يُركّز هذا العدد المشهور على حقيقتين يصعب على الإنسان الساقط أن يقبلهما- التجسّد والقيامة. لا يمكن أن يتم الخلاص دون قبول هاتين الحقيقتين وكل دلائلهما.
أوّلاً، ينبغي أن نعترف بفمنا أن يسوع المسيح ربّ، أي، أن الذي وُلد في مغارة بيت لحم هو الله الذي أُعلن بالجسد. ألوهية المسيح ضرورية لكل خطة الخلاص.
ثانياً، ينبغي أن نؤمن بقلوبنا أن الله أقامه من الموت. وهذا له معنى أعمق من حقيقة القيامة البسيطة. يتضمّن هذا موت المسيح على الصليب بدلاً عنّا. سدَّد العقاب الذي تستحقّه خطايانا. تحمَّل غضب الله الذي كان ينبغي أن نتحمّله نحن إلى الأبد. وفي اليوم الثالث أقامه الله من الموت برهاناً لرضى الله الكلّي عن ذبيحة المسيح لأجل خطايانا.
وكما يخبرنا الكتاب المقدس عندما نَقبله رباً ومخلّصاً، نَخلُص.
لكن ربما يسأل أحدهم، «لماذا يسبق الإعتراف الإيمان؟ ألا نؤمن أّولاً ثم نعترف؟»
يشدد بولس في العدد التاسع على التجسّد والقيامة، ويقدّم الترتيب الزمني لحدوثهما-التجسُّد أوّلاً وبعد ثلاثة وثلاثين سنة كانت القيامة.
في العدد التالي يضع بولس الإيمان قبل الإعتراف. «لأَنَّ الْقَلْبَ يُؤْمَنُ بِهِ لِلْبِرِّ وَالْفَمَ يُعْتَرَفُ بِهِ لِلْخَلاَصِ.» هذا هو الترتيب الذي يحدث عندما يولد الشخص ثانية. أوّلاً، نؤمن بالمخلّص فنتبرّر. ثم نخرج لنعترف بالخلاص الذي قد قبلناه.
نتعلّم من هذا العدد أن المسيح هو مركز تجمُّع شعبه. لا تجمعنا طائفة، أو كنيسة، أو بناية أو واعظاً شهيراً بل المسيح وحده. «وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ» (تكوين 10:49). «اجْمَعُوا إِلَيَّ أَتْقِيَائِي الْقَاطِعِينَ عَهْدِي عَلَى ذَبِيحَةٍ» (مزمور 5:50).
الدرس الآخر الذي نتعلّمه هو وجوب خروجنا إليه خارج المحلّة. والمحلّة هنا تعني «كل النظام الديني الأرضي الذي يتبنّاه الإنسان الطبيعي.» هذا هو المجال الديني الذي لا يُكرَّم فيه المسيح أو يُنقَّص من قدره. إنها بشاعة الوثنية المتسربلة بمسيحية أيّامنا. «لهم صورة التقوى، لكن ينكرون قوّتها.» المسيح في الخارج فينبغي أن نخرج إليه.
نتعّلم أيضاً أن هناك توبيخ في ملاقاة يسوع خارج المحلة. قليلاً ما ينتبه المؤمنون إلى أنه هناك ثمناً مرتبطاً بإطاعة الرب فيما يختص بالشركة في الكنيسة. غالباً ما تسعى الجماعات المسيحية لتَصِل إلى مستوى من المكانة والمركز. لكن كلّما نقترب من مثال العهد الجديد، يزيد الإحتمال أننّا سوف نشترك في عاره. هل نحن مستعدّون لدفع الثمن؟
ناداني ذاك الرجل صاحب العباءة، عرفت صوته- ربّي المصلوب
أظهر لي نفسه فلم أستطع البقاء، تبعته كان ينبغي أن أطيع.
لقد نبذني هذا العالم عندما اكتشف أنّني توجته من كل قلبي
الرجل الذي رفضوه، طعنوه وذبحوه. الذي أقامه الله بقوّة ليملك.
وهكذا نكون خارج المحلّة، ربّي وأنا، لكن وجوده أحلى من كل مذاق أرضي
ممّا كنت قبلاً أعده أعظم من دعوته، أنا في الخارج، ليس من العالم فقط، بل لأجل اسمه.
«إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدهُ اللهُ لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مُقَدَّسٌ الَّذِي أَنْتُمْ هُوَ.» (كورنثوس الأولى 17:3)
يشير هيكل الله في هذا العدد للكنيسة المحلية. لا يتكلم بولس هنا للمؤمن الفرد لكن لجماعة المؤمنين عندما يقول، «الذي أنتم هو.» يؤلّف القديسون في كورنثوس هيكل الله.
وطبعاً صحيح أيضاً أن المؤمن الفرد هو هيكل للروح القدس. ويتكلم الرسول عن هذا في كورنثوس الأولى19:6 حين يقول «أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟». الروح القدس يسكن في جسد كل ابن من أبناء الله.
لكن في نصّ هذا اليوم نوجّه النظر إلى الكنيسة. يقول بولس إن كان أحد يدّمر الكنيسة، فإن الله سيدمّره. وتعني هذه الكلمة في هذا العدد «يدنِّس» أو «يهدم». وتُستخَدم فيمن يفسد كنيسة محلية ويبعدها عن حالة حياة القداسة وطهارة التعليم الذي ينبغي أن تثبت فيه، والعقوبة تدمير المعتدي المذنب بهذه الخطية.
لذلك يحذّرنا هذا العدد أن العبث بالكنيسة المحلية خطر جداً. وهذا في الواقع تدمير ذاتي. وغالباً ما يقع الخجلون في هذا الخطأ. وها رجل لا ينجح في فرض طريقه في الكنيسة، أو يصبح متورطاً في نزاع شخصي مع أخ آخر، وبدل أن يسعى لحل المشكلة بالأسلوب الكتابي، يشجّع أشخاصاً ليأخذوا جانبه ويكوّن تحّزباً في الكنيسة. وتتدهور الأمور من سيّء إلى أسوأ حتى يصبح انشقاقاً علنياً.
واضح هنا أن بولس يستعير تشبيهاً من موكب نصر لقائد عسكري عاد لتوه من احتلال أجنبي. يسير القائد على رأس الموكب، يحصد حلاوة سعادة الإنتصار. يسير خلفه جنوده الفرحون. ومن ورائهم يسير موكب أسرى الحرب، ينتظرون العقاب، ربما الموت. وعلى طول الطريق ينتشر حارقو البخور، يملأون الجو بالرائحة الزكية. لكن الرائحة تعني شيئاً مختلفاً لأناس مختلفين، وبحسب الجهة التي يقفون إلى جانبها. هذه رائحة الإنتصار للموالين للقائد المنتصر. أما للأسرى فهي علامة الهزيمة والعقاب.
تشبه طريق خادم الله كثيراً هذه الصورة من نواح مختلفة. يقوده الرب دائما للنصر. مع أنه لا يبدو انتصاراً في بعض الأحيان، لكن الحقيقة هي أنه مع الجانب المنتصر بحيث أن جانب الله لا يفشل أبداً.
يحمل رائحة المسيح حيثما يذهب. لكن لهذه الرائحة معان مختلفة. إنها رائحة الحياة الأبدية لمن يسجدون للمسيح. ومن الناحية الثانية تكون رائحة الموت والدمار لمن يرفضون البشارة.
لكن يتمجّد الله في كلتا الحالتين. يتمجّد بخلاص التائب ويتبّرر برفض أولئك الذين يهلكون. عندما يقف هؤلاء أمام المسيح، يوم دينونة العرش الأبيض، لن يتمكّنوا من إلقاء اللوم على الله لهلاكهم. كانت عندهم الفرصة ليَخلُصوا، لكنّهم رفضوا.
نقيس عادة تأثير الخدمة المسيحية بعدد الناس الذين يخلصُون. ربما يوجد اقتراح شرعي في هذا النص ليدين بعدد الناس الذين يرفضون دعوة الإنجيل الصريح ويندفعون إلى الجحيم.
يتمجّد الله بالحالتين. الأولى لها رائحة بخور النعمة الحلوة وفي الثانية العدل.
نتائج حزينة! فلا عجب أن يتساءل الرسول في نهاية النص، «ومن هو كفء لهذه الأمور؟»
منطَقَ الرب يسوع حقويه بمنشفة وملأ وعاء بماء، وأعدّ نفسه ليغسل أرجل تلاميذه. وعندما جاء إلى بطرس، واجّه اعتراضاً شديداً، «لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَداً.»
لماذا؟ لماذا لم يُرد بطرس أن يخضع لهذه الخدمة الوضيعة من الرب. من ناحية كان عنده شعورٌ بعدم الإستحقاق، إذ لم يعتبر نفسه مستحقاً ليتلقّى خدمة من الرب. لكن هنالك أيضاً إمكانية أن سلوك بطرس كان نابعاً من الكبرياء والإستقلال. لم يُرد أن يكون في موضع متلقّي الخدمة. لم يكن يريد الإعتماد على الغير لمساعدته.
هذا السلوك نفسه يمنع الكثيرين من الخلاص. يريدون أن يُحصّلوا الخلاص بأنفسهم أو يعتقدون أنهم يستحقّونه، لأن قبول عطية النعمة المجانية يقلّل من كرامتهم. لا يريدون أن يشعروا أنهم مديونون لله بشيء. لكن، «ما من متكّبر ليكون مديوناً للرب يمكن أن يكون مؤمناً» (من أقوال جيمس ستيورات).
ودرس آخر هنا للمؤمنين. لقد تعرّفنا جميعاً على مؤمنين معطائين ملتزمين. يعملون دائماً لصالح غيرهم. يسكبون حياتهم في خدمة ذويهم وجيرانهم. يستحقّون المديح لكرمهم. لكن هناك سر في الموضوع. لا يريدون أبداً أن يكونوا في الجانب المُتلقّي. لا يريدون أن يقوم أحد بعمل ما لأجلهم. لقد تعلّموا كيف يُعطوا لكنهم لم يتعلّموا كيف يتقبلّوا باتضاع. يتمتّعون ببركات الخدمة للآخرين، لكنهم يمنعون هذه البركات عن غيرهم.
لقد برهن بولس على أنه متواضع في قبول العطايا من أهل فيلبي. ويشكرهم حين يقول: «لَيْسَ أَنِّي أَطْلُبُ الْعَطِيَّةَ، بَلْ أَطْلُبُ الثَّمَرَ الْمُتَكَاثِرَ لِحِسَابِكُمْ» (فيلبي 17:4). لقد آمن أن مكافأتهم أعظم من حاجته الشخصية.
هنالك مَيل خطير في بعض الدوائر المسيحية وهو عبارة عن تودّد لشخص ما لأنه متعلّم، مع أنه غير مطيع لشخص الرب يسوع.
أحد الرجال، مثلاً، كان كاتباً مشهوراً، متمكناً في استخدام الأمثلة، معّلقاً ماهراً وكلماته ممتازة في الدراسة. لكنه ينكر الميلاد العذراوي. يشرح بإسهاب عجائب ربّنا. يُنكر القيامة الجسدية الحرفية للمخلّص. يتكلم بحماس عن يسوع الذي ينبغي أن يحتل مكانة مرموقة في متاحف أبطال العالم. بالنسبة له يسوع واحد من هؤلاء الأبطال. وهكذا يضفي على ابن الله مجداً ضعيفاً. وبكل بساطة هذا رجل غير أمين للرب.
من المدهش، إذاً، أن تجد مؤمنين يدافعون عن شخص مثل هذا لِعلِمه اللامع. يملأون أفواههم بحمد براعته العقلية دون اعتبار لمعاملته الهرطقية للمسيح. يحبوّن اقتباسه كمصدر محترم ويتحرّكون في فَلَكه العلمي. وعندما يُواجِهون بتودّدهم أحد أعداء صليب المسيح، يستخدمون كلمات ماكرة ليخفّفوا من جدية الهجوم. وليس غريب عليهم أن يهاجموا أحياناً الملتزمين، المؤمنين بالكتاب لجرأتهم في الكلام ضد صاحب سُلطة مشهوداً له.
لقد حان الوقت ليتمسّك المؤمنون بحس من الغضب البار عندما يرون خيانة المُخِلّص في قاعات العلم. لا وقت للتساهل. لا جدل في حقيقة وعمل شخصه. ينبغي أن نقف ويُحسَب لنا حساب.
لم يتكّلم الأنبياء بمراوغة عندما كان حق الله في خطر. كانوا أُمناء أقوياء للرب وقاموا بجلد حاد لكل من تجّرأ على إنكار أو تقليل قيمة الله.
انتصَب التلاميذ ضد أيّة محاولة لسلب الرب من أمجاده. اختاروا الولاء للمسيح أفضل من للعالِم اللاهوتي المشهور.
اختار الشهداء الموت على التساهل في ولائهم لابن الله. كان يهمّهم استحسان الله وليس البشر.
نحن مطالبون بالأمانة للرب يسوع المسيح في كل شيء، ونأخذ موقفاً مناهضاً لكل شخص أو شيء يحول دون إعطاء المسيح مكانته السامية.
في الأعداد الأولى من الأصحاح الرابع من سِفر الأمثال يصِف سليمان كيف ينبغي أن تُمرّر النصيحة الجيدة من جيل إلى آخر ويخبرنا كيف علّمه والده، وثم بدوره يحث ابنه على اتباع التعليم الصالح والتعليمات الصحيحة.
من الحكمة أن يتعلّم الشباب وبقدر الإمكان من والديهم الأرضيّين ما يتعلّق بأمور الحياة العملية. لكن مهم أيضاً، في الناحية الروحية، أن يكون مرشد لكل حديث في الإيمان يمكن اللجوء إليه بتساؤلاتهم، شخص يمكن الثقة به، شخص يشارك من مخزون اختباراته ويكون أميناً في التعامل مع الحاجات المختلفة. من المفضّل أن يقوم أحد الوالدين بهذا الدور وإن لم يتمكّن، يقوم به شخص آخر.
لقد جمع المؤمنون الأتقياء الناضجون كميّة كبيرة من الحكمة العملية. فقد اختبروا الهزيمة ولكنهم تعلّموا منها دروساً قيّمة وتعلمّوا أن يتجنّبوها فيما بعد. يرى المؤمنون الأكبر سناً نواح في مشكلة ما لا يراها الشباب عادة. لقد تعلّموا أن يتبعوا الإتزان ويتجنّبوا الترف اللامعقول.
تيموثاوس الشاب الحكيم يعرف كيف يستعين ببولس، يحاول أن يعتمد على حكمته وكيفية الممارسة. ينقذ نفسه من مواقف مخجلة كثيرة ومن التخبّط عندما يستشير شخصاً قد مرّ في هذه من قبل. بدل أن يعامل كبار السن بالإزدراء، يكرم هؤلاء الذين خاضوا معارك الخصومات وحافظوا على سجل صالح.
الإيمان بأبسط معانيه هو الثقة بكلمة الله. الثقة بالله المستحق الثقة. الإيمان هو التأكيد أن كل ما يقوله الله صادق وكل ما يعد به يتحقق. وبصورة رئيسية يتعامل مع عالم المستقبل (أمور تُرجى) وعالم اللا مرئيات (ما لا يُرى).
يقول وايتير: «تقع خطوات الإيمان على ما يبدو فراغاً، فتجد تحته كتلة صخر.» لكن ليس الأمر هكذا.
الإيمان ليس قفزة في الظلام بل يتطلّب برهاناً أكيداً، ويجد ذاك البرهان في كلمة الله.
عند بعض الناس سوء فهم، يقولون إنك إن آمنت بشدّة بشيء ما فسيحدث. لكن هذا سذاجة وليس إيماناً. ينبغي أن يتضمّن الإيمان إعلان الله لنتّكل عليه، وعداً من وعوده لنتمسّك به. إن وَعَدَ الله بشيء، فيكون أكيداً كما لو أنه قد حصل فعلاً. يخبر عن المستقبل. فيتحقَّق بالتأكيد. بكلمات أخرى، الإيمان يأتي بالمستقبل إلى الحاضر ويجعل اللامرئي منظوراً.
لا توجد أية مخاطرة في تصديق الله. لا يقدر الله على الكذب، ولا يخادع ولا يمكن خداعه. تصديق الله أعظم عمل معقول، عاقل ومنطقي يقوم به الإنسان. هل يبدو أكثر تعقلاً من أن تصدق الخليقة خالقها؟
الإيمان غير محدود بالإمكانيات ولكنه يخترق عالم المستحيلات. قال أحدهم: «يبدأ الإيمان حيث تنتهي الإمكانيات. لو كان الأمر ممكناً فلا مجد فيه للرب. إن كان الأمر مستحيلاً يصبح ممكناً، وله كل المجد.»
«ألإيمان القوي يرى الوعد ويتطلّع إلى الله فقط،
يسخر من المستحيلات ويصيح، سوف يُعمل.»
نعترف أن هنالك صعوبات ومشاكل في حياة الإيمان. يمتحن الله إيماننا في حشد من التجارب والضربات ليرى إن كان إيماننا أصيلاً (بطرس الأولى 7:1). عادة ما ننتظر سنوات طويلة لنرى وعوده تتحقّق وأحياناً ننتظر حتى نصل الجانب الآخر. لكن «الشدائد غذاء لنمو الإيمان» (جورج مولر).
«بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤهُ» (عبرانيين 6:11). عندما نرفض أن نثق به، فكأننا نقول أنه كاذب (يوحنا الأولى 10:5)، وكيف يمكن أن يُسرّ الله بأناس يقولون أنه كاذب؟
وصاياه؟ في العهد الجديد؟ عندما يسمع الناس كلمة وصايا، يفكّرون حالاً بالشرائع. لكن الكلمتين مترادفتين. لم يتكلم أحد عن الوصايا أكثر من الرب يسوع، ولكن لم يكن أحد يقل عنه تقيُّدا بحرف الناموس.
ما هو التقيُّد بالحرف؟ مع أن هذا المصطلح ليس مذكوراً في العهد الجديد، إلاّ أنه يصف جهود الإنسان المستمرّة للحصول على استحقاق واستحسان الله. وبشكل أساسي تدل على المحاولات للحصول على التبرير أو التقديس بالمحافظة على الناموس. وهذا هو المعنى الحقيقي.
لكن تُستعمل هذه الكلمة في أيّامنا بمعنى أوسع وأشمل لتصف ما يُعتقد في القوانين الأخلاقية الصارمة. كل محاولة لتصنيف بعض الممارسات محظورة أو مُحرّمة تعتبر «تطبيقا حرفياً.» وفي الواقع تستعمل هذه الكلمة اليوم كعصا للضرب على أي قيود في السلوك المسيحي أو أي سلبيات. كيف يمكن إذاً للمؤمن أن يفكّر لكي يتجنب الخطر المرتبط بالتطبيق الحرفي؟
أولاً، صحيح أن المؤمن متحرّر من الناموس ولكن مهم أن نضيف وبسرعة أنه ليس بلا ناموس. إنه ينتمي لناموس المسيح. ينبغي ألا يفعل ما يُرضي نفسه بل كل ما يرضي المسيح.
ثانياً، يجب أن نتذكّر أن العهد الجديد مليء بالوصايا، بما فيها عدد من الممنوعات. الفرق هو أن هذه الوصايا لم تُعط كناموس، مع عقاب. بل أُعطيت كتعليمات في البّرِ لشعب الله.
ثم، يمكن أن تكون أمور مسموحة للمؤمن لكنها لا تكون نافعة. يمكن أن تكون ناموسية ولكنها تكون مُستعبِدة (كورنثوس الأولى 12:6).
من الممكن أن يكون للمؤمن حرية ليعمل شيئاً ولكنه يعثِر شخصاً آخر في هذا العمل. وفي هذه الحالة ينبغي ألاّ يعمله.
ولأن أحدهم وصَم شيئاً ما بالممنوع فهذا لا يعني أنه سيّء. يستخدم الناس أيضاً كلمة «بيوريتان» (متقدّس) ليشجب نمطاً من سلوك معيّن، لكن سلوك المتقدّسين كان أكثر تكريماً للمسيح من كثير من منتقديهم.
كثيراً ما يحدث عندما ينتقد المؤمنون أنماطاً مقبولة من سلوك التقوى على أنه «تطبيقاً حرفياً» يكون دلالة على أنهم هم أنفسهم أصبحوا أكثر تساهلاً وينحرفون عن مرساتهم الأخلاقية. يتخيّلون بكل بساطة أنهم حين يقذفون الوحل على المتمسكين والمتزمّتين، يبدون أفضل بأنفسهم.
بِعَكس الفكر السائد بين الناس، لا يوجد درجات وتفاوت في استحقاق السماء. إما أن يكون الشخص مناسباً كلياً أو غير مناسب بتاتاً. يقع الناس في خطأ كبير عندما يعتقدون أنّ سِفر الله يتضمّن على رأس القائمة أسماء البشر أنقياء الحياة، وفي أسفل القائمة اللصوص والمجرمين، وبين الإثنين درجات مختلفة لمستحقّي السماء. هذا طبعاً خطأ فادح. إمّا أن نستحق أو لا نستحق. لا شيء في الوسط.
في الواقع لا أحد منّا يستحق السماء. جميعنا خطاة مذنبين نستحق العقاب الأبدي. جميعنا أخطأنا وأعوزنا مجد الله. جميعنا ضَللنا ومِلنا كل واحد إلى طريقه. جميعنا غير أنقياء، وأفضل أعمالنا كخِرَق قذرة بالية.
ليس فقط غير مستحقّين بل وليس باستطاعتنا عمل شيء لنكون مستحقّين. أعظم قراراتنا وأسمى مساعينا لا يمكنها أن تنفع لتمحو خطايانا وتزوّدنا بالبر الذي يطلبه الله. لكن الأخبار السارة هي أن الله أعدَّ ما يتطلبه بره، ويقدّمه هبة مجانية. «...هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.» (أفسس 2: 8-9).
بالمسيح فقط يكون تأهيلك للسماء. عندما يولد الخاطيء الولادة الثانية، يقبل المسيح. فلا يراه الله فيما بعد كخاطيء في الجسد، بل يراه في المسيح ويقبله على هذا الأساس. لقد جعل الله المسيح، الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ. (كورنثوس الثانية 21:5).
لذلك يكمن الجواب في هذا الأمر، هل معنا المسيح أو لا. إن كان المسيح معنا فنحن كما جعلنا الله نكون أهلاً للسماء. استحقاق يسوع يصير لنا. نستحق كما هو مستحق لأننّا فيه.
من الناحية الثانية، اذا لم يكن المسيح معنا. نكون حتماً ضاليّن وهالكين. بدون المسيح نوجد مقصّرين وأهلاً للهلاك. لا شيء آخر يمكن أن يعوّض هذا النقص الأساسي.
إحدى المشاكل التي تتكّرر عند المؤمنين هي الحفاظ على الإتزان الصحيح ما بين الكرازة والإنهماك ألإجتماعي. يُتَّهم الإنجيليون عادة باهتمامهم بأرواح الناس وبدون اهتمام كاف بأجسادهم. بكلمات أخرى، فإنهم لا يقضون وقتاً كافياً يطعمون الجائع، يكسون العريان، يشفون المرضى ويعلّمون الجهّال.
انتقاد هذه الخدمات يشبه توجيه الإنتقاد للأمومة. كان الرب يسوع المسيح مهتماً بحاجات الإنسان الجسدية وعلّم تلاميذه أيضاً عن هذا الإهتمام. وعلى مرّ التاريخ، كان المسيحيون دائماً في مقدّمة العاملين في تقديم المساعدات الإنسانية.
وكما في نواح أخرى من الحياة، هذه مسألة أولويات. ما هو المهم أكثر، الزمني أم الأبدي؟ والحكم على الأمور بنفس الطريقة، تصبح رسالة الإنجيل أهم الأشياء. لمَّح يسوع بهذا حين قال، «هذا عمل الله، أن تؤمنوا...» يأتي التعليم قبل الإنهماك في العمل الإجتماعي.
تنبع بعض المشاكل الإجتماعية الملحّة نتيجة لديانة زائفة. فمثلاً، يموت الكثير من الناس جوعاً لأنهم لا يذبحون بقرة لاعتقادهم أن شخصاً قد تقمّص في البقرة. عندما تُعطي بعض الشعوب بواخر مليئة بالقمح، فتأتي الجردان أكثر ممّا يأكل الناس، لأنهم لا يقتلون الجرذان. هؤلاء الناس مُثقَّلون بديانة زائفة والمسيح هو الجواب الوحيد لمشاكلهم.
لكي نصل إلى الإتزان الصحيح ما بين الكرازة والخدمة الإجتماعية، يكمن دائماً خطر الإنشغال «بالقهوة والكعك» ونسيان الإنجيل. تاريخ المؤسّسات المسيحية مليء بالأمثلة حيث أصبح ما هو جيّد عدواً لما هو أفضل.
لا يمكن لأحد أن يقترف خطية ويتهرّب منها. لا يمكن الهروب من نتائج الخطية ومرارتها الشديدة. ربما تبدو الخطية كقِط غير مؤذٍ لكنها في النهاية أسدٌ مفترس.
سِحر الخطية المزعوم واسع الإنتشار. لكننا لا نسمع شيئاً عن الوجه الآخر. قليلون هم الذين يتركون وصفاً لسقوطهم ولبؤسهم اللاحق.
بدأ أحد الكتاّب الإيرلندييّن يلعب بالرذائل منتقلاً من رذيلة إلى أخرى حتى أصبح متورّطاً في العديد من القضايا الجنائية، وأخيراً زُجَّ في السجن حيث كتب ما يلي:
أعطتني الآلهة كل شيء تقريباً. كان لي إسمٌ مميّزٌ عبقريٌّ، مركز اجتماعي مرموق، ذكاء، جرأة تفكير وجعلت من الفن فلسفة، ومن الفلسفة فناًّ. بدَّلت أفكار الناس وألوان الأشياء، كل ما قمت به أو قلته جعل الناس يُعجبون. عاملت الفن كحقيقة سامية، والحياة كأنها فقط نمط من الخيال. أيقظت خيال بلادي ليخلق أسطورة وخرافة حولي، استدعيت جميع الأنظمة في تعبير واحد وكل الوجود في قصيدة.
وإلى جانب كل هذه الأشياء، كان لي أمور مختلفة. سمحت لنفسي أن أنزلق في فترات من الحمق والشهوات. ألهَيت نفسي بالتأنّق كمحب للموضة. جمعت حولي صغار العقول وضعاف الطبيعة. أصبحت المبذّر لعبقرّيتي. إضاعة شبابي في المسراّت الأنانية أعطاني فرح غريب النوع. وبسبب تعبي من البقاء في الأعلى انزلقت إلى الدرجات السُّفلى تفتيشاً عن الأحاسيس. كنت أحيا في دائرة الفكر وأصبح الإنحراف فيّ إلى دائرة الهوى. تمتّعت حيث وجدت لذّة وسِرت في طريقي. نسيت أن كل عمل ولو صغير في الأيام العادية يشكّل الشخصية، ولذلك ما يعمله الإنسان في الغرف السريّة سيصرخ يوماً من على أسطُح المنازل...وكانت نهايتي خزياً رهيباً.»
كُتب هذا الإعتراف في مقالة تحمل اسماً ملائماً «من الأعماق».
يعلّمنا سِفر الأمثال مرّتين (12:14، 25:16) أنه لا يمكن الإعتماد على قرار البشر بما يختص بالطريق الصحيح. ما يبدو صحيحاً في عينيه تكون نهايته كارثة وموتاً.
خلال الحرب العالمية الثانية، أعطى سلاح البحرية للطيارين مثالاً واضحاً عن هذا الأمر. أراد أن يُعلّم الطيارين الذين يرتفعون بطائراتهم إلى علو شاهق دون استعمال كمّامة الأكسجين، أنهم لا يستطيعون الإتكال على حواسهم. طُلب من طيار أن يدخل إلى غرفة تخفيض الضغط ويجلس أمام طاولة وأمامه ورقة كُتبت عليها مسائل حسابية. سُحب الأكسجين من الغرفة ليبدو كما في الأجواء المرتفعة. عندما قَلَّت كثافة الهواء، طُلب من الطيار أن يحل المسائل الحسابية. وقيل له أن لا أحد قبله استطاع أن يحل المسائل.
نظر الطيار إلى المسائل بثقة كبيرة ظناً منه أنه سيتغلّب على النظام. بدا له أن المسائل سهلة وكان متأكداً أنه سيحصل على العلامة الكاملة. لم يكن عنده أدنى شك في ذلك.
عندما أُعيد ضخ الأكسجين إلى الغرفة، وخرج الطيار ليقدّم ورقته للفحص علِم أن مقدرته الرياضية على حل المسائل قد هبطت كثيراً بسبب النقص في وصول الأكسجين إلى دماغه. فكان الدرس طبعاً أنه اذا ارتفع إلى الجو بدون استعمال الأكسجين سيفقد مقدرته في اتّخاذ القرارات ويتسبّب بسقوط طائرته.
ضعفت جداَّ مقدرة الحكم على الأمور عند الإنسان بسبب الخطية. يشعر أنه متأكّد تماماً أن الطريق إلى السماء تكون ببذل مجهوده. إن قلت له أنّه لا أحد يَخلُص بأعماله الحسنة، يستمر في عناده أنه سيكون أول إنسان سيغلب النظام. متأكداً من أن الله سوف لا يَطرده من أبواب السماء.
لكنه مخطيء ولا شك، وإذا استمر نقصان «الأكسجين الروحي» فسوف يهلك. تكمن سلامته بالإتكال على كلمة الله وليس على حُكمه وقراره هو. فعليه أن يعمل هذا، يتوب عن خطاياه ويقبل الرب يسوع المسيح رباً ومخلّصاً له. كلمة الله حق وكل من يؤمن بها يكون متأكّداً أنه يسير في الطريق الصحيح.
من المُمكن غالباً مقايضة أفضل قِيَم الحياة بإشباع وقتيّ لشهوة جسدية.
هذا ما عمله عيسو. كان راجعاً من الحقل مُنهَكاً وجائعاً. وفي تلك اللحظة كان يعقوب أخاه يطهو العدس الأحمر. وعندما طلب عيسو صحناً من هذا الحساء الأحمر قال له يعقوب، «حسناً، أعطيك بعضاً منه إذا بعتني بكورّيتك بالمقابل.»
كانت البكورية عبارة عن امتياز ثمين يخصّ الإبن البكر في العائلة. كان هذا الإمتياز ثميناً لأنه يتضمّن مركز قيادة العائلة أو القبيلة ويضمن له حصّة مضاعفة من التركة.
لكن في تلك اللحظة اعتبر عيسو أن البكورية ليست ذات قيمة. ما فائدة البكورية لرجل يكاد الجوع يقتله، قال بفكره. لقد كان جوعه قاهراً حتى أنه كان مستعداً ليعمل أي شيء ليسد جوعه. لكي يهديء شهوة وقتية، كان مستعداً أن يتخلّى عن شيء ذي قيمة كبيرة. وهكذا قام بهذه المقايضة الرهيبة.
يُعاد لعب هذه المسرحية كل يوم تقريباً. فها رجل قد حافظ على شهادته لسنين طويلة. يتمتع بمحبة عائلته الجميلة واحترام شركة المؤمنين. وعندما يتكلّم كانت كلماته تحمل سُلطة روحية، وخدمته مباركة من الرب. مؤمن مثالي.
لكن تأتي لحظة الأهواء الشديدة. يبدو وكأنه غارق في نيران التجربة الجنسية. وفجأة لا شيء يبدو له مُهِمّاً كإشباع رغبته الجسدية هذه. يهجر قوة التفكير المنطقي. يصبح مستعداً أن يضحّي بكل شيء في سبيل هذا الإتحاد المحظور.
وهكذا يأخذ القفزة الجنونية! في لحظة الشهوة تلك يستبدل كرامة الله، شهادته، تقدير عائلته، احترام أصدقائه وقوة نقاء صفاته المسيحية. أو كما قال ألكساندر ماكلارين، «ينسى سَعْيه الشديد وراء الِبرّ، يرمي فرح العشاء الإلهي، يُظلِم روحه، يقضي على نجاحه، يسكب على رأسه شلالاً من الكوارث لبقية حياته، ويجعل من اسمه ومن ديانته هدفاً للتهكّم الجارح من كل أجيال الإستهزاء القادمة. وكما يقول لنا الكتاب إنه يبيع بكوريته بخليط من حساء الخضروات.»
يأتي الوقت في حياتنا حين يجب أن نتوقّف عن النوح على الماضي ونستمر في العمل الحاضر. لقد رفض الله شاول أن يكون ملكاً. القرار نهائي، لا يمكن إلغاؤه. لكن كان من الصعب على صموئيل أن يقبل به.
كان مقرّباً جدّاّ لشاول، والآن يبكي عندما يرى خيبة آماله. استمر في العويل على خسارة لا يمكن إعادتها. فقال له الله ما معناه، «كفّ عن النوح. أخرج وامسح خليفة لشاول. برنامجي لم يفشل. لديّ رجل أفضل من شاول ليأخذ مكانه على مسرح تاريخ إسرائيل.» كنا نود لو أن صموئيل لم يتعلّم الدرس فقط، بل علّمه لداود الذي حلّ ملكاً مكان شاول.
على أي حال، أظهرَ داود أنه قد تعلّم الدرس. فما دام إبنه على فراش الموت استمر في الصوم والبكاء، راجياً أن يشفيه الله. لكن عندما مات طفله، قام واستحم، بدل ملابسه، ذهب إلى خيمة الإجتماع ليصلّي ثم تناول وجبة طعام. وللذين تساءلوا عن هذا الواقع قال لهم: «وَالآنَ قَدْ مَاتَ، فَلِمَاذَا أَصُومُ؟ هَلْ أَقْدِرُ أَنْ أَرُدهُ بَعْدُ؟ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَيْهِ وَأَمَّا هُوَ فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيَّ» (صموئيل الثاني 23:12).
يتكلمّ هذا إلينا في حياتنا المسيحية وخدماتنا. يحدث أحياناً أن تُنزع منا خدمة ما وتُعطى لآخر. نحزن على موت إحدى الخدمات. ربما تتقطّع صداقة أو شركة ونتيجة لذلك تبدو الحياة فارغة وفاترة. ربما نُصاب بخيبة أمل قاسية بموت عزيز لنا. فنحزن ونبكي على موت صداقة ثمينة. أو يتحطّم حلم عمرنا، أو إحباط في طموح ما. نبكي لأجل موت طموح ما أو رؤيا. لا خطأ في البكاء، لكن يجب ألاّ يطول إلى حد إصابة تأثيرنا بالشلل في مجابهة تحديات الساعة. قال ستانلي جونز أنه يستفيق بعد ساعة من الحزن وضربات الحياة. لربما ساعة لا تكون وقتاً طويلاً لمعظمنا، لكن يجب ألاّ نمكث غير قابلين التعزية على أثر ظروف لا يمكن تبديلها.
الكتاب المقدس مليء بصفات عناية الله الرائعة بشعبه. خلال تجوال بني إسرائيل أربعين سنة في البرية، تناولوا طعاماً من السماء (خروج 4:16)، كان عندهم كفاية من الماء (كورنثوس الأولى 4:10)، وتزوّدوا بنِعال لا تبلى أبداً (تثنية 5:29).
ونفس الشيء ينطبق على رحلتنا البرية. وللبرهان على ذلك، يذكّرنا إلهنا أن عنايته بنا تفوق عنايته بالطيور، بالأزهار والحيوانات. يتكلّم عن عصافير الدّويري مثلاً. يزوّدهم بالطعام (متى 26:6). وواحد منها ليس منسياً من الله (لوقا 6:12).
وواحد منها لا يسقط على الأرض بدونه (متى 29:10)، أو كما يقول أيرونسايد، «يشترك الله في جنازة كل طير.» والدرس من كل هذا واضح، فإن قيمتنا عند الله أعظم من طيور عديدة (متى 31:10).
إذا كان يُلبس زنابق الحقل بأجمل ممّا لبس سليمان، أليس بالحريّ جدًّا يلبسنا نحن (متى 30:6).
الرب يسوع، الكاهن العظيم يحمل أسماؤنا على كتفه حيث قوّته (خروج 28: 9-12) وعلى صدره مركز العواطف (خروج 28: 15-21). وأيضا أسماءنا منقوشة على كفّتي يديه (أشعياء 16:49)، حقيقة تُذكّرنا حتماً بجروحات المسامير التي تحمّلها لأجلنا في الجلجثة.
يعرف عدد شعور رؤوسنا بالضبط (متى 30:10). يحصي كل حركاتنا في الليل ويحفظ عدد دموعنا في سِفره (مزمور 8:56)
بينما يحمل الوثنيوّن آلهتهم على أكتافهم (أشعياء 7:46)، يحملنا إلهنا نحن شعبه (أشعياء 4:46).
إذا اجتزنا المياه، الأنهار والنيران، يكون معنا (أشعياء 2:43). في كل ضيقنا يتضايق (أشعياء 9:63).
حارسنا لا ينعس ولا ينام (مزمور3:121، 4). لقد دعا أحدهم صفة الله هذه «الأرق الإلهي.»
الراعي الصالح الذي بذل حياته لأجلنا لن يمسك أي صلاح عنّا (يوحنا 11:10، مزمور 11:84، رومية 32:8).
يعتني بنا من أول السنة حتى نهايتها (تثنية 12:11). يتحمّلنا في شيخوختنا (أشعياء 4:46). في الواقع لن يتركنا ولن يهملنا (عبرانيين 5:13). يهمّه أمرنا ويعتني بنا.
عندما أعطى الله هذا الوعد لكورش، كان يتكّلم عن كنوز مادية من بلاد الظلمة التي سيحتلّها كورش. لكننا لا نسيء إلى هذا العدد عندما نطبّقه على ناحية روحية.
تُكتشف كنوز كثيرة في ظلمات ليل الحياة، ولا تكتشف في الأيام المشرقة بالشمس.
فمثلاً يستطيع الله أن يعطي ترانيم في أحلك الليالي (أيوب 10:31) لن ترنّم أبداً لو كانت الحياة خالية من التجارب.
ولهذا يكتب الشاعر:
يقول العديد من أبناء النور، مغنّي الطرب العالمييّن: أن أجمل موسيقاهم تعلّموها في الليل.
كثير من الأناشيد التي تملأ بيت الآب ملأتنا تنهّدات مع التمرين في ظلال الغرف المعتمة.
هناك الظلمة التي دعاها ستيورت هولدن «أسرار لا تُفسّر- كوارث، مصائب، اختبارات فجائية وغير متوقّعة تدخل الحياة، لم تكن كل تدابيرنا كافية لتحاشيها، الحياة مظلمة بسبب الحزن، الخسارة، خيبة الآمال، الظلم، أفكار خاطئة عن المحفّزات، تشويه السمعات.» هذه كلّها تجعل الحياة مظلمة أحياناً.
ومن ناحية بشرية، لا أحد منّا يختار هذه الظلمة، لكن فوائدها جمّة. لِيزْلي وزرهيد كتبت تقول: «كما كل الناس، أحب وأفضّل الأيام المشمسة في الإختبارات، عندما يسود الغِنى، السعادة والصحة التامة. لكني تعلّمت أكثر عن الله وعن الحياة وعن نفسي في ظلام الخوف والفشل ممّا تعلّمت في الأيام المشمسة.
هنالك أشياء تُعدُّ كنوز الظلام. نشكر الله لأن الظلام يمضي. لكن ما نتعلّمه في الظلام يدوم للأبد.»
«الْجَارِيَةُ الَّتِي مِنْ أَرْضِ إِسْرَائِيلَ.» (ملوك الثاني 4:5)
ليس من الضروري أن يُعرف الشخص بإسمه ليتمّم عملاً عظيماً للرب. وفي الواقع بعض المذكورين في الكتاب المقدس الذين حصلوا على شهرة أبدية كانوا غير معروفين بأسمائهم.
ثلاثة رجال أحضروا ماء لداود من بئر في بيت لحم (صموئيل الثاني 23: 13-17). اعتبر داود عمل الوفاء هذا خارقاً فَلَم يقُم بشرب الماء بل سكبه كتقدمة مقدسة. كان الرجال بدون أسماء.
لا نعرف اسم المرأة العظيمة من شونم (ملوك الثاني 4: 8-17) لكن ستُذكر دائماً كمن بَنَت غرفة لأليشع.
جارية عبريّة مجهولة عمل بنصيحتها نعمان السرياني وجاء إلى النبي أليشع ليُشفى من البرص (ملوك الثاني5: 3-14). وأهم ما في الأمر هو أن الله يعرف اسمها.
مَن كانت المرأة التي دهنت بالزيت رأس يسوع (متى 26: 6-13)؟ لا يذكُر متّى اسمها، لكن شهرتها معلنة في كلمات ربّنا، «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهَذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ يُخْبَرْ أَيْضاً بِمَا فَعَلَتْهُ هَذهِ تَذْكَاراً لَهَا» (عدد 13).
الأرملة الفقيرة التي ألقت بفلسيها في الخزانة غير معروفة أيضاً (لوقا 2:21). وهي مثال الحقيقة القائلة بجمال عملك للرب إن كنت لا تهتم بمن يحصل على الشكر.
ثم هنالك الفتى الذي أعطى أرغفته الخمسة والسمكتين للرب ورآها تتكاثر لتطعم خمسة آلاف رجل بالإضافة إلى النساء والأولاد (يوحنا 9:6). لا نعرف اسمه لكننا لن ننسى أبداً فِعله.
ومثال أخير! أرسل بولس أخوَين إلى كورنثوس مع تيطس بخصوص التقدمة للقدّيسين المعوزين في أورشليم. لا يذكر اسميهما بل يمتدحهما كرسولَي الكنيسة ومجد المسيح (كورنثوس الثانية 23:8).
نظر فهيم إلى حجر فوق قبر في مقبرة ريفية وقرأ ما كُتب عليه:
نضرت زهرة خجلة لا تُرى، وبدّدت حلاوتها في نسيم الصحراء.
لكن لا شيء يضيع عند الله. يعرف أسماء كل المجهولين الذين يخدمونه، وسوف يكافئهم بالطريقة التي يستحقّونها.