٍ بِأَيْدِي الكَهَنَةِ، لأَنَّ الدَّاخِلَ هُوَ نَفسُهُ «المَسيحُ»، أَيْ المَمسوحُ. وَلا يَقِفُ إِلى جانِبِهِ نَبِيٌّ يُشيرُ إِلَيهِ، لأَنَّهُ هُوَ الكَلِمَةُ الَّتي كانَ الأَنبِياءُ يَتَكَلَّمونَ بِها. وَلا يَنتَظِرُ تَثبيتًا مِنْ عَرشٍ يَصْنَعُهُ البَشَرُ، لأَنَّ عَرشَهُ الأَعظَمَ سَيُقامُ مِنْ خَشَبَةِ الصَّليبِ. وَهُنا تَظهَرُ عَظمةُ الفَرقِ بَينَ الصُّورَةِ وَكَمالِها، فَسُلَيْمانُ يَلمَعُ كَظِلٍّ جَميلٍ سابِقٍ، أَمَّا يَسوعُ فَهُوَ الحَقيقَةُ الَّتي تَجعلُ الظِّلَّ مَفهومًا.
وَلَعَلَّ المُقارَنَةَ الأَعمَقَ لَا تَقومُ فَقَطْ بَينَ سُلَيْمانَ وَيَسوعَ، بَلْ بَينَ أَدُونِيّا وَيَسوعَ أَيْضًا. فَأَدُونِيّا يَطلُبُ المُلكَ مِنْ غَيرِ صَليبٍ، وَيَسوعُ يَقبَلُ المُلكَ مِنْ خِلالِ الصَّليبِ. أَدُونِيّا يَجمَعُ النّاسَ لِيُثَبِّتَ نَفسَهُ، أَمَّا يَسوعُ فَيَدَعُ الجُموعَ حُرَّةً، حَتّى إِنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ الهُتافَ سَيَنقَلِبُ بَعدَ أَيّامٍ إِلى رَفضٍ وَصَلْبٍ. أَدُونِيّا يُصنِعُ مَوكِبًا يَخدِمُ ذاتَهُ، أَمَّا يَسوعُ فَيَدخُلُ في مَوكِبٍ يَكشِفُ قَلبَهُ. أَدُونِيّا يَقُولُ: «أَنا أَمْلِكُ»، أَمَّا يَسوعُ فَلا يَقولُ ذٰلِكَ بِفَمِ المُتَعالي، بَلْ يَعيشهُ بِصَمْتِ الَّذي «أَخلى نَفسَهُ، آخِذًا صورَةَ عَبدٍ» (فيلبّي ٢: ٧). وَهُنا يَبلُغُ عِيدُ الشَّعانِينِ ذِروَتَهُ الرُّوحيَّةَ، إِنَّهُ لَيسَ فَقَطْ كَشفًا لِهُوِيَّةِ المَلِكِ، بَلْ فَضحًا لِفِكرَتَيْنِ عَنِ المُلكِ، عَنِ السُّلْطانِ، وَعَنِ القُوَّةِ. فَهُناكَ مُلكٌ يَقومُ عَلى أَخْذِ المَكانِ، وَهُناكَ مُلكٌ يَقومُ عَلى إِعطاءِ النَّفسِ. هُناكَ مَنْ يَصعَدُ لِيَجلِسَ، وَهُناكَ مَنْ يَدخُلُ لِيُبذَلَ. وَهُنا تَستَحِقُّ مُلاحَظَةُ جوزيف راتْسِنغَر، البابا بندكتوس السادس عشر، اللاهوتيِّ الَّذي قَرَأَ دُخولَ يَسوعَ في ضَوْءِ سِرِّ مُلكِهِ، أَنْ تُستَحضَرَ في مَكانِها، فَيَسوعُ يَرفُضُ كُلَّ نَموذَجٍ سِياسِيٍّ ضَيِّقٍ، لأَنَّهُ يَأتي مَلِكًا، لٰكِنَّ مُلكَهُ يَتَجاوَزُ كُلَّ أُفُقٍ سِياسِيٍّ بَحتٍ، دُونَ أَنْ يَسقُطَ في فِكرَةِ مُلكٍ مُجرَّدٍ لا يَمَسُّ التَّاريخَ. إِنَّهُ مَلِكٌ حَقًّا، لٰكِنَّهُ يَمْلِكُ بِطَريقَةِ اللهِ، لا بِطَريقَةِ الإِمبِراطوريّاتِ.
وَحِينَ نَربِطُ دُخولَ يَسوعَ بِدُخولِ سُلَيْمانَ، لا يَنبَغي أَنْ يَغيبَ عَنّا أَنَّ سُلَيْمانَ نَفسَهُ يَحمِلُ في اِسمِهِ صِلَةً بِالسَّلامِ. وَهٰذا يُعطي المُقارَنَةَ بُعدًا آخَرَ بَالِغَ الجَمالِ. فَإِذا كانَ سُلَيْمانُ مَلِكَ السَّلامِ وَباني الهَيكَلِ، فَيَسوعُ يَدخُلُ أُورَشَلِيمَ كَسُلَيْمانَ الأَعظَمِ، لا لِيُقيمَ هَيكَلًا مِنْ حِجارَةٍ، بَلْ لِيَجعَلَ مِنْ جَسَدِهِ هَيكَلًا، وَمِنْ صَليبِهِ مَذْبَحًا، وَمِنْ قِيامَتِهِ فَجرًا لِسَلامٍ لا يَمْنَحُهُ العالَمُ. وَمِنْ هُنا يَصيرُ بُكَاءُ يَسوعَ عَلى أُورَشَلِيمَ بَعدَ الدُّخولِ (لوقا ١٩: ٤١-٤٢) أَعمَقَ مِنْ مُجرَّدِ تَأثُّرٍ إِنسانيٍّ؛ إِنَّهُ وَجهُ المَلِكِ الحَقِّ الَّذي لا يَدخُلُ المَدِينَةَ لِيَستَغلَّها، بَلْ لِيَنكَسِرَ مِنْ أَجلِها. سُلَيْمانُ دَخَلَ لِيَتَسلَّمَ المَدينَةَ وَالعَرشَ؛ أَمَّا يَسوعُ فَدَخَلَ وَهُوَ يَحمِلُ في عَينَيهِ دُموعَ مَدِينَةٍ لَمْ تَعرِفْ ما هُوَ لِسَلامِها. وَهُنا يَظهَرُ مَا لَمَحَهُ غريغوريوس النّيسيُّ، المُفَكِّرُ الرُّوحيُّ الَّذي كانَ يَرى أَنَّ التَّجلِّيَ الإِلٰهيَّ لا يَنفَصِلُ عَنْ نُزولِ اللهِ إِلى ضُعفِ الإِنسانِ، فَالمَجدُ الإِلٰهيُّ لا يَظهرُ عِندَ المَسيحِ نَقيضًا لِلدُّموعِ، بَلْ يَعبُرُ مِنْ خِلالِها.
إِنَّ الشَّعانِينِ، في ضَوءِ هٰذِهِ المُقارَنَةِ، يَصيرُ يَومَ تَمييزٍ كَبيرٍ. فَلَيسَ السُّؤالُ الحَقيقيُّ، عَلى أَيِّ دابَّةٍ دَخَلَ المَلِكُ؟ بَلْ، أَيُّ مَلِكٍ هُوَ الَّذي دَخَلَ؟ وَأَيُّ مُلكٍ يُريدُ أَنْ يُقيمَ؟ هَلْ هُوَ مُلكُ مَنْ يَرفَعُ نَفسَهُ وَيُحيطُها بِالمَراكِبِ وَالفُرسانِ وَالجَرْيِ أَمامَهُ؟ أَمْ مُلكُ مَنْ يَأتي وَديعًا وَيَدَعُ لِلحُرِّيَّةِ أَنْ تَختارَ؟ هَلْ هُوَ مُلكُ الَّذي يَأخُذُ المَكانَ لِنَفسِهِ، أَمْ مُلكُ الَّذي يُعطي نَفسَهُ لِكَي يَفتَحَ لِلآخَرينَ مَكانًا؟ مِنْ هُنا لا يَبقى الشَّعانِينُ ذِكرى زَمَنِيَّةً، بَلْ يَصيرُ مِرآةً لِلقَلبِ. فَكُلُّ إِنسانٍ يَحمِلُ في داخِلِهِ إِمكانيَّةَ أَدُونِيّا، حِينَ يَشتهي السُّلْطانَ أَوِ التَّقدُّمَ أَوِ الاِمتِلاكَ بِمَنطِقِ «أَنا». وَكُلُّ إِنسانٍ مَدعُوٌّ أَيْضًا أَنْ يَستَقبِلَ المَسيحَ المَلِكَ الَّذي يَدخُلُ لا لِيَسلُبَ حُرِّيَّتَهُ، بَلْ لِيُخَلِّصَها. وَهُنا يُصبِحُ الهُتافُ «أُوصَنّا» خَطيرًا جِدًّا، لأَنَّهُ لَيسَ مُجرَّدَ نَشيدٍ، بَلْ اِعتِرافٌ بِالحاجَةِ إِلى الخَلاصِ. وَإِذا نَطَقَ بهِ الفَمُ دُونَ أَنْ يَفتَحَ لَهُ القَلبُ بابَهُ، سَهُلَ عَلَى اللسانِ نَفسِهِ أَنْ يَنتَقِلَ بَعدَ قَليلٍ مِنَ الاِحتِفاءِ إِلى الرَّفضِ.
لِذٰلِكَ فَإِنَّ دُخولَ يَسوعَ إِلى أُورَشَلِيمَ عَلى جَحْشٍ ابنِ أَتانٍ هُوَ، في آنٍ واحِدٍ، إِتمامُ نُبوءَةِ زَكَرِيّا، وَتَجاوُزُ صُورَةِ سُلَيْمانَ، وَإِدانَةُ مِنطِقِ أَدُونِيّا. إِنَّهُ يَأخُذُ مِنْ سُلَيْمانَ شَرْعِيَّةَ الاِبنِ الدَّاوُدِيِّ، وَيَأخُذُ مِنْ زَكَرِيّا صُورَةَ المَلِكِ الوَديعِ، وَيُسقِطُ بِحُضورِهِ كُلَّ ادِّعاءِ مُلكٍ لا يَمرُّ بِطَريقِ البَذلِ. وَهٰذا كُلُّهُ يَجعَلُ الشَّعانِينِ لَيسَ يَومَ اِنتِصارٍ سَهْلٍ، بَلْ يَومَ كَشفٍ مُرٍّ وَمُجيدٍ مَعًا، فَالمَلِكُ قَدْ جاءَ حَقًّا، لٰكِنَّهُ جاءَ عَلى نَحوٍ لا يُريحُ خَيالَ العالَمِ. جَاءَ لِيَمْلِكَ، لٰكِنَّهُ يَملِكُ بِالوَداعَةِ. جَاءَ لِيُخَلِّصَ، لٰكِنَّهُ يُخَلِّصُ بِالصَّليبِ. جَاءَ كَابنِ داوُدَ، لٰكِنَّهُ يُظهِرُ أَنَّ عَرشَ داوُدَ الحَقيقيَّ لا يَكتَمِلُ إِلَّا حِينَ يَعبُرُ مِنْ خَشَبَةِ البَذلِ. وَهُنا تَصيرُ المُقارَنَةُ كُلُّها مُشرِقَةً، فَسُلَيْمانُ لَمْ يَعُدْ مُجرَّدَ مَلِكٍ مِنَ الماضي، بَلْ صارَ ظِلًّا نُبوِيًّا لِلمَسيحِ؛ وَأَدُونِيّا لَمْ يَعُدْ مُجرَّدَ شَخصِيَّةٍ سِياسِيَّةٍ مَهزومَةٍ، بَلْ صارَ تَحذيرًا أَبَدِيًّا مِنْ أَنَّ المُلكَ الَّذي لا يَنبُعُ مِنَ اللهِ يَسقُطُ، وَإِنْ أَحاطَ نَفسَهُ بِالمَراكِبِ وَالهُتافاتِ. أَمَّا يَسوعُ، فَهُوَ المَلِكُ الَّذي يَدخُلُ وَلا يَنتَزِعُ، وَيُعلَنُ وَلا يَستَعرِضُ، وَيُحَبُّ وَلا يَفرِضُ، وَيَنتَصِرُ لا بِأَنْ يُميتَ خُصومَهُ، بَلْ بِأَنْ يَدخُلَ هُوَ نَفسُهُ إِلى المَوتِ لِيَكسِرَهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
وَمِنْ هُنا يَبقى الشَّعانِينُ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ يَومًا يَسأَلُنا، أَيُّ مَلِكٍ نُريدُ؟ مَلِكًا نَستَخدِمُهُ لِيُثَبِّتَ أَحلامَنا بالقوة والسلطان والبطش؟ أَمْ مَلِكًا يَقودُنا إِلى تَبديلِ قُلوبِنا؟ أَنُريدُ مَلِكَ أَدُونِيّا الَّذي يَبدأُ مِنْ «أَنا»؟ أَمْ مَلِكَ الشَّعانِينِ الَّذي يَدخُلُ لِيُعيدَ الإِنسانَ مِنْ «أَنا أَمْلِكُ» إِلى «لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ»؟ هُنا تَكمُنُ عَظمةُ العيدِ وَعَثْرَتُهُ مَعًا. فَهُوَ يَبهَرُنا بِالهُتافِ، لٰكِنَّهُ يَدعونَا إِلى أَعمَقَ مِنَ الهُتافِ. يُفْرِحُنا بِالمَوْكِبِ، لٰكِنَّهُ يَفتَحُهُ فَورًا عَلى الصَّليبِ. وَفي هٰذا كُلِّهِ يَبقى المَسيحُ أَعظَمَ مِنْ سُلَيْمانَ، لأَنَّهُ لا يَدخُلُ أُورَشَلِيمَ لِيَأخُذَ العَرشَ، بَلْ لِيُعيدَ تَعريفَ العَرشِ نَفسِهِ.
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُكثِّفَ سِرَّ الشَّعانِينِ كُلَّهُ فِي جُمْلَةٍ واحِدَةٍ تَبْقَى، أَمْكَنَ أَنْ نَقولَ،
فِي سُلَيْمانَ رَأَتْ أُورَشَلِيمُ مَلِكًا يَرِثُ عَرْشَ أَبِيهِ، وَفِي يَسوعَ رَأَتْ مَلِكًا يَدْخُلُ لِيَحْمِلَ عَرشَ البَشَرِيَّةِ الجَريحَةِ كُلِّها عَلى كَتِفَيْهِ.
فِي الشَّعانِينِ يَدْخُلُ المَلِكُ أُورَشَلِيمَ، لا لِيَأْخُذَ العَرْشَ بَلْ لِيُعِيدَ تَعْرِيفَ المُلْكِ
لَيْسَ عِيدُ الشَّعانِينِ ذِكْرَى مَوْكِبٍ شَعْبِيٍّ عَابِرٍ، وَلَا مَشْهَدًا طَقْسِيًّا تَتَكَرَّرُ فِيهِ الأَغْصانُ وَالأَصْوَاتُ وَالهُتافاتُ فَيَمُرُّ عَلَى الوَعْيِ مَرورَ الزِّينَةِ عَلَى الجُدرانِ، بَلْ هُوَ مِنْ أَكْثَرِ الأَيّامِ الَّتِي يَنْكَشِفُ فِيهَا سِرُّ المُلْكِ فِي الكِتابِ المُقَدَّسِ. فَفِي هٰذا اليَوْمِ لا يَدْخُلُ يَسوعُ أُورَشَلِيمَ كَحاجٍّ يَقتَرِبُ مِنَ المَدِينَةِ المُقَدَّسَةِ، وَلَا كَنَبِيٍّ يَمُرُّ فِي زِحامِ الأَعْيادِ، بَلْ يَدْخُلُ كَمَلِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ مَلِكٌ لا يُشْبِهُ المُلُوكَ الَّذِينَ تَعَوَّدَتْهُمُ الأَرْضُ. وَهُنَا تَبْدَأُ المُفارَقَةُ الكُبْرَى: فَالَّذِي يَدْخُلُ لِيُعْلِنَ مُلْكَهُ لا يَرْكَبُ فَرَسًا حَرْبِيًّا، بَلْ جَحْشًا؛ وَالَّذِي يَستَحِقُّ الهَيْبَةَ كُلَّها يَدْخُلُ فِي مَظْهَرِ الوَداعَةِ؛ وَالَّذِي يَحْمِلُ سُلْطانَ السَّماءِ لا يَدْخُلُ لِيُسقِطَ أَعْداءَهُ بِالسَّيْفِ، بَلْ لِيُواجِهَ المَوْتَ نَفْسَهُ بِالبَذْلِ. لِذٰلِكَ لا يُمكِنُ فَهْمُ الشَّعانِينِ إِلَّا إِذا قُرِئَ فِي ضَوْءِ تَارِيخٍ مَلَكِيٍّ أَقْدَمَ، تَارِيخٍ يَمُرُّ بِأَدُونِيّا، وَناثانَ النَّبِيِّ، وَبَتشابَعَ زَوْجَةِ أُورِيّا، وَبِتَتْوِيجِ سُلَيْمانَ عَلَى بَغْلِ أَبِيهِ داوُدَ، ثُمَّ يَبْلُغُ كَمالَهُ فِي دُخُولِ ابْنِ داوُدَ الحَقِيقِيِّ إِلَى أُورَشَلِيمَ عَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتانٍ.
وَإِذا كانَ الكِتابُ المُقَدَّسُ لا يَذْكُرُ التَّفاصيلَ الكُبرى مِنْ أَجْلِ الزِّينَةِ السَّرْدِيَّةِ، فَإِنَّ ذِكْرَ البَغْلِ فِي خَبَرِ سُلَيْمانَ، وَذِكْرَ الجَحْشِ فِي خَبَرِ يَسوعَ، يَدُلُّ عَلى أَنَّنا أَمامَ رُموزٍ مَحمولَةٍ بِمَعانٍ، لا أَمامَ وَصفٍ عَرَضيٍّ. وَقَدْ فَهِمَ آباءُ الكَنيسَةِ هٰذِهِ الحَقيقَةَ مُبَكِّرًا، فَرَأَوْا أَنَّ الكِتابَ لا يَصْنَعُ التَّارِيخَ فَقَطْ، بَلْ يَنسُجُ مِنْهُ نُبُوءَةً، وَلا يَروي الأَحْداثَ فَقَطْ، بَلْ يَجعَلُها أَمامَ القارِئِ طَريقًا لِفَهْمِ مَقصِدِ اللهِ فِي تَدبيرِ الخَلاصِ. وَعِندَ أُوغُسطينوس، وَهُوَ اللاهوتيُّ الَّذي أَدرَكَ وَحدَةَ التَّاريخِ الإِلٰهيِّ مِنْ بَدْءِ الخَليقَةِ إِلى كَمالِها، لا يَقومُ العَهدُ الجَديدُ بِقَطعِ صِلَتِهِ بِالقَديمِ، بَلْ بِكَشفِ مَعناهُ الدَّاخِلِيِّ. وَهٰذا بِعَينِهِ ما نَحنُ أَمامَهُ فِي الشَّعانِينِ: فَدُخولُ يَسوعَ لا يَلغي دُخولَ سُلَيْمانَ، بَلْ يَفتَحُهُ مِنَ الدَّاخِلِ، وَيُظْهِرُ أَنَّ ما كانَ في الأَوَّلِ شَرْعِيَّةً مَلَكِيَّةً، يَصيرُ في الثَّاني شَرْعِيَّةً مَسيحانِيَّةً وَخَلاصِيَّةً.
يَبْدَأُ المَشهَدُ فِي سِفرِ المُلُوكِ الأَوَّلِ مِنْ أَزْمَةِ عَرشٍ وَسُؤالِ وَراثَةٍ، لٰكِنَّهُ فِي العُمقِ أَكْثَرُ مِنْ نِزاعٍ عائِلِيٍّ. فَأَدُونِيّا بْنُ داوُدَ «رَفَعَ نَفْسَهُ قائِلًا: أَنا أَمْلِكُ» (١ ملوك ١: ٥). وَهٰذِهِ العِبارَةُ القَصيرَةُ تَحْمِلُ ثِقَلًا لاهوتيًّا كَبِيرًا، لأَنَّها تَكشِفُ وَجهًا مِنْ وُجوهِ الخَطيئَةِ كَما يَظهَرُ في الكِتابِ كُلِّهِ: أَنْ يَستَبِقَ الإِنسانُ العَطِيَّةَ، وَيَمدَّ يَدَهُ إِلى ما لَمْ يُعطَ لَهُ، وَيُعلِنَ نَفسَهُ في مَوضِعِ الدَّعوةِ قَبلَ أَنْ يَدعوهُ اللهُ. لِذٰلِكَ لَيسَ بَعِيدًا أَنْ نَرى في أَدُونِيّا صَدًى قَديمًا لِحَرَكَةِ آدَمَ حِينَ أَرادَ أَنْ يَأْخُذَ لا أَنْ يَقبَلَ، وَأَنْ يَبلُغَ بِذَاتِهِ لا بِالطَّاعةِ. فَالخَطيئَةُ، كَما لَمَحَ أُوغُسطينوسُ في تَأَمُّلِهِ العَميقِ في مَدِينَتَيِ اللهِ وَالعالَمِ، لَيسَتْ فِعلًا مَعزولًا، بَلْ مَيْلًا داخِلِيًّا إِلى تَألِيهِ الأَنا. وَمِنْ هُنا يَصيرُ قَولُ أَدُونِيّا «أَنا أَمْلِكُ» أَكثَرَ مِنْ إِعلانٍ سِياسِيٍّ؛ إِنَّهُ شَكلٌ مِنْ أَشكالِ التَّسَلُّقِ إِلى ما لا يُنالُ إِلَّا وَهْبًا.
وَلَمْ يَكتَفِ أَدُونِيّا بِالنُّطقِ بِرَغْبَتِهِ، بَلْ «هَيَّأَ لِنَفْسِهِ مَرْكَبَاتٍ وَفُرْسانًا وَخَمْسِينَ رَجُلًا يَجرونَ أَمامَهُ» (١ ملوك ١: ٥). وَهُنا تَظهَرُ لُغَةُ السُّلْطَةِ كَما يَصنَعُها البَشَرُ: مَشهَدِيَّةٌ، عَدَدٌ، اِستِعراضٌ، وَتَقدِيمُ الصُّورَةِ عَلى الحَقيقَةِ. إِنَّهُ يُريدُ أَنْ يَصنَعَ هَيْبَةَ المُلكِ قَبلَ أَنْ يَحصُلَ عَلى مَسْحَةِ المُلكِ. وَكَأَنَّ الكِتابَ مِنْ هُنا يُقيمُ مُقابَلَةً بَينَ مَنْ يَبنِي شَرْعِيَّتَهُ عَلى المَظهَرِ، وَمَنْ تَأتيهِ الشَّرْعِيَّةُ مِنَ الوَعْدِ وَالعَهْدِ وَالقَصدِ الإِلٰهيِّ. وَقَدْ التَقَطَ رُومانُو غُوارْديني، وَهُوَ المُفَكِّرُ الرُّوحيُّ الَّذي تَأَمَّلَ طَويلًا في شَخصِيَّةِ المَسيحِ وَطَبيعَةِ السُّلْطانِ، أَنَّ أَخْطَرَ ما في السُّلْطَةِ لَيسَ قُوَّتَها فَحَسب، بَلْ قُدرَتُها عَلى أَنْ تَستَبدِلَ الحَقَّ بِالمَشهَدِ. وَهٰذا بِالضَّبطِ ما يَفعَلُهُ أَدُونِيّا: إِنَّهُ يُخرِجُ نَفسَهُ إِلى العَلَنِ كَمَلِكٍ قَبلَ أَنْ يَكونَ مَلِكًا. وَهُنا يَتَبَدّى الفَرقُ العَميقُ بَينَ المُلكِ الَّذي يُصنَعُ مِنْ أَسفَلَ بِأَدَواتِ الإِبهارِ، وَالمُلكِ الَّذي يَنزِلُ مِنْ أَعلَى بِسُلْطانِ الاِختِيَارِ.
فِي هٰذِهِ اللَّحظَةِ الحاسِمَةِ يَدخُلُ ناثانُ النَّبِيُّ وَبَتشابَعُ زَوجَةُ أُورِيّا إِلى صُلْبِ الحَدَثِ. وَلا يَجوزُ أَنْ نَقرَأَ تَدَخُّلَهُما كَحِيلَةٍ قَصرِيَّةٍ فَقَطْ، لأَنَّ الكِتابَ أَعمَقُ مِنْ أَنْ يَختَزِلَ الأَدوارَ فِي المَكرِ السِّياسِيِّ. ناثانُ، الَّذي وَقَفَ مِنْ قَبلُ أَمامَ داوُدَ لِيُواجِهَهُ بِخَطيئَتِهِ فِي قِصَّةِ أُورِيّا وَبَتشابَعَ (٢ صموئيل ١٢)، يَظهَرُ هُنا مَرَّةً أُخرى حارِسًا لِكَلِمَةِ اللهِ، لا خادِمًا لِمَصْلَحَةٍ عابِرَةٍ. إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذي يَمنَعُ التَّاريخَ مِنَ الاِنحِرافِ عَن مَقصِدِهِ. أَمَّا بَتشابَعُ، فَحُضورُها يَحمِلُ في عُمقِهِ مَفارَقَةً مُؤثِّرَةً: هِيَ المَرأَةُ الَّتي اقْتَرَنَ اسمُها بِجُرحٍ أَخلاقيٍّ كَبِيرٍ في بَيتِ داوُدَ، لٰكِنَّ اللهَ لَمْ يَترُكها حَبِيسَةَ الجُرحِ، بَلْ جَعَلَ مِنْ خِلالِها طَريقًا لِتَثبيتِ الوَعْدِ. وَهُنا تَظهَرُ وَاحِدَةٌ مِنْ أَعْمَقِ خُصوصِيّاتِ التَّاريخِ الخَلاصيِّ: إِنَّ اللهَ لا يَبني خُطَّتَهُ عَلَى بَشَرٍ بِلا شُروخٍ، بَلْ يُخرِجُ مِنَ الشُّروخِ نَفسِها مَنافِذَ لِلنِّعمَةِ. وَما أَعمَقَ ما أَدرَكَهُ هانْس أُورْس فون بَالْتازار، اللاهوتيُّ الَّذي رَأى التَّاريخَ كَدِراما إِلٰهِيَّةٍ، مِنْ أَنَّ اللهَ لا يَتَعامَلُ مَعَ الإِنسانِ عَلى سَطحِ أَعمالِهِ فَقَطْ، بَلْ يَدخُلُ إِلى تَعقيدِ حُرِّيَّتِهِ وَانْكِسارِهِ لِيُخرِجَ مِنْهُما شَكلًا أَعلَى لِمَقصِدِهِ.
مِنْ هُنا يَصيرُ دُخولُ بَتشابَعَ عَلى داوُدَ، ثُمَّ دُخولُ ناثانَ بَعدَها (١ ملوك ١: ١١-٢٧)، أَكثَرَ مِنْ تَرتيبٍ زَمَنِيٍّ. إِنَّهُ تَحالُفُ الذاكِرَةِ الجَريحَةِ مَعَ الكَلِمَةِ النَّبَوِيَّةِ لِكَي لا يُسرَقَ العَرشُ مِنْ صاحِبِ الوَعْدِ. وَهُنا يَتَّضِحُ أَنَّ المُلكَ في الكِتابِ لَيسَ اِمتِدادًا آليًّا لِلعائِلَةِ، وَلَا اِستِحقاقًا عُمُرِيًّا، وَلَا حَصيلَةَ مَهارَةٍ سِياسِيَّةٍ، بَلْ هُوَ رَهينُ العَهدِ الَّذي يَقطَعُهُ اللهُ وَيَحفَظُهُ. وَهٰذا ما يَجعَلُ سُلَيْمانَ، عَلى الرَّغمِ مِنْ أَنَّهُ لَيسَ الأَكبَرَ سِنًّا، صَاحِبَ الشَّرْعِيَّةِ الَّتي تَنبُعُ مِنْ وَصيَّةِ داوُدَ وَمِنَ الوَعْدِ الإِلٰهيِّ. وَهُنا نَقتَرِبُ شيئًا فَشيئًا مِنْ المَسيحِ، لأَنَّ يَسوعَ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ إِلى المُلكِ بِمُجرَّدِ التَّصفيقِ الشَّعبيِّ، بَلْ بِأَنَّهُ الاِبنُ الَّذي فِيهِ يَثبُتُ وَعدُ داوُدَ وَيَكمُلُ.
ثُمَّ يَأتي الأَمرُ الفاصِلُ الَّذي يَحْمِلُ في داخِلِهِ سِرَّ الرَّمزِ كُلِّهِ: «خُذوا مَعَكُم عَبيدَ سَيِّدِكُم، وَأَرْكِبوا سُلَيْمانَ ابني عَلى بَغْلِي الَّذي لي، وَأَنْزِلُوهُ إِلى جِيحونَ. وَلْيَمْسَحْهُ هُناكَ صادوقُ الكاهِنُ وَناثانُ النَّبِيُّ مَلِكًا عَلى إِسرائِيلَ» (١ ملوك ١: ٣٣-٣٤). إِنَّ البَغْلَ هُنا لَيسَ تَفصيلًا ريفيًّا، بَلْ عَلامَةُ اِنتِقالِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الأَبِ إِلى الاِبنِ. فَأَنْ يَركَبَ سُلَيْمانُ بَغْلَ داوُدَ يَعني أَنَّهُ يَظهَرُ أَمامَ الشَّعبِ في مَوضِعِ الوارِثِ الشَّرْعِيِّ، لا بِحُكمِ الإِدعاءِ، بَلْ بِحُكمِ التَّسليمِ. وَهُنا يَسقُطُ عالَمُ أَدُونِيّا كُلُّهُ: المَركَباتُ، وَالفُرسانُ، وَالخَمسونَ الَّذينَ يَجرونَ أَمامَهُ، لأَنَّ رَمزًا واحِدًا صادِرًا مِنَ الأَبِ أَقوى مِنْ كُلِّ اِستِعراضٍ مَصنوعٍ بِيَدِ البَشَرِ.
وَمِنَ النّاحِيَةِ التَّاريخِيَّةِ، لَمْ يَكُنِ اختِيارُ دابَّةٍ وَديعَةٍ لِلمَوكِبِ المَلَكِيِّ أَمرًا عارِيًا مِنَ الدَّلالَةِ في العالَمِ القَديمِ. فَالفَرَسُ كانَ يَرتَبِطُ في الغالِبِ بِالحَربِ وَالقِتالِ وَالقُوَّةِ العَسكَرِيَّةِ، أَمَّا البَغْلُ أَوِ الحِمارُ وَما يَتَّصِلُ بِهِما فَكانَ يُمكِنُ أَنْ يَحمِلَ مَعنى المُلكِ السِّلميِّ أَوِ السُّلْطانِ الَّذي لا يَتَأسَّسُ عَلى العُنْفِ. وَإِذا رَجَعْنا إِلى بَعضِ الإِشاراتِ الأَقدَمِ في تَقليدِ إِسرائِيلَ، نَجِدُ أَنَّ رُكوبَ الدَّوابِّ لَمْ يَكُنْ مُجرَّدَ وَسيلةِ نَقْلٍ، بَلْ كانَ أَحيانًا ذا بُعدٍ شَرَفيٍّ وَقَضائِيٍّ وَقِياديٍّ. وَقَدْ جاءَ في نَشيدِ دَبّورَةَ ذِكرُ «الرّاكِبينَ عَلى الأُتُنِ البِيضِ» (قضاة ٥: ١٠)، وَهِيَ إِشارَةٌ تُوحي بِمَكانَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ. كَما نَجِدُ في سِفرِ القُضاةِ أَنَّ يائيرَ الجِلعاديَّ «كانَ لَهُ ثَلاثونَ ابنًا يَركَبونَ عَلى ثَلاثينَ جَحشًا» (قضاة ١٠: ٤)، وَكَذٰلِكَ عَبدونُ «أَربَعونَ ابنًا وَثَلاثونَ حَفيدًا يَركَبونَ عَلى سَبعينَ جَحشًا» (قضاة ١٢: ١٤). وَلا يَعني هٰذا أَنَّ كُلَّ جَحْشٍ صارَ رَمزًا مَلَكِيًّا مُباشَرًا، لٰكِنَّهُ يَدُلُّ عَلى أَنَّ الرُّكوبَ عَلى هٰذِهِ الدَّوابِّ كانَ يَحمِلُ بُعدًا اِجتِماعيًّا وَقِياديًّا مَعلومًا، ما يَجعَلُ خَبَرَ سُلَيْمانَ وَخَبَرَ يَسوعَ داخِلَيْنِ في بِيئَةٍ رَمزيَّةٍ مَفهومَةٍ لا مُنفَصِلَيْنِ عَنْها.
وَمَعَ ذٰلِكَ يَبقى الفَرقُ قائِمًا بَينَ البَغْلِ وَالجَحْشِ، فسُلَيْمانُ لَمْ يَدخُلْ عَلى جَحْشٍ، بَلْ عَلى بَغْلِ أَبِيهِ داوُدَ. وَأَمَّا يَسوعُ فَدَخَلَ عَلى جَحْشٍ. وَالفَرقُ لَيسَ لُغَوِيًّا فَقَطْ، بَلْ رَمزيٌّ أَيْضًا. فَالبَغْلُ في خَبَرِ سُلَيْمانَ يَحمِلُ بُعدَ الاِنتِقالِ المَلَكِيِّ وَالتَّسليمِ الشَّرْعِيِّ، لأَنَّهُ بَغْلُ داوُدَ نَفسِهِ، أَيِ الأَداةُ الَّتي تُظهِرُ الاِمتِدادَ الواضِحَ بَينَ الأَبِ وَالاِبنِ. أَمَّا الجَحْشُ في خَبَرِ المَسيحِ فَيَحمِلُ بُعدًا نُبُوِيًّا وَمَسيحانِيًّا أَكثَرَ تَكثيفًا، لأَنَّهُ يَرتَبِطُ مُباشَرَةً بِنُبوءَةِ زَكَرِيّا، وَيُظهِرُ المَلِكَ لا في عَلاقَتِهِ بِوَراثَةِ عَرشٍ أَرْضِيٍّ فَحَسب، بَلْ في عَلاقَتِهِ بِمَلِكوتٍ يَأتي «وَديعًا». لِذٰلِكَ كانَ التَّدقيقُ بَينَ البَغْلِ وَالجَحْشِ دَقيقًا وَلٰازِمًا، لأَنَّ الرَّمزَ يَتَسَعُ لِلمُقارَنَةِ، وَلٰكِنَّهُ لا يَسْمَحُ بِإِذابةِ الفُروقِ.
وَحِينَ نَصِلُ إِلى زَكَرِيّا ٩: ٩، نَكونُ أَمامَ نَقْلَةٍ حاسِمَةٍ في بُنيةِ الرَّمزِ: «اِبْتَهِجي جِدًّا يا ابنَةَ صِهْيونَ، اِهتِفي يا بِنتَ أُورَشَلِيمَ، هُوَذا مَلِكُكِ يَأتي إِلَيكِ، هُوَ عادِلٌ وَمَنْصورٌ وَديعٌ، وَراكِبٌ عَلى حِمارٍ وَعَلى جَحْشٍ ابنِ أَتانٍ». لا يَنبَغي أَنْ نَقرَأَ هٰذِهِ العِبارَةَ كَأَنَّها تَراكُمُ أَوصافٍ بلا هَدَفٍ، لأَنَّ النُّبوءَةَ تَجمعُ هُنا بَينَ العَدالَةِ وَالنَّصرِ وَالوَداعَةِ في شَخصٍ واحِدٍ، وَهٰذا بِحَدِّ ذاتِهِ قَلْبٌ لِمَنطِقِ المُلكِ البَشَرِيِّ. فَالعادِلُ في مَفهومِ النّاسِ كَثيرًا ما يَحتاجُ إِلى القُوَّةِ لِيَثبُتَ، وَالمَنصورُ يَميلُ إِلى أَنْ يَظهَرَ بِهَيْبَةِ الغالِبِ، أَمَّا هُنا فَالمَلِكُ عادِلٌ وَمَنْصورٌ، وَمَعَ ذٰلِكَ وَديعٌ. كَأَنَّ النُّبوءَةَ تَقولُ مُبَكِّرًا إِنَّ أَعظَمَ نَصرٍ لَن يَكونَ ذٰلِكَ الَّذي يَصنَعُهُ السَّيفُ، بَلْ ذٰلِكَ الَّذي يَحْمِلُهُ الوَدَعاءُ. وَقَدْ كَانَ كِيرِلُّس الإِسكَنْدَرِيُّ، وَهُوَ المُفَسِّرُ الَّذي نَفَذَ إِلى أَعْماقِ أَسرارِ التَّجَسُّدِ، مُلتَفِتًا إِلى أَنَّ المَسيحَ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَجتَذِبَ الإِنسانَ بِالرُّعبِ، بَلْ بِالجَمالِ المُتواضِعِ؛ لأَنَّ اللهَ حِينَ يَقتَرِبُ مِنَ الإِنسانِ يَفعَلُ ذٰلِكَ بِصُورَةٍ تَسمَحُ لِلحُرِّيَّةِ أَنْ تُجاوِبَ، لا بِصُورَةٍ تَسحَقُها.
فَما مَعنى «جَحْشِ ابنِ أَتانٍ»؟ لَيسَ هٰذا تَكرارًا شِعريًّا مَحضًا، بَلْ تَكثيفٌ لِصورةِ المَلِكِ الَّذي لا يَدخُلُ عَلى أَداةِ حَربٍ، بَلْ عَلى دابَّةٍ وَديعَةٍ لَمْ تُجعَلْ لِلغَزوِ وَالقِتالِ. وَالجَحْشُ يَحْمِلُ في وَعْيِ السّامِعِ مَعنى الفَتاءِ وَالحَداثَةِ وَعَدَمِ الاِستهلاكِ في مَشاريعِ العُنفِ، كَأَنَّ المَلِكَ يَدخُلُ عَلى ما لَمْ تُدنِّسْهُ آليّاتُ الاِستِكبارِ البَشَرِيِّ. وَأَمَّا كَونُهُ «ابنَ أَتانٍ» فَيَزيدُ الرَّمزَ تَجذُّرًا في بَساطَةِ الأَرضِ وَواقِعِ العادِيِّينَ، فَالمَلِكُ الحَقُّ لا يَهبِطُ مِنْ عالَمٍ غَريبٍ عَنْ أَوجاعِ شَعبِهِ، بَلْ يَدخُلُ مِنْ داخِلِ مَعيشَتِهِم. وَهُنا يَكونُ ما لَمَحَهُ يُوحَنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ بَالِغَ الدِّقَّةِ، فَالمَسيحُ يَكشفُ بِفِعلِهِ نَوعَ مُلكِهِ قَبلَ أَنْ يَنطِقَ بِهِ. إِنَّهُ يُفَسِّرُ نَفسَهُ بِالمَشهَدِ قَبلَ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِالكَلِمَةِ.
وَحِينَ يَروي الإِنجيليُّونَ دُخولَ يَسوعَ إِلى أُورَشَلِيمَ، فَهُم لا يَنقُلونَ حَدَثًا مَحضًا، بَلْ يَصوغونَ اِعتِرافًا مَسيحانِيًّا. فَمَتّى يَقتَبِسُ زَكَرِيّا صَراحَةً (متى ٢١: ٤-٥)، وَيُظهِرُ أَنَّ ما جَرى لَمْ يَكُنْ مُصادَفَةً، بَلْ إِتمامًا لِما قيلَ. وَمَرقُسُ وَلوقا وَيُوحَنّا، كُلٌّ بِأُسلوبِهِ، يَجعَلونَ القارِئَ أَمامَ المَلِكِ الَّذي طالَ اِنتِظارُهُ. وَالجُموعُ لا تَقولُ كَلِماتٍ عاديَّةً، بَلْ تَهتِفُ بِعِباراتٍ خارِجَةٍ مِنْ مَزمورِ ١١٨: «أُوصَنّا! مُبارَكٌ الآتي بِاسمِ الرَّبِّ! مُبارَكَةٌ مَملَكَةُ أَبينا داوُدَ الآتِيَةُ!» (مرقس ١١: ٩-١٠؛ متى ٢١: ٩؛ يوحنا ١٢: ١٣). وَهٰذا لَيسَ تَعبيرًا تَقوِيًّا فَقَطْ، بَلْ إِعلانٌ صَريحٌ أَنَّ الدُّخولَ مَحمولٌ عَلى وَعيٍ مَسيحانِيٍّ، حَتّى لَو كانَ هٰذا الوَعيُ عِندَ الجُموعِ نِصفَ مُكْتَمِلٍ أَو مُختَلِطًا بِتَوقُّعاتٍ سِياسِيَّةٍ. إِنَّهُم يَستَخدِمونَ لُغَةَ الخَلاصِ وَالمُلكِ وَابنِ داوُدَ، وَبِذٰلِكَ يَربِطونَ يَسوعَ مُباشَرَةً بِسِلسِلَةِ الوَعدِ المَلَكِيِّ الَّذي يَمُرُّ بِداوُدَ وَسُلَيْمانَ.
وَهُنا تَظهَرُ وُجوهُ الشَّبَهِ بَينَ دُخولِ سُلَيْمانَ وَدُخولِ المَسيحِ بِقُوَّةٍ باهِرَةٍ. كِلاهُما يَرتَبِطُ بِبَيتِ داوُدَ. وَكِلاهُما يَدخُلُ في لَحظَةِ تَوتُّرٍ حَولَ مَعنى المُلكِ وَصاحِبِهِ. وَكِلاهُما لا يَظهَرُ عَلى فَرَسٍ حَربِيٍّ، بَلْ عَلى دابَّةٍ تَدلُّ عَلى نَوعٍ آخَرَ مِنَ السُّلْطانِ. وَكِلاهُما يُرافِقُهُ هُتافٌ جَماعيٌّ يُعلِنُ أَنَّ هٰذا الَّذي يَظهَرُ لَيسَ شَخصًا عاديًّا، بَلْ صاحِبُ مَقامٍ مَلَكِيٍّ. وَفي الحالتَينِ يَسقُطُ الإِدعاءُ أَمامَ الشَّرْعِيَّةِ، فَأَدُونِيّا يَنهارُ أَمامَ مَسحَةِ سُلَيْمانَ وَرُكوبِهِ بَغْلَ داوُدَ، وَالسُّلْطاتُ الَّتي عارَضَتْ يَسوعَ تَقفُ مُرتَبِكَةً أَمامَ مَشهدٍ يَستَدعي نُبوءَةَ زَكَرِيّا وَهُتافاتِ المَزاميرِ وَأَلقابَ ابْنِ داوُدَ. وَكَأَنَّ يَومَ الشَّعانِينِ يُعيدُ، عَلى مُستَوًى أَعمَقَ، يَومَ جِيحونَ؛ غَيرَ أَنَّ ما كانَ هُناكَ تَثبيتًا لِعَرشٍ أَرضِيٍّ، يَصيرُ هُنا إِعلانًا لِمَلِكوتٍ يَقتَحِمُ التَّاريخَ مِنْ داخِلِهِ.
غَيرَ أَنَّ الأَهمَّ لَا يَقومُ في التَّشابُهِ وَحدَهُ، بَلْ في الاِختِلافِ أَيْضًا، لأَنَّ الاِختِلافَ هُنا هُوَ الَّذي يَكشِفُ كَمالَ الصُّورَةِ. سُلَيْمانُ يَدخُلُ لِيَجلِسَ عَلى عَرشِ أَبيهِ. أَمَّا يَسوعُ فَيَدخُلُ لِيَتَّجِهَ نَحوَ الصَّليبِ. سُلَيْمانُ يَدخُلُ وَوَراءَهُ تَدخُّلُ ناثانَ وَمَسحَةُ صادوقَ وَوَصيَّةُ داوُدَ. أَمَّا يَسوعُ فَيَدخُلُ وَهُوَ في ذاتِهِ النُّبوءَةُ وَالمَسحَةُ وَالكَهَنوتُ. سُلَيْمانُ يُثَبِّتُ مَملَكَةً يَحتاجُ بَقاؤُها إِلى حِكمَةٍ وَتَدبيرٍ، أَمَّا يَسوعُ فَيَفتَتِحُ مَلَكوتًا لا يَقومُ عَلى مَوازينِ القُوَّةِ، بَلْ عَلى سِرِّ البَذلِ. سُلَيْمانُ، عَلى الرَّغمِ مِنْ عَظَمَتِهِ، بَقِيَ مَلِكًا تَاريخيًّا تَسْرِي عَلَيهِ حُدودُ الزَّمَنِ وَضعف القَلْبِ البَشَرِيِّ، أَمَّا يَسوعُ فَهُوَ ابْنُ داوُدَ الَّذي لا يَرِثُ العَرشَ فَقَطْ، بَلْ يُعيدُ تَقديسَهُ. وَهُنا تَصيرُ كَلِمَتُهُ «هُوَذا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمانَ هٰهُنا» (متى ١٢: ٤٢) مِفتاحًا تَفسيريًّا مُدهِشًا لِعيدِ الشَّعانِينِ. فَإِنْ كانَ سُلَيْمانُ مَلِكَ الحِكمَةِ، فَيَسوعُ هُوَ حِكمَةُ اللهِ المُتَجَسِّدَةُ. وَإِنْ كانَ سُلَيْمانُ بَاني الهَيكَلِ، فَيَسوعُ هُوَ الهَيكَلُ الَّذي يَسكُنُ فيهِ مِلءُ اللاهوتِ جَسَدِيًّا. وَإِنْ كانَ سُلَيْمانُ اِبنَ داوُدَ بِحَسَبِ الجَسَدِ وَالسُّلالَةِ، فَيَسوعُ هُوَ اِبنُ داوُدَ الَّذي فيهِ يَبلُغُ الوَعدُ شَكلَهُ النِّهائِيَّ.
أَمَّا الهُتافاتُ فَهِيَ واحِدَةٌ مِنْ أَغنَى نِقاطِ الرَّبطِ بَينَ الدُّخولَيْنِ. فَعِندَ مَسحِ سُلَيْمانَ «ضَرَبوا بِالبُوقِ، وَقالَ جَميعُ الشَّعبِ: لِيَحيَ المَلِكُ سُلَيْمانُ» (١ ملوك ١: ٣٩). وَعِندَ دُخولِ يَسوعَ «كانَتِ الجُموعُ تَصرُخُ قائِلَةً، "أُوصَنّا لابنِ داوُدَ! مُبارَكٌ الآتي بِاسمِ الرَّبِّ!» (متى ٢١: ٩). إِنَّ الهُتافَ في الحالتَينِ لَيسَ تَعليقًا خارِجيًّا عَلى مَوْكِبٍ، بَلْ شَهادَةٌ لِمَعنى الحَدَثِ. لٰكِنَّ الفَرقَ الدَّقيقَ هُنا مُهمٌّ جِدًّا، فَالهُتافُ لِسُلَيْمانَ يَتمَحْوَرُ حَولَ بَقاءِ المَلِكِ وَحَياتِهِ، أَمَّا الهُتافُ لِيَسوعَ فَيَتمَحْوَرُ حَولَ الخَلاصِ نَفسِهِ، لأَنَّ «أُوصَنّا» تَعني، "خَلِّصْنا الآن". وَبِهٰذا تَكونُ الجُموعُ، حَتّى مِنْ غَيرِ أَنْ تُدرِكَ المَدَى الكامِلَ لِما تَقولهُ، قَدْ اِنتَقَلَتْ مِنَ الاِحتِفاءِ بِمَلِكٍ يَضبُطُ المَملكَةَ، إِلى التَّوَجُّهِ نَحوَ مَلِكٍ يُنتَظَرُ مِنهُ الخَلاصُ. وَقَدْ أَدرَكَ يُوحَنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أَنَّ الجُموعَ أَحيانًا تَنطِقُ بِما يَفوقُ وُعيَها، لأَنَّ التَّاريخَ الخَلاصيَّ يَستَخدِمُ أَصواتَ البَشَرِ لِيَقولَ مِنْ خِلالِها شَيئًا أَكبَرَ مِمّا يَقصِدونَهُ هُم أَنفُسُهُم.
وَإِذا كانَ في خَبَرِ سُلَيْمانَ صَوتُ بُوقٍ وَمَسحَةُ مَلِكٍ، فَفي خَبَرِ يَسوعَ حُضورُ مَزمورٍ وَنُبوءَةٍ وَتَرَقُّبِ إِسرائِيلَ كُلِّهِ. فَهُنا لا تَتِمُّ مَسحَةٌ بِزَيْتٍ مَصنوعٍ بِأَيْدِي الكَهَنَةِ، لأَنَّ الدَّاخِلَ هُوَ نَفسُهُ «المَسيحُ»، أَيْ المَمسوحُ. وَلا يَقِفُ إِلى جانِبِهِ نَبِيٌّ يُشيرُ إِلَيهِ، لأَنَّهُ هُوَ الكَلِمَةُ الَّتي كانَ الأَنبِياءُ يَتَكَلَّمونَ بِها. وَلا يَنتَظِرُ تَثبيتًا مِنْ عَرشٍ يَصْنَعُهُ البَشَرُ، لأَنَّ عَرشَهُ الأَعظَمَ سَيُقامُ مِنْ خَشَبَةِ الصَّليبِ. وَهُنا تَظهَرُ عَظمةُ الفَرقِ بَينَ الصُّورَةِ وَكَمالِها، فَسُلَيْمانُ يَلمَعُ كَظِلٍّ جَميلٍ سابِقٍ، أَمَّا يَسوعُ فَهُوَ الحَقيقَةُ الَّتي تَجعلُ الظِّلَّ مَفهومًا.
وَلَعَلَّ المُقارَنَةَ الأَعمَقَ لَا تَقومُ فَقَطْ بَينَ سُلَيْمانَ وَيَسوعَ، بَلْ بَينَ أَدُونِيّا وَيَسوعَ أَيْضًا. فَأَدُونِيّا يَطلُبُ المُلكَ مِنْ غَيرِ صَليبٍ، وَيَسوعُ يَقبَلُ المُلكَ مِنْ خِلالِ الصَّليبِ. أَدُونِيّا يَجمَعُ النّاسَ لِيُثَبِّتَ نَفسَهُ، أَمَّا يَسوعُ فَيَدَعُ الجُموعَ حُرَّةً، حَتّى إِنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ الهُتافَ سَيَنقَلِبُ بَعدَ أَيّامٍ إِلى رَفضٍ وَصَلْبٍ. أَدُونِيّا يُصنِعُ مَوكِبًا يَخدِمُ ذاتَهُ، أَمَّا يَسوعُ فَيَدخُلُ في مَوكِبٍ يَكشِفُ قَلبَهُ. أَدُونِيّا يَقُولُ: «أَنا أَمْلِكُ»، أَمَّا يَسوعُ فَلا يَقولُ ذٰلِكَ بِفَمِ المُتَعالي، بَلْ يَعيشهُ بِصَمْتِ الَّذي «أَخلى نَفسَهُ، آخِذًا صورَةَ عَبدٍ» (فيلبّي ٢: ٧). وَهُنا يَبلُغُ عِيدُ الشَّعانِينِ ذِروَتَهُ الرُّوحيَّةَ، إِنَّهُ لَيسَ فَقَطْ كَشفًا لِهُوِيَّةِ المَلِكِ، بَلْ فَضحًا لِفِكرَتَيْنِ عَنِ المُلكِ، عَنِ السُّلْطانِ، وَعَنِ القُوَّةِ. فَهُناكَ مُلكٌ يَقومُ عَلى أَخْذِ المَكانِ، وَهُناكَ مُلكٌ يَقومُ عَلى إِعطاءِ النَّفسِ. هُناكَ مَنْ يَصعَدُ لِيَجلِسَ، وَهُناكَ مَنْ يَدخُلُ لِيُبذَلَ. وَهُنا تَستَحِقُّ مُلاحَظَةُ جوزيف راتْسِنغَر، البابا بندكتوس السادس عشر، اللاهوتيِّ الَّذي قَرَأَ دُخولَ يَسوعَ في ضَوْءِ سِرِّ مُلكِهِ، أَنْ تُستَحضَرَ في مَكانِها، فَيَسوعُ يَرفُضُ كُلَّ نَموذَجٍ سِياسِيٍّ ضَيِّقٍ، لأَنَّهُ يَأتي مَلِكًا، لٰكِنَّ مُلكَهُ يَتَجاوَزُ كُلَّ أُفُقٍ سِياسِيٍّ بَحتٍ، دُونَ أَنْ يَسقُطَ في فِكرَةِ مُلكٍ مُجرَّدٍ لا يَمَسُّ التَّاريخَ. إِنَّهُ مَلِكٌ حَقًّا، لٰكِنَّهُ يَمْلِكُ بِطَريقَةِ اللهِ، لا بِطَريقَةِ الإِمبِراطوريّاتِ.
وَحِينَ نَربِطُ دُخولَ يَسوعَ بِدُخولِ سُلَيْمانَ، لا يَنبَغي أَنْ يَغيبَ عَنّا أَنَّ سُلَيْمانَ نَفسَهُ يَحمِلُ في اِسمِهِ صِلَةً بِالسَّلامِ. وَهٰذا يُعطي المُقارَنَةَ بُعدًا آخَرَ بَالِغَ الجَمالِ. فَإِذا كانَ سُلَيْمانُ مَلِكَ السَّلامِ وَباني الهَيكَلِ، فَيَسوعُ يَدخُلُ أُورَشَلِيمَ كَسُلَيْمانَ الأَعظَمِ، لا لِيُقيمَ هَيكَلًا مِنْ حِجارَةٍ، بَلْ لِيَجعَلَ مِنْ جَسَدِهِ هَيكَلًا، وَمِنْ صَليبِهِ مَذْبَحًا، وَمِنْ قِيامَتِهِ فَجرًا لِسَلامٍ لا يَمْنَحُهُ العالَمُ. وَمِنْ هُنا يَصيرُ بُكَاءُ يَسوعَ عَلى أُورَشَلِيمَ بَعدَ الدُّخولِ (لوقا ١٩: ٤١-٤٢) أَعمَقَ مِنْ مُجرَّدِ تَأثُّرٍ إِنسانيٍّ؛ إِنَّهُ وَجهُ المَلِكِ الحَقِّ الَّذي لا يَدخُلُ المَدِينَةَ لِيَستَغلَّها، بَلْ لِيَنكَسِرَ مِنْ أَجلِها. سُلَيْمانُ دَخَلَ لِيَتَسلَّمَ المَدينَةَ وَالعَرشَ؛ أَمَّا يَسوعُ فَدَخَلَ وَهُوَ يَحمِلُ في عَينَيهِ دُموعَ مَدِينَةٍ لَمْ تَعرِفْ ما هُوَ لِسَلامِها. وَهُنا يَظهَرُ مَا لَمَحَهُ غريغوريوس النّيسيُّ، المُفَكِّرُ الرُّوحيُّ الَّذي كانَ يَرى أَنَّ التَّجلِّيَ الإِلٰهيَّ لا يَنفَصِلُ عَنْ نُزولِ اللهِ إِلى ضُعفِ الإِنسانِ، فَالمَجدُ الإِلٰهيُّ لا يَظهرُ عِندَ المَسيحِ نَقيضًا لِلدُّموعِ، بَلْ يَعبُرُ مِنْ خِلالِها.
إِنَّ الشَّعانِينِ، في ضَوءِ هٰذِهِ المُقارَنَةِ، يَصيرُ يَومَ تَمييزٍ كَبيرٍ. فَلَيسَ السُّؤالُ الحَقيقيُّ، عَلى أَيِّ دابَّةٍ دَخَلَ المَلِكُ؟ بَلْ، أَيُّ مَلِكٍ هُوَ الَّذي دَخَلَ؟ وَأَيُّ مُلكٍ يُريدُ أَنْ يُقيمَ؟ هَلْ هُوَ مُلكُ مَنْ يَرفَعُ نَفسَهُ وَيُحيطُها بِالمَراكِبِ وَالفُرسانِ وَالجَرْيِ أَمامَهُ؟ أَمْ مُلكُ مَنْ يَأتي وَديعًا وَيَدَعُ لِلحُرِّيَّةِ أَنْ تَختارَ؟ هَلْ هُوَ مُلكُ الَّذي يَأخُذُ المَكانَ لِنَفسِهِ، أَمْ مُلكُ الَّذي يُعطي نَفسَهُ لِكَي يَفتَحَ لِلآخَرينَ مَكانًا؟ مِنْ هُنا لا يَبقى الشَّعانِينُ ذِكرى زَمَنِيَّةً، بَلْ يَصيرُ مِرآةً لِلقَلبِ. فَكُلُّ إِنسانٍ يَحمِلُ في داخِلِهِ إِمكانيَّةَ أَدُونِيّا، حِينَ يَشتهي السُّلْطانَ أَوِ التَّقدُّمَ أَوِ الاِمتِلاكَ بِمَنطِقِ «أَنا». وَكُلُّ إِنسانٍ مَدعُوٌّ أَيْضًا أَنْ يَستَقبِلَ المَسيحَ المَلِكَ الَّذي يَدخُلُ لا لِيَسلُبَ حُرِّيَّتَهُ، بَلْ لِيُخَلِّصَها. وَهُنا يُصبِحُ الهُتافُ «أُوصَنّا» خَطيرًا جِدًّا، لأَنَّهُ لَيسَ مُجرَّدَ نَشيدٍ، بَلْ اِعتِرافٌ بِالحاجَةِ إِلى الخَلاصِ. وَإِذا نَطَقَ بهِ الفَمُ دُونَ أَنْ يَفتَحَ لَهُ القَلبُ بابَهُ، سَهُلَ عَلَى اللسانِ نَفسِهِ أَنْ يَنتَقِلَ بَعدَ قَليلٍ مِنَ الاِحتِفاءِ إِلى الرَّفضِ.
لِذٰلِكَ فَإِنَّ دُخولَ يَسوعَ إِلى أُورَشَلِيمَ عَلى جَحْشٍ ابنِ أَتانٍ هُوَ، في آنٍ واحِدٍ، إِتمامُ نُبوءَةِ زَكَرِيّا، وَتَجاوُزُ صُورَةِ سُلَيْمانَ، وَإِدانَةُ مِنطِقِ أَدُونِيّا. إِنَّهُ يَأخُذُ مِنْ سُلَيْمانَ شَرْعِيَّةَ الاِبنِ الدَّاوُدِيِّ، وَيَأخُذُ مِنْ زَكَرِيّا صُورَةَ المَلِكِ الوَديعِ، وَيُسقِطُ بِحُضورِهِ كُلَّ ادِّعاءِ مُلكٍ لا يَمرُّ بِطَريقِ البَذلِ. وَهٰذا كُلُّهُ يَجعَلُ الشَّعانِينِ لَيسَ يَومَ اِنتِصارٍ سَهْلٍ، بَلْ يَومَ كَشفٍ مُرٍّ وَمُجيدٍ مَعًا، فَالمَلِكُ قَدْ جاءَ حَقًّا، لٰكِنَّهُ جاءَ عَلى نَحوٍ لا يُريحُ خَيالَ العالَمِ. جَاءَ لِيَمْلِكَ، لٰكِنَّهُ يَملِكُ بِالوَداعَةِ. جَاءَ لِيُخَلِّصَ، لٰكِنَّهُ يُخَلِّصُ بِالصَّليبِ. جَاءَ كَابنِ داوُدَ، لٰكِنَّهُ يُظهِرُ أَنَّ عَرشَ داوُدَ الحَقيقيَّ لا يَكتَمِلُ إِلَّا حِينَ يَعبُرُ مِنْ خَشَبَةِ البَذلِ. وَهُنا تَصيرُ المُقارَنَةُ كُلُّها مُشرِقَةً، فَسُلَيْمانُ لَمْ يَعُدْ مُجرَّدَ مَلِكٍ مِنَ الماضي، بَلْ صارَ ظِلًّا نُبوِيًّا لِلمَسيحِ؛ وَأَدُونِيّا لَمْ يَعُدْ مُجرَّدَ شَخصِيَّةٍ سِياسِيَّةٍ مَهزومَةٍ، بَلْ صارَ تَحذيرًا أَبَدِيًّا مِنْ أَنَّ المُلكَ الَّذي لا يَنبُعُ مِنَ اللهِ يَسقُطُ، وَإِنْ أَحاطَ نَفسَهُ بِالمَراكِبِ وَالهُتافاتِ. أَمَّا يَسوعُ، فَهُوَ المَلِكُ الَّذي يَدخُلُ وَلا يَنتَزِعُ، وَيُعلَنُ وَلا يَستَعرِضُ، وَيُحَبُّ وَلا يَفرِضُ، وَيَنتَصِرُ لا بِأَنْ يُميتَ خُصومَهُ، بَلْ بِأَنْ يَدخُلَ هُوَ نَفسُهُ إِلى المَوتِ لِيَكسِرَهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
وَمِنْ هُنا يَبقى الشَّعانِينُ فَوقَ كُلِّ شَيءٍ يَومًا يَسأَلُنا، أَيُّ مَلِكٍ نُريدُ؟ مَلِكًا نَستَخدِمُهُ لِيُثَبِّتَ أَحلامَنا بالقوة والسلطان والبطش؟ أَمْ مَلِكًا يَقودُنا إِلى تَبديلِ قُلوبِنا؟ أَنُريدُ مَلِكَ أَدُونِيّا الَّذي يَبدأُ مِنْ «أَنا»؟ أَمْ مَلِكَ الشَّعانِينِ الَّذي يَدخُلُ لِيُعيدَ الإِنسانَ مِنْ «أَنا أَمْلِكُ» إِلى «لِتَكُنْ مَشيئَتُكَ»؟ هُنا تَكمُنُ عَظمةُ العيدِ وَعَثْرَتُهُ مَعًا. فَهُوَ يَبهَرُنا بِالهُتافِ، لٰكِنَّهُ يَدعونَا إِلى أَعمَقَ مِنَ الهُتافِ. يُفْرِحُنا بِالمَوْكِبِ، لٰكِنَّهُ يَفتَحُهُ فَورًا عَلى الصَّليبِ. وَفي هٰذا كُلِّهِ يَبقى المَسيحُ أَعظَمَ مِنْ سُلَيْمانَ، لأَنَّهُ لا يَدخُلُ أُورَشَلِيمَ لِيَأخُذَ العَرشَ، بَلْ لِيُعيدَ تَعريفَ العَرشِ نَفسِهِ.
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُكثِّفَ سِرَّ الشَّعانِينِ كُلَّهُ فِي جُمْلَةٍ واحِدَةٍ تَبْقَى، أَمْكَنَ أَنْ نَقولَ،
فِي سُلَيْمانَ رَأَتْ أُورَشَلِيمُ مَلِكًا يَرِثُ عَرْشَ أَبِيهِ، وَفِي يَسوعَ رَأَتْ مَلِكًا يَدْخُلُ لِيَحْمِلَ عَرشَ البَشَرِيَّةِ الجَريحَةِ كُلِّها عَلى كَتِفَيْهِ.