- إنضم
- 20 أغسطس 2022
- المشاركات
- 6,583
- مستوى التفاعل
- 3,167
- النقاط
- 113
حين يصبح الوعظ عنيفًا!
فى زمن العنف الفكري والروحي
لا أخفي دهشتي وأنا أراقب ما آلت إليه حالة المجتمع في السنوات الأخيرة. فالصراعات لم تعد استثناءً، بل أصبحت هي القاعدة. ولم يعد الخلاف أمرًا عارضًا بين البشر، بل تحول إلى مناخ عام نعيش فيه ونتنفسه يوميًا.
نختلف في السياسة فنُخاصم.
ونختلف في الفكر فنُهاجم.
ونختلف في العقيدة فنُدين.
ونختلف في الرأي فنُلغي الآخر.
لقد أصبح العالم أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه أكثر انقسامًا من أي وقت مضى.
والمشكلة الحقيقية ليست في وجود الاختلاف، فالاختلاف سنة إنسانية وطبيعة بشرية، بل في الطريقة التي أصبحنا ندير بها اختلافاتنا. فبدلًا من الحوار أصبحنا نمارس المحاكمة. وبدلًا من الفهم أصبحنا نبحث عن الإدانة. وبدلًا من البحث عن الحقيقة أصبح كل طرف يبحث عن الانتصار.
إننا نعيش حالة من “العنف الفكري الناعم”، وهو أخطر من العنف الجسدي أحيانًا.
فالعنف الجسدي قد يجرح الجسد.
أما العنف الفكري فيجرح الإنسان كله.
إنه عنف يمارس بالكلمات لا بالعصي.
وبالمنشورات لا بالأسلحة.
وبالسخرية لا بالرصاص.
عنف يجعل الإنسان يشعر أنه متهم قبل أن يتكلم، ومدان قبل أن يُسمع، ومرفوض قبل أن يُفهم.
لكن ما يثير القلق حقًا هو أن هذا المناخ لم يتوقف عند حدود المجتمع، بل تسلل إلى المجال الروحي أيضًا.
فهل نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن بعض الخطابات الدينية أصبحت بدورها جزءًا من الأزمة؟
هل نمتلك الجرأة لنقول إن بعض الوعظ لم يعد يحمل رائحة الإنجيل بقدر ما يحمل رائحة الصراع؟
لقد صار بعض الوعاظ يتحدثون وكأنهم في معركة.
وصار بعض المستمعين يبحثون عن خصوم لا عن خلاص.
وصارت المنابر أحيانًا ساحات مواجهة بدلاً من أن تكون مستشفيات للنفوس المجروحة.
أصبحنا نسمع وعظًا يرفع مستوى الغضب أكثر مما يرفع مستوى المحبة.
ويزيد الانقسام أكثر مما يصنع الوحدة.
ويغذي الأحكام أكثر مما يغذي التوبة.
وكأن المسيح جاء ليؤسس محكمة لا كنيسة!
بينما الحقيقة أن المسيح لم يكن صانع خصومات، بل صانع مصالحة.
لم يجلس مع الكاملين بل مع الخطاة.
ولم يبحث عن المنتصرين بل عن المنكسرين.
ولم يبنِ ملكوته بالخوف بل بالمحبة.
لقد واجه الشر بكل قوة، لكنه لم يحتقر الإنسان.
وأعلن الحق كاملًا، لكنه لم يفصل الحق عن الرحمة.
أما نحن فصرنا أحيانًا نستخدم الحق كسيف ضد الآخرين بدلًا من أن نجعله نورًا لأنفسنا.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الكنيسة ليس الاضطهاد من الخارج، بل القسوة من الداخل.
وأخطر ما يمكن أن يصيب الخدمة ليس قلة الإمكانيات، بل فقدان روح المسيح.
وأخطر ما يمكن أن يصيب الوعظ ليس ضعف المعلومات، بل غياب المحبة.
إن الناس اليوم لا تعاني من نقص الكلام.
العالم ممتلئ بالكلام.
لكن العالم يعاني من نقص الرحمة.
يعاني من نقص الإصغاء.
يعاني من نقص القلوب التي تستطيع أن تختلف دون أن تكره، وأن تناقش دون أن تجرح، وأن تعلن الحق دون أن تفقد المحبة.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس:
هل انتصر رأيي؟
بل:
هل ربحت إنسانًا؟
ليس:
هل هزمت المخالف؟
بل:
هل أظهرت روح المسيح؟
ففي النهاية لن يذكر التاريخ من كان الأعلى صوتًا.
بل سيذكر من كان أكثر محبة.
ولن تبقى الكلمات التي أشعلت الصراعات.
بل ستبقى الكلمات التي صنعت سلامًا.
وفي زمن صار فيه الجميع يتكلمون…
ربما أصبح العالم في احتياج شديد إلى أناس يشبهون المسيح.
يتكلمون بالحق، لكن بمحبة.
ويختلفون، لكن باحترام.
ويعظون، لكن بروح الأبوة لا بروح الإدانة.
ويناقشون، لكن بهدف الوصول إلى الحقيقة لا الانتصار للنفس.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى مزيد من الضمائر الحية.
ولا يحتاج إلى من يشعلون الصراعات، بل إلى من يطفئون نيرانها.
ولا يحتاج إلى من يقسمون الناس إلى معسكرات متناحرة، بل إلى من يبنون الجسور بين القلوب والعقول.
إن الحضارات لا تُبنى بالصراخ، والمجتمعات لا تستقر بالكراهية، والكنيسة لا تنمو بالخصومات، والإنسان لا يخلص بالعنف الفكري أو اللفظي.
فالحق الذي يخلو من المحبة يتحول إلى قسوة، والمحبة التي تخلو من الحق تتحول إلى ضعف، أما رسالة المسيح فكانت وما زالت دعوة إلى الحق في المحبة، والمحبة في الحق.
وإذا كنا نريد أن ننقذ أبناءنا ومجتمعاتنا وكنائسنا من حالة الاستقطاب والانقسام التي تزداد يومًا بعد يوم، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا أولًا، وأن نراجع لغتنا وأفكارنا وأساليبنا، لأن الكلمة التي تخرج منا قد تصنع سلامًا أو تشعل حربًا.
وعندها فقط نستطيع أن نواجه أخطر أزمات عصرنا، لا بالقوة ولا بالضجيج، بل بالحكمة والمحبة وروح المسيح التي ما زالت قادرة أن تشفي ما أفسدته الصراعات، وأن تجمع ما فرقته الخصومات، وأن تبني ما هدمه العنف الناعم .
#ابونا_ايلاريون_جرجس
فى زمن العنف الفكري والروحي
لا أخفي دهشتي وأنا أراقب ما آلت إليه حالة المجتمع في السنوات الأخيرة. فالصراعات لم تعد استثناءً، بل أصبحت هي القاعدة. ولم يعد الخلاف أمرًا عارضًا بين البشر، بل تحول إلى مناخ عام نعيش فيه ونتنفسه يوميًا.
نختلف في السياسة فنُخاصم.
ونختلف في الفكر فنُهاجم.
ونختلف في العقيدة فنُدين.
ونختلف في الرأي فنُلغي الآخر.
لقد أصبح العالم أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه أكثر انقسامًا من أي وقت مضى.
والمشكلة الحقيقية ليست في وجود الاختلاف، فالاختلاف سنة إنسانية وطبيعة بشرية، بل في الطريقة التي أصبحنا ندير بها اختلافاتنا. فبدلًا من الحوار أصبحنا نمارس المحاكمة. وبدلًا من الفهم أصبحنا نبحث عن الإدانة. وبدلًا من البحث عن الحقيقة أصبح كل طرف يبحث عن الانتصار.
إننا نعيش حالة من “العنف الفكري الناعم”، وهو أخطر من العنف الجسدي أحيانًا.
فالعنف الجسدي قد يجرح الجسد.
أما العنف الفكري فيجرح الإنسان كله.
إنه عنف يمارس بالكلمات لا بالعصي.
وبالمنشورات لا بالأسلحة.
وبالسخرية لا بالرصاص.
عنف يجعل الإنسان يشعر أنه متهم قبل أن يتكلم، ومدان قبل أن يُسمع، ومرفوض قبل أن يُفهم.
لكن ما يثير القلق حقًا هو أن هذا المناخ لم يتوقف عند حدود المجتمع، بل تسلل إلى المجال الروحي أيضًا.
فهل نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن بعض الخطابات الدينية أصبحت بدورها جزءًا من الأزمة؟
هل نمتلك الجرأة لنقول إن بعض الوعظ لم يعد يحمل رائحة الإنجيل بقدر ما يحمل رائحة الصراع؟
لقد صار بعض الوعاظ يتحدثون وكأنهم في معركة.
وصار بعض المستمعين يبحثون عن خصوم لا عن خلاص.
وصارت المنابر أحيانًا ساحات مواجهة بدلاً من أن تكون مستشفيات للنفوس المجروحة.
أصبحنا نسمع وعظًا يرفع مستوى الغضب أكثر مما يرفع مستوى المحبة.
ويزيد الانقسام أكثر مما يصنع الوحدة.
ويغذي الأحكام أكثر مما يغذي التوبة.
وكأن المسيح جاء ليؤسس محكمة لا كنيسة!
بينما الحقيقة أن المسيح لم يكن صانع خصومات، بل صانع مصالحة.
لم يجلس مع الكاملين بل مع الخطاة.
ولم يبحث عن المنتصرين بل عن المنكسرين.
ولم يبنِ ملكوته بالخوف بل بالمحبة.
لقد واجه الشر بكل قوة، لكنه لم يحتقر الإنسان.
وأعلن الحق كاملًا، لكنه لم يفصل الحق عن الرحمة.
أما نحن فصرنا أحيانًا نستخدم الحق كسيف ضد الآخرين بدلًا من أن نجعله نورًا لأنفسنا.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الكنيسة ليس الاضطهاد من الخارج، بل القسوة من الداخل.
وأخطر ما يمكن أن يصيب الخدمة ليس قلة الإمكانيات، بل فقدان روح المسيح.
وأخطر ما يمكن أن يصيب الوعظ ليس ضعف المعلومات، بل غياب المحبة.
إن الناس اليوم لا تعاني من نقص الكلام.
العالم ممتلئ بالكلام.
لكن العالم يعاني من نقص الرحمة.
يعاني من نقص الإصغاء.
يعاني من نقص القلوب التي تستطيع أن تختلف دون أن تكره، وأن تناقش دون أن تجرح، وأن تعلن الحق دون أن تفقد المحبة.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا ليس:
هل انتصر رأيي؟
بل:
هل ربحت إنسانًا؟
ليس:
هل هزمت المخالف؟
بل:
هل أظهرت روح المسيح؟
ففي النهاية لن يذكر التاريخ من كان الأعلى صوتًا.
بل سيذكر من كان أكثر محبة.
ولن تبقى الكلمات التي أشعلت الصراعات.
بل ستبقى الكلمات التي صنعت سلامًا.
وفي زمن صار فيه الجميع يتكلمون…
ربما أصبح العالم في احتياج شديد إلى أناس يشبهون المسيح.
يتكلمون بالحق، لكن بمحبة.
ويختلفون، لكن باحترام.
ويعظون، لكن بروح الأبوة لا بروح الإدانة.
ويناقشون، لكن بهدف الوصول إلى الحقيقة لا الانتصار للنفس.
فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى مزيد من الضمائر الحية.
ولا يحتاج إلى من يشعلون الصراعات، بل إلى من يطفئون نيرانها.
ولا يحتاج إلى من يقسمون الناس إلى معسكرات متناحرة، بل إلى من يبنون الجسور بين القلوب والعقول.
إن الحضارات لا تُبنى بالصراخ، والمجتمعات لا تستقر بالكراهية، والكنيسة لا تنمو بالخصومات، والإنسان لا يخلص بالعنف الفكري أو اللفظي.
فالحق الذي يخلو من المحبة يتحول إلى قسوة، والمحبة التي تخلو من الحق تتحول إلى ضعف، أما رسالة المسيح فكانت وما زالت دعوة إلى الحق في المحبة، والمحبة في الحق.
وإذا كنا نريد أن ننقذ أبناءنا ومجتمعاتنا وكنائسنا من حالة الاستقطاب والانقسام التي تزداد يومًا بعد يوم، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا أولًا، وأن نراجع لغتنا وأفكارنا وأساليبنا، لأن الكلمة التي تخرج منا قد تصنع سلامًا أو تشعل حربًا.
وعندها فقط نستطيع أن نواجه أخطر أزمات عصرنا، لا بالقوة ولا بالضجيج، بل بالحكمة والمحبة وروح المسيح التي ما زالت قادرة أن تشفي ما أفسدته الصراعات، وأن تجمع ما فرقته الخصومات، وأن تبني ما هدمه العنف الناعم .
#ابونا_ايلاريون_جرجس