و في احد مراعي الغابة - و اثناء انشغال الاسد و اشباله في مطاردة الغرباء الدخلاء الذين احتلوا سماء الغابة و صاروا يهددون كل حيوان فيها بالموت جوعا بعد ان ارعب تواجدهم المكثف جميع الحيوانات و اجبرها علي البقاء في جحورها و اوكارها دون ان تجد فرصة للخروج لتقتات - تواصل الارانب اللاهية فوضويتها وهوايتها المفضلة في العبث بكل زرع و افساد كل نبتة و اقتلاع كل غرس خاصة مع ازدياد مشاعر الكراهية بينها تجاه الاسد شخصيا و تنامي رغبتها في الانتقام منه و اجهاده بافساد كل اعماله و تشويهها قدر استطاعتها ..
و فجأة تتعالي صرخات الفزع من بعض الارانب في ركن مظلم من الغابة .. و علي الفور تهرول الارانب لها عدوا في اتجاه الصراخ لتستطلع الامر .. و وسط تجمع الارانب الصارخة تفوح رائحة نتنة و علي الفور تدرك باقي الارانب سبب الصراخ ..
فلقد وجدت الارانب ارنبا صغيرا.. ميتا .. سحقته اقدام حيوان قوى بلا رحمة ..
و علي الفور تترجم الارانب الحمقاء ان الارنب " البرئ " كان يلهو و يمرح في برائة و سلام فأدركه احد الفهود او النمور التي كلفها الاسد بحراسة المروج في الغابة و بطش به بطشا فمزقه .
و تتعالي صرخات الالم و الغضب و الاستنكار من الارانب كلها .. من كان منها قريبا فراي الجثة بعينيه .. و حتي من كانوا واقفين في الخلف من تجمع الارانب و لم يروها حقيقة .
لكن حتي هؤلاء الذين كانوا قريبين من الجثة و راوها بعينيهم .. لم يروا الحقيقة .. فالارنب - بعيد عن الجثة او حتي قريب - اعمي تقريبا و ضعيف البصر و لا يري و لا يتبين اي شئ بوضوح .. حتي الارانب الاخري من بني جنسه.
و بالفعل كانت تلك هي الحقيقة ..
فالارنب الصغير القتيل لم يكن ارنبا علي الاطلاق ..
بل فأر فاسد مفسد ضخم ..
و بسبب ضخامة حجمه الذي يقارب حجم صغار الارانب.. و لونه الرمادي الذي يشبه لون الارانب البرية.. و بسبب اذانه الضخمة الطويلة.. راح العميان الحمقي يظنونه ارنبا مثلهم سحقته قوى الاسد الغاشمة .. و راحوا يبكون عليه في حسرة و حماقة لا مثيل لها .. و راحوا ينوحون و يولولون في هيستيريا حتي ان ضجيجهم اجبر جميع حيوانات الغابة بلا استثناء علي ان تطل برؤوسها من جحورها و اوكارها و تهرول في اتجاه الصراخ المفزع والعويل الذي يقطع نياط القلوب لتستطلع الامر .
و يترامي الصراخ الي مسامع الضباع و الذئاب و الثعالب فتهرول هي الاخرى لتقف علي الاسباب .. و من صراخ الارا
نب الحمقاء الهيستيري و عويلها الذي لا ينقطع يستبين الثعلب وسط كل هذا الهذيان سبب الضجة .. و حالا يعدو راجعا لرفقائه و حلفائه الضباع و الذئاب ليخبرهم بالحدث .. و يبشرهم بالبشرى .
و كعادة الثعالب التي تصطاد في الماء العكر .. يبشر الثعلب رفقائه قائلا :
ابشروا .. ها قد اتت الايام بهدية و فرصة ثمينة لنا للتخلص من الاسد و تأليب كل حيوانات الغابة تقريبا عليه حتي ان ذكر اسمه فقط امامها سيصير مكرهة و عارا من فرط ما ستحويه قلوبها من كراهية تجاهه و تجاه حراساته و قواته .. و هذه الفرصة ينبغي ان نقتنصها اقتناصا .. الان و ليس غدا .
انها ذريعة الفتنة القادمة .. و عود الثقاب الاول الذي سيشعل الوف المشاعل التي ستساهم في حريق الغابة الذي انتظرناه طويلا .
و يكمل الثعلب ضاحكا في سخرية و استهزاء فيقول :
فالارانب العمياء جن جنونها بعد ان وجدت جثة الفأر الضخم " فرفور " مسحوقا بلا رحمة من قبل احد فهود الاسد .. فظنوه من عماهم و حماقتهم ارنبا صغيرا مسالما مثلهم و من بني جنسهم.. و راحوا يصرخون و يولولون عليه في هيستيريا كما تسمعون الان ..
و لهذا ..
فغدا اريد من كل ذئب و من كل ضبع و من كل ثعلب ان يعلق منشورا علي كل شجرة في الغابة به صورة الفار القتيل ..الماسوف علي شبابه .." فرفور " ..
و يكمل الثعلب ضاحكا في تعاطف مصطنع و خبث لا مثيل له قائلا :
و سنكتب تحتها .. بحروف من دماء :
" كلــــــــــنا.. فــــرفــــور ".
و يتعالي عواء الذئاب و الضباع طربا و استحسانا للفكرة الجهنمية .
.... يتبع