هذا واحد من أعداد كثيرة في العهد الجديد التي ثبت أنها مقلقة جدّاً للعديد من المؤمنين الجديّين وأصحاب الضمائر الحيّة. ويفكّرون بهذه الطريقة: أنا أواجه تجربة لاقتراف خطية. أعرف أن هذا خطأ. أعرف أنني يجب ألاّ أعمل الخطية، لكن أقترف الخطية على أي حال. لقد تمردّت عن قصد. يبدو أنني اقترف الخطية بإرادتي. لذلك، يظهر من هذا العدد كأنني خسرت خلاصي. تنشأ المشكلة لأنهم يخرجون العدد من سياق الكلام ويعطونه معان لم يقصد منها قول ذلك. تتكلم هذه الفقرة عن خطية الإرتداد. خطية الشخص الذي يعلن أنه مؤمن لفترة من الزمن لكنه يتبرّأ لاحقاً من الإيمان المسيحي وينتمي عادة لنظام يقاوم المسيح.
يوصَف المرتد في العدد 29: داس ابن الله، وحسب دم العهد الذي تقدّس به دنس، واحتقر روح النعمة. يعلن بانقلابه المؤلم ضد المسيح أنه لم يولد الولادة الجديدة أبداً. نفرض أن شخصاً يسمع البشارة ويستحسن الإيمان المسيحي. يترك ديانة أجداده ويتبنّى الصبغة المسيحية دون تجديد أصيل. يأتي الإضطهاد، يعيد تفكيره عن كونه معروفاً كمسيحي. وأخيراً يقرّر أن يعود إلى ديانته القديمة. لكن هذا ليس سهلاً. لنفرض أنه قبل قبول القادة به للرجوع بعد التخلّي عن إيمانه، يقيمون مراسيم ينبغي أن يمر بها. يأخذون دم خنزير ويرشّونه على الأرض. ثم يقولون له، «يمثل هذا الدم دم المسيح. إن ترغب في العودة إلى ديانة آبائك، يجب أن تدوس هذا الدم.» فيفعل. في الواقع، إنه يدوس ابن الله ويحسب دمه دنساً. هذا الشخص مرتد. لقد اقترف خطية عن عمد.
المؤمن الحقيقي لا يمكنه أن يقترف هذه الخطية عن عمد. لكن يمكن أن يقترف خطايا أخرى مع عِلمه أن هذا خطأ. ربما يخرق ضميره عن وعي. هذا خطير في نظر الله، ويجب ألاّ نقول شيئاً لنقدّم أعذاراً لهذا العمل. لكنه لا يزال يستطيع أن يجد المغفرة بواسطة الاعتراف وترك خطيته. ليس كذلك المرتد. يقول الحكم له أنه لم يتبقَ ذبيحة بعد لخطاياه (عدد 26)، ويستحيل تجديده للتوبة (عبرانيين 6:6).
تأمَّلنا بالأمس بفقرة ثبت على أنها في الغالب تسبّب إزعاجاً للمؤمن الجدّي. وسنتأمل اليوم بثلاثة أعداد من رسالة يوحنا الأولى والتي تزعج المؤمنين المتنبهين جدّاً لإثمهم. هنالك العدد المقتبس أعلاه. ثم هنالك يوحنا الأولى 9:3، «كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ.» وهناك أيضاً يوحنا الأولى 18:5، «نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ.» إن ننظر إلى هذه الأعداد كما هي، فإنها تجعل كل منّا يشك في كونه مؤمناً حقيقياً.
لكن هنالك أعداداً أخرى في نفس هذه الرسالة تنبه إلى أن المؤمن يقترف خطايا، مثلاً 1: 8-10، 1:2.
المشكلة تكمن في الترجمة. في لغة العهد الجديد الأصلية يوجد فرق بين اقتراف الخطية بصفة عرضية وبين ممارسة الخطية كطريقة حياة. يقترف المؤمن أعمال خطية، لكن الخطية لا تميّز حياته. لقد تم تحريره من سيادة الخطية.
تقول الترجمة التفسيرية الحديثة أن الأفعال في هذه الأعداد تكون في الفعل المضارع الذي يدل على الاستمرارية كما يلي: «فكل مَنْ يثبت فيه، لا يمارس الخطية. أما الذين يمارسون الخطيئة فهم لم يروه ولم يتعرّفوا به قط.» (6:3). «فكل مولود من الله، لا يمارس الخطيئة، لأن طبيعة الله صارت ثابتة فيه. بل إنه لا يستطيع أن يمارس الخطيئة لأنه مولود من الله.» (9:3). «نحن واثقون أن كل من ولد من الله لا يمارس الخطية، لأن ابن الله يحميه فلا يمسّه إبليس الشرير.» (18:5).
فكل مؤمن يقول أنه لا يخطئ يكون ناقص المعرفة في ماهية الخطية. ويظهر أنه لا يستطيع أن يدرك أن كل ما هو دون مقاييس الله هو خطية. الحقيقة الواضحة هي أننا نقترف أعمال الخطيئة كل يوم سواء بالفكر، بالكلام أو بالأعمال.
لكن يوحنا يميّز ما بين ما هو استثنائيً وما هو إدمان. عند القديّس الحقيقي، الخطية غريبة عنه ويتميّز بالبر.
عندما نستوعب هذا، فلا تكون ضرورة لنعذّب أنفسنا بهذه الأعداد التي تجعلنا نتشكّك في خلاصنا.
الحقيقة البسيطة هي: مشيئة الله لنا أن لا نقترف الخطية. لكننا ولسوء الحظ نخطئ. لكن الخطية ليست القوة المسيطرة عل حياتنا. لا نمارس الخطية كما كنّا نفعل قبل الخلاص. إذا أخطأنا نجد المغفرة بالاعتراف وترك خطيّتنا.
فكل مؤمن يقول أنه لا يخطئ يكون ناقص المعرفة في ماهية الخطية. ويظهر أنه لا يستطيع أن يدرك أن كل ما هو دون مقاييس الله هو خطية. الحقيقة الواضحة هي أننا نقترف أعمال الخطيئة كل يوم سواء بالفكر، بالكلام أو بالأعمال.
وهو ده واقعنا الفعلي كتير بيفكرو انهم عمرهم ما عملو خطأ او خطيئه وبينسو ان تحديد الخطيئه ونوعها هو لـالله وبس
فكل مؤمن يقول أنه لا يخطئ يكون ناقص المعرفة في ماهية الخطية. ويظهر أنه لا يستطيع أن يدرك أن كل ما هو دون مقاييس الله هو خطية. الحقيقة الواضحة هي أننا نقترف أعمال الخطيئة كل يوم سواء بالفكر، بالكلام أو بالأعمال.
وهو ده واقعنا الفعلي كتير بيفكرو انهم عمرهم ما عملو خطأ او خطيئه وبينسو ان تحديد الخطيئه ونوعها هو لـالله وبس
كان الغني الغبي من إنجيل لوقا يملك ثروة كبيرة لا يعرف ماذا يعمل بها. فقرّر أن يهدم مخازنه ومبانيه ليبني أضخم منها. ثم اعتقد أنه سيكون راضياً، غير عالم أنه سيموت حالما ينتهي من إنشاء مشروعه. لن ينجيّه غناه من الموت ومن القبر.
يقول سيلدر، «الرجل الغني الغبي صورة عن الشخص الجشع. عنده دافع طمّاع ليجمّع المزيد والمزيد من الممتلكات مع أنه ليس بحاجة لها. ويقوده نجاحه الغير عادي في تجميع أملاك إلى نتيجة من التجديف بأن الممتلكات المادية يمكنها أن تجلب له كل السعادة التي يطلبها. لكن من ناحية الله، هذا التوجّه محزن جدّاً. فهو غبي إلى حد الجنون.»
هنالك أسطورة تقول أن رجلاً أراد أن يصبح غنيّاً في سوق الأسهم والأوراق المالية. وعندما قال له أحدهم أن بإمكانه طلب ونيل كل ما يريد، فطلب أن يرى الصحيفة التي ستصدر بعد سنة من ذلك اليوم. فكانت فكرته طبعاً، أنه سيكسب ثروة من شراء الأسهم التي ترتفع أكثر من غيرها خلال السنة التالية. وعندما تفحّص الصحيفة، حدق بإعجاب في غناه الذي صار إليه. لكنه نظر أيضاً إلى صفحة إعلانات الوفاة وكان اسمه هناك.
المثل الشعبي صحيح حين يتحدّث عن المال بقوله أن المال جواز سفر عالمي ما عدا السماء، ومزوِّد عالمي لكل شيء ما عدا السعادة.
لم يضع أي غني نقشاً للدولار على حجر قبره، بالرغم من أن الدولار كان مستحوِذاً على حياته. لو استخدم الرمز الأسمى الذي كان شعاره في الحياة، لوضع شارة $. لكنه بدل ذلك يختار في الموت رمزاً دينياً، صليباً على سبيل المثال. إنها آخر إشارة للرياء. ينظر البار ويقول، «هُوَذَا الإِنْسَانُ الَّذِي لَمْ يَجْعَلِ اللهَ حِصْنَهُ بَلِ اتَّكَلَ عَلَى كَثْرَةِ غِنَاهُ وَاعْتَزَّ بِفَسَادهِ» (مزمور 7:52). ويكتب الله هذا النقش على ضريحه، «هَكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيّاً لِلَّهِ» (لوقا 21:12).
السر عظيم، ليس لأنه غامض جداً بل لأنه مدهش جداً. هذا السر هو الحقيقة أن الله ظهر في الجسد.
يعني مثلاً أن الأبدي قد وُلد في عالم الزمن. الله، الغير محدود بالزمن، عاش في نطاق التقويم والزمن.
ذاك الحاضر في كل مكان، المتواجد في كل مكان في نفس الوقت، حصر نفسه في مكان واحد مثل بيت لحم، أو الناصرة، كفرناحوم أو أورشليم.
من المدهش أن نفتكر أن الله العظيم الذي يملأ السماء والأرض يحصر نفسه في جسم بشري. بينما كان الناس ينظرون إليه استطاعوا أن يقولوا بالصواب، «فيه يحِلّ كل ملء الله».
يذكّرنا هذا السر أن الخالق زار كوكبنا التافه هذا الذي يدعى الأرض. لأنه فقط نقطة من الغبار الكوني، بالنسبة لباقي الكون، وبالرغم من ذلك تجاوز البقية ليأتي هنا. من قصر السماء إلى حظيرة غنم، إسطبل ومذود!
الكلّي القدرة قد صار طفلاً عاجزاً. لن نبالغ إذ نقول أن الطفل الذي حملته مريم بين يديها كان هو يحملها، لأنه الحافظ كما أنه الصانع والخالق.
كلّي العلم، مصدر كل حكمة ومعرفة نقرأ أنه كطفل كان ينمو بالحكمة والمعرفة. أمر لا يصدق أن نفتكر أن مالك كل ما يأتي غير مرحّب به في مُلكه. لم يكن له موضع في المنزل. لم يعرفه العالم. وخاصّته لم تقبله.
جاء السيد إلى العالم كخادم. أخفى رب المجد ذاك المجد في جسد. رب الحياة جاء إلى عالم الموت. القدّوس إلى غابة الخطيئة. العلي المطلق صار قريباً جداً. موضوع فرح الله وعبادة الملائكة جاع وعطش، كان منهكاً عند بئر يعقوب، نام في السفينة في بحر الجليل، جال كغريب بلا مأوى في عالم صنعته يداه. جاء من النعيم إلى الفقر، ليس له أين يضع رأسه. عمل نجاراً. لم ينم على فراش. لم يكن عنده ماء جارٍ، بارد وساخن أو أي من وسائل الراحة التي نتمتّع بها اليوم بشكل بديهي.
غزت جيوش سدوم وسبَت لوط وعائلته واستولت على الكثير من الغنائم. وحالما سمع أبرام بهذا الخبر جهّز عبيده بالسلاح ولاحَق الغزاة. ولحق بهم أخيراً قرب دمشق وأنقذ الأسرى وممتلكاتهم. خرج ملك سدوم لملاقاة أبرام عند عودته وقال له، «أعطني البشر وخذ الممتلكات لنفسك.» أجابه أبرام بأنه لن يأخذ ولا حتى رباط حذاء من الملك يقول أنه قد أغنى أبرام.
بصورة ما يمثّل ملك سدوم إبليس، في محاولته ليشغل المؤمنين بالأمور المادية ويهملون البشر من حولهم. قاوَم أبرام التجربة، لكن لم ينجح الكثيرون منذ ذلك الوقت. لقد وضعوا تكديس الأموال والممتلكات في أولياتهم ووجّهوا القليل من اهتمامهم لجيرانهم وأصدقائهم الذين يواجهون الأبدية بدون الله، بدون المسيح وبدون رجاء.
البشر هم المهمّون وليس الأشياء. دخل مؤمن شاب إلى غرفة الجلوس حيث كانت والدته تخيط وقال، «أمّي، أنا سعيد أن الله أعطانا محبة للناس أعظم من المحبة للأشياء.» وكانت تلك الأم سعيدة جدّاً أيضاً.
يبدو سخيفاً أن تبكي حين يكسر أحدهم فنجان شاي خزفي ولا تذرف دمعة واحدة على ملايين من الهالكين. هل تمتلك ذاكرة غير طبيعية لتتذكّر نتائج مباريات كرة السلّة وتتذمّر من صعوبة تذكّر أسماء الناس؟ أخون إحساسي المشوه للقِيَم عندما أقلق على الخراب الذي حصل لسيّارتي بدل القلق على الشخص الآخر المجروح في السيارة الأخرى. يسهل الامتعاض من المقاطعات عند الانشغال بمشروع محبّب، مع أنه في بعض الأحيان تكون المقاطعة أهم بكثير من المشروع.
نهتم عادة بالذهب والفضة أكثر من اهتمامنا بالرجال والنساء. يقول أ. بيرسون: «مدفون في بيوت المؤمنين كمية من الذهب والفضة تكفي لبناء أسطول من 50،000 مركب، لملأها بالكتب المقدسة وحشرها بالمرسلين: لبناء كنيسة في كل قرية فقيرة ولتزويد كل نفس بالإنجيل خلال عشرة سنوات.» وشخص آخر من رجال الله، ج. ستيورات كتب عن المؤمنين يقول: «لقد استخدمنا أموالنا لننغمس في وسائل الترف التي لا نحتاج إليها. لقد طوّرنا «مذاقا للترف» بينما الملايين في أجزاء أخرى من العالم يموتون جوعاً بالخطية.
لقد بِعنا حقوق باكوريّتنا الروحية الموروثة بخليط من حساء الخضار.»
يتساءل قلبي مراراً متى سنترك نحن المؤمنين السعي الجنوني وراء الممتلكات المادية ونتركّز في رفاهية البشر الروحية. نفس بشرية واحدة تفوق قيمتها كل ثروات العالم. لا أهمية للأشياء. الأهمية الحقيقية يجب أن تكون للبشر.
«جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ.» (كورنثوس الأولى 24:11)
تُعدِّد إيمي كارمايكل أربعة أشياء مكسورة في الكتاب المقدس والنتائج التي أنجزت من كسرها.
جرار مكسورة (قضاة 18:7-19) أضاء النور خارجاً.
قارورة مكسورة (مرقس 3:14) انسكب الطيب وفاح عطره.
خبز مكسور (متى 19:14) أُطعم الجياع.
جسد مكسور (كورنثوس الأولى 24:11) افتُدي العالم.
نسمح لأنفسنا الآن أن نضيف خامساً لهذه اللائحة،
إرادة منكسرة، ونتيجتها حياة تفيض بالسلام والإنجاز.
كثيرون من الذين أتوا إلى الصليب لطلب الخلاص لم يقفوا هناك لكسر إرادتهم. ربما يمتلكون طبيعة رقيقة ومعتدلة، ربما لكي لا يتكلّمون بغضب، ربما ليتميّزون بمظهر روحاني خارجي، لكنهم يمتلكون إرادة حديدية تبعدهم عن أفضل حياة مع الله.
يحدث هذا أحياناً مع شباب واقعين في حب ويفكّرون بالزواج. والديهم وأصدقاءهم الناضجون، أصحاب القرارات الحكيمة يرون أن هذا الزواج لن ينجح. لكن الشخصين العنيدين يرفضان كل مشورة ونصيحة لا يريدان سماعها. نفس الإرادة العنيدة التي قادتهم إلى خدمة الزواج سوف تؤدّي بهم إلى محكمة الطلاق.
اختبرنا هذا مع مؤمنين صمّموا أن يبدأوا بِمهن معّينة مع أنه واضح من أنهم يفتقرون للخبرة اللازمة لإدارة لذلك العمل. وبعكس نصيحة أصدقائهم أصحاب المعرفة، يُغرقون أموالهم، أموال يمكن أنهم استدانوها من أصدقاء محبّين. يقع الأمر المحتوم. يفشل العمل، ويتقدّم الدائنون ليجمعوا الأجزاء.
ليس من النادر أن نرى تأثير تحطّم إرادة غير مكسورة على الخدمة المسيحية. يخرج شخص مع عائلته إلى حقل التبشير، ليعود إلى الوطن بعد مرور عام بتكلفة عالية من الكنيسة التي أرسلته. تُستنزف الميزانيات من مؤمنين سذّج ليموّلوا مشروعاً صادراً عن فكر إنسان وليس من الله ممّا يبرهن فيما بعد أنه عكس المطلوب. هذا يسبّب نزاعاً وتعاسة لأن الشخص يرفض أن يعمل بالتعاون مع آخرين، وينبغي أن يتبع طريقه.
نحتاج جميعاً أن ننكسر، نأخذ إصرارنا، كل عنادنا وكل مشيئتنا الذاتية ونتركها عند أقدام الصليب. ينبغي وضع الإرادة الحديدية على مذبح التضحية. يجب أن نقول جميعنا مع إيمي كارمايكل: لقد انكسرتَ يا ربّ لأجلي، علّمني أن أنكسر يا ربّ لأجل محبّتي لك.
يجب أن ندرك أوّلا أن الكلب المقصود في هذا العدد ليس الكلب الودود، الدمث الذي لا يمانع أن تمسكه من أذنيه. المقصود به الكلب المتوحش، المزمجر البرّي الشرس الطباع والمكشِّر عن أنيابه. ليس من المحتمل أن تقترب إليه كفاية لتمسك بأذنيه. وإن تمكّنت من ذلك ستواجه مشكلة صعبة، تخاف الاستمرار بإمساكه وتخاف أيضاً إفلاته.
إنها صورة تمثّل الشخص الذي يتدخّل في نزاع لا يعنيه. فيجلب سريعاً على نفسه غضب الطرفين.
يعتقد كل منهما أن الوسيط يتدخّل في فرصة الغلبة، ولذلك يتناسون خلافاتهم ويتّحدون لمحاربته.
نبتسم حين نسمع عن الشخص الإيرلندي الذي توجّه إلى اثنين يتعاركان بقبضاتهم وسأل: «هل هذا قتال خاص أم مسموح الانضمام لمن يرغب في ذلك؟» لكن في كل منّا تكمن نزعة للتوسّط تدفع كل منّا لمحاولة التدخّل في نزاع لا يعنينا.
على رجال الشرطة أن يكونوا حذرين جدّاً عندما يُرسلون إلى مكان حيث يتشاجر رجل وزوجته. فإن كان الأمر كذلك فكم بالحري يجب على المواطن العادي أن يتدخّل في نزاع عائلي أو أي آخر.
ربما أفضل مثال على هذا العدد هو مشكلة ما في الكنيسة. تبدأ المشكلة عادة بين شخصين. ثم ينحاز البعض إلى جانب كل منهما. ابتدأت المشكلة بشرارة وصارت حريق هائل. بعض الذين لا علاقة لهم بالمشكلة يصرّون على إضافة تصريحاتهم الحكيمة، وكأنهم من خطباء دلفي. تشتعل الأمزجة، تتحطّم الصداقات وتنكسر القلوب. وبينما تحتد المعركة تسمع الجماعة أخبار جلطات في الشرايين، أو في الدماغ، تقرّحات في الأمعاء ومشاكل صحية أخرى. ما ابتدأ أصلاً كمرارة انتشر حتّى دنّست الجميع.
يبدو أن التحذير لعدم التدخّل في نزاع يخصّ الآخرين يتعارض مع كلمات المخلّص، «طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون» (متّى 9:5). هنالك إمكانية لصانع السلام حين يوافق طرفا النزاع على عرض نزاعهم للتحكيم. وإلاّ يعرّض من يتدخّل نفسه لحالة لن يكون الخروج منها سهلاً وبِلا ألم.