هي المرة الأولى التي أستمع لصوتها عبر الهاتف ، فهو لا يقل جمالاً عن ملامح وجهها الملائكي ، أمضيتُ كامل ليلتي أفكّر في صوتها ، ملامحها ، ضحكاتها ، وغبائي !!
جاء الصباح الذي تمنيتُه أن يأتي بسرعة ... استيقظتُ على دون عادتي في تمام الساعة السادسة ، فكنتُ على عجالةٍ من أمري لأكون في المكتب حتى قبل (المراسل) .. الدقائق كانت تمر كساعات، وعقارب الثواني والدقائق كأنهما اتفقا على المشي السلحفائي ! كنتُ أول الواصلين للمكتب ، رتّبتُ مكتبي ، فأنا بطبعي عشوائي غير مرتّب ، وانتظرتها بفارغ الصبر ؛ كنتُ انظر للساعة تارة وأمسك موبالي لأسأل عنها تارات ، فلم يعد لمصطلح الصبر مكاناً في تلك اللحظات ! ووسط كل ذلك لم تتوقف الأفكار في مخيلتي عن ردت فعلها على حوار أمس ؛ هل ستجدني سطحي ؟ غير جدير حتى بمشاركتها لي أوضاع صحة والدها ؟! أم ببساطة ستكون قد نست أمر المكالمة كما تمنيتُ وصلّيتُ !؟؟
بدأ الزملاء بالتوافد واحد تلو آخر ، هذه المرة الأولى التي لم أشاركهم جلساتهم الصباحية المميزة ، كان أحد الزملاء قد أحضر مناقيش زعتر وجبنة (كما هي عادتنا في بعض الأحيان) ، رائحتها كانت شهية ، ولكنني لم أكن أشعر برغبة بفعل أي شيء سوى الإنتظار ! قال لي زميلي مازحاً: إيش فيه مش على عادتك؟ لتكون ماكل من ورانا ؟؟ على ما يبدو أن صوتها أشبعني !
جائت (أخيراً) بوجهها الباسم قائلة حتى قبل السلام: شكراً لإطمئنانك البارحة ، لا تتخيل ماذا فعل بي اتصالك !! ومن شدة غبائي وعجقتي قلتُ ما كنتُ أفكّر به بصوتٍ عالٍ: يعني ما نسيتها !؟ وسرعان ما تداركتُ هذه الإجابة: وأنا أيضاً سعدتُ بأنك رددتِ على المكالمة !
اليوم هو آخر يوم لها في التدريب التطبيقي، لكنه كان يوماً غير اعتيادي: مواضيعنا، ضحكاتنا، كل شيء لم يكن كأي يوم خلال فترة تواجدها بيننا كزميلة جديدة. لقد تجرّأتُ لأطلب منها أن تشاركني الغذاء بعد الدوام (إذ اليوم هو نصف نهار عمل) متحججاً أنه من عادتي عند انتهاء أي تدريب أن أرافق زملائي غذاء (عمل) ، ولكنها وافقت دون حتى حاجتها لسماع حججي الواهية ، مشترطةً أن تأخذنا إلى مطعمها المفضّل الذي أصبح لاحقاً المكان الذي آتي إليه لإجتراء الذكريات !
أمضينا أكثر من ثلاثة ساعات على الغذاء، تحدّثنا عن كل شيء، وفي كل شيء: سياسة، دين، حرب، حب، أدباء، كتب، ذكرياتنا في المدرسة والجامعة ... كل شيء يخطر على البال تحدّثنا فيه بما في ذلك الطبخ، والنحافة، عالم الحيوانات والرياضة وحتى كرة القدم والدوري الإسباني !! لقد رأيتها أجمل في هذا المساء: إذ جمال روحها وذكائها أضافا ألقاً غير عادي على جمالها الخارجي !
ومضى النهار بسرعة البرق ، إذ يبدو أن الأوقات تتآمر علينا: لحظات الإنتظار تمر ببطيءٍ شديد، أما لحظات الفرح تمر كلمح البصر !
يُتبع