الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الكتاب المقدس
الكتاب المقدس
البحث في الكتاب المقدس
تفاسير الكتاب المقدس
الرد على الشبهات الوهمية
قواميس الكتاب المقدس
آيات الكتاب المقدس
ما الجديد
المشاركات الجديدة
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مكتبة الترانيم
إسأل
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
Install the app
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
المنتديات المسيحية
المنتدى المسيحي الكتابي العام
تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
[QUOTE="ميشيل فريد, post: 3767378, member: 60800"] [COLOR="DarkSlateBlue"][FONT="Arial"][SIZE="5"][CENTER][COLOR="DarkRed"]موضوع الوحدة أو الاتحاد بالآب والابن في الأصحاح السابع عشر[/COLOR][/CENTER] أولا: الوحدة كما سبق وعلم بها المسيح تلأميذه قبل أن يجعلها موضوع صلاته لدى الآب: لقد وردت هذه الآيات المتوالية في الأصحاح السابع عشر، للتعبير عن الوحدة أو الاتحاد بالله في صلاة المسيح كالآتي: 1- فى الآية 11: «أيها الآب القدوس، احفظهم في اسمك الذي أعطيتني، ليكونوا واحداً كما نحن». 2- فى الآية 21: «ليكون الجميع واحداً, كما أنك أنت أيها الآب في وانا فيك, ليكونوا هم أيضاً وحداً فينا». 3- الآية 22: «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد.» 4- الآية 23: «أنا فيهم وأنت في، ليكونوا مكملين الى واحد». وبالعودة إلى الأصحاحين العاشر والرابع عشر، نجد أن المسيح علم تلاميذه، كاشفاً سر الوحدة بينه وبين الآب، ثم مُعلناً عن قصده المبيت في نفسه، من جهة وحدة التلاميذ والكنيسة به هكذا: 1- يو38:10: «ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي، فآموا بالأعمال، لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا فيه». وهذا هو المقابل لآية الصلاة في يو23:17. 2- يو20:14: «في ذلك اليوم، تعلمون أني أنا في أبي, وأنتم في, وأنا فيكم». وهذا هو القابل لآية الصلاة في يو23:17. ومن هاتين الأيتين، يتضح لنا منهج المسيح في بلوغ الوحدة: + فمن الآية (38:10)، يقدم المسيح موضوع الوحدة بينه وبين الآب، أنه مطلب أساسي يتحتم أن نبلغه. أولاً بالمعرفة وثانيا بالإيمان. «لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب في وأنا في الآب». أي أن يتم ذلك على أساسين: الأول: الإيمان التصديقي بالروح، بدون برهان: «تؤمنوا بي». والثاني: برهان الأعمال التي عملها المسيح، ولم يعملها أحد غيره: «فآمنوا بالأعمال». وقد كانت هذه الآية هي التمهيد والسبب في الآية الثانية: + يو20:14: والتي فيها يضيف المسيح على استعلان وحدته بالآب استعلان وحدتنا في المسيح والمسيح فينا, وبالتالي نحن (في المسيح) في الآب: «تعلمون أني أنا في أبي، وأنتم في وأنا فيكم». وقد قدم المسيح هذه الحقيقة الإيمانية العظمى: «إني أنا في أبي، وأنتم في وأنا فيكم»، كاستعلان سيتم في وقته: «في ذلك اليوم, تعلمون», وهو اليوم الذي فيه تحقق التلاميذ بالفعل من قيامة الرب وصعوده وجلوسه عن يمين الآب مُمجداً؛ و«ذلك اليوم» نحن نعيشه الآن، وكل يوم، متحققين من، ومُستعلنين بالروح والإيمان، الوحدة التي أكملها المسيح فينا ولنا مع الآب. ثانياً: العلاقة الوطيدة بين «المعرفة» ووحدة الوجود المتبادل (الاتحاد) في إنجيل يوحنا: على أساس ما سبق أن أوضحه المسيح من جهة استعلان الوحدة القائمة بين الآب والابن، نسوق إلى القارىء هذه العلاقة بين «المعرفة المتبادلة» و«الاتحاد المتبادل» كما يؤكدها إنجيل يوحنا. 1- «الآب يعرفني, وأنا أعرف الآب» (يو15:10) = المعرفة المتبادلة. «ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ» (يو10:14) = الاتحاد المتبادل. واضح هنا أن المعرفة المتبادلة في ذات الله، قابلها وجود متبادل، أي اتحاد. هنا يلزمنا أن ننتبه، ونحن بصدد الحديث عن طبيعة اللاهوت، أننا نتعامل مع المطلقات. فمعرفة الآب للابن معرفة مطلقة، لذلك يقابلها حتمتً معرفة الابن للآب معرفة مطلقة. وهاتان المعرفتان، اللتان هما معرفة واحدة بالضرورة، يقابلهما الوجود الكياني الكلي أو المطلق المتبادل بين الآب والابن, فالآب موجود كلياً في الابن، والابن موجود كلياً في الآب. وهذا الوجود هو مطلق، بحكم الجوهر الإلهي الواحد, لذلك فهو وجود كياني واحد: «أنا والآب واحد.» (يو30:10) ثم يعود إنجيل يوحنا، ويعطينا هذه المماثلة في الآب والابن على مستوى الإنسان والله، أي أن معرفة الانسان للآب والابن تنشىء وجوداً في الآب والابن، ولكن، بسبب أن معرفة الإنسان محدودة جداً, فوجوده في الآب والابن محدود بمعرفته. 2- «لوكنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً، ومن الآن تعرفونه وقد وأيتموه» (يو7:14) = معرفة الإنسان للآب والابن. «ليكونوا هم أيضاً واحدتً فينا» (يو21:17) = اتحاد في الابن والآب. وعلينا أن ندرك: ما هو مستوى المعرفة هذه التي يقصدها المسيح؟ لأننا هنا بصدد معرفة توصل إلى الاتحاد, أومنبثقة منه, فهي ليست معرفة فكر؛ ويكفينا أن ندرك أنها معرفة تقابل أو تماثل على وجه ما، معرفة المسيح للآب: «أبي هو الذي يمجدنى، الذي تقولون أنتم إنه إلهكم، ولستم تعرفوه, وأما أنا فأعرفه» (يو54:8-55). ونحن نعلم تماما أن هؤلاء الفريسيين يتقنون معرفة الله بالفكر, ويفتخرون بتفوقهم في المعارف الإلهية. ولكن المسيح يعتبر أنهم: «لستم تعرفونه»! إذن, هى معرفة كشف الحق, أو استعلان الحقيقة الإلهية الغائبة عن اليهودى وأهمها وأخصها هي أن الآب والابن واحد، وأن الآب في الابن والابن في الآب. ومن قوله: «لو كنتم عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً»، يتضح أن المسيح يقصد بـ«معرفته»: استعلان بنوته للأب, وبالتالي فإن معرفته توصل حتماً لمعرفة الآب. هنا «المعرفة» التي يقصدها المسيح هي استعلان الحقيقة الإلهية! وهذا بحد ذاته «سر الله». وسر الله لا يستعلن إلا للمدعوين للاشتراك فيه, أي الاشتراك في هذا السر، أي الشركة في حقيقة الآب والابن: «إن السيد الرب لا يصنع أمراً، إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء» (عا7:3). «سر الرب لخائفيه.» (مز14:25) القديس يوحنا يربط ربطاً مباشراً بين استعلان سر الله المخفي في الله، وبين الشركة في حقيقة هذا السر هكذا: «وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية, التي كانت عند الآب وأظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به، لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا، وأما شركتنا نحن, فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح» (1يو2:1-3). وبولس الرسول يربط أيضاَ بين سر الله، واستعلان هذا السر المخفي، ونوال الشركة في مضمون هذا السر, أي الشركة في المسيح هكذا: «الذي في أجيال أخر لم يُعرف به بنو البشر، كما قد اعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح, أن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده (الروح القدس), في المسيح, بالإنجيل» (أف5:3-6)؛ «وأنير الجميع فيما هو شركة السر المكتوم منذ الدهور في الله.» (أف9:3). إذا، فكل من يُستعلن له سر الله الآب والابن، فإن هذا يعني أنه صار شريكاً في ميراث البنوة والحياة الأبدية, أي أنه يكون قد دخل في شركة مع الآب وابنه يسوع المسيح، بالروح. ثالثاً. مستويات الوحدة التي يطلبها المسيح لتلاميذه والكنيسة يو 21:17-23 لو دققنا في عرض المسيح لطلبته التشفعية لدى الآب، من جهة «الوحدة المسيحية» نجدها على ثلاثة مستويات، في ثلاث طلبات، جاءت في الأصحاح السابع عشر مماثلة للثلاث صلوات, مع السجدات الثلاث التي قدمها في جثسيماني, كما جاءت في الثلاث أناجيل الأخرى: المستوى الأول للوحدة: «ليكون الجميع واحداً». المستوى الثاني للوحدة: «ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا». المستوى الثالث للوحدة: « ليكونوا مكملين إلى واحد» المستوى الأول للوحدة: «ليكون الجميع واحداً». لا يقصد المسيح هنا أن يجتمعوا معاً في وحدة أو اتحاد مظهري تحت اسم، تجمعهم أهداف واحدة، أو تجمعهم الأخلاق الواحدة أو الاسم الواحد أو حتى منطوق الإيمان الواحد! لأنهم هم مؤمنون جاهزون. لأن المسيح الآن يطلب من أجل «الذين يؤمنون بي بكلامهم»، أي يطلب الوحدة للذين هم جاهزون في الإيمان الواحد بالكلمة! لذلك يلزمنا أن نلاحظ أن الوحدة التي يطلبها المسيح تأتي هنا أعلى من الإيمان، ومكملة له. فهي وحدة داخلية جوهرية حقيقية بالروح، مثلها المسيح تمثيلاً بالوحدة الكائنة في الآب والابن!! والتي هي ليست وحدة إيمان ولكنها وحدة «ذاتية», أي وحدة «كيان واحد وطبيعة», وحدة ليس فيها ثنائية ولا كثرة. ويلزما أن ننتبه أن المسيح يطلب هنا الوحدة، بعد أن أكمل طلبته لهم سابقاً أن «يحفظهم في اسمه القدوس» في العالم، ثم «يقدسهم في الحق»؛ والآن يطلب لهم، بعد أن تأهلوا بالحفظ في الاسم القدوس وتقدسوا في الحق، أن يبلغوا «الوحدة». فلو انتبهنا أيضاً إلى ما حدث للإنسان بعد أن أخطأ آدم، كيف تفتت وتحطمت فيه صورة الله، وفقد وحدانيته التي كان يتراءى بها في حضرة الله؛ لفهمنا لماذا الآن يطلب المسيح للجميع هذه الوحدة؛ لكي، مرة أخرى، يتراءى بها أمام الله في هيئة «كنيسة واحدة» مقدسة بلا عيب!! هذا نفهمه بكل يقين من شرح القديس بولس الرسول في قوله: «وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلاً، والبعض أنبياء، والبعض مبشرين، والبعض رعاة ومعلمين، لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسيح (الكنيسة)، إلى أن ننتهى جميعنا إلى وحدانية الإيمان, ومعرفة ابن الله, إلى إنسان كامل, إلى قياس قامة ملء المسيح.» (أف11:4-13) يلاحظ هنا هذا التدرج التكاملي: «وحدانية الإيمان», ثم «معرفة ابن الله»، إلى «إنسان كامل», إلى «دقياس قامة ملء المسيح», وكل من هذه التأهيلات، حتمي لبلوغ الغاية، ولكن التدرج هام للغاية، فوحدانية الإيمان توصل إلى معرفة ابن الله، أي استعلان سر الله، أي سر علاقة الآب بالابن والحياة الأبدية. واستعلان سر الله بالمعرفة الروحية، يوصل إلى «الإنسان الكامل», وهو قصد المسيح من صلاته من أجل الوحدة، أي الإنسان الغير منقسم على ذاته, الإنسان الجديد المنطبعة فيه صورة الله الواحد، المعبر عنه بـ«جسد المسيح السري»، أي الكنيسة، كنيسة الإنسان في المسيح، والمسيح في الإنسان، والتي لها بالضرورة «قياس قامة ملء المسيح». هنا نفهم أن الله قسّم في الكنيسة المواهب على قدر استعداد وإيمان كل عضو فيها: «كما قسم الله لكل واحد مقداراً من الإيمان» (رو3:12), لكي تعمل المواهب في الأعضاء، والأعضاء بالمواهب, لتكميل «وحدة الكنيسة» في كل شيء، حتى نبلغ في النهاية إلى صورة المسيح الكاملة، التي يعبر عنها بولس الرسول هكذا: «إلى قياس قامة ملء المسيح» (أف13:4). ولكن على الأعضاء من جهتهم أن «يجدوا للمواهب» (اكو31:12). فمسئولية الوحدة, بعد أن أعطى الله كل إمكانياتها للكنيسة, أصبحت واقعة عليها وأصبحت الكنيسة مسئولة عنها: «مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام, جسد واحد وروح واحد, كما دُعيتم أيضاً في رجاء دعوتكم الواحد: رب واحد, إيمان واحد, معمودية واحدة» (أف3:4-5). وهنا أيضاً نلاحظ أن بولس الرسول يلح في طلب «الوحدة» للكنيسة، بممارسة التصالح الذي لا يهدأ لكي تكون الوحدة مماثلة (= «كما دُعيتم») للايمان الواحد الذي أخذوه!! أي أن الوحدة مطلوبة كضرورة حتمية، لأنها مطلب الإيمان، الأعظم، والأول والأخير. وعلينا أن نلاحظ أن الأساس الأول، الذي بمقتضاه يطلب المسيح الوحدة عبر الدهور، هو من أجل «الذين يؤمنون بي، بكلامهم»؛ هذا الأساس يجعل الوحدة مؤسسة على الإيمان, أي أصالة «الكلمة» المسلمة من المسيح للرسل، ومن الرسل للذين على بعد. بالتقليد والتسليم الرسوليين وهذا ما عبر عنه بولس الرسول: «مبنيين على أساس الرسل والأنبياء, ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية.» (أف20:2) المستوى الثاني للوحدة: «ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا هنا ينتقل المسيح في سؤاله من أجل وحدة الكنيسة في ذاتها، إلى الوحدة «فينا», أي: في المسيح والآب! واضح هنا أن بلوغ الكنيسة حالة الوحدة في ذاتها، هو الذي يؤهلها للاتحاد بالمسيح والآب، وهذا ظاهر من تسلسل الارتقاء بمفهوم الوحدة: «ليكون الجميع واحداً, ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا». فالطلبة بدأت أولاً بأن: «يكون الجميع واحداً»، كعطية من لدن الآب، يهبها للكنيسة بسكب مواهب الروح في أعضائها، هذا «ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا»، فوحدتهم في ذاتهم تصير سبباً ومناسبة لكي يصيروا واحداً في المسيح والآب، أي توحدهم في الابن والآب. ولكن المسيح يعطى نوعية خاصة للوحدة التي يطلبها للكنيسة في ذاتها، لتحياها في الآب والابن، وهي وحدة: «كما أنك أنت أيها الآب فيّ وانا فيك»، «ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا» !!! هنا يلزمنا أن نفهم الآتى: حدود التشبيه بين الوحدة الالهية القائمة بين الآب والابن, وبين الوحدة المطلوبة للكنيسة المتحدة لتحياها في الآب والابن. أولاً: ماهية النموذج الذي يقدمه المسح: «كما أنك أنت أيها الآب فيّ وانا فيك». يُلاحظ من هذا التصريح الإلهي أن المعنى ينصب في أن الكيان الذاتي للآب قائم في الابن، كما أن الكيان الذاتي للابن قائم في الآب. هذا يمكن فهمه بصورة أوضح، حينما ندرك أن «الأبوة» في الله هي خاصة بـ «البنوة». وكذلك البنوة في الله خاصة بالأبوة. بمعنى ان الآب آب للابن وحده, وان الابن ابن للآب وحده. كذلك أيضاً نفهم أن الابن ليس ابناً لنفسه, بل هو كله للآب؛ والآب ليس آباً لنفسه, بل هو كله للابن. هذا الوجود الكياني المتبادل كليا، يجعل للآب والابن «كياناً واحداً ذاتياً». وهذا يعني أن «الله واحد أحد»، أو أن الله ذات واحدة آب وابن. هذه الخاصية الإلهية، لو أردنا تشبيهها مجرد تشبيه بما يمكن أن يكون لدى البشر من تشبيه، لتصوير الوحدة، فهي تعني أن لا يكون الإنسان لنفسه, وأن يكون قادرا على أن يعطي نفسه أو يبذلها لله، أو للآخرين من أجل الله. وهذا أكمله ابن الله المتجسد، كإنسان، حينما وضع نفسه لله، وأسلمها له حتى الموت، طاعة له وحباً، مبرهناً، على مستوى الناس، أن الابن كله للآب بالحقيقة!!! وكان ذلك نموذجأ لنا في كيف نطيع الله ونحبه, ونبذل النفس حتى الموت, فيصير الإنسان كلة لله! وهذه صورة عملية لبلوغ حقيقة الوحدة مع الله. بولس الرسول بلغ هذه الصورة عملياً، وعبر عنها بقوله: «فأحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا في، فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله، الذي أحبني, وأسلم نفسه لأجلي» (غل20:2)، «كي يعيش الأحياء فيما بعد، لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام» (2كو15:5), «ولكنني لست أحتسب لشيء ولا نفسي ثمينة عندي.» (أع24:20) بولس الرسول بلغ الوحدة السرية في المسيح، وبالتالي في الآب، من واقح الحياة والاختبار الشخصي، قبل أن يطرح ذلك كعقيدة: «جسد واحد وروح واحد، كما دُعيتم أيضأ في رجاء دعوتكم الواحد.» (أف4:4) ثانيا: ماهية النموذج الذي يقدمه المسيح في قوله مخاطبا الآب: «كل ما هو لى فهو لك, وما هو لك فهو لى». هنا يمهد المسيح، في صلاته، لمعنى الوحدة وكيفيتها بالنسبة للكنيسة. فكما عبر عن تبادل الوجود الكلي الذاتي بين الآب والابن لتصوير أعلى نموذج عن الوحدة في صورتها الإلهية المطلقة, يعود ويعبر عن هذه الوحدة ذاتها بتبادل «كل» مخصصات الآب للابن والابن للآب، كنتيجة حتمية لتبادل الوجود والكيان. فهي ليست وحدة ذات وكيان فحسب، بل وحدة مخصصات وامكانيات أيضاً. وهذه الخاصية الإلهية، لو اردنا تشبيهها مجرد تشبيه, بما يمكن أن يكون لدى البشر لتصوير الوحدة, هي تعني أن لا يكون لأحد شيء لذاته: «من سألك فأعطه, ومن أراد آن يقترض منك فلا ترده» (مت42:5). وقد بلغت الكنيسة الاولى هذا الحد من الوحدة العملية بالفعل: «وجميع الذين آمنوا, كانوا معاً، وكان عندهم كل شيء مشتركاً. والأملاك والمقتنيات، كانوا يبيعونها ويقسمونها بين الجميع، كما يكون لكل واحد احتياج, وكانوا، كل يوم، يواظبون في الهيكل بنفس واحدة» (أع44:2-46), «وكان لجمهور النين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة, ولم يكن أحد يقول إن شيئاً من أمواله له، بل كان عندهم كل شيء مشتركاً» (أع32:4)؛ ولكن يلزم أن نفهم ذلك على المستوى الروحي. ثالثاً: ماهية النموذج في محبة الآب للابن والابن للآب, الذي يقدمه المسيح ليكون معبراً عن الوحدة التي يطلبها من أجلنا في قوله: «ليفهم العالم أني أحب الآب» (يو31:14), ومن قوله: «الآب يحب الابن, وقد دفع كل شيء في يده» (يو35:3), كذلك: «كما أحبني الآب, كذلك أحببتكم أنا» (يو9:15), وأخيراً: «ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به» (يو26:17)؟ المحبة المتبادلة بين الآب والابن, صفة جوهرية, أي هي من صميم طبيعة الله؛ لذلك فهي تبرز لتكون برهاناً على الوحدة المطلقة في الآب والابن. فالمحبة في الله ليست وليدة إرادة أو عاطفة أو انفعال, من واقع الصلة بين الآب والابن, ولكنها متجذرة أزليا في طبيعة الله، فهي صفة ملازمة حتماً للوحدة. لذلك، فحينما نأخذها نموذجاً لنا لتكون قرينة للوحدة المطوبة، فلا يجب أن نحسب أنها معيار أخلاقي يُحتذى به ليؤهل للوحدة، ذلك لأنها أعطيت لنا على مستوى التشبيه والتشبه، لأن حرف «كما» الذي يأتي دائماً للتشبيه هو على مستوى الشرح لا على مستوى المطابقة: «كما أحبني الآب» (يو9:15), «كما أحببتني» (يو23:17)؛ وأيضاً تشديد المسيح على التمثيل بالمحبة الأزلية الكائنة بين الآب والابن: «لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم» (يو24:17)، لا يقتصر فيها على التشبيه وإنما يقصد به أن هذه المحبة ستكون لنا مصدر انسكاب قوة محبة, عاملة فينا، وعلى مستوانا البشري. وهذا صار واقعاً بالفعل: «لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا، بالروح القدس المُعطى لنا» (رو5:5). هاا الحب المنسكب علينا من الآب بالروح القدس, هو أعظم برهان على حدوث وحدة حقيقية مع الآب والمسيح. وهذا جاء نتيجة لصلاة المسيح وتشفعه بالكلمة والدم! ومن هذا نفهم أن المحبة التي يحثنا المسيح أن نحب بها، سواء بعضنا لبعض أو نحبه هو أو الآب, للتدليل على صدق بنويتنا لله أو وحدتنا في المسيح به، ليست على مستوى الأخلاق ولا العاطفة كإرادة تحضر وتغيب, ذلك لأن هذه المحبة هي محبة مُشابهة بل ومستمدة من محبة الآب للابن ومحبة الابن للآب، فهي محبة من طبيعة الروح لا الجسد، أي محبة فائقة للطبيعة البشرية, أو بالمفهوم الإلهي هي «موهبة» كما سبق وقلنا: «لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا». من هنا تنقشع الغمامة التي تعتم الفكر، حينما يسأل الإنسان متحيراً: كيف نقيم حد الوصية: «أحبوا أعداءكم» (مت44:5(!! هنا استحالة أن يكون ذلك على مستوى الإرادة أو العاطفة!! ولكن هذا يمكن إتمامه فقط في حالة واحدة وهي أن تكون المحبة هي «محبة الله», المحبة الروحية الفائقة، الموهوبة لنا، والعاملة بالروح القدس، لتذليل كبرياء الإنسان، واعلاء لإتضاع المسيح. هذه المحبة التي سبق وأن عملت فينا ونحن أعداء الله وخطاة : «الله، الذي هو غني في الرحمة, من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها, ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح، بالنعمة أنتم مخلصون» (أف4:2-5 وراجع رو8:5و10). هذه هي المحبة القادرة بالفعل أن تحب حتى الأعداء، والتي سماها بولس الرسول بالمحبة الفائقة المعرفة: «وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة, لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله» (أف19:3)، والتي تكون أقوى دليل على أن الإنسان بلغ الوحدة مع الله, الذي أحب العالم, وهو يشرق شمسه على الأشرار والأبرار سواء بسواء. المحبة أحد إلتزامات الوحدة: واضح أن المحبة كوصية أولى وعظمى، كما طلبها المسيح لنا من الآب، وكما طلبها منا مرارا، ليست مفروزة كعمل أخلاقي كما سبق وقلنا، لأن العمل الأخلاقي يعجز عن أن يلغي الذات في وصية محبة الأعداء؛ كما أن العمل الأخلاقي يقصر عن أن يقدم الذات فيدية من أجل الآخرين. فالمحبة هبة روحية وعطية؛ وعلى هذا الأساس يطالبنا بها المسيح، إذ كما أخذناها كهبة نعطيها كهبة أيضاً بل بالمقابل: «الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي» (غل20:2)، ويقابلها: «بهذا قد عرفنا المحبة، أن ذاك وضع نفسه لأجلنا, فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الاخوة» (1يو16:3) من هنا جاءت وصية المحبة كحالة التزام: «هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم» (يو12:15). والتزام المحبة حتمي، لا مفر منه, في اللاهوت المسيحي: «أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضاً، لأن المحبة هي من الله, وكل من يحب فقد وُلد من الله ويعرف الله. ومن لا يحب, لم يعرف الله, لأن الله محبة» (1يو7:4-8) المحبة هنا ثمرة حتمية للعلاقة الإيمانية التي تربطنا بالله، وغيابها يعني غياب الإيمان المسيحي كله, وغياب الله من حياتنا. أما حضور المحبة ونشاطها وفرحها بالبذل من أجل الأخرين, فهذا يعني حضور الله في روح الإنسان وقلبه، واعلاناً عن إيمان حار وفعال. القديس يوحنا يجعل ثبوت المؤمن في المحبة دليلاً قاطعأ على الثبوت في الله، وثبوت الله فيه, أي دليل حالة اتحاد: «الله محبة، ومن يثبت في المحبة، يثبت في الله، والله فيه.» (1يو16:4) صحيح أن المحبة، هبة عظمى مجانية، ولكننا لا نأخذها إلا لنعطيها. وعطاؤها هو هو بذل النفس وانكارها حتى الموت. ومن لا يتشجع ويعطيها, تُسحب منه، فيبيت بلا محبة، وبمسى غريباً عن صليب المسيح. أما الذي تشجع «وأبغض ذاته» «وأهلكها» بمعنى أهلك كبرياءها وجعلها تحت أقدام الآخرين، حباً لهم وللمسيح، وذلك حسب الوصية, أي من أجل المسيح والإنجيل، فقد عاش بل وقد انتقل من الموت إلى الحياة: «نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة, لأننا نحب الإخوة. ومن لا يحب أخاه يبقى في الموت.» (1يو14:3) إذن، فالوحدة التي وهب لنا الله أن نبلغها في المسيح في الله، ليست بدون مقابل أو التزام؛ فالذات أو الذاتية في الإنسالأ يلزم أن تكون «الأنا» هي ضحيتها الاولى، «مع المسيح صُلبت، فأحيا، لا أنا, بل المسيح يحيا فىّ» (غل20:2). فإن كانت «الأنا» التي فيّ قد ماتت، فقد انفتح لى باب الحب على مصراعيه، فأحب أعدائي، حتى صالبيّ، وأبارك من يلعن ذاتي، لأني قد دفنتها في قبر المسيح، أصلى لمن يُسىء إلى نفسي، ويطاردها، فنفسى لم يعد لها حساب عندي بعد (راجع أع24:20)، إنها ليست هنا!!! رابعاً: الفرق بين «الوحدة في الله», وبين الوحدة المطلوب أن تكون لنا فيما بيننا, أو بيننا وبين الآب والابن: وحدة الله في ذاته: «أنا والآب واحد»، «أنا في الآب، والآب فىّ»، «كل ما هو لى فهو لك, وكل ما هو لك فهو لى»؛ هذه الوحدة الإلهية الفائقة تقوم على أساس التساوي المطلق بين الآب والابن في الذات وفي كل منهما، حتى إن كلمة «التساوي» هنا هي أضعف من أن تعبر عن الحقيقة، لأن لفظة «تساوي» هي وليدة القياس والله لا يُقاس؛ والأصح أن نقول أنهما واحد، لأن الله مُطلق في صفاته، فوحدته مطلقة، وبلا قياس، ومنزهة عن مفهوم العدد. لذلك ، يستحيل أن يكون للوحدة في الله شبيه في الإنسان، وإنما ساقها المسيح للشرح والتمثيل وليس للطباق أو المساواة، لأنه إذا استحال حتى القياس بالتساوي بين إنسان وإنسان، فكيف يمكن أن يبلغا اتحاداً على مستوى الله؟ فالاتحاد, أو الوحدة التي يطلبها لنا المسيح فيما بيننا ثم فيما بيننا وبين الآب, هي وحدة تتناسب قبل كل شي ء مع تفردنا واختلاف أجناسنا وتباين طبائعنا. فنحن لسنا متساوين في كياننا الداخلي، في أي شيء البتة، إلا في الخطية والعجز والقصور الروحيين. لذلك, فالوحدة التي يطلبها لنا المسيح, لا تقوم البتة على ماهية أشخاصنا أو ما هو لنا, بل على أساس أن نتساوى فيه والآب، وليس تساوينا في ذواتنا. فبقدر ما تنسكب فينا قوة وحدة المسيح في الآب, سواء من جهة الحب بينهما أو من جهة الحق أو القداسة، بقدر ما نبتدىء نحن نتساوى ونتقارب ونتحد بهذه القوة الخارجة عنا والآتية إلينا من لدن الله. فمحبة الله تحصرنا، فتلغي عداواتنا وتُنهي على انقساماتنا؛ وحق المسيح والآب يصهر أفكارنا وقلوبنا، فيبدد جهالاتنا، ويوقف حماقاتنا ويقدس أرواحنا وأجسادنا: «ولأجلهم أقدس أنا ذاتي، ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق» (يو19:17)؛ ونور معرفة المسيح والآب ينسابان في طبائعنا الروحية ووعينا «بالكلمة», فتُستعلن لنا الوحدة الكائنة في المسيح والآب بقوة تُدخلنا في الإحساس والوجود الفعلي في حضرة الآب والابن بلا أي عائق فكري. وهكذا نتحد فيما لله، وليس فيما لنا، ونصير واحداً بسبب الروح الواحد الذي نستقي منه (1كو13:12)، والجسد الواحد الذي نغتذي عليه: «كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح؟ فإننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد.» (1كو16:10-17) فإن فسرنا معنى قول المسيح مراراً: «أنتم في وأنا فيكم»، عمليا في حياتنا اليومية، يكون المعنى هو التبادل الغير عادل بالمرة بين ما له وما لنا، كقول الآبصلمودية السنوية: «هو أخذ الذي لنا، وأعطانا الذي له، فلنسبحه نمجده ونزيده علواً» (مرد ثيئوطوكية الجمعة). نعم، فالوحدة التي سعى إليها المسيح نحونا هي تبادل القوة والطاقة. ولكن للأسف, أو يا للسعادة، فهو تبادل ليس على مستوى التساوي كما للآب والابن، بل على أساس تغطية عجزنا بكماله وجبران نقصاننا بملئه. فهو فينا بملئه وكماله، ونحن فيه بعجزنا ونقصاننا؛ هو فينا بقداسته الكلية، ونحن فيه بلا قداسة بالكلية, ولكننا بالنهاية صرنا مملوئين فيه، أحباء وقديسين وبلا لوم أمام الله. الوحدة والملء: القديس بولس يعبر عن أسمى صورة للاتحاد بالمسيح بقوله: «فإن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً، وأنتم مملوؤون فيه» (كو9:2-10). فما هو«ملء اللاهوت»؟ وما هو «ملء اللاهوت جسدياً», أما «ملء اللاهوت» فهو للابن قبل تجسده، وهذا هو الذي عبر عنه المسيح بقوله: «الآب فّي», وهذا ليس ليس لنا أن نقربه، أو حتى تطع عليه؛ أما «ملء اللاهوت جسدياً», فهو ملء اللاهوت الذي صار في الجسد من أجلنا, منظوراً وملموسأ ومُشاهدا، كما يقرر القديس يوحنا: «االذي كان من البدء, الذي سمعناه، الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدنا، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة؛ فإن الحياة أُظهرت، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية، التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا... وأما شركتنا نحن, فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.» (1يو1:1-3) فملء اللاهوت جسديا هو ملء الله، الذي جعله في متناول أخذنا!! «ومن ملئه نحن جيعاً أخذنا، ونعمة فوق نعمة» (يو16:1). أخذنا من ملئه الإلهي القداسة، الحياة الأبدية، والحب، والوداعة، وتواضع القلب، والنور, والخبز الحقيقي، وماء الحياة، أخذنا قدوسيته برضاه: «من أجلهم أقدس أنا ذاتي، ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق» (يو19:17). كل هذا واكثر عبر عنه المسيح بقوله: «أنا فيهم». وبقوله: «أنا فيكم», «وأنتم في», يكون المسيح قد عبر تعبيرا مزدوجاً عن اتحاد غير منفصم . وهكذا صارت طرق الله التي كانت في القديم تعلو عن طرقنا (إش9:55, رو33:11) علو السموات عن الأرض, صارت هي نفسها لنا طريقاً وباباً : «أنا هو الطريق والحق والحياة» (يو6:14), «أنا هو الباب» (يو9:10). وفكر الله الذي كان يعلو عن أفكارنا, صار هو هو بذاته «فكرنا». فما هو فكر الله إلا «الكلمة», كلمة الله الفائقة عن الإدراك, الخالقة السموات والأرض وكل ما فيهما، أتتنا على الأرض متجسدة ومتأنسة في هيئة إنسان، لنسمعها من فم الله, سمع الاذن، ونراها رؤيا العين, ونلمسها لمس اليد. فأدركناه، بل وصار لنا فكره: «وأما نحن فلنا فكر المسيح» (اكو16:2). والنور الذي لم يعرفه العالم سابقاً، عرفناه. والقداسة والبر الإلهي, أمور الله غير المقترب إليها حتى بالفكر، صارت كلها في متناول حياتنا: «الذي صار لنا حكمة من الله وبرا وقداسة وفداء» (1كو30:1). نعم لقد أسس المسيح, بسر تجسده وصليبه، أسس الاتحاد المقدس. الوحدة كعطاء ونعمة: وقد صور المسيح في سفر الرؤيا هذه الوحدة العملية التي يسعى إليها من نحونا هكذا: «هأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب (باب الحب)، أدخل إليه, وأتعشى معه, وهو معى» (رؤ20:3). هو يتعشى من صحن هموم الإنسان وأوجاعه وأنينه, يتعشى متقاسماً معه لقمة الشقاء والتغرب. والإنسان يتعشى معه, بالنعمة, من صحن أفراحه وبهجة خلاصه، ويتناول من يده خبز حبه وختم استيطانه!! إن وحدة الآب والمسيح تقوم على التساوي كلياً وفي كل شيء, فهي وحدة ذات وكرامة ومجد وكمال مطلق. فالوحدة بين المسيح والآب هي طبيعة جوهرية، أما الوحدة التي لنا في المسيح والآب فهي نعمة ورحمة، هي تفضل، هي هبة، هي مجرد إشعاع فعال لوحدة المسيح والآب، حتى لا تبقى الوحدة في الله بلا عمل فـ«نحن عمله» (أف10:2), ولكن يلاحظ أن المسيح لم يطلب الوحدة لتلاميذه، إلا بعد أن قدم شهادته للآب أنهم: «قد حفظوا كلامك» (يو6:17)» وأنهم أصبحوا : «ليسوا من العالم» (يو14:17)، فهي ليست بلا ثمن كلية. المستوى الثالث للوحدة: «ليكونوا مكملين إلى واحد»: المسيح هنا يسمو بالوحدة التي يطبها لنا، أولا فيما بيننا، وثانيا فيما بيننا وبينه والآب, ثم أخيراً إلى تكميلها إلى الكمال. والإنجيل يعبر عن «التكميل» بكلمة ( )، وهي لا تعني تكميل الناقص، بل تكميل الكمال، وتترجم بالإنجليزية: perfected. فالذين اتحدوا بالابن والآب، لم يعودوا ناقصين محتاجون إلى التكميل بل هم مهيأون لقبول الكمال. فالمسيح سبق ومنحهم خصائصه بقوله: «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني... ليكونوا مكملين إلى واحد»، أي ليبلغوا «كمال» الوحدة. هذا الكمال عبر عنه بولس الرسول بقوله: « لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله» (أف19:3)، حيث يستخدم الكلمتين: «تمتلئوا»، و«الملء» وهي المرادف تماما لتكميل الكمال. كما عبر عنها القديس يوحنا بقوله: «مملوءاً نعمة وحقاً ... ومن ملئه نحن جميعا أخذنا، ونعمة فوق نعمة» (يو14:1-16). وبولس الرسول يستخدم مرة أخرى كلمة «الملء» فيما يخصنا من ملء لاهوته، وذلك على مستوى الملء الذي له، ولكن على قدر ما تتسع له طبيعتنا العاجزة: «فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا, وأنتم مملوؤون فيه» (كو10:2). حيث لا يتحول الملء الإلهي الذي له إلينا، ولكن نصير باتحادنا به مملوئين فيه! وهذا أوضحه بولى الرسول أيضاً في قوله: بسبب هذا أحني ركبتى لدى أبي ربنا يسوع المسح, الذي منه تُسمى كل عشيرة (أبوة = fatherhood) في السموات وعلى الأرض، لكي يعطيكم, بحسب غنى مجده, أن تتأيدوا بالقوة، بروحه في الإنسان الباطن، ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم, وأنتم متأصلون ومتأسسوذ في المحبة، حتى تستطعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو، وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله. والقادر أن يفعل فوق كل شيء أكثر جداً مما نطلب أو نفتكر، بحسب القوة التي تعمل فينا» (أف14:3-20). ولكي ننبه ذهن القارىء إلى محور القوة في هذه الآيات نوجز الخلاصة كالآتي: + «يعطيكم... غنى مجده... بروحه... ليحل المسيح... في قلوبكم... تدركوا مع جميع القديسين (الكنيسة)... تمتلئوا إلى كل ملء الله... بحسب القوة التي تعمل فينا». ومرة أخرى نختصر المعنى لتبرز القوة كالآتي: «يعطيكم... مجده... المسيح فى قلوبكم... تدركوا... ملء الله... بحسب القوة التى تعمل فيكم» وهذا هو روح كلمات المسيح يذكرها القديس يوحنا: «أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني... ليكونوا مكملين إلى واحد». واضح أن عطية المجد التي يعطيها الآب للمسيح لحسابنا، والتي سلمها لنا المسيح، تكون سر الملء لبلوغ كمال الوحدة في المسيح والآب. ولكن ما هو المجد الذي أعطاه الآب للمسيح, فأعطاه المسيح لنا؟ قطعا ليس هو مجد الإلوهية الذي «للكلمة الله» المساوي للآب, فهذا المجد ليس مُعطى للابن، بل هو من خصائص لاهوته. ولكن المقصود هنا هو المجد الذي أُعطي للابن حال تجسده لحسابنا. فهو مجد فائق, وانما على مستوى إدراك الإنسان ليبلغ به الإنسان في النهاية كمال الشركة في المسيح والآب. فما هو هذا المجد المُعطى؟ والذي هو لنا وتحت حسابنا؟ توجد آيات بسيطة غاية البساطة تشير إلى هذا المجد مئل: «... لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد» (يو39:7)، أي لم يكن قد صُلب. فهل آلام الصليب هي المجد الذي أعطي للمسيح ليكمله لحسابنا؟ ثم قول المسيح ليلة العشاء الأخير، وهو يقسم جسده مصلوباً بالنية قبل أن يُصلب بأيدي الأثمة: «قال يسوع: الآن قد تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه. إن كان الله قد تمجد فيه، فإن الله سيمجده في ذاته, ويمجده سريعاً.» (يو31:13-32) واضح أن المسيح يتكلم عن مجد الصليب، إذ ينعته زمنياً: «سريعاً» ، وأن بالصليب سيتمجد المسيح، وسيُمجد الله الآب . فإن الأنبياء سبقوا وتنبأوا بآلام المسيح والمجد المتأتي منها: «باحثين أي وقت، أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم، إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسبح والألمجاد التي بعدها.» (1بط11:1) وقد حدث بالفعل، إذ قد «رُفع (المسيح) في المجد» (اتي16:3) من بين الأموات! «ودخل إلى مجده» (لو26:24)، و«جلس في يمين العظمة في الأعالى» (عب3:1)، مسبباً مجداً لله الآب من كل لسان وشعب وأمة في كل زمان ومكان وإلى أبد الآبدين، وهكذا صار الصليب بما يحتويه من جوهر الاستعلان: «متى رفعتم ابن الإنسان، فحينئذ تفهمون أني أنا هو» (يو28:8), وبما يؤدي إليه, مجداً، ومؤدياً إلى مجد، وممجداً الآب، وسبباً للمجد لكل من يحمل أو يتحمل عاره!! وهذا المجد عينه، مجد الاستعلان لحقيقة الله الخلاصية، وما يؤدي إليه من احتمال الآلام, ببذل الذات حتى الموت، موت الصليب، شهادة للابن والآب؛ قد تحول بجملته لحساب الإنسان، لكل من يتألم من أجل اسم المسيح: «... أنتم الذين ثبتوا معي في تجاربي، وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتاً، لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي، وتجلسوا على كراسي تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر.» (لو28:22-30) وبولس الرسول يقولها واضحة مختصرة: «إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه» (رو17:8). ثم يشرحها بوضع يفوق التساوي والتعادل بقوله: «فإني أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا» (رو18:8). وبطرس الرسول يقول بنفس القول: «إن عُيرتم باسم المسيح فطوبى لكم، لان روح المجد والله يحل عليكم» (ابط14:4) هذا هو المجد الذي أعطاه الله الآب للابن حال تجسده، أي «آلام الصليب»، لكي يفتح به المسيح طريق المجد للإنسان، ثم يسلم هذا الصليب عينه لكل من أحبوه وآمنوا به. لكي يبغ الإنسان، بنفس الآلام التي كان قد وُضع تحتها بسبب خطيئته, بعد أن حولها له المسيح إلى آلام من أجل اسمه، طاعة لله وحباً للآب والمسيح، فصارت له سسب مجد, بعد أن كانت بسبب خطيته. وهكذا، ومن نفس عقوبة الإنسان الاولى, أصبح له المسيح إكليل مجد لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمعل، محفوظاً له في السموات! وهذا هو المجد، الذي إذ نتحصل عليه، نصير مؤهلين لشركة «الوحدة» وسرها. وهكذا أيضاً، وبالتال، فكما فتتت الخطية الإنسان, بآلامها المتنوعة التي كانت على مستوى اللعنة، ومزقته تمزيقاً، وشوهت صورة الله فيه، استطاع المسيح أن يحول هذا التفتت، بهذه الآلام عينها، وبجسد الخطيئة نفسه وبلعنة الآلام عينها, يحوله إلى وحدة!!! إذ بجسده الممزق، جمع شمل البشرية الممزقة، ووحدها في نفسه وفي جسده وفي روحه!!! «لأنه جعل الذي لم يعرف خطية, خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه» (2كو21:5)، «المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة.» (غل13:3) هكذا صار الصليب هو المجد، وروح المجد، وإكليل المجد، الذي وُهب للانسان أن يتقلده، كمثل المسيح، كأعلى وسام للكمال يدخل به إلى شركة المجد والوحدة مع المسيح والآب. والآن، تصبح آية صلاة المسيح ساطعة بنور أخاذ: «وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ... ليكونوا مكملين إلى واحد»! علاقة كمال الوحدة بتكميل الآلام: وهكذا لاق بنا أن نبلغ كمال الوحدة بجد الآلام، كما لاق به هو أن يبلغ الكمال بالآلام: «لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل وبه الكل، وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد, أن يكمل رئيس خلاصهم بالآلام» (عب10:2)، «وإذ كمل، صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدي» (عب9:5). هنا علاقة سرية وطيدة بين كمال المسيح الذي بلغه بالآلام، وبين أن نكمل نحن إلى واحد. فهنا شرح عملي لعلاقة الآلام وسموها بمجد الخلاص بالصليب. هذا الصليب الذي تأهل به «ابن الانسان»، بنوع ممتاز كابن الله، المستأمن على كل سر الله، ليصنع صلحاً وسلاماً أبدياً بين الخليقة وخالقها، وليكشف بواسطته عن سر وحدته مع الآب، هذا السر بكل عمقه وسره وسموه، سلمه المسيح لخواصه, لا ليتصالحوا فقط مع الله بدم صليبه بل ليتحدوا أيضاً به، ليصالحوا الآخرين بالله: «ولكن الكل من الله، الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح, وأعطانا خدمة المصالحة. أي إن الله كان, في المسيح, مصالحاً العالم لنفسه, غير حاسب لهم خطاياهم, وواضعأ فينا كلمة المصالحة. إذا، نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا, نطلب عن المسيح: تصالحوا مع الله» (2كو18:5-20)، «من غفرتم خطاياه, تُغفر له» (يو23:20) واضح هنا مبدأ التكميل بالآلام الذي بلغه المسيح، فبلغ به المجد، وأعلن به عن وحدته بالآب، وكيف سلمه لنا خلاصأ. فصرنا, بتكميل الآلام عينها من أجل اسمه، شركاء مجد ووحدة وعلاقة سرية معه ومع الآب، وسفراء لله فوق العادة. نعم، فليس في كل ما يعمله الإنسان ما هو مثل الألام التي للشهادة، إذ لها قدرة أن توحد الإنسان في نفسه والآخرين والله، وتورث مجد الحياة الأبدية: «أطلب إلى الشيوخ الذين بينكم، أنا الشيخ رفيقهم، والشاهد لآلام المسيح, وشربك المجد العتيد أن يُعلن ...» (1بط5:1) الوحدة المسيحية أعظم شهادة لرسالة المسيح في العالم, وأوثق برهان لمحبة الآب الخالصة[/SIZE][/FONT][/COLOR] [/QUOTE]
التحقق
رد
الرئيسية
المنتديات
المنتديات المسيحية
المنتدى المسيحي الكتابي العام
تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين
أعلى