الرئيسية
المنتديات
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
الكتاب المقدس
الكتاب المقدس
البحث في الكتاب المقدس
تفاسير الكتاب المقدس
الرد على الشبهات الوهمية
قواميس الكتاب المقدس
آيات الكتاب المقدس
ما الجديد
المشاركات الجديدة
آخر النشاطات
الأعضاء
الزوار الحاليين
مكتبة الترانيم
إسأل
تسجيل الدخول
تسجيل
ما الجديد
البحث
البحث
بحث بالعناوين فقط
بواسطة:
المشاركات الجديدة
بحث بالمنتديات
قائمة
تسجيل الدخول
تسجيل
Install the app
تثبيت
الرئيسية
المنتديات
المنتديات المسيحية
المنتدى المسيحي الكتابي العام
تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين
تم تعطيل الجافا سكربت. للحصول على تجربة أفضل، الرجاء تمكين الجافا سكربت في المتصفح الخاص بك قبل المتابعة.
أنت تستخدم أحد المتصفحات القديمة. قد لا يتم عرض هذا الموقع أو المواقع الأخرى بشكل صحيح.
يجب عليك ترقية متصفحك أو استخدام
أحد المتصفحات البديلة
.
الرد على الموضوع
الرسالة
[QUOTE="ميشيل فريد, post: 3762770, member: 60800"] [COLOR="DarkSlateBlue"][FONT="Arial"][SIZE="5"][B][CENTER][COLOR="red"]42:8-44 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «لَوْ كَانَ اللَّهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي. لِمَاذَا لاَ تَفْهَمُونَ كلاَمِي؟ لأَنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي. أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ.[/COLOR][/CENTER] المسيح هنا ينقض قولهم من جهة أن الله هو أبوهم الروحي، فبحسب إشعياء النبي وإرميا النبي تكون كل إسرائيل يهوذا مطلقتين, وها قد باعهما الله بالفعل ليكونا تحت الإحتلال والتشتت بسبب شرورهما, فمن أين يكون الله أباً لهؤلاء اليهود المعاندين الذين يرفضون ابنه؟ والقديس يوحنا يرفع هذه القضية إلى حكم الأمور المسلم بها: «كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح، فقد ولد من الله.» (ايو1:5) «لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني»: واضح أن المسيح يتكلم هنا كابن الله الوحيد المحبوب. فكيف لا يتعرفون على أخيهم البكر، ثم كيف لا يحبونه؟ إلا لأنهم ليسوا أبناء الله كما يدعون؛ ولأنهم زادوا على عدم تعرفهم على المسيح وعدم محبتهم له كابن الله أنهم طلبوا أن يقتلوه كبينة وبرهان أكيد أنهم ليسوا أبناء، بل أعداء لله وللابن الوحيد، بل وقتلة، وليس قتلة وحسب بل وفيهم شهوة القتل كهواة ومحترفين يتلقنون فن العداوة والقتل من أستاذ عتيق. ولا يوجد أصل أو مبدأ أو أب للقتل والقاتل إلا القتال المحترف منذ البدء، هو الذي بخداعه أوقع حواء ثم آدم في خطة العصيان، بذلك دخل الموت إلى العالم، وهو إبليس. فهم بالضرورة أبناء لهذا الأب. «لأني خرجت من قبل الله وأتيت»: المعنى هنا يفيد التجسد، وقد استخدم الأساقفة المجتمعون في مجمع نيقية سنة 325م هذا الاصطلاح لإثبات البنوة الإلهية للمسيح. واللغة العربية هنا ركيكة ولا تفيد المعنى الصحيح. وفي الأصل اليوناني لا يوجد «من قبل الله» بل «من الله» مباشرة. جوهر من جوهر، طبيعة من طبيعة وبالتالى يلزم حذف «قبل» من النسخة العربية لتصير «من الله» لتوضيح المعنى اللاهوتي الصحيح. واللغة اليونانية دقيقة دقة خطيرة بالنسبة للبحث اللاهتوتي في حروفها، حينما تُضاف إلى الأفعال، فـ«الخروج من» تأتي عل ثلاثة أوضاع بالسبة للحرف المضاف، فهو إما: ( ا ) خروج الابتعاد أو تغرب الشخص (2) خروح بحانب, أى زمالة الشحصية (3) خروج من داخل مع بقاء في الداخل لتفيد بقاء جوهر الله في جوهر الابن المتجسد وهذه كلها للتعبير عن التجسد جوهريا وذاتيأ: (1) أما الخروج والأبتعاد فهو التعبير الضعيف عن مجيء المسيح من الله، وهذا الاصطلاح استخدمه التلاميذ للتعبير عن فهمهم (الخاطىء نوعا ما) لقول المسيح «خرجت من عند» وقد جاءت هكذا: «الآن نعلم أنك عالم بكل شىء ولست تحتاج أن يسألك أحد لذا نؤمن أنك من الله خرجت» (يو30:16). وهذا على قدر فهم التلاميذ أن خروجه يفيد مجيئه إلى الأرض، وهذا يستلزم تركه للسماء وابتعاده المكاني عن الله: ( ) وهذا أيضاً هو فهم القديس يوحنا عن خروج يسوع من عند الله كمتغرب ثم عودة ( ): «... يسوع وهو عالم أن الآب قد دفع كل شيء إلى يديه وأنه من عند الله خرج وإلى الله يمضى...» (يو3:13) (2) وتفيد خروج وبقاء بجانب، كزمالة، وهو تعبير المسيح ولكن من وجهة نظر التلاميذ للمسيح وليس من وجهة نظره لنفسه! «لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم أني من عند الله خرجت» (يو27:16). فهو على قدر فهمهم يعبرو يردد عما آمنوا به من نحوه، الذي لم يكن قد بلغ بعد الفهم اللاهوتي الكامل. (3) وهي الأخيرة، أي الخروج من الداخل جاءت واضحة جداً في الآية: «خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم» (يو28:16)، حسب القراءة الصحيحة باليونانية في النسخ الدقيقة، وهذا هو تعبير المسيح عن نفسه. كما يلاحظ أن الفعلين: من الله «خرجت» و«أتيت» هنا في اليونانية مضافان إل «من» بمعنى من الله خرجت ومن الله أتيت. وهما يفيدان في المعنى اللاهوتي أغواراً عميقة للغاية، إذ يكوذ المعنى أن الابن هو من الله فى وجوده وكيانه ومجده قبل الميلاد بالجسد، والباقي مع الله وفي الله بالرغم من خروجه وظهوره واستعلانه كابن الله المتجسد. وأيضا هو من الله في مجيئه إلى العالم وتجسده، وبقائه مع الله وفي الله بالرغم من ظهوره في الجسد كيسوع المسيح. وبهذا يكون المسيح، وكذلك القديس يوحنا في تسجيله لقول المسيح قد جمع كل اللاهوت في هذه الجملة المضغوطة ضغطاً: «من الله خرجت ومن الله أتيت». وقد شرحها المسيح شرحاً إضافياً ليكون على مستوى هؤلاء اليهود بقوله: «لأني لم آت من نفسي بل ذاك أرسلني»: بمعنى أني أمثل الآب تمثيلآ ذاتياً وكلياً في كل ما أقول وأعمل، بل وأمثله بشخصي كنائب عنه دون أن يكون العمل لشخصي، أي لمجد نفسي. «تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني.» (يو16:7) «أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً.» (يو30:5) «من يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه. وأما من يطلب مجد الذق أرسله فهو صادق وليس فيه ظلم.» (يو18:7) كما سيوضحه في الآية: «الآب الحال فىّ هو يعمل الأعمال.» (يو10:14) هذا يوضحه المسيح لليهود ليبرهن لهم عن حقيقة طبيعته الإلهية, ووجوده بينهم كمرسل من الله وكممثل شخصى له, موضحاً بذلك مقدار ما سقطوا فيه، ليس من نحوه بقدر ما هو من نحو الله الذي أرسله والذي يدعون أنه أبوهم! «لماذا لا تفهمون كلامي لأنكم لا تقدرون أن تسمعوا قولى»: وتصحيحها: «لماذا لا تفهمون حديثي (لغتي) لأنكم لا تسمعون كلمتي». المقارنة هنا بين «الفهم والسماع» تجاه «الكلام والقول». فالفهم أو الإدراك يختص بالحديث. والسماع بالروح, أي الكشف، يختص بالكلمة. هنا يقدم الرب طبقتين من كلامه: الطبقة الاولى هي متابعة حديث الرب بالفهم السريع والادراك؛ والطبقة الثانية الأعلى هي التعمق لكشف طبيعة الكلمة. أما الطبقة الثانية، فهي في المقدمة وهي الهامة جدا والخطيرة, فإذا لم يكن للإنسان أذن روحية تسمع كلمة الله فتكشف طبيعتها الإلهية، يستحيل عليه أن يفهم ما يتحدث به المسيح ويقوله، لأنه كلام روحي يحتاج إلى أذن خاصة روحية: «من له أذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس» (رؤ7:2)، أما من ليس له الوعي فسيرى المسيح مجرد إنسان يتكلم. والمسيح لا يتكلم كإنسان، بل كإله، فهو يقول: «أنا هو نور العالم»، و«أنا هو الطريق والحق والحياة»، و:أنا والآب واحد» (يو12:8, 6:14, 30:10). فكيف يفهم الناس قول المسيح هذا إذا اعتبروه مجرد إنسان؟ إنه سيكون كمجدف، ولكن إن كان للسامع أذن روحية كاشفة، تكشف طبيعة «الكلمة» القائلة والمقولة، فحتماً سيتعرف عليها أنها إلهية وأن صاحبها إلهي هو: «لأني لم أتكلم من نفسي» (يو49:12). وهنا ذات المسيح هي الذات المنظورة للناس، والمتكلم فيه هو الله. فحينئذ, وعلى أقل تقدير, سيفهمون ما يتحدث به المسيح على أنه رسالة الله لهم، وأن حديثه يحمل الصدق والحق والقوة والروح والحياة، وهو كما هو أمام أعينهم، فعال، يشفي ويقيم من الموت، لأن كلمة الله خالقة ومُحيية. لذلك, فليفهم القارىء أنه يستحيل على أي إنسان مهما بلغ من قوة الذكاء والفهم والتمحيص، أن يفهم الإنجيل أو يدرك ما يقوله المسيح, إذا لم تكن له أذن روحية يسمع بها طبقة رنين كلمة الله، وتحس بحركة الحياة التي فيها وتميزها عن كل ما عداها من كلمات الإنسان. فالاذن التي تستطيع أن تلتقط الموجة الروحية، وتحس بالحياة والحق لكلمة الله، هي وحدها التي تستطيع أن تفهم ما يقوله المسيح والروح. أما كيفية قبول الأذن الروحية لكلمة الله وتفهمهاه فلا يأتي بالتمرين أو التلقين أو الدراسة، بل بقبول الرب يسوع نفسه «الكلمة» أولاً، والدخول معه في شركة الحياة الجديدة. فهو الذي يرفع مستوى قلب الإنسان وروحه لمستوى الكلمة، أي لمستواه في المعرفة. ومستواه في المعرفة بعد التجد لم يعد في السماء, بل في قلبنا وفمنا: «تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب» (مت29:11)، «أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به.» (يو3:15) ولكن، ليفهم القارىء أن لكل إنسان أذناً روحية؛ وهي إما تنفتح بالإرادة والشوق والإيمان والحب لكلمة الله فتكشف طبيعتها، وإما تنقفل بالإرادة المدفوعة بالبغضة والتعالي والتجديف، فلا تعود تسمع، ولا يعود الإنسان قادراً أن يفهم أو ينفعل للكلمة. وإرميا النبي يخاطبهم من جهة الجهل وعدم الفهم: «اسمع هذا أيها الشعب الجاهل والعديم الفهم الذين لهم أعين ولا يبصرون، لهم آذان ولا يسمعون» (إر21:5). فالجهل هو انحطاط مستوى الكشف لطبيعة كلمة الله والجهل يؤدي حتماً إلى عدم الفهم. وقد نسب إرميا النبي الجهل إلى العمى الروحي، ونسب عدم الفهم إلى الصمم الروحي. ولذلك أيضا كان يطيب للمسيح أن يفتح أعين العمي، ويفتح آذان الصم, ليس كمعجزات شفاء لهذا الشعب، ولكن كآيات لعمل كلمة الله في طبيعة الإنسان الخاطىء. ثم يوضح إشعياء النبي العوامل التي أدت إلى عمى عيونهم وانسداد آذانهم: «قد أعمى عيونهم، وأغلظ قلوبهم, لئلا يبصروا بعيونهم ويشعروا بقلوبهم ويرجعوا فأشفيهم» (يو40:12). لذلك يصرخ أيضا إشعياء النبي: «يا رب من صدق خبرنا, ولمن استعلنت ذراع الرب. لهذا لم يقدروا أن يؤمنوا» (يو38:12-39). ولكن من الذي سد آذانهم وأغلظ قلوبهم وأعمى عيونهم؟ هنا الضمير الفاعل هو العدو الشيطان, الذي سلموا أنفسهم له, حقداً وبغضة وعداوة بلا سبب, والذي وجه إليه المسيح سهمه الخاطف، ففضحه، وفضح إرادتهم: «أنتم من أب هو إبليس». «أنتم من أب هو إبليس ...»: لم يكن المسيح في هذا القرار المرعب مهاجما أو متعديا على مشاعر اليهود، بقدر ما كان مدافعا عن الله الذي يريدون أن ينسبوا إليه أنفسهم وتعدياتهم بقولهم إن الله هو أبوهم. فقرار قتل الابن الوحيد الذي للآب قد كتبوه في ضمائرهم، وهم يبحثون الآن فقط عن علة مناسبة لتنفيذه. الرب هنا، وبقوله هذا، يفصل بين قداسة الله أبوه، وبين هؤلاء القتلة. وفي نفس الوقت كشف عن شخصية الأب المحرك لهؤلاء اليهود المدعين. لأن المسيح بقوله: «أنتم من أب هو إبليس ... »، يكون قد رفع الستار عن حربهم الخفية التي يشنونها ضد الله والمسيح تحت اسم الناموس وأبوة الله للشعب المختار، وقد جعل المواجهة صريحة ومكشوفة بينه وبينهم، أو بين الله الذي يتكلم باسمه، وبين الشيطان الذي ينطق فيهم. وإن كان المسيح هنا في إنجيل يوحنا قد كشف عن شخصيات هذه الحرب المريرة بينه وبين الشيطان مواجهة وبصراحة، نجد المسيح يصيغ هذه الحرب في تشكيلات رمزية غاية في الأبداع في الأناجيل الأخرى: «فأجاب وقال لهم: الزارع الزرع الجيد هو ابن الإنسان, والحقل هو العالم، والزرع الجيد هو بنو الملكوت، والزوان هو بنو الشرير, والعدو الذي زرعه هو إبليس.» (مت37:13-39) «وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا. ذاك كان قتالا للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق. متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب»: من أعجب الأمور وأكثرها ألمأ وحزنا للنفس، أن يكون للشيطان القدرة الغريبة لتسليم شهواته الشخصية للذين يخضعون له كأب، ويسيرون في طريقه كمعلم، لأن شهوة الشيطان تنبع من عداوة شخصية لله, ولابنه يسوع المسيح، ولكل من يتبعه ويطيعه. والإنسان ضعيف جدا وأصغر من أن يتقمص شهوة الشيطان هذه ويقف لكي يعادي الرب يسوع, سواء بفكره أو قلمه أو عمله. ولكن الذين تبناهم الشيطان ألبسهم تاجه وأعطاهم صولجانه, وكانوا عظماء في عين العالم وعلى مدى التاريخ، وكانوا ذوي صيت وبطولات؛ ولكن التاريخ للعالم شيء، والتاريخ لملكوت الله شيء آخر. «... شهوات أبيكم تريدون»: «تريدون» تأتي باليونانية في صيغة الإصرار المنتهى منه, وهذه في الحقيقة صفة غريبة يتقمصها الشخص الشارد في شره، حتى ليتعجب الناس من قوة الاصرار وشدة الاستمرار في تتميم ما صمم عليه, في حين أن الشخص يكون في طبيعته الأصلية بسيطا ووديعا ومسالما حلو الأخلاق ومطيعا, ولكن إذا استماله الشيطان وتبناه صار شرسا متنمرا، لا يلين ولا يحيد عن مقصده، ولا يهدأ حتى يتمم كل ما أفرزه الشيطان في فكره, حتى وبدون وعي؛ فالشيطان يتقمصه. لذلك فإن قول المسيح: «شهوات أبيكم تريدون أن تعملوا»، جاءت في صورة واقعية تصور حقيقة ما كان يجري في قلوبهم تصويرا يزهل العقل, من حقد مجاني وغضب وسرعة الانفعال للقتل ومهاجة كلامية شرهة وعناد لا يهدأ. وإن هذا هو في الواقع منهج كل الذين تركوا المسيح وأبغضوا الكلمة، إذ أصبحت فيهم عداوة لا تهدأ من جهة الحق ومهاجته والإزدراء بالإيمان. «ذاك كان قتالاً للناس منذ البدء»: منذ أن أطلق المسيح هذه الصفة على الشيطان وأصبحت اسما له في العهد الجديد، وهي موجودة في تعاليم الرسل ( ) وترجمتها: «الحية القتالة للناس» ويختصرها سفر الرؤيا بتسمية «الحية القديمة» (رؤ9:12, 2:20)، سواء بسبب إدخال الموت على الإنسان, آدم, المخلوق أصلاً على غير فساد، أو إشعال الحقد والكراهية في قلب قايين، وإقحام إرادة القتل فيه ليقتل أخاه هابيل. ولماذا قتله؟ يقول الكتاب: «لأن أعماله كانت شريرة وأعمال أخيه بارة.» (1يو12:3) ولذلك، وعلى هذا الأساس، نبه الكتاب أن «كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس» (ايو15:3)، لأن الرب يعلم أن صاحب مشورة وقوة البغضة هو نفسه صاحب مشورة القتل. والخطية الاولى تحوي في بطنها الخطية الثانية، التي لابد أن تلدها إن آجلا أو عاجلا، إن بالنية أو بالفعل. ويصف القديس يوحناهذه الخطية هكذا: «لأن هذا هو الخبر الذي سمعتموه من البدء أن يحب بعضنا بعضا. ليس كما كان قايين من الشرير وذبح أخاه، ولماذا ذبحه؟ لأن أعماله كانت شريرة وأعمال أخيه بارة.» (ايو11:3-12) وتسلسل الخطية حتى إلى القتل تجيء في تقليد القداس: «والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس»، وهذا مأخوذ من سفر الحكمة (حك23:2-24). وهكذا تبنى الشيطان خطية القتل والقاتل معاً، والذق يهمنا جدا في هذا المجال هو كلمة «حسد الشيطان»، فالحسد هو الذي دفع الشيطان لإسقاط آدم. وإسقاط آدم تم عل مرحلتين: الاولى «غواية» ثم «فعل» تعدي، والنتيجه موت. وكان في ظن الشيطان أن الموت سينهي على مستقبل آدم، ويظل ساقطا إلى الأبد كما هو حال الشيطان: «والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم (بسبب الحسد وطلب ما هو أعظم)، حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام» (يهوذا 6). ولكن آدم مخلوق على الرقي والسمو وبلوغ صورة الله في القداسة والحق. فدبر الله له الخلاص بالتوبة ودم المسيح. أما الشيطان وملائكته فخلقوا على مراكز ورئاسات محددة ومساكن لا يتعدونها. وكل تعد لهم هو سقوط ليس له توبة أو قيامة: «لأنه إن كان الله لم يشفق عل ملائكة قد أخطأوا, بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء...» (2بط4:2) «ولم يثبت في الحق»: الأصل اليوناني يفيد أنه «لم يقف» بمعنى لم «يدم» بحسب القراءات الصحيحة. أي لم يضع قدماً, أو يرسخ. هذا الأمر يهمنا للغاية، لأن فيه يوضح المسيح مسألة حساسة بالنسبة لطبيعة الله في الخلقة على مستوى اللاهوت. فالشيطان لم يدم في الحق, أو لم يثبت في الحق, يعني أنه كان في موضع رئاسي (رياسة)، أو موضع أو مسكن «مسئولية» (بحسب رسالة القديس يهوذا) على مستوى الحق، ولكه تخلى عنه طمعاً أوحسداً فيما هو أعظم فحسب ذلك خطية؛ الأمر الذي يشرحه القديس بطرس الرسول: «الله لم يشفق على ملائكة قد أخطأوا...»، وهذا يفيد أن الله لم يخلق الشيطان على الشر أو الفساد أو الخطية، بل خلقه على مستوى الرئاسة. ولكنه تعدى وأخطأ وسقط, والله لم يشفق عليه. «لأنه ليس فيه حق»: هذه الجملة مربوطة بالسابقة فهو لم يثبت في الحق, بسبب أنه ليس فيه حق. ولكن المعنى هنا لا يتضح لنا إلا إذا فهمنا كلمة «يثبت» حرفياً، حيث تعني «لم يضع قدما» في الحق، أي «لم يرسخ» في الحق. بمعنى أن الله أعطاه رئاسة على مستوى الحق، وكان عليه أن يثبت, أو يرسخ، أو يضع قدمه، أو يخطو خطوة في الحق، ليكون ويدوم على مستوى الرئاسة التي أعطاه الله، لكنه أخفق. واخفاق الشيطان في أن يثبت في الحق أو الرئاسة الموضوعة له, سببه أنه ليس فيه حق, بمعنى أنه ليس فيه أي شيء من «الأليثيا» التي في الله والمسيح، وكان عليه أن يكتسبها بحفظه وثباته في الرئاسة والموضع الذي وُضع فيه، فلما لم يحفظ رئاسته ولم يثبت في الحق، كان سقوطه بلا شفاء ولا رجاء. ولما فقد الحق, صار كذاباً وأبا الكذب كله وكل الكذابين. وما هو الكذب إلا فقدان الحق؟ ومن هو الكذاب إلا الذي ينكر الحق؟ هنا علينا، أيها القارىء العزيز، أن تنذكر كيف غرس الشيطان الكذت في شعور آدم وحواء، وفي اللا شعور أيضاً, حينها قال لحواء في حواره الخادع الماكر المميت, رداً على قول حواء: «أما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموتا؛ فقالت الحية للمرأة لن تموتا» (تك3:3-4). وهذا هو منطق الشيطان في نفي الحق واخفائه تحت ستار المعقول والمرجح, والواقع والأكثر فائدة, والأسهل والألذ، والأسرع أيضاً. فالشيطان أبرز العصيان, ونفى الموت وأخفاه عن حواء تحت ستار المعرفة : «بل انه عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر.» (تك5:3) ولينتبه القارىء أن في نفي الموت عن الذي يعصي أوامر الله يكون بالتالي قد نفى الدينونة, بل ونفى الخطية، بل ونفى قيمة الخلاص، بل ونفى المخلص، وأخيراُ نفى الحياة, حيث لا يبقى لمن يتبع الشيطان إلا أن يخنق نفسه!! «متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب»: في هذا الوصف يهمنا كلمتان: الاولى «الكذب» والثانية «يتكلم مما له». فالكذب يجيء في اليونانية ( ) وتعني الزيف, أي ما هو ليس حقاً أو صحيحاً، وهنا يتضح لنا أن الكذب أو الزيف أو ما هو ليس حقاً أو صحيحاً ليس جوهراً في حد ذاته، أي ليس شيئاً معروفاً أو محدد الوجود، بل هو نفي الشيء أو نفي الوجود، فعندما يقول إنسان قولاُ حقاً ويأتي آخر ويصدقه على هذا القول، فهو يقول «الحق»؛ ولكن إذا جاء إنسان أخر ونفى هذا القول، فهو كاذب لأنه نفى الحقيقة. وإذا كان هناك شيء معروف كظهور الشمس مثلاً ويقول إنسان أن الشمس غير ظاهرة، فهو يكذب لأنه ينفي وجود الموجود. وهكذا فإن الحق يعتمد على طبيعته الموجودة، أما الكذب فليس له طبيعة بالمرة بل يعتمد على نفي الحق أو نفى ما هو صحيح. وهذا هو التحليل الصحيح لطبيعة الشيطان وملوكه وكلامه في تعريف الرب له أنه «يتكلم بالكذب، لأنه يتكلم مما له، لأنه كذاب وأبو الكذاب». لأن الشيطان بحسب خلقته لم تكن له طبيعة الحق ولا طبيعة الكذب، بل خلق ووضع في رئاسة محددة له، كان المفروض أنه إذا أطاع بحسب حريته المحددة له, أن يثبت في رئاسته, وبالتالي يثبت في أمر الله، أي يثبت في الحق. ولكنه رفض الأمر بحسب حريته المحددة له, وتعال, فسقط من رئاسته، وسقطت طبيعته من موضع الحق نهائياً، فأصبح اعتماده قائماً على ذاته وليس على الله, أي الحق. وهكذا أصبح الشيطان بمقتضى سلوكه وبمحض حريته وإرادته ضد الحق، لأنه فاقده. وصارت طبيعته تتغذى من مقاومة الحق، فتشكلت أفكاره وإيحاءاته وكلماته بحسب طبيعته، أي ضد الحق: وهذا ما يعرفه الرب بأنه متى تكلم فإنه يتكلم مما له, أي ليس من الله ولا من مصدر حق، بل من ذاته، أي يتكلم بحسب طبيعته التي اكتسبها لنفسه والتي لم تعط له, وهي طبيعة طفيلية تقوم على نفي الحق ومقاومته, وهي بذلك طبيعة كاذبة مزيفة, ينحصر نشاطها كله في مقاومة الحق ونفيه. وصحيح أن نفي الحق هو لا شيء في ذاته, وهو السالبية وهو اللاوجود واللاصحيح واللاقيمة له على الإطلاق؛ ولكنه في مقاومته للحق والوجود وكل القيم الصحيحة، اكتسب له وجوداً سلبياً قائمأ على نفي وجود الحق. فهو يقوم على مدى احتمال صاحب مشيئة «الحق» أي الله، له ولعمله السلبي، فهو وجود مهدد بالفناء. لأنه في اللحظة التي يعلن فيها الحق المطلق أي الله عن إدانته للشيطان بمقتضى الحق، فإنه ينتهي من الوجود لأنه ليس له حق الوجود الذاتي. هذا على مستوى الله, أما على مستوى الإنسان، فهو بنفس القياس ولكن بدرجة محدودة. فالشيطان يقدم مشورته السالبية التي تقوم على الكذب والتزييف، فإذا رفضها الإنسان بمقتضى وصايا الحق التي يعيش بها، تلاشى الشيطان من الوجود في محيط العمل الفردي لمدة تتحدد بصلابة الإنسان في الحق. ولكن إذا قبل الإنسان مشورة الشيطان وأفكاره المزيفة والمعروف أنها ضد الحق مائة بالمائة، فإنه يكون قد أوجد للشيطان محلاً ومسكناً ووجوداً, وهذا منتهى أمل الشيطان وغاية سعيه أن يكون له وجود مزيف في ذات الإنسان، فهذا يوسع من دائرة تخريبه ومقاومته للحق، مما يشبع وجوده وجحوده. أما إذا أتقن الإنسان حيل الشيطان وتزييفه بشغف وحذق، وبرع في مقاومته للحق، فإن الإنسان يكون قد أخذ دور الشيطان بالكامل، ويكون الشيطان قد تبنى الإنسان وأحبه ووهبه طبيعته بكل فنون التزييف ومقاومة الحق. وهذا هو الدور الذى اتخذه اليهود لأنفسهم تجاه المسيح، وهذا ما أعلنه المسيح عنهم أنه قد صارت لهم طبيعة الشيطان في الكذب ومقاومة الحق: «أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا»! ويكون الشيطان بذلك قد صار بالفعل أباً للكذب والتزييف في العالم وأباً لكل كذاب ... أيها القارىء العزيز، احذر الكذب بكل أنواعه فهو صناعة الشيطان، وهي صناعة لا تبني بل تهدم، ولا تدوم بل تفنى. واحذر تزييف الحق أو الحقيقة في الأشياء والأقوال والأعمال، مهما كانت صغيرة, ومهما كان لها صورة المنفعة الوقتية، لأنها من طبيعة الشيطان التي مآلها الدينونة والفناء. الزم الحق بكل قوة وبكل إصرار، لأنه انتصار للحق والوجود والحياة ضد الفناء، وانتصار لله ضد الشيطان، فانظر كيف أعطانا الله الفرص في الحياة لكي ننصر الحق، فننتصر ضد قوى الشر والظلام، ونبقى ونحيا وندوم. [/B][/SIZE][/FONT][/COLOR] [/QUOTE]
التحقق
رد
الرئيسية
المنتديات
المنتديات المسيحية
المنتدى المسيحي الكتابي العام
تفسير إنجيل القديس يوحنا للأب متى المسكين
أعلى