قصة حياة و سيرة ابراميوس
قدم لنا القديس بالاديوس أمثلة رائعة لقديسين عظماء خاصة من مصر، لكنه أيضًا قدم لنا سيرة أبراميوس أو إبراهيم Abramius حتى ندرك حرب الشياطين المستمرة حتى ضد الرهبان والنساك مهما بلغوا من حياة نسكية. عاش ابراميوس في البرية في حياة نسكية شديدة، وكان قاسيًا جدًا على نفسه، لكن عدو الخير ضربه بالكبرياء والغرور .... فجاء يومًا إلى الكنيسة وأراد أن يمارس العمل الكهنوتي، فتعجب الحاضرون لأنه ليس بكاهن. أما هو فقال لهم: "لقد سامني المسيح بيده كاهنًا الليلة الماضية". عندئذ أدركوا سقوطه، فألزموه بترك البرية وصاروا يرعونه طالبين منه الاعتدال في الحياة النسكية حتى شفي مكن كبريائه وتشامخه، وبهذا أنقذوه من سخريات الشيطان بإدراكه لضعفه. هنا نود تأكيد اهتمام الآباء النساك بالحياة الداخلية التقوية، خاصة الاتضاع .... لأن ممارسة النسكيات بلا تقوى تُفقد الإنسان حياته بالكبرياء والتشامخ.
قصة حياة و سيرة ابراهيم بك نخلة
يعتبر إبراهيم بك نخلة وأخوه صالح نخلةمن أبناء الكنيسة المشهود لهم في القرن التاسع عشر لما قدماه من خدمات جليلة في الإسكندرية.
نشأته: والدهما المعلم نخلة إبراهيم كاتم أسرار السيد شريف باشا الكبير والمشرف على أعماله، اهتم بتربية أولاده وتعليمهم. التحق ابنه إبراهيم بإدارة شئون الرجل الثري الشهير الكونت زغيب الكبير بالإسكندرية، والتحق أخوه صالح بخدمة القطاوية بالإسكندرية حيث شغل وظيفة باشكاتب البنك القطاوي، تركها ليلتحق بدائرة الأمير فاضل باشا كرئيس للحسابات، بعدها التحق كرئيس لحسابات الدائرة البلدية، ثم انتقل بعد ذلك رئيسًا لحسابات الدائرة البلدية. اهتماماته الكنسية اهتم الأخان بتشييد كاتدرائية كبرى على مقبرة القديس مارمرقس مع بعض أراخنة الإسكندرية، كما قاما ببناء مدرسة كانت الأولى من نوعها، احتلت المكانة الأولى بين مدارس الإسكندرية، إذ لم يكن بالمدينة مدرسة مصرية أخرى سوى مدرسة رأس التين الأميرية.... وكان وزير المعارف يحضر احتفالها السنوي. قام الأخان بتعديل مبنى دار البطريركية. كان البابا ديمتريوس الثاني والبابا كيرلس الخامس يشملان الأخين بعطفهما وبركتهما، ويشجعانهما على الخدمة، وقد عين البابا كيرلس الخامس إبراهيم ناظرًا على الأوقاف المرقسية ومدرستها وأخاه صالح نخلة ناظرًا على الكنيسة المرقسية. وإذ مات الأخير عام 1887 م اسند البابا كيرلس عمله لأخيه. كان لإبراهيم الدالة لدى البابا والمجلس الملي، لهذا عندما حدثت أزمة بينهما قام بمصالحتهما. مات يوم 14 إبريل 1906 م في فجر سبت النور، وكان قد أعد مواد البناء لإقامة معهد علمي بأرض المرقسية.
قصة حياة و سيرة ابراهيم الأسقف
يدعى الأسقف إبراهيم أو ابراميوس Abraames, bishop of Carrhae. تحتفل الكنيسة الغربية بعيده في 14 من شهر فبراير؛ حياته تعلن وحدة الحياة المسيحية دون ثنائية، فقلبه النقي يميل إلى العبادة بلا حدود، يحب الوحدة ليلتقي بعريسه السماوي، دون انغلاق نحو النفوس مقدمًا حياته مبذولة من أجل الكرازة بالحق. ولد ببلدة Cyrrlus بسوريا، تاق لحياة التكريس للعبادة فعاش كمتوحد، وكان قلبه يزداد غيرة على خلاص كل نفس، لهذا التزم بالحب أن ينزل إلى قرية بجبل لبنان كل سكانها وثنيون. وفي اتضاع عمل كبائع فاكهة حتى يقدم حبًا لكل من يلتقي به، وإذ اكتشفوا أنه مسيحي أساءوا معاملته جدًا وصاروا يقاومونه .... لكنه احتملهم بصبره ووداعته. بالكاد خلص من موت كانوا يعدونه له، وفي محبته لهم كان يقترض مالاً ليدفعه لجابي الجزية ليفتدي الفلاحين الذين يتعرضون للسجن بسبب عجزهم عن الإيفاء بالجزية، فربح القرية كلها، وأقام معهم ثلاث سنوات يعلمهم ويتلمذهم فأحبوه جدًا وتعلقوا به، ولكنه في حبه للوحدة دبّر لهم سيامة كاهن وانطلق إلى البرية. سيامته أسقفًا لم يكن ممكنًا أن يبقى كثيرًا في البرية فقد توافد الكثيرون إليه يطلبون إرشاده، وأخيرًا سيم أسقفًا على Carrhae بالمصيصة "ما بين النهرين"، فكان الأب الروحي الأمين في التزاماته الأسقفية مع سلوكه بحياة رهبانية زاهدة حتى تنيح عام 422 م في القسطنطينية، إذ قيل أن الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير كان يحبه جدًا ويكرمه فاستدعاه إلى العاصمة وأكرمه، وقد احتفظ بثوب له من المسوح كان يرتديه الإمبراطور في أيام معينة تكريمًا لهذا الأب.
قصة حياة و سيرة ابراهيم الجوهري المعلم
نشأته:
رجل عصامي نشأ في القرن الثامن عشر من أبوين متواضعين فقيرين تقيين، والده يسمى يوسف الجوهري كان يعمل في الحياكة بقليوب. تعلم في كتّاب بلده الكتابة والحساب وأتقنهما منذ حداثته، فكان يقوم بنسخ بعض الكتب الدينية ويقدمها للبابا يؤانس الثامن عشر (البابا 107). سرّ البابا من غيرته وتقواه وقربه إليه، وكان يقول له: "ليرفع الرب اسمك، ويبارك عملك، وليقم ذكراك إلى الأبد". بدأ عمله ككاتب لدى أحد أمراء المماليك، توسط له البابا لدى المعلم رزق رئيس كتّاب علي بك الكبير، فأتخذه كاتبًا خاصًا له، واستمر في هذه الوظيفة إلى آخر أيام علي بك الكبير الذي ألحقه بخدمته، ولما تولى محمد بك أبو الذهب مشيخة البلد اعتزل المعلم رزق من رئاسة الديوان وحلّ المعلم إبراهيم محله، فبدأ نجمه يتألق في مصر، حتى صار رئيس كتاب القطر المصري في عهد إبراهيم بك، وهي تعادل رتبة رئاسة الوزارة حاليًا .... هذا المركز زاده وداعة واتضاعًا وسخاءً فاجتذب القلوب إليه.
تجاربه:
كان له ابن يدعى يوسف وابنة تسمى دميانة، مات الأول بعد ما أعد له منزلاً بكل إمكانياته ليزوجه .... فكانت نفس الوالدين مرة للغاية حتى سمّر الرجل الباب بمسامير وكسر السلم كي لا يدخل أحد البيت لكن، تحولت المرارة إلى حب شديد لمساعدة الأرامل والأيتام وتعزية كل حزين أو منكوب. وقد ظهر القديس أنبا أنطونيوس لزوجته كما له في نفس الليلة وعزاهما. حدث انقلاب في هيئة الحكام، وحضر إلى مصر حسن باشا قبطان من قبل الباب العالي فقاتل إبراهيم بك شيخ البلد ومراد بك واضطرا إلى الهروب إلى أعالي الصعيد ومعهما إبراهيم الجوهري وبعض الأمراء وكتّابهم .... فنهب قبطان باشا قصور البكوات والأمراء والمشايخ واضطهد المسيحيين، وقام بسلب ممتلكات المعلم إبراهيم وعائلته وكل ما قد أوقفه على الكنائس والأديرة. اضطرت زوجته إلى الاختفاء في بيت حسن أغا كتخدا علي بك، لكن البعض دلّ الباشا عليها، فاستحضرها وأقرت بكل ممتلكاتهما، كما استحضر أيضا ابنتها دميانة التي طلبت من الباشا مهلة، فيها جمعت بعض الفقراء لتقول له: "أن أموال أبي في بطون هؤلاء وعلى أجسامهم" .... ويبدو أن الباشا تأثر لذلك إلى حد ما فلم يبطش بها. عاد إبراهيم بك ومراد بك ومعهما المعلم إبراهيم إلى القاهرة في 7 أغسطس 1791، وكان المعلم إبراهيم محبوبًا من السلطات جدًا ومن الشعب حتى دُعي "سلطان القبط" كما جاء في نقش قديم على حامل الأيقونات لأحد هياكل كنائس دير الأنبا بولا بالجبل الشرقي، وأيضًا في كتابه بقطمارس محفوظ بنفس الدير. قال عنه الجبرتي المؤرخ الشهير: "إنه أدرك بمصر من العظمة ونفاذ الكلمة وعظيم الصيت والشهرة، مع طول المدة بمصر ما لم يسبق من أبناء جنسه، وكان هو المشار إليه في الكليات والجزئيات، وكان من دهاقين العالم ودهاتهم لا يغرب عن ذهنه شيء من دقائق الأمور، ويداري كل إنسان بما يليق به من المداراة، ويفعل بما يوجب من انجذاب القلوب والمحبة إليه، وعند دخول شهر رمضان كان يرسل إلى غالب أرباب المظاهر ومن دونهم الشموع والهدايا، وعمرت في أيامه الكنائس والأديرة، وأوقف عليها الأوقاف الجليلة، والأطيان، ورتب لها المرتبات العظيمة والأرزاق الدائرة والغلال". قال عنه الأنبا يوساب الشهير بابن الأبح أسقف جرجا وأخميم إنه كان محبًا لكل الطوائف، يسالم الكل، ويحب الجميع، ويقضي حاجات الكافة ولا يميز أحدًا عن الآخر في قضاء الحق. خلال علاقاته الطيبة مع السلاطين في مصر والأستانة كان يستصدر فرمانات خاصة ببناء الكنائس وإصلاحها. كما قدم الكثير من أمواله أوقافًا للكنائس والأديرة، واهتم بنسخ الكثير من الكتب الدينية على حسابه لتقديمها للكنائس.
وداعته:
قيل أن أخاه المعلم جرجس الجوهرى جاءه يوما يشتكي له من بعض الشبان إنهم أهانوه في الطريق، سائلاً إياه أن يتصرف خلال سلطانه، فقال له أنه سيقطع ألسنتهم .... وفي اليوم التالي إذ كان أخوه يسير في نفس الطريق وجد الشبان يحبونه ويكرمونه جدًا. فلما سأل أخاه عما فعله معهم، أجاب أنه أرسل لهم عطايا وخيرات قطعت ألسنتهم عن الشر. قيل عنه أيضًا إنه إذ كان يصلي في كنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة، وكان متعجلاً أرسل إلى القمص إبراهيم عصفوري ? من علماء عصره ? يقول له: "المعلم يقول لك أن تسرع قليلاً وتبكر في الصلاة ليتمكن من اللحاق بالديوان". أجابه الكاهن: "المعلم في السماء واحد، والكنيسة لله لا لأحد. فإن لم يعجبه فليبن كنيسة أخرى". إذ سمع المعلم إبراهيم تقبل الإجابة بصدر رحب دون غضب أو ثورة، ولكنه حسب ذلك صوتًا من الله إذ بنى كنيسة باسم الشهيد أبي سيفين بالجهة البحرية لكنيسة السيدة العذراء .... أما الكاهن فجاء يهنئه على بنائها، قائلاً: "حمدًا لله الذي جعل استياءك سببًا في بناء كنيسة أخرى فزادت ميراثك وحسناتك". حبه لخدمة الآخرين عاد المعلم إبراهيم بعد قداس عيد القيامة المجيد ليجد أنوار بيته مطفأة كلها، وإذ سأل زوجته عن السبب أجابته: "كيف نستطيع أن نبتهج بالنور، ونعّيد عيد النور المنبثق من القبر الفارغ وقد حضرت عندي في المساء زوجة قبطي سجين هي وأولادها في حاجة إلى الكسوة والطعام؟! وقد ساعدني الله، فذهبت إلى زوجة المعلم فانوس الذي نجح في استصدار الأمر بإطلاق سراحه". فذهب المعلم إبراهيم وأحضر الرجل وزوجته وأولاده إلى بيته لكي يضيء الأنوار ويبتهج الكل بالعيد أما ما هو أعجب فإن هذا السجين الذي أكرمه المعلم في بيته إذ قدم له عملاً، قال للمعلم بأن هناك صديق له هو أولى منه بهذه الوظيفة وأكثر منه احتياجًا، ففرح المعلم إبراهيم باتساع قلب هذا الرجل ومحبته، وقدم عملاً لصديقه.
محبة غالبة للموت:
انتقل المعلم إبراهيم في 25 بشنس سنة 1511 الموافق 31 مايو 1795، فحزن عليه أمير البلاد إبراهيم بك الذي كان يعزه جدًا، وقد سار في جنازته، ورثاه البابا يؤانس. لم تنته حياته بموته فقد قيل أن رجلاً فقيرًا اعتاد أن يأتيه (ربما من بلد أخرى) بطريقة دورية يطلب معونة، وإذ جاء كعادته وبلغ داره عرف إنه تنيح فحزن جدًا. سأل عن مقبرته، وانطلق إليها يبكي ذاك السخي بمرارة، حتى نام من شدة الحزن، وظهر له المعلم إبراهيم يقول له: "لا تبكِ، أنا لي في ذمة (فلان الزيات ببولاق) عشر بنادقة، فسلّم عليه مني وأطلبها منه فيعطيها لك". إذ استيقظ الرجل خجل أن يذهب إلى المدين. بالليل ظهر له المعلم مرة أخرى في حلم وسأله أن ينفذ ذات الأمر .... لكنه أيضا تردد في الأمر. وفي المرة الثالثة قال له: "لا تقلق، اذهب كما قلت لك، وسأخبره بأمرك". فقام الفقير وذهب إلى الرجل دون أن ينطق بكلمة. تفرس فيه الرجل وطلب منه أن يروي له ما حدث معه. وإذ روى له ذلك، قال: "بالحق نطقت، لأن المعلم إبراهيم تراءى لي أنا أيضا، وأبلغني بالرسالة التي أمرك بها. فإليك ما في ذمتي، وهوذا مثلها أيضا مني".
محبة بلا تغصُّب: يروي لنا توفيق إسكارس في كتابه: "نوابغ الأقباط ومشاهيرهم في القرن التاسع عشر" أن أسرة سريانية أرثوذكسية من حلب لا تزال تقيم قداسات إلهية باسم هذا الراحل، ذلك أن عائلهم وجد ضيقًا شديدًا ونُهبت أمواله في حلب فجاء إلى مصر واهتم به المعلم إبراهيم وسنده في عمل التجارة فانجح الرب طريقه واقتنى ثروة ضخمة ورجع إلى عائلته يروي لهم ما فعله هذا القبطي به، فرأوا أن يقيموا قداسات باسمه اعترافًا بفضله.
قصة حياة و سيرة جرجس الجوهري المعلم
هو شقيق المعلم إبراهيم الجوهرى ، وليست شهرته فقط في علو المنصب وعظم المكانة، بل لِما امتاز به من العقل وكرم الأخلاق وعمل المعروف للجميع بدون تمييز بين مسلمٍ ونصرانيٍ وعدم التدخل فيما لا يعنيه وعظم النفس والصدق، حتى نال ثقة الجميع على اختلاف أجناسهم ومشاربهم. وقد باشر أمور الحكومة في أربعة عهود مختلفة واحتك بكثير من حكام متباينين في العادات والأخلاق والدين.
1. مدة حكم المماليك يذكر التاريخ أنه لما مات أخوه المعلم إبراهيم الجوهري قلده إبراهيم بك منصبه فأصبح كبير كتبة مصر. اقتدى بأخيه في كل شيء حتى نال ثقة المصريين، مسيحيين ومسلمين. كان بين الكتبة الذين تحت إدارته رجل سوري الأصل يُدعى يوسف كسّاب سوّلت له نفسه أن يوشي به لدى إسماعيل بك الذي غضب عليه وعزله من منصبه، لكن بعد مدة وجيزة اكتشف إسماعيل بك كذب يوسف وخيانته، فأمر بتغريقه في نهر النيل، وأعاد المعلم جرجس إلى منصبه.
2. مدة الحملة الفرنسية مع أن الحملة الفرنسية تمثل فترة قصيرة جدًا بالنسبة لتاريخ مصر (1798-1801م) لكنها تمثل دورًا هامًا في تاريخ الأقباط. كان الأقباط في موقف لا يُحسدون عليه. فمن ناحيةٍ جاء نابليون بونابرت إلى مصر لُيقيم إمبراطورية في الشرق الأوسط تحت دعوى الدفاع عن الإسلام، فلم يترك فرصة إلا وأظهر ودّه للمسلمين والإسلام، فكان يلبس الزي الشرقي ويصحب قادته إلى المسجد ومعه مائة شيخ ليتلو التواشيح، ويحرك رأسه متظاهرًا بالتقوى، لكن المسليمن أدركوا ما في أعماقه أنه لا يؤمن بالدين. ومن الجانب الآخر يروي لنا يعقوب بك نخلة أنه لما شاع الخبر أن الجنود الفرنسيين قادمون، واشتغل الأمراء بالاستعداد لمقابلتهم اختل النظام وسادت الفوضى، وكثر اللصوص وقطّاع الطرق في البلاد، وهاج سكان القاهرة على بيوت النصارى الأقباط والسوريين والإفرنج والأروام بدعوى البحث عما فيها من الأسلحة. واتخذ أهل الفساد والطمع هذا ذريعة، فنهبوا بيوت الذين لا قدرة لهم على المقاومة. وأشار البعض بقتل جميع النصارى عن آخرهم. فعارضهم في ذلك إبراهيم بك وقاومهم ومنعهم، واحتمى بعض النصارى الإفرنج وغيرهم في داره... وهجم رعاع الناس على بيوت البكاوات والأمراء الذين فروا أمام الفرنسيين ونهبوها. لكن شعر بونابرت بحاجته إلى خبرة الأقباط خاصة في جمع الضرائب كما يظهر من رسالته إلى الجنرال كليبر في 22أغسطس 1700م.
لقد تعرف على المعلم جرجس، وكما يقول توفيق إسكاروس: "لما قُضي الأمر وانتصر نابليون بجيوشه على المماليك في إمبابه ووصلوا إلى بولاق كلف (مراد بك) المعلم جرجس بإعداده لنزول نابليون فيه ففرشه وجهزه، ولما دخل القاهرة أقام به. ومن ذاك الحين عرفه نابليون وكليبر ومنومن بعده وتحققوا فيه سداد الرأي والحلم. فكان في نظرهم عميد الأقباط واحترموه غاية الاحترام". اعتبره الفرنسيون عميد الأقباط، فأجلّوه واحترموه، واستصحبه نابليون بونابرت في إحدى المهام، كما استصحبه الفرنسيون في عبورهم للنيل عند بولاق عقب وصول الجيش العثماني إلى أبي قير بصحبة حلفائهم الإنجليز. وظل المعلم جرجس محافظًا على رئاسة الكتاب والمباشرة وحائزًا على ثقة الفرنسيين ورضاء أعيان المصريين وكبار المشايخ والسادة، حتى تم جلاء الفرنسيين عن مصر في سنة 1081م.
3. مدة حكم الأتراك حينما دخل الأتراك والمماليك القاهرة على أثر انسحاب الفرنسيين، ساد الاضطراب وهرب عدد كبير من الأقباط إلى مصر القديمة والجيزة. يصف الجبرتي ما عاناه الأقباط فقال: "أما أكابر القبط مثل جرجس الجوهري وفلتيوس وملطي فإنهم طلبوا الأمان من المتكلمين من المسلمين لكونهم انحصروا في دورهم، وهم في وسطهم، وخافوا على نهب دورهم إذا خرجوا فارين. فأرسلوا إليهم الآمان فحضروا وقابلوا الباشا والكتخدا والأمراء وأعانوهم بالمال واللوازم". وفي أول سنة 1803م ثار الجنود الأتراك وزحفوا على حارة النصارى ونهبوا بيت المعلم جرجس الجوهري وأخذوا منه أشياء نفيسة. يقول الجبرتي بأنه في يوم الأحد 15 صفر سنة 1219هـ أشيع بأن فرمانًا صدر ضد النصارى أنهم لا يلبسون ثيابًا ملونة، ويقتصرون على لبس الأزرق والأسود فقط. فبمجرد الإشاعة وسماع ذلك ترصد جماعة من الغوغاء لمن يمر عليهم من النصارى ولمن يجدوه بثياب ملونة يأخذون طربوشه ونعله الأحمر ويتركون له الطاقية والحزام الأزرق. ولم يكن القصد من ذلك الانتصار للدين بل السلب وأخذ الثياب؛ ثم أن النصارى صرخوا إلى عظمائهم فسمعوا لشكواهم، ونودِيَ بعدم التعرض لهم.
4. مدة حكم محمد علي يقول الجبرتي أن محمد على باشا بدأ تصرفاته بالعمل على تعزيز كلمته وإظهار سلطانه وتأييد مقامه واسترضاء الجند وصرف المتأخر من مرتباتهم، ففرض على قبط مصر وعلى عظمائهم جزية. قال صاحب الكافي: "قبض على المعلم جرجس الجوهري معلم مصر يومئذ وصاحب خراجها، وعلى جماعة من عظماء القبط وسجنهم ببيت كتخدا، وطلب من المعلم جرجس الجوهري حسابه عن سنة 1215م". بعد أن تولى محمد علي الحكم نال لديه المعلم جرجس المقام الأول لِما يسديه إليهم من الهدايا والعطايا، حتى كانوا يسمونه جرجس أفندي. وكان عظيم النفس ويعطي العطايا ويوزع على جميع الأعيان عند قدوم شهر رمضان الشموع والسكر والأرز والبن والملابس. غير أن الوالي سرعان ما انقلب عليه بعد ذلك مختلقًا سببًا وهو عدم مبادرته إلى جباية كل ما كان يطلبه من الضرائب، ولعل ذلك كان شفقة من المعلم جرجس على الأهالي، فقبض عليه ومن معه من الأقباط بحجة أن في ذمته مبالغ متأخرة من حساب التزامه.
يقول توفيق إسكاروس: "في يوم الأربعاء 17 جمادي الأولى سنة 1220هـ قبض محمد على باشا على جرجس الجوهري ومعه جماعة من الأقباط، فحبسهم ببيت كتخدا، وطلب حسابه من ابتداء سنة خمسة عشرة، وأحضر المعلم غالي الذي كان كاتب الألفي بالصعيد وألبسه منصبه في رآسة الأقباط... وفي يوم الأربعاء (24 منه) افرجوا عن جرجس الجوهري ومن معه على أربعة آلاف وثمانمائة كيس وأن يبقى على حاله. فشرع في توزيعها على باقي الأقباط وعلى نفسه وعلى كبرائهم وصيارفهم ما عدا فتيوس وغالي، وحوّلت عليه التحاويل وحصل لهم كرب شديد وضج فقراؤهم واستغاثوا. اضطر المعلم جرجس إلى بيع كثير من أملاكه في الأزبكية وقنطرة الدكة، ثم لجأ إلى الصعيد ويُقال أن محمد علي قد نفاه هناك. قبل رحيله إلى الصعيد جمع كل حجج أملاكه وسلمها إلى البطريركية كوقفٍ لها لتنفق من ريعها، وقد صُرح له بالعودة إلى القاهرة بعد أربع سنوات فعاد سنة 1809م وقابل الباشا فأكرمه، ثم نزل بيته الذي كان المعلم غالي قد أعده له، وتقاطر وجوه المدينة من جميع الملل للترحيب به، ولكن المنية عاجلته فتنيح في سنة 1810م ودفن بدير مار جرجس بمصر القديمة بجوار أخيه المعلم إبراهيم الجوهري. كتب المؤرخ الجبرتي عنه قائلاً أنه نافذ الكلمة، واسع الصدر، عظيم النفس، أما خدماته للأقباط فلا تقل عما فعله أخوه المعلم إبراهيم الجوهري، فكان شريكه في تعمير الكنائس والأديرة ووقف العقارات عليها إلى غير ذلك من وجوه البر والإحسان.
قصة حياة و سيرة ابراهيم القيدوني
روى لنا القديس أفرام السريانى قصة ناسك يدعى إبراهيم أو أبرام أو إبراميوس القيدوني Abraham of Kidunaia ، وكان معاصرًا له من وطنه، أحبه جدًا لنسكه مع اتساع قلبه بالحب وشوقه لخلاص كل نفس، كثيرًا ما كان يزوره ويتحدث معه. وقد جاءت القصة مشابهة لقصة تاييس لأناتول فرانس التي كتبها بعد أحداث هذه القصة بقرون طويلة. تحتفل الكنيسة الغربية بعيده في 16 مارس. حداثته ولد إبراهيم في مدينة الرها أو أحد ضواحيها، وقد دعي "القيدوني" نسبة إلى قرية قيدون بجوار الرها، من بيت كريم كثير الغنى، هذبه والداه بالثقافة والفلسفة مع التقوى والورع. عافت نفس الفتى كل غنى هذا العالم ومباهجه، وإذ أدرك والداه تقشفه الزائد وميله للعزلة إذ كان يقضي أوقاته في العبادة مع الدراسة والتأمل خشي أن يتركهما ابنهما المحبوب لديهما إلى الحياة النسكية فألزماه بالزواج. ومن أجل حيائه وتقواه لم يستطع مقاومة والديه، فوجد نفسه قد ارتبط بعروس في الكنيسة. بقى الوالدان يقيمان الحفلات لمدة أسبوع كأهل زمانهم من أجل زواج ابنهما.... وقبل أن يتعرف الشاب على عروسه تسلل ليلاً واختفى. صار الكل يبحث عنه حتى وجدوه بعد 17 يومًا مختفيًا في مغارة خارج المدينة. حياته النسكية عبثًا حاول السعاة أن يردوه إلى البيت إذ وضع في قلبه أن يعيش بتولاً، يمارس الحياة النسكية والتعبدية..... (لا نعرف ما موقف عروسه إذ لا يليق به أن يتركها دون موافقتها). قيل أنه بنى المغارة بالطوب ولم يترك إلا طاقة صغيرة يتناول منها طعامه، وعاش في المغارة يمارس العبادة الملائكية مع جهاد ضد قوات الظلمة. إن كان إبراهيم قد هرب من العالم وملذاته واهتماماته لكنه بقلب متسع بالحب لله والناس، لهذا تحولت مغارته إلى سّر بركة لكثيرين، فصارت ملجأ لكل حزين ومتألم ومريض، يجد الكل فيه قلبًا محبًا ونفسًا ملتهبة بالروح، يسند كل القادمين إليه. أفرام الكاهن فرح أسقف الرها بهذا الناسك الذي صار بركة للمدينة وتعزية للكثيرين، وسّر بناء روحي لنفوس كثيرة.... وإذ كان الأسقف متألمًا بسبب أهل "بيت قيدون Beth - Keduna " في ضواحي الرها، إذ كانوا وثنيين قساة القلب لا يستجيبون لأي عمل كرازي، ألّح على إبراهيم أن يقبل السيامة كاهنًا ليخدم بين هذه النفوس. أمام محبته لخلاص كل نفس قَبِل السيامة وانطلق إلى المدينة وسط الوثنيين الذين عاملوه بقسوة، حتى ضرب أكثر من مرة وألُقى بين القاذورات حاسبين أنه مات.... وكان إذ يسترد أنفاسه يعود إليهم ثانية ويتحدث معهم عن إنجيل المسيح.... وبعد ثلاثة أعوام إذ رأوا صبره ووداعته وقداسة سلوكه آمنوا بالسيد المسيح واعتمدوا. التف الكل حوله وتحولت المدينة إلى مقدس للرب.... وفرح الأسقف جدًا، لكن فجأة إذ اطمأن الكاهن عليهم اختفى راجعًا إلى مسكنه، فبكاه الكل.... وسام لهم الأسقف كاهنًا يرعاهم. مع مريم ابنة أخيه قيل أنه بعد عودته إلى مغارته مات أخوه وترك ابنة يتيمة الأب والأم تدعى مريم، كانت في السابعة من عمرها.... فاستأجر لها موضعًا بجواره وكان يهتم برعايتها ويدربها على تلاوة المزامير والحياة المقدسة في الرب، فتقدمت في الفضيلة وأحبت الحياة النسكية ممتثلة بعمها الأب أفرام. استطاع أحد الشبان أن يخدعها حتى سقطت معه في الخطية، وإذ خشيت الالتقاء مع عمها هربت بعيدًا وتحولت إلى حياة الدنس والنجاسة بعنف. بكاها القديس إبراهيم كثيرا، وكرّس صلوات ومطانيات وأصوام من أجل خلاصها.... وأخيرًا إذ عرف مكانها تخَفى في زي آخر والتقى بها حتى لا تهرب منه.... وبروح الوداعة مع دموع غزيرة ردها إلى التوبة، فرجعت معه مملوءة رجاءً مع انسحاق قلب، وقضت بقية حياتها تمارس التوبة مع نسك شديد. أما هو فإذ ردّ ابنة أخيه لم يبق كثيرًا بل أسلم روحه الطاهرة في يدي الرب. قال عنه كاتب سيرته: "لم يُر قط ضاحكًا، بل كان يتطلع إلى كل يوم أنه يومه الأخير. مع هذا فكان محياة نشيطًا، كامل الصحة وقوي البنية كما لو كان لا يمارس حياة التوبة". حياته صورة حيّة لتكامل الفكر النسكي مع التهاب القلب بالحب الإنجيلي، والتحام الحياة التأملية بالكرازة، واهتمام النفس بخلاصها خلال حبها لخلاص الكل. كتب مار إبراهيم صلوات وأدعية ضُم بعضها إلى كتاب "الأجبية" السرياني، أي صلوات الرهبان السبع. وقد نظُمت أناشيد سريانية كثيرة مستوحاة من توبة ابنة أخي مار إبراهيم، منها مرقاة أو سيبلتو (منظومة سريانية ملحّنة) لمار أفرام السرياني، قام بترجمتها إلى العربية غبطة البطريرك مار اغناطيوس زكا الأول عواص، جاء فيها: "مبارك هو المسيح الذي يفتح باب رحمته للخطاة التائبين، ألا فلأتنهد باكية على حياتي! الويل لي، ماذا أصابني؟ وكيف سقطت؟ يارب ارحمني .... لقد اختارني ابن الملك (السماوي) ودعاني لأفرح بوليمته، إلا أنني فضّلت فرح البشر. فيارب ارحمني. ويلاه! فإن الدير الذي اتشحت فيه بالاسكيم الرهباني يندبني الآن، وإن الشيخ الذي ألبسني الاسكيم ينتحب عليّ بحزن عميق، آه منك أيها الشرير ماذا فعلت بي؟! لقد نزعت عني الاسكيم المقدس، وارتديت حلة زانية.... الويل لي.... يارب ارحمني.... لقد نسيت مطالعة الكتب المقدسة، فالويل لي. وأبدلتها بصوت مزمار منكر. فيارب ارحمني. ويلاه! فقد كنت حمامة طاهرة ووديعة، وسقطت بين شدقي إبليس، وصرت له لقمة سائغة، آه منك أيها الشرير ماذا فعلت بي؟ ....! أيها العليّ الذي طأطأ سماء مجده ونزل إلى الأرض لينقذ الغرقى أمثالي، انتشلني من هوة الظلام التي سقطت فيها، آه ارحمني يارب. السماء والأرض ترجوانك من أجلي يارب"....
قصة حياة و سيرة ابراهيم المتوحد القديس
أحد الرهبان الباخوميين، تحتفل الكنيسة بعيد نياحته في 30 بابه. ولد بمنوف من أسرة متدينة تقية وغنية، فنشأ زاهدًا في كل شيء.... وإذ كبر انطلق إلى اخميم بصعيد مصر ومنها إلى حيث القديس باخوميوس الذي كاشفه باشتياقات قلبه، فاختبره وألبسه زي الرهبنة. عاش هذا القديس 23 سنة في الدير يمارس حياة الشركة بتقوى ومحبة شديدة لاخوته الرهبان، وإذ كان يتوق لحياة الوحدة سمح له القديس باخوميوس أن ينفرد في مغارة خارج الدير. عاش زاهدًا للغاية، يعمل بيديه شباكًا لصيد الأسماك يبيعها أحد المؤمنين ليشتري له فولاً، ويتصدق بالباقي، فكان طعامه اليومي قليلا من الفول المبلول كل مساء، أما ثوبه فتهرأ ولم يقتن آخر بل كان يلبس قطعة من الخيش إذ لم يكن يلتقي بأحد، ولا يخرج من قلايته إلا للتناول مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات. إذ شعر أن أيامه قد أوشكت على النهاية أرسل للقديس تادرس تلميذ القديس باخوميوس الذي كان يحبه جدًا، وصليا معًا ليرشم نفسه بعلامة الصليب وتنطلق نفسه.!
قصة حياة و سيرة ابراهيم روفائيل الطوخي بك
لاهوتي شهير ولد ببلدة طوخ الناصرى من أعمال المنوفية عام 1836، تنقل في دوائر الحكومة ووظائفها الحكومة حتى عُيّن مستشارًا في محكمة الاستئناف الأهلية، وتوفى بالقدس في خميس العهد 29 برمهات 1620 ش الموافق 7 أبريل 1904 م. كان عضوا في المجلس الملي الأول عام 1873م. وضع ستة مؤلفات دينية في مواضيع مختلفة.
قدم لنا القديس بالاديوس أمثلة رائعة لقديسين عظماء خاصة من مصر، لكنه أيضًا قدم لنا سيرة أبراميوس أو إبراهيم Abramius حتى ندرك حرب الشياطين المستمرة حتى ضد الرهبان والنساك مهما بلغوا من حياة نسكية. عاش ابراميوس في البرية في حياة نسكية شديدة، وكان قاسيًا جدًا على نفسه، لكن عدو الخير ضربه بالكبرياء والغرور .... فجاء يومًا إلى الكنيسة وأراد أن يمارس العمل الكهنوتي، فتعجب الحاضرون لأنه ليس بكاهن. أما هو فقال لهم: "لقد سامني المسيح بيده كاهنًا الليلة الماضية". عندئذ أدركوا سقوطه، فألزموه بترك البرية وصاروا يرعونه طالبين منه الاعتدال في الحياة النسكية حتى شفي مكن كبريائه وتشامخه، وبهذا أنقذوه من سخريات الشيطان بإدراكه لضعفه. هنا نود تأكيد اهتمام الآباء النساك بالحياة الداخلية التقوية، خاصة الاتضاع .... لأن ممارسة النسكيات بلا تقوى تُفقد الإنسان حياته بالكبرياء والتشامخ.
قصة حياة و سيرة ابراهيم بك نخلة
يعتبر إبراهيم بك نخلة وأخوه صالح نخلةمن أبناء الكنيسة المشهود لهم في القرن التاسع عشر لما قدماه من خدمات جليلة في الإسكندرية.
نشأته: والدهما المعلم نخلة إبراهيم كاتم أسرار السيد شريف باشا الكبير والمشرف على أعماله، اهتم بتربية أولاده وتعليمهم. التحق ابنه إبراهيم بإدارة شئون الرجل الثري الشهير الكونت زغيب الكبير بالإسكندرية، والتحق أخوه صالح بخدمة القطاوية بالإسكندرية حيث شغل وظيفة باشكاتب البنك القطاوي، تركها ليلتحق بدائرة الأمير فاضل باشا كرئيس للحسابات، بعدها التحق كرئيس لحسابات الدائرة البلدية، ثم انتقل بعد ذلك رئيسًا لحسابات الدائرة البلدية. اهتماماته الكنسية اهتم الأخان بتشييد كاتدرائية كبرى على مقبرة القديس مارمرقس مع بعض أراخنة الإسكندرية، كما قاما ببناء مدرسة كانت الأولى من نوعها، احتلت المكانة الأولى بين مدارس الإسكندرية، إذ لم يكن بالمدينة مدرسة مصرية أخرى سوى مدرسة رأس التين الأميرية.... وكان وزير المعارف يحضر احتفالها السنوي. قام الأخان بتعديل مبنى دار البطريركية. كان البابا ديمتريوس الثاني والبابا كيرلس الخامس يشملان الأخين بعطفهما وبركتهما، ويشجعانهما على الخدمة، وقد عين البابا كيرلس الخامس إبراهيم ناظرًا على الأوقاف المرقسية ومدرستها وأخاه صالح نخلة ناظرًا على الكنيسة المرقسية. وإذ مات الأخير عام 1887 م اسند البابا كيرلس عمله لأخيه. كان لإبراهيم الدالة لدى البابا والمجلس الملي، لهذا عندما حدثت أزمة بينهما قام بمصالحتهما. مات يوم 14 إبريل 1906 م في فجر سبت النور، وكان قد أعد مواد البناء لإقامة معهد علمي بأرض المرقسية.
قصة حياة و سيرة ابراهيم الأسقف
يدعى الأسقف إبراهيم أو ابراميوس Abraames, bishop of Carrhae. تحتفل الكنيسة الغربية بعيده في 14 من شهر فبراير؛ حياته تعلن وحدة الحياة المسيحية دون ثنائية، فقلبه النقي يميل إلى العبادة بلا حدود، يحب الوحدة ليلتقي بعريسه السماوي، دون انغلاق نحو النفوس مقدمًا حياته مبذولة من أجل الكرازة بالحق. ولد ببلدة Cyrrlus بسوريا، تاق لحياة التكريس للعبادة فعاش كمتوحد، وكان قلبه يزداد غيرة على خلاص كل نفس، لهذا التزم بالحب أن ينزل إلى قرية بجبل لبنان كل سكانها وثنيون. وفي اتضاع عمل كبائع فاكهة حتى يقدم حبًا لكل من يلتقي به، وإذ اكتشفوا أنه مسيحي أساءوا معاملته جدًا وصاروا يقاومونه .... لكنه احتملهم بصبره ووداعته. بالكاد خلص من موت كانوا يعدونه له، وفي محبته لهم كان يقترض مالاً ليدفعه لجابي الجزية ليفتدي الفلاحين الذين يتعرضون للسجن بسبب عجزهم عن الإيفاء بالجزية، فربح القرية كلها، وأقام معهم ثلاث سنوات يعلمهم ويتلمذهم فأحبوه جدًا وتعلقوا به، ولكنه في حبه للوحدة دبّر لهم سيامة كاهن وانطلق إلى البرية. سيامته أسقفًا لم يكن ممكنًا أن يبقى كثيرًا في البرية فقد توافد الكثيرون إليه يطلبون إرشاده، وأخيرًا سيم أسقفًا على Carrhae بالمصيصة "ما بين النهرين"، فكان الأب الروحي الأمين في التزاماته الأسقفية مع سلوكه بحياة رهبانية زاهدة حتى تنيح عام 422 م في القسطنطينية، إذ قيل أن الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير كان يحبه جدًا ويكرمه فاستدعاه إلى العاصمة وأكرمه، وقد احتفظ بثوب له من المسوح كان يرتديه الإمبراطور في أيام معينة تكريمًا لهذا الأب.
قصة حياة و سيرة ابراهيم الجوهري المعلم
نشأته:
رجل عصامي نشأ في القرن الثامن عشر من أبوين متواضعين فقيرين تقيين، والده يسمى يوسف الجوهري كان يعمل في الحياكة بقليوب. تعلم في كتّاب بلده الكتابة والحساب وأتقنهما منذ حداثته، فكان يقوم بنسخ بعض الكتب الدينية ويقدمها للبابا يؤانس الثامن عشر (البابا 107). سرّ البابا من غيرته وتقواه وقربه إليه، وكان يقول له: "ليرفع الرب اسمك، ويبارك عملك، وليقم ذكراك إلى الأبد". بدأ عمله ككاتب لدى أحد أمراء المماليك، توسط له البابا لدى المعلم رزق رئيس كتّاب علي بك الكبير، فأتخذه كاتبًا خاصًا له، واستمر في هذه الوظيفة إلى آخر أيام علي بك الكبير الذي ألحقه بخدمته، ولما تولى محمد بك أبو الذهب مشيخة البلد اعتزل المعلم رزق من رئاسة الديوان وحلّ المعلم إبراهيم محله، فبدأ نجمه يتألق في مصر، حتى صار رئيس كتاب القطر المصري في عهد إبراهيم بك، وهي تعادل رتبة رئاسة الوزارة حاليًا .... هذا المركز زاده وداعة واتضاعًا وسخاءً فاجتذب القلوب إليه.
تجاربه:
كان له ابن يدعى يوسف وابنة تسمى دميانة، مات الأول بعد ما أعد له منزلاً بكل إمكانياته ليزوجه .... فكانت نفس الوالدين مرة للغاية حتى سمّر الرجل الباب بمسامير وكسر السلم كي لا يدخل أحد البيت لكن، تحولت المرارة إلى حب شديد لمساعدة الأرامل والأيتام وتعزية كل حزين أو منكوب. وقد ظهر القديس أنبا أنطونيوس لزوجته كما له في نفس الليلة وعزاهما. حدث انقلاب في هيئة الحكام، وحضر إلى مصر حسن باشا قبطان من قبل الباب العالي فقاتل إبراهيم بك شيخ البلد ومراد بك واضطرا إلى الهروب إلى أعالي الصعيد ومعهما إبراهيم الجوهري وبعض الأمراء وكتّابهم .... فنهب قبطان باشا قصور البكوات والأمراء والمشايخ واضطهد المسيحيين، وقام بسلب ممتلكات المعلم إبراهيم وعائلته وكل ما قد أوقفه على الكنائس والأديرة. اضطرت زوجته إلى الاختفاء في بيت حسن أغا كتخدا علي بك، لكن البعض دلّ الباشا عليها، فاستحضرها وأقرت بكل ممتلكاتهما، كما استحضر أيضا ابنتها دميانة التي طلبت من الباشا مهلة، فيها جمعت بعض الفقراء لتقول له: "أن أموال أبي في بطون هؤلاء وعلى أجسامهم" .... ويبدو أن الباشا تأثر لذلك إلى حد ما فلم يبطش بها. عاد إبراهيم بك ومراد بك ومعهما المعلم إبراهيم إلى القاهرة في 7 أغسطس 1791، وكان المعلم إبراهيم محبوبًا من السلطات جدًا ومن الشعب حتى دُعي "سلطان القبط" كما جاء في نقش قديم على حامل الأيقونات لأحد هياكل كنائس دير الأنبا بولا بالجبل الشرقي، وأيضًا في كتابه بقطمارس محفوظ بنفس الدير. قال عنه الجبرتي المؤرخ الشهير: "إنه أدرك بمصر من العظمة ونفاذ الكلمة وعظيم الصيت والشهرة، مع طول المدة بمصر ما لم يسبق من أبناء جنسه، وكان هو المشار إليه في الكليات والجزئيات، وكان من دهاقين العالم ودهاتهم لا يغرب عن ذهنه شيء من دقائق الأمور، ويداري كل إنسان بما يليق به من المداراة، ويفعل بما يوجب من انجذاب القلوب والمحبة إليه، وعند دخول شهر رمضان كان يرسل إلى غالب أرباب المظاهر ومن دونهم الشموع والهدايا، وعمرت في أيامه الكنائس والأديرة، وأوقف عليها الأوقاف الجليلة، والأطيان، ورتب لها المرتبات العظيمة والأرزاق الدائرة والغلال". قال عنه الأنبا يوساب الشهير بابن الأبح أسقف جرجا وأخميم إنه كان محبًا لكل الطوائف، يسالم الكل، ويحب الجميع، ويقضي حاجات الكافة ولا يميز أحدًا عن الآخر في قضاء الحق. خلال علاقاته الطيبة مع السلاطين في مصر والأستانة كان يستصدر فرمانات خاصة ببناء الكنائس وإصلاحها. كما قدم الكثير من أمواله أوقافًا للكنائس والأديرة، واهتم بنسخ الكثير من الكتب الدينية على حسابه لتقديمها للكنائس.
وداعته:
قيل أن أخاه المعلم جرجس الجوهرى جاءه يوما يشتكي له من بعض الشبان إنهم أهانوه في الطريق، سائلاً إياه أن يتصرف خلال سلطانه، فقال له أنه سيقطع ألسنتهم .... وفي اليوم التالي إذ كان أخوه يسير في نفس الطريق وجد الشبان يحبونه ويكرمونه جدًا. فلما سأل أخاه عما فعله معهم، أجاب أنه أرسل لهم عطايا وخيرات قطعت ألسنتهم عن الشر. قيل عنه أيضًا إنه إذ كان يصلي في كنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة، وكان متعجلاً أرسل إلى القمص إبراهيم عصفوري ? من علماء عصره ? يقول له: "المعلم يقول لك أن تسرع قليلاً وتبكر في الصلاة ليتمكن من اللحاق بالديوان". أجابه الكاهن: "المعلم في السماء واحد، والكنيسة لله لا لأحد. فإن لم يعجبه فليبن كنيسة أخرى". إذ سمع المعلم إبراهيم تقبل الإجابة بصدر رحب دون غضب أو ثورة، ولكنه حسب ذلك صوتًا من الله إذ بنى كنيسة باسم الشهيد أبي سيفين بالجهة البحرية لكنيسة السيدة العذراء .... أما الكاهن فجاء يهنئه على بنائها، قائلاً: "حمدًا لله الذي جعل استياءك سببًا في بناء كنيسة أخرى فزادت ميراثك وحسناتك". حبه لخدمة الآخرين عاد المعلم إبراهيم بعد قداس عيد القيامة المجيد ليجد أنوار بيته مطفأة كلها، وإذ سأل زوجته عن السبب أجابته: "كيف نستطيع أن نبتهج بالنور، ونعّيد عيد النور المنبثق من القبر الفارغ وقد حضرت عندي في المساء زوجة قبطي سجين هي وأولادها في حاجة إلى الكسوة والطعام؟! وقد ساعدني الله، فذهبت إلى زوجة المعلم فانوس الذي نجح في استصدار الأمر بإطلاق سراحه". فذهب المعلم إبراهيم وأحضر الرجل وزوجته وأولاده إلى بيته لكي يضيء الأنوار ويبتهج الكل بالعيد أما ما هو أعجب فإن هذا السجين الذي أكرمه المعلم في بيته إذ قدم له عملاً، قال للمعلم بأن هناك صديق له هو أولى منه بهذه الوظيفة وأكثر منه احتياجًا، ففرح المعلم إبراهيم باتساع قلب هذا الرجل ومحبته، وقدم عملاً لصديقه.
محبة غالبة للموت:
انتقل المعلم إبراهيم في 25 بشنس سنة 1511 الموافق 31 مايو 1795، فحزن عليه أمير البلاد إبراهيم بك الذي كان يعزه جدًا، وقد سار في جنازته، ورثاه البابا يؤانس. لم تنته حياته بموته فقد قيل أن رجلاً فقيرًا اعتاد أن يأتيه (ربما من بلد أخرى) بطريقة دورية يطلب معونة، وإذ جاء كعادته وبلغ داره عرف إنه تنيح فحزن جدًا. سأل عن مقبرته، وانطلق إليها يبكي ذاك السخي بمرارة، حتى نام من شدة الحزن، وظهر له المعلم إبراهيم يقول له: "لا تبكِ، أنا لي في ذمة (فلان الزيات ببولاق) عشر بنادقة، فسلّم عليه مني وأطلبها منه فيعطيها لك". إذ استيقظ الرجل خجل أن يذهب إلى المدين. بالليل ظهر له المعلم مرة أخرى في حلم وسأله أن ينفذ ذات الأمر .... لكنه أيضا تردد في الأمر. وفي المرة الثالثة قال له: "لا تقلق، اذهب كما قلت لك، وسأخبره بأمرك". فقام الفقير وذهب إلى الرجل دون أن ينطق بكلمة. تفرس فيه الرجل وطلب منه أن يروي له ما حدث معه. وإذ روى له ذلك، قال: "بالحق نطقت، لأن المعلم إبراهيم تراءى لي أنا أيضا، وأبلغني بالرسالة التي أمرك بها. فإليك ما في ذمتي، وهوذا مثلها أيضا مني".
محبة بلا تغصُّب: يروي لنا توفيق إسكارس في كتابه: "نوابغ الأقباط ومشاهيرهم في القرن التاسع عشر" أن أسرة سريانية أرثوذكسية من حلب لا تزال تقيم قداسات إلهية باسم هذا الراحل، ذلك أن عائلهم وجد ضيقًا شديدًا ونُهبت أمواله في حلب فجاء إلى مصر واهتم به المعلم إبراهيم وسنده في عمل التجارة فانجح الرب طريقه واقتنى ثروة ضخمة ورجع إلى عائلته يروي لهم ما فعله هذا القبطي به، فرأوا أن يقيموا قداسات باسمه اعترافًا بفضله.
قصة حياة و سيرة جرجس الجوهري المعلم
هو شقيق المعلم إبراهيم الجوهرى ، وليست شهرته فقط في علو المنصب وعظم المكانة، بل لِما امتاز به من العقل وكرم الأخلاق وعمل المعروف للجميع بدون تمييز بين مسلمٍ ونصرانيٍ وعدم التدخل فيما لا يعنيه وعظم النفس والصدق، حتى نال ثقة الجميع على اختلاف أجناسهم ومشاربهم. وقد باشر أمور الحكومة في أربعة عهود مختلفة واحتك بكثير من حكام متباينين في العادات والأخلاق والدين.
1. مدة حكم المماليك يذكر التاريخ أنه لما مات أخوه المعلم إبراهيم الجوهري قلده إبراهيم بك منصبه فأصبح كبير كتبة مصر. اقتدى بأخيه في كل شيء حتى نال ثقة المصريين، مسيحيين ومسلمين. كان بين الكتبة الذين تحت إدارته رجل سوري الأصل يُدعى يوسف كسّاب سوّلت له نفسه أن يوشي به لدى إسماعيل بك الذي غضب عليه وعزله من منصبه، لكن بعد مدة وجيزة اكتشف إسماعيل بك كذب يوسف وخيانته، فأمر بتغريقه في نهر النيل، وأعاد المعلم جرجس إلى منصبه.
2. مدة الحملة الفرنسية مع أن الحملة الفرنسية تمثل فترة قصيرة جدًا بالنسبة لتاريخ مصر (1798-1801م) لكنها تمثل دورًا هامًا في تاريخ الأقباط. كان الأقباط في موقف لا يُحسدون عليه. فمن ناحيةٍ جاء نابليون بونابرت إلى مصر لُيقيم إمبراطورية في الشرق الأوسط تحت دعوى الدفاع عن الإسلام، فلم يترك فرصة إلا وأظهر ودّه للمسلمين والإسلام، فكان يلبس الزي الشرقي ويصحب قادته إلى المسجد ومعه مائة شيخ ليتلو التواشيح، ويحرك رأسه متظاهرًا بالتقوى، لكن المسليمن أدركوا ما في أعماقه أنه لا يؤمن بالدين. ومن الجانب الآخر يروي لنا يعقوب بك نخلة أنه لما شاع الخبر أن الجنود الفرنسيين قادمون، واشتغل الأمراء بالاستعداد لمقابلتهم اختل النظام وسادت الفوضى، وكثر اللصوص وقطّاع الطرق في البلاد، وهاج سكان القاهرة على بيوت النصارى الأقباط والسوريين والإفرنج والأروام بدعوى البحث عما فيها من الأسلحة. واتخذ أهل الفساد والطمع هذا ذريعة، فنهبوا بيوت الذين لا قدرة لهم على المقاومة. وأشار البعض بقتل جميع النصارى عن آخرهم. فعارضهم في ذلك إبراهيم بك وقاومهم ومنعهم، واحتمى بعض النصارى الإفرنج وغيرهم في داره... وهجم رعاع الناس على بيوت البكاوات والأمراء الذين فروا أمام الفرنسيين ونهبوها. لكن شعر بونابرت بحاجته إلى خبرة الأقباط خاصة في جمع الضرائب كما يظهر من رسالته إلى الجنرال كليبر في 22أغسطس 1700م.
لقد تعرف على المعلم جرجس، وكما يقول توفيق إسكاروس: "لما قُضي الأمر وانتصر نابليون بجيوشه على المماليك في إمبابه ووصلوا إلى بولاق كلف (مراد بك) المعلم جرجس بإعداده لنزول نابليون فيه ففرشه وجهزه، ولما دخل القاهرة أقام به. ومن ذاك الحين عرفه نابليون وكليبر ومنومن بعده وتحققوا فيه سداد الرأي والحلم. فكان في نظرهم عميد الأقباط واحترموه غاية الاحترام". اعتبره الفرنسيون عميد الأقباط، فأجلّوه واحترموه، واستصحبه نابليون بونابرت في إحدى المهام، كما استصحبه الفرنسيون في عبورهم للنيل عند بولاق عقب وصول الجيش العثماني إلى أبي قير بصحبة حلفائهم الإنجليز. وظل المعلم جرجس محافظًا على رئاسة الكتاب والمباشرة وحائزًا على ثقة الفرنسيين ورضاء أعيان المصريين وكبار المشايخ والسادة، حتى تم جلاء الفرنسيين عن مصر في سنة 1081م.
3. مدة حكم الأتراك حينما دخل الأتراك والمماليك القاهرة على أثر انسحاب الفرنسيين، ساد الاضطراب وهرب عدد كبير من الأقباط إلى مصر القديمة والجيزة. يصف الجبرتي ما عاناه الأقباط فقال: "أما أكابر القبط مثل جرجس الجوهري وفلتيوس وملطي فإنهم طلبوا الأمان من المتكلمين من المسلمين لكونهم انحصروا في دورهم، وهم في وسطهم، وخافوا على نهب دورهم إذا خرجوا فارين. فأرسلوا إليهم الآمان فحضروا وقابلوا الباشا والكتخدا والأمراء وأعانوهم بالمال واللوازم". وفي أول سنة 1803م ثار الجنود الأتراك وزحفوا على حارة النصارى ونهبوا بيت المعلم جرجس الجوهري وأخذوا منه أشياء نفيسة. يقول الجبرتي بأنه في يوم الأحد 15 صفر سنة 1219هـ أشيع بأن فرمانًا صدر ضد النصارى أنهم لا يلبسون ثيابًا ملونة، ويقتصرون على لبس الأزرق والأسود فقط. فبمجرد الإشاعة وسماع ذلك ترصد جماعة من الغوغاء لمن يمر عليهم من النصارى ولمن يجدوه بثياب ملونة يأخذون طربوشه ونعله الأحمر ويتركون له الطاقية والحزام الأزرق. ولم يكن القصد من ذلك الانتصار للدين بل السلب وأخذ الثياب؛ ثم أن النصارى صرخوا إلى عظمائهم فسمعوا لشكواهم، ونودِيَ بعدم التعرض لهم.
4. مدة حكم محمد علي يقول الجبرتي أن محمد على باشا بدأ تصرفاته بالعمل على تعزيز كلمته وإظهار سلطانه وتأييد مقامه واسترضاء الجند وصرف المتأخر من مرتباتهم، ففرض على قبط مصر وعلى عظمائهم جزية. قال صاحب الكافي: "قبض على المعلم جرجس الجوهري معلم مصر يومئذ وصاحب خراجها، وعلى جماعة من عظماء القبط وسجنهم ببيت كتخدا، وطلب من المعلم جرجس الجوهري حسابه عن سنة 1215م". بعد أن تولى محمد علي الحكم نال لديه المعلم جرجس المقام الأول لِما يسديه إليهم من الهدايا والعطايا، حتى كانوا يسمونه جرجس أفندي. وكان عظيم النفس ويعطي العطايا ويوزع على جميع الأعيان عند قدوم شهر رمضان الشموع والسكر والأرز والبن والملابس. غير أن الوالي سرعان ما انقلب عليه بعد ذلك مختلقًا سببًا وهو عدم مبادرته إلى جباية كل ما كان يطلبه من الضرائب، ولعل ذلك كان شفقة من المعلم جرجس على الأهالي، فقبض عليه ومن معه من الأقباط بحجة أن في ذمته مبالغ متأخرة من حساب التزامه.
يقول توفيق إسكاروس: "في يوم الأربعاء 17 جمادي الأولى سنة 1220هـ قبض محمد على باشا على جرجس الجوهري ومعه جماعة من الأقباط، فحبسهم ببيت كتخدا، وطلب حسابه من ابتداء سنة خمسة عشرة، وأحضر المعلم غالي الذي كان كاتب الألفي بالصعيد وألبسه منصبه في رآسة الأقباط... وفي يوم الأربعاء (24 منه) افرجوا عن جرجس الجوهري ومن معه على أربعة آلاف وثمانمائة كيس وأن يبقى على حاله. فشرع في توزيعها على باقي الأقباط وعلى نفسه وعلى كبرائهم وصيارفهم ما عدا فتيوس وغالي، وحوّلت عليه التحاويل وحصل لهم كرب شديد وضج فقراؤهم واستغاثوا. اضطر المعلم جرجس إلى بيع كثير من أملاكه في الأزبكية وقنطرة الدكة، ثم لجأ إلى الصعيد ويُقال أن محمد علي قد نفاه هناك. قبل رحيله إلى الصعيد جمع كل حجج أملاكه وسلمها إلى البطريركية كوقفٍ لها لتنفق من ريعها، وقد صُرح له بالعودة إلى القاهرة بعد أربع سنوات فعاد سنة 1809م وقابل الباشا فأكرمه، ثم نزل بيته الذي كان المعلم غالي قد أعده له، وتقاطر وجوه المدينة من جميع الملل للترحيب به، ولكن المنية عاجلته فتنيح في سنة 1810م ودفن بدير مار جرجس بمصر القديمة بجوار أخيه المعلم إبراهيم الجوهري. كتب المؤرخ الجبرتي عنه قائلاً أنه نافذ الكلمة، واسع الصدر، عظيم النفس، أما خدماته للأقباط فلا تقل عما فعله أخوه المعلم إبراهيم الجوهري، فكان شريكه في تعمير الكنائس والأديرة ووقف العقارات عليها إلى غير ذلك من وجوه البر والإحسان.
قصة حياة و سيرة ابراهيم القيدوني
روى لنا القديس أفرام السريانى قصة ناسك يدعى إبراهيم أو أبرام أو إبراميوس القيدوني Abraham of Kidunaia ، وكان معاصرًا له من وطنه، أحبه جدًا لنسكه مع اتساع قلبه بالحب وشوقه لخلاص كل نفس، كثيرًا ما كان يزوره ويتحدث معه. وقد جاءت القصة مشابهة لقصة تاييس لأناتول فرانس التي كتبها بعد أحداث هذه القصة بقرون طويلة. تحتفل الكنيسة الغربية بعيده في 16 مارس. حداثته ولد إبراهيم في مدينة الرها أو أحد ضواحيها، وقد دعي "القيدوني" نسبة إلى قرية قيدون بجوار الرها، من بيت كريم كثير الغنى، هذبه والداه بالثقافة والفلسفة مع التقوى والورع. عافت نفس الفتى كل غنى هذا العالم ومباهجه، وإذ أدرك والداه تقشفه الزائد وميله للعزلة إذ كان يقضي أوقاته في العبادة مع الدراسة والتأمل خشي أن يتركهما ابنهما المحبوب لديهما إلى الحياة النسكية فألزماه بالزواج. ومن أجل حيائه وتقواه لم يستطع مقاومة والديه، فوجد نفسه قد ارتبط بعروس في الكنيسة. بقى الوالدان يقيمان الحفلات لمدة أسبوع كأهل زمانهم من أجل زواج ابنهما.... وقبل أن يتعرف الشاب على عروسه تسلل ليلاً واختفى. صار الكل يبحث عنه حتى وجدوه بعد 17 يومًا مختفيًا في مغارة خارج المدينة. حياته النسكية عبثًا حاول السعاة أن يردوه إلى البيت إذ وضع في قلبه أن يعيش بتولاً، يمارس الحياة النسكية والتعبدية..... (لا نعرف ما موقف عروسه إذ لا يليق به أن يتركها دون موافقتها). قيل أنه بنى المغارة بالطوب ولم يترك إلا طاقة صغيرة يتناول منها طعامه، وعاش في المغارة يمارس العبادة الملائكية مع جهاد ضد قوات الظلمة. إن كان إبراهيم قد هرب من العالم وملذاته واهتماماته لكنه بقلب متسع بالحب لله والناس، لهذا تحولت مغارته إلى سّر بركة لكثيرين، فصارت ملجأ لكل حزين ومتألم ومريض، يجد الكل فيه قلبًا محبًا ونفسًا ملتهبة بالروح، يسند كل القادمين إليه. أفرام الكاهن فرح أسقف الرها بهذا الناسك الذي صار بركة للمدينة وتعزية للكثيرين، وسّر بناء روحي لنفوس كثيرة.... وإذ كان الأسقف متألمًا بسبب أهل "بيت قيدون Beth - Keduna " في ضواحي الرها، إذ كانوا وثنيين قساة القلب لا يستجيبون لأي عمل كرازي، ألّح على إبراهيم أن يقبل السيامة كاهنًا ليخدم بين هذه النفوس. أمام محبته لخلاص كل نفس قَبِل السيامة وانطلق إلى المدينة وسط الوثنيين الذين عاملوه بقسوة، حتى ضرب أكثر من مرة وألُقى بين القاذورات حاسبين أنه مات.... وكان إذ يسترد أنفاسه يعود إليهم ثانية ويتحدث معهم عن إنجيل المسيح.... وبعد ثلاثة أعوام إذ رأوا صبره ووداعته وقداسة سلوكه آمنوا بالسيد المسيح واعتمدوا. التف الكل حوله وتحولت المدينة إلى مقدس للرب.... وفرح الأسقف جدًا، لكن فجأة إذ اطمأن الكاهن عليهم اختفى راجعًا إلى مسكنه، فبكاه الكل.... وسام لهم الأسقف كاهنًا يرعاهم. مع مريم ابنة أخيه قيل أنه بعد عودته إلى مغارته مات أخوه وترك ابنة يتيمة الأب والأم تدعى مريم، كانت في السابعة من عمرها.... فاستأجر لها موضعًا بجواره وكان يهتم برعايتها ويدربها على تلاوة المزامير والحياة المقدسة في الرب، فتقدمت في الفضيلة وأحبت الحياة النسكية ممتثلة بعمها الأب أفرام. استطاع أحد الشبان أن يخدعها حتى سقطت معه في الخطية، وإذ خشيت الالتقاء مع عمها هربت بعيدًا وتحولت إلى حياة الدنس والنجاسة بعنف. بكاها القديس إبراهيم كثيرا، وكرّس صلوات ومطانيات وأصوام من أجل خلاصها.... وأخيرًا إذ عرف مكانها تخَفى في زي آخر والتقى بها حتى لا تهرب منه.... وبروح الوداعة مع دموع غزيرة ردها إلى التوبة، فرجعت معه مملوءة رجاءً مع انسحاق قلب، وقضت بقية حياتها تمارس التوبة مع نسك شديد. أما هو فإذ ردّ ابنة أخيه لم يبق كثيرًا بل أسلم روحه الطاهرة في يدي الرب. قال عنه كاتب سيرته: "لم يُر قط ضاحكًا، بل كان يتطلع إلى كل يوم أنه يومه الأخير. مع هذا فكان محياة نشيطًا، كامل الصحة وقوي البنية كما لو كان لا يمارس حياة التوبة". حياته صورة حيّة لتكامل الفكر النسكي مع التهاب القلب بالحب الإنجيلي، والتحام الحياة التأملية بالكرازة، واهتمام النفس بخلاصها خلال حبها لخلاص الكل. كتب مار إبراهيم صلوات وأدعية ضُم بعضها إلى كتاب "الأجبية" السرياني، أي صلوات الرهبان السبع. وقد نظُمت أناشيد سريانية كثيرة مستوحاة من توبة ابنة أخي مار إبراهيم، منها مرقاة أو سيبلتو (منظومة سريانية ملحّنة) لمار أفرام السرياني، قام بترجمتها إلى العربية غبطة البطريرك مار اغناطيوس زكا الأول عواص، جاء فيها: "مبارك هو المسيح الذي يفتح باب رحمته للخطاة التائبين، ألا فلأتنهد باكية على حياتي! الويل لي، ماذا أصابني؟ وكيف سقطت؟ يارب ارحمني .... لقد اختارني ابن الملك (السماوي) ودعاني لأفرح بوليمته، إلا أنني فضّلت فرح البشر. فيارب ارحمني. ويلاه! فإن الدير الذي اتشحت فيه بالاسكيم الرهباني يندبني الآن، وإن الشيخ الذي ألبسني الاسكيم ينتحب عليّ بحزن عميق، آه منك أيها الشرير ماذا فعلت بي؟! لقد نزعت عني الاسكيم المقدس، وارتديت حلة زانية.... الويل لي.... يارب ارحمني.... لقد نسيت مطالعة الكتب المقدسة، فالويل لي. وأبدلتها بصوت مزمار منكر. فيارب ارحمني. ويلاه! فقد كنت حمامة طاهرة ووديعة، وسقطت بين شدقي إبليس، وصرت له لقمة سائغة، آه منك أيها الشرير ماذا فعلت بي؟ ....! أيها العليّ الذي طأطأ سماء مجده ونزل إلى الأرض لينقذ الغرقى أمثالي، انتشلني من هوة الظلام التي سقطت فيها، آه ارحمني يارب. السماء والأرض ترجوانك من أجلي يارب"....
قصة حياة و سيرة ابراهيم المتوحد القديس
أحد الرهبان الباخوميين، تحتفل الكنيسة بعيد نياحته في 30 بابه. ولد بمنوف من أسرة متدينة تقية وغنية، فنشأ زاهدًا في كل شيء.... وإذ كبر انطلق إلى اخميم بصعيد مصر ومنها إلى حيث القديس باخوميوس الذي كاشفه باشتياقات قلبه، فاختبره وألبسه زي الرهبنة. عاش هذا القديس 23 سنة في الدير يمارس حياة الشركة بتقوى ومحبة شديدة لاخوته الرهبان، وإذ كان يتوق لحياة الوحدة سمح له القديس باخوميوس أن ينفرد في مغارة خارج الدير. عاش زاهدًا للغاية، يعمل بيديه شباكًا لصيد الأسماك يبيعها أحد المؤمنين ليشتري له فولاً، ويتصدق بالباقي، فكان طعامه اليومي قليلا من الفول المبلول كل مساء، أما ثوبه فتهرأ ولم يقتن آخر بل كان يلبس قطعة من الخيش إذ لم يكن يلتقي بأحد، ولا يخرج من قلايته إلا للتناول مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات. إذ شعر أن أيامه قد أوشكت على النهاية أرسل للقديس تادرس تلميذ القديس باخوميوس الذي كان يحبه جدًا، وصليا معًا ليرشم نفسه بعلامة الصليب وتنطلق نفسه.!
قصة حياة و سيرة ابراهيم روفائيل الطوخي بك
لاهوتي شهير ولد ببلدة طوخ الناصرى من أعمال المنوفية عام 1836، تنقل في دوائر الحكومة ووظائفها الحكومة حتى عُيّن مستشارًا في محكمة الاستئناف الأهلية، وتوفى بالقدس في خميس العهد 29 برمهات 1620 ش الموافق 7 أبريل 1904 م. كان عضوا في المجلس الملي الأول عام 1873م. وضع ستة مؤلفات دينية في مواضيع مختلفة.