الصخرة والسراويل الساقطة لفاطمة ناعوت

سمعان الاخميمى

صحفى المنتدى
إنضم
4 أغسطس 2009
المشاركات
12,695
مستوى التفاعل
1,088
النقاط
0
الصخرة والسراويل الساقطة لفاطمة ناعوت

يُحكى أن أحد حكام الصين القديمة وضع ذات نهار صخرة ضخمة في منتصف طريق رئيسي، فأغلقه على المارّة. ثم كلّف حارسًا ليراقب الطريق من وراء إحدى الأشجار ليختبر ردةَ فعل الناس، ويرفع تقريرًا حول الأمر.
مرَّ كبير تجّار المدينة. نظر إلى الصخرة بامتعاض، وراح يلعن مَن وضعها في الطريق لتعطّل الناس عن أعمالهم. ثم دار حول الصخرة رافعًا قعيرته: “لن أسكت على هذا التسيّب والإهمال والفوضى. سأذهب للحاكم، وسوف نُعاقب من وضع الصخرة.”
مرَّ رجل آخر يعمل في مجال البناء والتشييد. فسبّ ولعن وقال ما قاله كبير التجّار، سوى أن صوته كان أخفضَ نبرةً، وأقلَّ ثقةً، لأن شأنه في البلاد أقلُّ من شأن التاجر الثريّ. ثم دار حول الصخرة ومضى في طريقه.
بعد قليل، مرَّ ثلاثة من الشباب الذين لا يزالون يبحثون عن هُويتهم في الحياة. وقفوا جوار الصخرة، وراحوا يسخرون ويطلقون النكات، ونعتوا مَن وضع الصخرة بالجاهل والأحمق والفوضوي والخائن والعميل والمندس. ثم داروا حول الصخرة، وانصرفوا إلى المقهى ليكملوا وصلة العدمية وانتقاد كلّ شيء.
بعد يومين، مرَّ فلاحٌ فقير عجوزٌ وشاهد الصخرة، فحطّ فأسَه ومِخلاته على الأرض. ثم شمّر عن ساعديه واستعان بالله، وبدأ في دفعها إلى جانب الطريق. ومع العرق المتصبب من جبينه المتغضّن، بدأ يطلب المساعدة من المارّة، فتشجّع بعضُهم وراحوا يتعاونون معه في دفع الصخرة عن طريق المارة. وقف الفلاحُ ينظر إلى موضع الصخرة فوجد حفرةً يبرز منها طرفُ صندوق خشبي. حين فتحه وجد قطعًا عديدة من الذهب، ورسالة تقول:
“من حاكم البلاد، إلى من أزال الصخرة. هذه مكافأة من الوطن للمواطن الإيجابي الذي بادر بحلّ المشكلة، بدلا من الاكتفاء بالشكوى ولعْن المتسبب فيها.”
***
تذكّرتُ هذه الحكاية من الفولكلور الصيني وأنا أتأمل العملية الانتخابية الرئاسية بأيامها الثلاثة الماضية. إذ وجدتُ بين سطورها ما يفسّر لي نزول عجوز مُقعد على كرسي متحرك لا يكاد يقوى على حمل ورقة، لكي ينتخب! ما الذي يُجبر رجلاً مثل هذا، أو امرأة طاعنة في العمر، أو كفيفًا، أو مشلولاً، على مبارحة الفراش والنزول في وهج الشمس وجحيم المواصلات لكي ينتخب هذا أو ذاك؟ الإجابة أن هذا الرجل وتلك السيدة يعرفون قيمة الوطن، ويدركون أن صوتهم أشرفُ ما يملكون، فلم يبخلوا بصوتهم الثمين على وطنهم الثمين.
ذاك الفلاح جرّب أن يضع البذرة في الطمي الأسود. ثم سهر الليلةَ في أثر الليلة يروي الغائبةَ في بطن الأرض، حتى شقّت الوليدةُ صفحة الطمي وخرجت نبتةٌ خضراءُ وسيمةٌ تضحك في وجه مَن زرعها وأخرجها للوجود. ذلك الفلاحُ يعرف أن الثمرة لن تخرج للنور إلا إن كانت هناك يدٌ تحفر لها بيتًا تُسكن فيه بذرتَها، ويدٌ ترويها بالماء العذب، ويدٌ تطبطب على وهاد الطمي لكي يرعى البذرة في رحمه، ويدٌ مرفوعة للسماء تدعوها أن تحمي الأرض من عتمة الليل، ويدٌ تشير للشمس أن تُسقط شعاعها ها هنا، ويدٌ تساعد النبتة الوليدة على الوقوف على ساقها الغض الواهن دون انحناء، حتى تغدو شجرةً، تطيب للناظرين والآكلين ثمارُها.
لكن الشباب الثلاثة، الذين يشبهون عندنا أولئك الساقطةُ سراويلهم عن خصورهم، فلا يعرفون شيئا عن البذرة والطمي والثمرة وري الماء من الجدول والترعة. نشاطهم ينحسر في رفع البنطال كل دقيقتين، وسبّ الكبار بعدما يمدون يدهم و"يلطشوا" المصروف منهم.
ذوو السراويل الساقطة أولئك، لم يعجبهم أن يأتي حاكمٌ يقول: “هاتشتغلوا بجد مش هزار ومفيش نوم والصحيان بدري والكسل ممنوع لأن مصر مش هاتنهض إلا بيكم أنتم.” كانوا يأملون في حاكم "يعمل لهم البحر طحينة" ويقول لهم: “ناموا وكملوا حلمكم يا بيبي سويت، لغاية ما أجيب لكم المامّ والأومبو والبامبرز.”
جيلي لحق "حتة" صغيرة من أناقة مصر الغابرة، وذاق شيئًا من حلاوتها، لهذا نكافح من أجل استعادة هذا الجمال وتلك الأناقة. والجيل الأسبق مني، جيل الكهول والكبار والعظام، ذاق الجمال كلَّه حتى شبع، لهذا يصرُّ هذا الجيلُ أن تستعيد مصرُ جمالَها، لكي يسلّموا مصرَ لمن بعدهم أجملَ مما تسلّموها، أو على الأقل مثلما تسلموها.
هاتفتني الآن السيدة الجميلة "زينب" زوجة كابتن الأهلي الجميل المرحوم "صالح سليم"، وأخبرتني أنها نزلت وانتخبت بالأمس، وعمرها ٨٠ عامًا. هي السيدة الأنيقةُ التي عاصرت أناقة مصر وبهاءها ونظافتها، وكانت كلما سافرت إلى أوروبا عادت ملهوفة إلى مصر تقول: “بلدي أجمل بلد في الدنيا".
أما "المقاطعون" الأعزاء، فأقول لهم ما قاله عمنا أحمد فؤاد نجم: “
جاتكوا فضيحة
يا طبقة سطيحة
وعاملة فصيحة
وجايبة العار!

***
فاطمة ناعوت
مجلة (٧ أيام)
عدد ٣ يونيو ٢٠١٤
 
أعلى