اسم السفر ومعناه - برشيت" (בְּרֵאשִׁית - Bereshit)- دراسة الخلفية التاريخية لسفر التكوين

لمسة يسوع

عضو نشيط
عضو نشيط
إنضم
20 أغسطس 2022
المشاركات
6,403
مستوى التفاعل
3,108
النقاط
113
اسم السفر ومعناه - برشيت" (בְּרֵאשִׁית - Bereshit)- دراسة الخلفية التاريخية لسفر التكوين

أبنائي الأحباء، ونحن نقف على عتبة "سفر البدايات"، نحن لا نقف أمام مجرد كتاب تاريخي، بل أمام "أيقونة مكتوبة" تشرح لنا أصل الوجود وقصد الخالق.


دعونا نغوص معاً في أعماق اسم هذا السفر ومعانيه، بذهنٍ يسعى للفهم وقلبٍ يتوق للعبادة.

أولاً: الشرح الأكاديمي واللغوي لاسم السفر

في التقليد العبري، يُسمى السفر بأول كلمة نُطقت فيه: **"برشيت" (בְּרֵאשִׁית - Bereshit)**. أما في الترجمة السبعينية (LXX)، فقد أُطلق عليه اسم **"جينيسيس" (Γένεσις - Genesis)**. ولكل منهما دلالة لاهوتية عميقة:

1. **برشيت (في البدء):**
كلمة "رأشيت" (Reshit) في العبرية لا تعني فقط البداية الزمنية (Beginning)، بل تعني "الأولية" أو "الرأس" (Headship).


القديس أمبروسيوس وبعض آباء مدرسة الإسكندرية تأملوا في هذه الكلمة قائلين إن "البدء" هنا قد يُشير إلى "الحكمة الإلهية" أو "اللوغوس"، فالله خلق كل شيء "في البدء" أي "في المسيح" (الكلمة).

ومن الناحية القواعدية، حرف الباء (ב) الذي يبدأ به السفر هو حرف "مغلق" من ثلاث جهات ومفتوح من جهة واحدة (جهة القراءة)، وكأن الوحي يقول لنا: "لا تبحث عما قبل الخليقة في جوهر الله المحتجب، بل انظر إلى ما أعلنه الله لك في تاريخ خلاصك".

2. **جينيسيس (التكوين/الأصل):**
هذه الكلمة اليونانية تعني "أصل" أو "ميلاد" أو "تولُّد".

السفر ليس فقط عن بداية الكون، بل هو سجل "توليدات" (Toledot) السماء والأرض، ثم الآباء.
إنه يشرح "الصيرورة"؛ كيف صار العدم وجوداً، وكيف صار الشتات شعباً لله.


ثانياً: الفكرة المركزية: الله يبدأ التاريخ بكلمته الخالقة

إن المحور الذي يدور حوله السفر هو أن **"الله هو المبادئ"**.

التاريخ ليس دائرة مفرغة أو صدفة عشوائية، بل هو خط مستقيم يبدأ بـ "قال الله".

* **سلطان الكلمة:** في العهد القديم، كلمة الله (دبار - Dabar) ليست مجرد صوت، بل هي قوة فاعلة.
"قال الله: ليكن نور، فكان نور". الكلمة هنا هي الجسر بين فكر الله الأزلي والواقع الزمني.

* **الخلق من العدم (Ex Nihilo):** يؤكد السفر أن الله كائن قبل المادة.

هو الذي أوجد "البداية".
الزمن نفسه هو مخلوق، والله هو "رب الزمن".

* **التنظيم من العماء:** نرى في "برشيت" كيف تحول "الغمر" و"الخلاء" (توهو وبوهو) إلى نظام بديع (Cosmos) بفعل روح الله وكلمته.
الله لا يخلق فقط، بل يرتب ويعطي لكل كائن اسماً وهويّة.



ثالثاً: التأمل الروحي (لمسة قلبية)

يا إخوتي، إن روعة سفر التكوين ليست في كونه يخبرنا كيف بدأ العالم منذ آلاف السنين، بل في كونه يخبرنا **كيف يبدأ الله معنا الآن**.

1. **بدايتك هي "كلمة":**
كما بدأ الله العالم بكلمته، هو يريد أن يبدأ "خليقة جديدة" في قلبك بكلمته.

إن كان داخلك "خرباً وخالياً" وعلى وجه أعماقك ظلمة، تذكر أن روح الله لا يزال يرفّ فوق مياه حياتك، ينتظر أن تقبل "الكلمة" ليشرق فيك نور المعرفة.

2. **إله البدايات المتجددة:**
يُعلمنا اسم السفر (برشيت) أن الله هو إله البدايات.
مهما انكسر فيك الإنسان القديم، ومهما سقطت في "عدم" الخطية، تستطيع بنعمة الخالق أن تبدأ "تكويناً" جديداً.

الله الذي قال "ليكن نور" في البدء، هو نفسه الذي يشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجده.

3. **ترتيب الفوضى:**
في حياتنا "عماء" كثير، وتشتت في الأفكار والمشاعر.
تأمل كيف كان الله في "برشيت" يفصل بين النور والظلمة، وبين المياه واليابسة.
اطلب منه اليوم أن يدخل بكلمته الخالقة إلى فوضى حياتك، ليفصل بتمييزه الإلهي بين ما هو للنور وما هو للظلمة، ليجعل من حياتك "كوزموس" (كوناً) جميلاً يمجد اسمه.

**يا أبنائي الاحباء:**
سفر التكوين هو "إنجيل العهد القديم"، لأنه يعلن أن الله لم يتركنا للعدم، بل بدأ معنا قصة حب بدأت بـ "كلمة" في الزمان، واكتملت بـ "الكلمة المتجسد" في ملء الزمان.

لنبدأ معاً دراسة هذا السفر، لا كباحثين عن معلومات جافة، بل كأبناء يسألون أباهم:
"يا رب، كما بدأت تاريخ البشرية بجمال قدرتك، ابدأ فيّ اليوم بداية جديدة بكلمة نعمتك".

ولإلهنا كل المجد والكرامة من الآن وإلى الأبد، آمين.

أبونا إيلاريون جرجس

#اقرأ_أفهم_عِش

 
أعلى