- إنضم
- 3 يوليو 2007
- المشاركات
- 2,619
- مستوى التفاعل
- 388
- النقاط
- 83
التجديف على الروح القدس
كلمة تجديف في أصلها اليوناني هو βλασφημία (بلاسفيميا)، والتي أتت منها الكلمة الإنجليزية Blasphemy، وهي تدل على التكلُّم بالشر عن الله، ويقابلها بالعبرية (حَ قِ ڤ) أو كلمة (جَ دِ ف)، والتي يقابلها في العبرية كلمة "جدَّف).
ونجد بجانب ذلك أيضاً بعض الكلمات التي تعطي معنى التجديف أو التكلُّم بالشر عن الله، مثل: "عيَّر" أو "أهان" (مز 18:74؛ اش 5:52). ولكن بالنظر إلى مشتقات الفعل βλασφημέω (بلاسفيميئو)، أي "أُجدِّف"، يمكن ان تعطي معنى أي نوع من الافتراء أو الإساءة إلى الله، أو حتى أي كلمة في مقصودة عنه (انظر: 1مل 10:21؛ أي 5:1؛ أع 6:18).
كان في العهد القديم، فيما بين اليهود، التكلم بإهانة في حق يهوه، كان عقابه مثل أي جريمة عظيمة، هو الرجم، كما حدث لابن المرأة الإسرائيلية (انظر لا 10:24-14)، لذلك يقول الحكيم في سفره: "إِنَّ رُوحَ الْحِكْمَةِ مُحِبٌّ لِلإِنْسَانِ؛ فَلاَ يُبَرِّئُ الْمُجَدِّفَ مِمَّا نَطَقَ، لأَنَّ اللهَ نَاظِرٌ لِكُلْيَتَيْهِ وَرَقِيبٌ لِقَلْبِهِ لاَ يَغْفُلُ وَسَامِعٌ لِفَمِهِ." (حك 6:1).
ولكن بعد ذلك فسَّر اليهود الوصية في (لا 16:24): "وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ."، على أنها وصية يمنع النُطق باسم الله تحت أي ظرف ومن ثم عدم لفظ اسم "يهوه" بتاتاً. وعندما يسمع شخص كلمة تجديف، يضع يده على رأي المُجدِّف، ليؤكِّد على مسئولية كاسر الشريعة بالتجديف بمفرده، ثم يقف ويُمزِّق قميصه علامة على شناعة الخطية التي لا تُغتفَر (انظر مت 65:26).
أما في العهد الجديد، فأتت كلمة "جدَّف" بمعاني كثيرة، منها الشتم والإهانة والكلام غير اللائق، وقد يكون ذلك:
*بمعنى المذمة عموماً أو الاستهزاء، كما قيل عن اليهود: "وَجَعَلُوا يُقَاوِمُونَ مَا قَالَهُ بُولُسُ مُنَاقِضِينَ وَمُجَدِّفِينَ." (أع 45:13).
*ولعل المقصود بكلمة "يُجدِّفا" التي ذكرها بولس الرسول عن هيمينايُس والإسكندر (1تي 20:1)، هو أنهما كانا يهينان الرب بسلوكهما غير اللائق كمؤمنين.
*التجديف على الله بأقوال شريرة (رؤ 2:13-5)، أو بالسلوك غير اللائق من اليهود بين الأمم (رو 24:2)، كما من المسيحيين (تي 5:2)، وفي (1تي 1:6) يُترجَم الفعل βλασφημέω (بلاسفيميئو)، إلى كلمة "يفتري".
*التجديف على الرب يسوع المسيح بأنه اغتصب لنفسه مكان الله (مت 3:9) على أساس إدِّعائه بأنه المسيا ابن الله (مت 65:26)، أو بأنه جعل نفسه الله (يو 33:10-36).
*التجديف على الروح القدس: "وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ" (مت 31:12). "وَلكِنْ مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَيْسَ لَهُ مَغْفِرَةٌ إِلَى الأَبَدِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْجِبٌ دَيْنُونَةً أَبَدِيَّةً" (مر 29:3). والرب نطق بهذا القول تعقيباً على اتهام الفريسيين له بأنه يُخرِج الشياطين ببعلزبول رئيس الشياطين (مت 24:12)، وأن معه روحاً نجساً (مر 30:3). ومن هنا يبدو ان التجديف على الروح القدس هو نسبة الأعمال التي تظهر بوضوح أنها من أعمال الروح القدس، إلى قوة شيطانية، أي تسمية الخير شراً. ولكن هل هناك فرق بين التجديف على السيد المسيح والتجديف على الروح القدس؟
يقول السيد المسيح: "وَكُلُّ مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلاَ يُغْفَرُ لَهُ" (لو 10:12). فهل التجديف على السيد المسيح أقل شأناً من التجديف على الروح أمام الله؟ يعلِّق على ذلك القديس أمبروسيوس قائلاً:
[قال الرب هذه الكلمات لكي إذا ضل أحد بسبب الجسد البشري المنظور (الناسوت)، وفكِّر باحتقار عن الرب بسبب جسده، رغم أنه ليس شيئاً قليلاً أو حقيراً لأنه ينبوع العفة وثمرة بتولية العذراء، فهو يخطئ ولكنه لا يُحرَم من المغفرة التي ينالها بالإيمان. أما إذا أنكر كرامة وعزة وجلالة وأزلية الروح القدس وقوته الإلهية... فلا مغفرة بالمرة، لأن هذا هو الكفر بعينه] (عن الروح القدس 1 :3 : 54)(1)
ويقول القديس أثناسيوس:
[في الواقع إن الخطية التي يمكن غفرانها هي العثرة الناتجة عن رؤية ناسوته، أي ما يتعلَّق به كابن الإنسان، ولكنه أوضح أن التجديف الذي لا يمكن مغفرته هو التجديف على "الروح"، أي على الطبيعة الإلهية... لأنهم عندما أدركوا أنه إنسان احتقروه، وعندما عاينوا معجزاته الإلهية، أنكروا لاهوته ونسبوا هذه المعجزات للشيطان] (الرسالة الرابعة لسرابيون الأسقف 19، 22).(2)
وتعليقاً على قول السيد المسيح: "وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي" (مت 32:12)، يقول القديس أغسطينوس في مقالته عن التجديف على الروح القدس:
[الرب لم يقل: "لا يُغفَر أي تجديف على الروح القدس"، ولا قال: "مَن يقول أي كلمة على الروح القدس، لن يُغفَر"، بل قال: "وأما من قال كلمة...". فلو كان قد ذكر كلمة "أي"... لما أمكن للكنيسة أن تقبل أي إنسان خاطئ شرير مُنكِراً لعطية المسيح ولمقدسات الكنيسة، سواء أكان يهودياً أو وثنياً أو مهرطقاً... بل ولما أمكنها أن تحتضن حتى الضعفاء من المسيحيين الذي ينتمون للكنيسة الجامعة نفسها. وحاشا أن يكون قصد الرب هكذا... ولكن ما هي هذه "الكلمة" التي بلا غفران؟... إنه لم يستخدم كلمة "كل" للتعميم، أو "بعض" للتخصيص... حتى يدربنا على الشغف بوزع نحو البحث. لأن الكتاب المُقدَّس غني بالأجزاء الواضحة التي نتغذَّى بها، وبالأجزاء الغامضة التي نتدرَّب بها... عندما نسمع "التجديف على الروح القدس لن يُغفَر"، لا نفهمه على أنه "أي تجديف"، بل أنواع معينة من التجديف... القلب غير التائب ينطق بكلمة على الروح القدس، ينطقها ضد هذه العطية المجانية وضد النعمة الإلهية. فعدم التوبة هو التجديف على الروح القدس الذي لن يُغفَر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي، لأن فكر غير التأئب ولسانه ينطقان بكلمة شنيعة بالغة الشر ضد الروح القدس واهب المغفرة بالمعمودية، هذا الذي قبلته الكنيسة لتغفر به الخطايا..] (عظة على التجديف على الروح القدس 9، 20)(3)
إذاً لا يقصد السيد المسيح بأن التجديف على شخصه المبارك أقل شأناً من التجديف على الروح القدس. وإنما يقصد أن يفهمنا بأن من يخطئ في حق السيد المسيح، فالروح القدس يقتاده بصوته المُلِّح في داخله للندم والتوبة، ولكن من يقاوم الروح القدس ويعانده ويُجدِّف عليه، فبأي وسيلة يتيسَّر له الروح والندم.
في ضوء هذا نستطيع أن نفهم قول الرسول: "فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا، بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ الْمُضَادِّينَ. مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَعَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ. فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟" (عب 26:10-29). فليس هناك خطية لا يستطيع دم المسيح أن يمحوها، أو بعيدة عن المغفرة بدمه، ولكن هؤلاء الذي حصلوا على النِعَم والبركات لكنهم سقطوا بإرادتهم، وفي عناد وإصرار لا يمكن أن يتجددوا للتوبة.
وعدم الإمكانية ترجع إلى أن هؤلاء بسبب عدم ثباتهم وبسبب وارتدادهم عن الإيمان رفضوا السيد المسيح ورفضوا وسائل النعمة ووسائط الخلاص، فيصرُّون على خطيتهم وفي حرية وإرادة وعزيمة يرفضون المسيح. فإن نفوس البشر تشبه الحقول الفلَّحة من قِبَل الله والتي تقبل سقوط المطر عليها، أي عطايا ومواهب الروح القدس. وكما تُثمر الأرض الصالحة العشب الصالح، هكذا فإن النفوس الصالحة بواسطة الروح القدس تُثمر ما يقابل العشب الصالح، أي الفضائل الروحية. ولكن إذا رفضت هذه النفوس عطايا الروح القدس، في مُعرَّضة لأن ينبت فيها الرذائل، وتبعاً لذلك تكون نهاية هذا الإنسان الشرير الهلاك لأنه رفض بإصرار وعناد وسائط النعمة. وهذه هي الخطايا التي للموت (1يو 16:5)(4)
ويجب أن نضع في الاعتبار أن أي إنسان كان في عناد قلبه يرفض عمل الروح القدس داخلهـ ويصرُّ على خطيته، ولكنه استفاق ليكتشف طبيعة عريّه وتفاقم الخطية داخله، فيدرك سريعاً إنه سقط في خطية التجديف على الروح القدس، فيقع في خطر بالوعة اليأس. يجب أن يدرك حينئذٍ، إنها خدعة إبليس ليبقيه بعيداً عن المسيح. إن خوفه هذا في الوقوع في خطية التجديف على الروح القدس هو علامة أكيدة أنه بعيداً عن هذه الخطية.
وهنا يظهر أمامنا تساؤل: هل يمكننا أن نحكم على إنسان بأنه جدَّف على الروح القدس؟ يجيب على ذلك القديس أغسطينوس قائلاً:
[إن عدم التوبة أو القلب غير التائب أمر غير ثابت طالما كان الإنسان حياً في الجسد. لذلك ينبغي علينا ألا نيأس قط من إنسان، مادامت أناة الله تقود الشرير إلى التوبة، مادام الله لم يأخذه سريعاً من هذا العالم... لهذا فإنني أترك الرسول يحثك أيها الأخ قائلاً: "إذاً لا تحكموا في شيء قبل الوت" (1كو 5:4)... إنني أُكرِّر قولي بأن هذا التجديف لا يمكن أن يثبت على إنسان ما، بأي حال من الأحوال، طالما كان موجوداً في هذه الحياة] (عظة عن التجديف على الروح القدس، 21)(5)
___________________
(1)NPNF, Second Series, Vol. X, p. 100.
(2) الروح القدس للقديس أثناسيوس الرسولي، ترجمها عن اليونانية د. موريس تاوضروس – د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية، نوفمبر 2005، ص 30-31.
(3)NPNF, First Series, Vol. VI; Sermon XXI; p. 321-325.
(4) الاستنارة الروحية، د. موريس تاوضروس، دراسات آبائية ولاهوتية، العدد الرابع عشر، السنة السابعة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، يوليو 2004، ص40.
(5) NPNF, First Series, Vol. VI; Sermon XXI; p. 325.
كتاب "الروح القدس، رؤية كتابية وآبائية" إعداد الراهب هرمينا البرموسي، ص78-83.
ملحوظة: يوجد كلمات بحروف عبرية لم أستطع كتابتها لعدم امتلاكي كيبورد عبري أو معرفتي للأبجدية العبرية، وأكتفيت بكتابة النطق العربي لها كما جاءت في الكتاب.
كلمة تجديف في أصلها اليوناني هو βλασφημία (بلاسفيميا)، والتي أتت منها الكلمة الإنجليزية Blasphemy، وهي تدل على التكلُّم بالشر عن الله، ويقابلها بالعبرية (حَ قِ ڤ) أو كلمة (جَ دِ ف)، والتي يقابلها في العبرية كلمة "جدَّف).
ونجد بجانب ذلك أيضاً بعض الكلمات التي تعطي معنى التجديف أو التكلُّم بالشر عن الله، مثل: "عيَّر" أو "أهان" (مز 18:74؛ اش 5:52). ولكن بالنظر إلى مشتقات الفعل βλασφημέω (بلاسفيميئو)، أي "أُجدِّف"، يمكن ان تعطي معنى أي نوع من الافتراء أو الإساءة إلى الله، أو حتى أي كلمة في مقصودة عنه (انظر: 1مل 10:21؛ أي 5:1؛ أع 6:18).
كان في العهد القديم، فيما بين اليهود، التكلم بإهانة في حق يهوه، كان عقابه مثل أي جريمة عظيمة، هو الرجم، كما حدث لابن المرأة الإسرائيلية (انظر لا 10:24-14)، لذلك يقول الحكيم في سفره: "إِنَّ رُوحَ الْحِكْمَةِ مُحِبٌّ لِلإِنْسَانِ؛ فَلاَ يُبَرِّئُ الْمُجَدِّفَ مِمَّا نَطَقَ، لأَنَّ اللهَ نَاظِرٌ لِكُلْيَتَيْهِ وَرَقِيبٌ لِقَلْبِهِ لاَ يَغْفُلُ وَسَامِعٌ لِفَمِهِ." (حك 6:1).
ولكن بعد ذلك فسَّر اليهود الوصية في (لا 16:24): "وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ."، على أنها وصية يمنع النُطق باسم الله تحت أي ظرف ومن ثم عدم لفظ اسم "يهوه" بتاتاً. وعندما يسمع شخص كلمة تجديف، يضع يده على رأي المُجدِّف، ليؤكِّد على مسئولية كاسر الشريعة بالتجديف بمفرده، ثم يقف ويُمزِّق قميصه علامة على شناعة الخطية التي لا تُغتفَر (انظر مت 65:26).
أما في العهد الجديد، فأتت كلمة "جدَّف" بمعاني كثيرة، منها الشتم والإهانة والكلام غير اللائق، وقد يكون ذلك:
*بمعنى المذمة عموماً أو الاستهزاء، كما قيل عن اليهود: "وَجَعَلُوا يُقَاوِمُونَ مَا قَالَهُ بُولُسُ مُنَاقِضِينَ وَمُجَدِّفِينَ." (أع 45:13).
*ولعل المقصود بكلمة "يُجدِّفا" التي ذكرها بولس الرسول عن هيمينايُس والإسكندر (1تي 20:1)، هو أنهما كانا يهينان الرب بسلوكهما غير اللائق كمؤمنين.
*التجديف على الله بأقوال شريرة (رؤ 2:13-5)، أو بالسلوك غير اللائق من اليهود بين الأمم (رو 24:2)، كما من المسيحيين (تي 5:2)، وفي (1تي 1:6) يُترجَم الفعل βλασφημέω (بلاسفيميئو)، إلى كلمة "يفتري".
*التجديف على الرب يسوع المسيح بأنه اغتصب لنفسه مكان الله (مت 3:9) على أساس إدِّعائه بأنه المسيا ابن الله (مت 65:26)، أو بأنه جعل نفسه الله (يو 33:10-36).
*التجديف على الروح القدس: "وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ" (مت 31:12). "وَلكِنْ مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَيْسَ لَهُ مَغْفِرَةٌ إِلَى الأَبَدِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْجِبٌ دَيْنُونَةً أَبَدِيَّةً" (مر 29:3). والرب نطق بهذا القول تعقيباً على اتهام الفريسيين له بأنه يُخرِج الشياطين ببعلزبول رئيس الشياطين (مت 24:12)، وأن معه روحاً نجساً (مر 30:3). ومن هنا يبدو ان التجديف على الروح القدس هو نسبة الأعمال التي تظهر بوضوح أنها من أعمال الروح القدس، إلى قوة شيطانية، أي تسمية الخير شراً. ولكن هل هناك فرق بين التجديف على السيد المسيح والتجديف على الروح القدس؟
يقول السيد المسيح: "وَكُلُّ مَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلاَ يُغْفَرُ لَهُ" (لو 10:12). فهل التجديف على السيد المسيح أقل شأناً من التجديف على الروح أمام الله؟ يعلِّق على ذلك القديس أمبروسيوس قائلاً:
[قال الرب هذه الكلمات لكي إذا ضل أحد بسبب الجسد البشري المنظور (الناسوت)، وفكِّر باحتقار عن الرب بسبب جسده، رغم أنه ليس شيئاً قليلاً أو حقيراً لأنه ينبوع العفة وثمرة بتولية العذراء، فهو يخطئ ولكنه لا يُحرَم من المغفرة التي ينالها بالإيمان. أما إذا أنكر كرامة وعزة وجلالة وأزلية الروح القدس وقوته الإلهية... فلا مغفرة بالمرة، لأن هذا هو الكفر بعينه] (عن الروح القدس 1 :3 : 54)(1)
ويقول القديس أثناسيوس:
[في الواقع إن الخطية التي يمكن غفرانها هي العثرة الناتجة عن رؤية ناسوته، أي ما يتعلَّق به كابن الإنسان، ولكنه أوضح أن التجديف الذي لا يمكن مغفرته هو التجديف على "الروح"، أي على الطبيعة الإلهية... لأنهم عندما أدركوا أنه إنسان احتقروه، وعندما عاينوا معجزاته الإلهية، أنكروا لاهوته ونسبوا هذه المعجزات للشيطان] (الرسالة الرابعة لسرابيون الأسقف 19، 22).(2)
وتعليقاً على قول السيد المسيح: "وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي" (مت 32:12)، يقول القديس أغسطينوس في مقالته عن التجديف على الروح القدس:
[الرب لم يقل: "لا يُغفَر أي تجديف على الروح القدس"، ولا قال: "مَن يقول أي كلمة على الروح القدس، لن يُغفَر"، بل قال: "وأما من قال كلمة...". فلو كان قد ذكر كلمة "أي"... لما أمكن للكنيسة أن تقبل أي إنسان خاطئ شرير مُنكِراً لعطية المسيح ولمقدسات الكنيسة، سواء أكان يهودياً أو وثنياً أو مهرطقاً... بل ولما أمكنها أن تحتضن حتى الضعفاء من المسيحيين الذي ينتمون للكنيسة الجامعة نفسها. وحاشا أن يكون قصد الرب هكذا... ولكن ما هي هذه "الكلمة" التي بلا غفران؟... إنه لم يستخدم كلمة "كل" للتعميم، أو "بعض" للتخصيص... حتى يدربنا على الشغف بوزع نحو البحث. لأن الكتاب المُقدَّس غني بالأجزاء الواضحة التي نتغذَّى بها، وبالأجزاء الغامضة التي نتدرَّب بها... عندما نسمع "التجديف على الروح القدس لن يُغفَر"، لا نفهمه على أنه "أي تجديف"، بل أنواع معينة من التجديف... القلب غير التائب ينطق بكلمة على الروح القدس، ينطقها ضد هذه العطية المجانية وضد النعمة الإلهية. فعدم التوبة هو التجديف على الروح القدس الذي لن يُغفَر له، لا في هذا العالم ولا في الآتي، لأن فكر غير التأئب ولسانه ينطقان بكلمة شنيعة بالغة الشر ضد الروح القدس واهب المغفرة بالمعمودية، هذا الذي قبلته الكنيسة لتغفر به الخطايا..] (عظة على التجديف على الروح القدس 9، 20)(3)
إذاً لا يقصد السيد المسيح بأن التجديف على شخصه المبارك أقل شأناً من التجديف على الروح القدس. وإنما يقصد أن يفهمنا بأن من يخطئ في حق السيد المسيح، فالروح القدس يقتاده بصوته المُلِّح في داخله للندم والتوبة، ولكن من يقاوم الروح القدس ويعانده ويُجدِّف عليه، فبأي وسيلة يتيسَّر له الروح والندم.
في ضوء هذا نستطيع أن نفهم قول الرسول: "فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا، بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ الْمُضَادِّينَ. مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَعَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ. فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟" (عب 26:10-29). فليس هناك خطية لا يستطيع دم المسيح أن يمحوها، أو بعيدة عن المغفرة بدمه، ولكن هؤلاء الذي حصلوا على النِعَم والبركات لكنهم سقطوا بإرادتهم، وفي عناد وإصرار لا يمكن أن يتجددوا للتوبة.
وعدم الإمكانية ترجع إلى أن هؤلاء بسبب عدم ثباتهم وبسبب وارتدادهم عن الإيمان رفضوا السيد المسيح ورفضوا وسائل النعمة ووسائط الخلاص، فيصرُّون على خطيتهم وفي حرية وإرادة وعزيمة يرفضون المسيح. فإن نفوس البشر تشبه الحقول الفلَّحة من قِبَل الله والتي تقبل سقوط المطر عليها، أي عطايا ومواهب الروح القدس. وكما تُثمر الأرض الصالحة العشب الصالح، هكذا فإن النفوس الصالحة بواسطة الروح القدس تُثمر ما يقابل العشب الصالح، أي الفضائل الروحية. ولكن إذا رفضت هذه النفوس عطايا الروح القدس، في مُعرَّضة لأن ينبت فيها الرذائل، وتبعاً لذلك تكون نهاية هذا الإنسان الشرير الهلاك لأنه رفض بإصرار وعناد وسائط النعمة. وهذه هي الخطايا التي للموت (1يو 16:5)(4)
ويجب أن نضع في الاعتبار أن أي إنسان كان في عناد قلبه يرفض عمل الروح القدس داخلهـ ويصرُّ على خطيته، ولكنه استفاق ليكتشف طبيعة عريّه وتفاقم الخطية داخله، فيدرك سريعاً إنه سقط في خطية التجديف على الروح القدس، فيقع في خطر بالوعة اليأس. يجب أن يدرك حينئذٍ، إنها خدعة إبليس ليبقيه بعيداً عن المسيح. إن خوفه هذا في الوقوع في خطية التجديف على الروح القدس هو علامة أكيدة أنه بعيداً عن هذه الخطية.
وهنا يظهر أمامنا تساؤل: هل يمكننا أن نحكم على إنسان بأنه جدَّف على الروح القدس؟ يجيب على ذلك القديس أغسطينوس قائلاً:
[إن عدم التوبة أو القلب غير التائب أمر غير ثابت طالما كان الإنسان حياً في الجسد. لذلك ينبغي علينا ألا نيأس قط من إنسان، مادامت أناة الله تقود الشرير إلى التوبة، مادام الله لم يأخذه سريعاً من هذا العالم... لهذا فإنني أترك الرسول يحثك أيها الأخ قائلاً: "إذاً لا تحكموا في شيء قبل الوت" (1كو 5:4)... إنني أُكرِّر قولي بأن هذا التجديف لا يمكن أن يثبت على إنسان ما، بأي حال من الأحوال، طالما كان موجوداً في هذه الحياة] (عظة عن التجديف على الروح القدس، 21)(5)
___________________
(1)NPNF, Second Series, Vol. X, p. 100.
(2) الروح القدس للقديس أثناسيوس الرسولي، ترجمها عن اليونانية د. موريس تاوضروس – د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الطبعة الثانية، نوفمبر 2005، ص 30-31.
(3)NPNF, First Series, Vol. VI; Sermon XXI; p. 321-325.
(4) الاستنارة الروحية، د. موريس تاوضروس، دراسات آبائية ولاهوتية، العدد الرابع عشر، السنة السابعة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، يوليو 2004، ص40.
(5) NPNF, First Series, Vol. VI; Sermon XXI; p. 325.
كتاب "الروح القدس، رؤية كتابية وآبائية" إعداد الراهب هرمينا البرموسي، ص78-83.
ملحوظة: يوجد كلمات بحروف عبرية لم أستطع كتابتها لعدم امتلاكي كيبورد عبري أو معرفتي للأبجدية العبرية، وأكتفيت بكتابة النطق العربي لها كما جاءت في الكتاب.