إنجيل برنابا هل هو إنجيلٌ صحيحٌ؟

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
- 42 -
2 - مرسوم البابا جلاسيوس :
يُوجد مرسومٌ منسوبٌ للبابا جلاسيوس الخامس (496م) يحذِّر من قراءة مجموعة من الكتب الأبوكريفيَّة (19) ذات الصبغة الغنوسيَّة (20) والفكر الغنوسيّ، وذلك إلي جانب قائمة الستُّون كتابًا التي تذكر الأسفار القانونيَّة الموثَّقة (الصحيحة) كما تذكر أسماء بعض الكتب الغنوسيَّة، ومن ضمن هذه الكتب الغنوسيَّة يذكر المرسوم والقائمة " إنجيل تحت اسم برنابا "، وهذا هو الإستثناء الوحيد الذي يذكر فيه كتاب بهذا الاسم، فلم يذكره أو يُشِر إليه أحدٌ من آباء الكنيسة الذين أرَّخوا لها ولا أحد من كتَّابها ومدافعيها الذين فنَّدوا الهرطقات وذكروا جميع الكتب القانونيَّة وغير القانونيَّة. وقد كشفت الأبحاث الأثريَّة عن كميَّات هائلة من الوثائق المسيحيَّة والتي ترجع للقرون الأولي والتي ضمَّت وحوت الأناجيل القانونيَّة الموثّضقة (الصحيحة) وكتب الآباء في سائر موضوعات الفكر المسيحيّ وكذلك الكتب الأبوكريفيَّة سواء المسمَّاة بالأناجيل وأعمال الرسل (21) أو التي تحتوي علي موضوعات فكريَّة وعقيديَّة بصفةٍ عامَّةٍ. ولم تذكرْ هذه الكتب جميعًا ولم تُشِر إلي أيّ شيءٍ فيه إشارة إلي ما يُسَمَّي بإنجيل برنابا.
كما أنَّ المرسوم والقائمة يشيران إلي كتب غنوسيَّة ومن ضمنها هذا الكتاب، وقد أجمع العلماء علي أنَّه إنْ كان للكتاب وجود قبل القرون الوسطي فلا يخرج عن كونه كتاب غنوسيّ الصبغة والفكر والعقيدة، والغنوسيِّين اعتقدوا أنَّ المسيح إلهًا نزل من السماء لخلاص كلِّ البشريَّة في صورة بشريَّة، وظهر في شكل بشريّ دون أنْ يكون بشرًا حقيقيًا، كما اعتقدوا بصلبه وموته وقيامته وعودته إلي السماء، من حيث جاء. كما أنَّهم أيضًا آمنوا بصحَّة الأناجيل الأربعة وإتَّخذت كلّ فرقة منهم واحدًا منها أو جميعها ككتابها المقدَّس وذلك إلي جانب الكتب العديدة التي كانت لديهم (22) .
وهذا الكتاب الحاليّ المزيَّف بنصَّيه الأسبانيّ والإيطاليّ علي عكس ذلك تمامًا فقد نادى بأنَّ المسيح مجرَّد بشر فانٍ وزائلٍ، كتلة من التراب وأنَّه لم يُصْلَبْ ولم يمُتْ وأنَّ إنجيله قد دُنِّسَ وحُرِّفَ. كما أنَّ هذا الكتاب المزيَّف لا يتَّفق أبدًا مع ما نسبته الكنيسة للقدِّيس برنابا من كتب تنادى بلاهوت المسيح وصلبه وموته وقيامته وصعوده إلي السماء وشفاعته في كلِّ البشريَّة ودينونته للأحياء والأموات. ولا يتَّفق مع الفكر المسيحيّ القديم " المُسَلَّم من المسيح لرسله ومنهم للكنيسة " ولا مع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ
(19) تعنى كلمة " أبوكريفا " سرية واستخدمت في المسيحية بمعنى المزيفة .
(20) الغنوسية تعنى " حب المعرفة " والفرق الغنوسية كانت تؤمن بالخلاص عن طريق المعرفة وخلطت بين أفكار وأساطير اليونان وغيرهم مع المسيحية . أنظر ف7 .
(21) أنظر الفصل السابع .
(22) انظر الفصل السابع .

ــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
- 43 -
فكر الفرق المسيحيَّة المختلفة من أصحاب البدع والهرطقات الذين ظهروا في القرون الأولي وذلك من حيث اللغة والفكر والمادة والمنهج والعقيدة وطبيعة العصر، بل ويختلف عن كلِّ ما ذُكِرَ عن المسيحيَّة من الخارجين عليها ومن أعدائها في كلِّ العصور.
وهنا نصل إلي ثلاثة أسئلة هامَّة، وهى: ما هي حقيقة هذا الكتاب المذكور في المرسوم الجلاسيانى وقائمة الستُّون كتابًا؟ وما حقيقة الكتاب بنصَيه الأسبانيّ والإيطاليّ؟ وما علاقتهما ببعض؟ والنقاط التالية توضِّح الحقيقة:
1- الكتاب المذكور في المرسوم الجلاسياني وقائمة الستُّون لا يوجد له أيّ ذِكْر خارجهما علي الإطلاق، كما لم يعرفْ آباء الكنيسة، مؤرِّخيها وكتَّابها، كتاب بهذا الاسم، كما لم يَذْكر الهراطقة أو غيرهم ما يُسَمَّي بإنجيل برنابا، ولم يقتبسْ أحدٌ ما، سواء من آباء الكنيسة أو الهراطقة أو اليهود أو الوثنيِّين الذين هاجموا الكتاب المقدَّس والعقيدة المسيحيَّة في القرون الأولي بضراوة، كتاب بهذا الاسم.
2- يذكر المرسوم والقائمة الكتاب بهذه العبارة " إنجيل تحت اسم برنابا " وهذا لا يعطي دليلاً قاطعًا بأنَّه، إنْ كان قد وُجد كتاب بهذا الاسم، قد كُتب بواسطة القدِّيس برنابا رسول المسيح، فقد يكون هذا اسم كاتبه الغنوسيّ، أو أنَّ كاتبه وضع عليه هذا الاسم ليلقي رواجًا عند العامَّة، كما حدث في كتبٍ أخري، فقد نسبوا كتابًا للقدِّيس متَّي أسموه " إنجيل متَّي " وآخر للقدِّيس يوحنا أسموه " أبوكريفا - يوحنَّا " أو إنجيل يوحنا السرِّيّ " ولكثيرين غيرهم من تلاميذ المسيح ورسله.
3- يقول د. خليل سعادة مترجم الكتاب إلي العربيَّة " يذهب بعض العلماء المدقِّقين إلي أنَّ أمر البابا جلاسيوس المنوَّه عنه إنما هو برمَّته تزوير، وهو قول موسوعات العلوم البريطانيَّة أيضًا"، كما أنَّ قائمة الستُّون كتابًا التي يُقال أنَّها ترجع للقرن السابع تُوجد في مخطوطة حديثة من أواخر القرون الوسطي ولا يُوجد لها مرجعٌ قديمٌ مما يُعطي احتمال قويّ أنَّها مزيَّفة، فقد ظهرت في عصر إشتهر بالأعمال المزيَّفة، وقد زيَّف المورسكوس الأسبان عددٌ من المزيَّفات التي تُقدِّم لهذا الكتاب المزيَّف، كما بيْنَّا في الفصل الرابع!!
4- إنَّ هذا الكتاب المزيَّف لا يتَّفق مع الفكر الغنوسيّ إطلاقًا وبالتالي لا يتَّفق مع الكتاب المذكور في المرسوم الجلاسياني أو قائمة الستُّون كتابًا، إنْ كان لكليهما - المرسوم والقائمة - وجود، بالمرًّةِ. كما أنَّ هذا الكتاب المزيَّف يتكَوَّن أكثر من نصفه من خرافات تلموديَّة وخرافات القبائل البدائيَّة التي عرفها الأوربيُّون عن طريق التجار والبحارة الذين جابوا القارَّات الثلاث في أواخر العصور الوسطي، وكذلك الأحاديث الدينيَّة والأساطير العلميَّة والدينيَّة التي لم يكن لها أي وجود قبل العصور الوسطي والتعبيرات اللغويَّة والدينيَّة التي دخلت أوربا (الأندلس وما جاورها) عن طريق العرب في العصور الوسطي أيضًا.

ــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
- 44 -
5- هناك إشارات عديدة لوجود أصل عربيّ يحمل اسم وصفات هذا الكتاب المزيَّف، ويقول د. خليل سعادة أنَّه " أشدّ ميلاً للأصل العربيّ " ويروى أنَّه " لا يجوز إتِّخاذ عدم العثور علي ذلك الأصل العربيّ، حُجَّة دامغة علي عدم وجوده، وذلك علي الرغم من أنَّه لا يُوجد في سجِّلات الكتب العربيَّة ما يُشير من بعيد أو من قريب لكتابٍ باسم القدِّيس برنابا.
ولكنَّنا نقول أنَّ الإشارات التي قيلت عن هذا الكتاب المزوَّر في كتابات المورسكوس أمثال علي الطيبيلي وأحمد الهاجري الذَين تكلَّمنا عنهما في الفصل السادس ووجود النسخة الأسبانيَّة مع مصطفي العرندي والذي زعم أنَّه ترجمها في استامبول، وبالتالي مرور الكتاب ببعض البلاد العربيَّة مثل المغرب وتونس وكذلك في تركيا ووجوده فيها، هو الذي أدَّي إلي القول بوجود الأصل العربيّ بإعتبار أنَّ الكتاب خرج أصلاً من بين المورسكوس، المتنصِّرين العرب الذين تركوا الأندلس وعادوا إلي ديانتهم الأولي، الإسلام.
مما سبق يتضِّح لنا أحد أمرَين:
(1) إمَّا أنَّه كان للكتاب وجود حقيقيّ في القرن الخامس الميلاديّ، وأنَّ هذا الكتاب المزوَّر في نسختَيه الإيطاليَّة والأسبانيَّة لا صلة له به بالمرَّة، ولم يَعرف كاتبه شيئًا عمَّا جاء في المرسوم الجلاسيانيّ وقائمة الستُّون كتابًا، فلا يُوجد أيّ اتِّفاق بين عقيدة وفكر كلٍّ منهما، وأنَّ كلاً من الكاتبَين وُضِعَ على كتابه اسم برنابا لكي يلقي رواجًا بين العامَّة أو مستغلاً في ذلك الخلاف الذي وقع بين القدِّيس بولس والقدِّيس برنابا بسبب إشتراك القدِّيس مرقس معهما في رحلتهما الكرازية، أو للسببَين معًا.
(2) أو أنَّ كاتب هذا الكتاب المزيَّف بنسختَيه الإيطاليَّة والأسبانيَّة عثر علي نسخة للكتاب المذكور في المرسوم الجلاسيانى، إنْ كان له وجود، أو كتاب مشابه له وأعاد صياغته من جديد ووضعه في صورته العربيَّة الإيطاليَّة الأسبانيَّة الأندلسيَّة الحالية. وهذا الرأي يأخذ به مترجم الكتاب إلي العربيَّة والذي يقول " بيد أنَّ هناك إنجيلاً يُسَمَّي الأغنسطسي" أي الغنوسي" طُمِسَت رسومه وعفت آثاره يبتدئ بمقدِّمة تندِّد بالقدِّيس بولس وينتهي بخاتمة فيها مثل ذلك التنديد، ويذكر أنَّ ولادة المسيح أتت بغير ألمٍ، ولما كان كلّ ذلك في إنجيل برنابا، فمن المحتمل أنْ يكون ذلك الإنجيل الأغنسطسي أبَا لإنجيل برنابا هذا، وأنَّ أحد معتنقي الإسلام من اليهود أو النصاري عثر علي نسخة منه في اليونانيَّة أو اللاتينيَّة في القرن الرابع عشر أو الخامس عشر، فصاغه في القالب الذي تراه فيه الآن، فخفي بذلك أصله ويضيف" أنَّ هذا الإنجيل لم يكن لابسًا حينئذ هذا الثوب القشيب الذي يرفل فيه الآن ".
وكذلك الأستاذ عباس محمود العقاد الذي يقول أيضا أنه لا يمكن أن يكون هذا الكتاب الحالي هو نفس كتاب القرون الأولي " الواضح لدينا أنَّ الإنجيل المترجم إلي الإنجليزية قد أُضيفت إليه زيادات غير قليلة، وقد لوحظ في كثيرٍ من عباراته أنَّها كُتبت بصيغة لم تكنْ معروفة قبل شيوع اللغة العربيَّة في الأندلس،

ــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
- 45 -
وأنَّ وصف الجحيم يستند فيه إلي معلومات متأخِّرة لم تكنْ شائعة بين اليهود والمسيحيِّين في عصر الميلاد " ويُضيف أنَّه " لم يشتملْ علي ما جاء في نسخة الإنجيل المترجم إلي الإنجليزيَّة والعربيَّة " (23) .
والحقيقة المؤكَّدة من كلِّ ذلك أنَّ هذا الإنجيل المزيَّف لم يكنْ له أيّ وجود قبل العصور الوسطي وبالتحديد قبل القرن نهاية القرن الخامس عشر علي الأقلِّ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ
(23) جريدة الأخبار الصادرة في 26/10/1959م .
ــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
- 46 -
الفصل الرابع

من هو القديس برنابا ؟

للقدِّيس برنابا مكانة كبيرة في المسيحيَّة بإعتباره واحدٌ من آباء الكنيسة الأوَّلين الذين نشروا المسيحيَّة في بلادٍ كثيرةٍ منها فلسطين وسوريا وقبرص. ويُحدِّثنا التاريخ المسيحيّ عنه بكلِّ إجلالٍ وتقديرٍ.
1- القدِّيس برنابا ومكانته في العهد الجديد:
يذكر الوحي الإلهيّ أنَّ اسمه الأصليّ " يوسف " ولقبه " برنابا " وكلاهما، الاسم واللقب، لم يُذكرا في الأناجيل الأربعة، ولم يكنْ واحدًا من تلاميذ المسيح الإثني عشر (1) الذين اختارهم الربّ يسوع المسيح ليتدربُّوا علي يديه ويتعلَّموا منه ويستلموا عنه كلمة اللَّه، الإنجيل، استعدادًا للكرازة العالميَّة بعد صعوده إلي السماء.
• أولاً : برنابا وعلاقته بالرسل : وأوَّل ذِكْرٌ عنه، جاء في سفر أعمال الرسل هكذا " وَيُوسُفُ الَّذِي دُعِيَ مِنَ الرُّسُلِ بَرْنَابَا الَّذِي يُتَرْجَمُ ابْنَ الْوَعْظِ وَهُوَ لاَوِيٌّ قُبْرُسِيُّ الْجِنْسِ إِذْ كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ وَأَتَى بِالدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ. " ( أع4/36-37 ) .
وهذا النصّ الإلهيّ يُبَيِّن لنا أنَّ إسمه الأصليّ " يوسف " وأنَّ التلاميذ أعطوه لقب " برنابا " ومعناه اِبن الوعظ أو اِبن التعزية (2) ، اعترافًا منهم ببراعته في الوعظ وامتلائه من الروح القدس ( أع11/23-24 )، وقد اِقتدي الرسل في ذلك بمعلِّمهم، الربّ يسوع المسيح، الذي أعطي يعقوب ويوحنا اِبني زبدي لقب " بوانرجس " أي اِبني الرعد ( مر3/17 ).
كما يُبَيِّن لنا أصله اللاويّ، فهو لاويّ، من السبط الذي يخرج منه الكهنة والكهنوت، وجنسيَّته القبرصيَّة، فقد ولد وتربَّي وعاش في قبرص التي يُخبرنا التاريخ أنَّ كثيرًا من اليهود كانوا يعيشون بها (3) ، ويُخبرنا سفر الأعمال أيضًا، أنَّه يُوجد في سلاميس وحدها العديد من المجامع اليهوديَّة ( أع13/15 ) (4) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــ
(1) أنظر مت2:10-4؛مر14:3؛لو13:6-16 .
(2) برنابا حرفيا " ابن النبوة " أي نبي كما دعي في أع 1:18 والترجمة اليونانية للاسم : ايوس براكليسيوس Uios paraklisews ابن التعزية .
(3) Josephus Ant. 13, 4.
(4) وتعبير مجمع مترجم عن ( Synagogues ) اليونانية .

ــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
- 47 -
وقد باع حقله ووضع ثمنه عند أقدام الرسل ، وهذا يدلّ علي أنَّه لم يكنْ من دائرة التلاميذ الإثني عشر، بلّ كان خاضعًا لهم، يعطوه، هم، لقب " برنابا "، ويضع هو ثمن الحقل عند أقدامهم.
• ثانيا : علاقاته بشاول الطرسوسي" بولس الرسول ": كان القدِّيس برنابا صاحب الفضل في تقديم القدِّيس بولس الرسول (شاول الطرسوسيّ) إلي الرُسل في أورشليم، إذ أنَّه لمَّا اهتدي شاول إلي المسيحيَّة حاول اليهود أنْ يقتلوه وهو في دمشق فهرَّبه التلاميذ هناك ليلاً ( أع9/23-25 )، " وَلَمَّا جَاءَ شَاوُلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَاوَلَ أَنْ يَلْتَصِقَ بِالتَّلاَمِيذِ وَكَانَ الْجَمِيعُ يَخَافُونَهُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّهُ تِلْمِيذٌ. فَأَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى الرُّسُلِ وَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَبْصَرَ الرَّبَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ وَكَيْفَ جَاهَرَ فِي دِمَشْقَ بِاسْمِ يَسُوعَ. فَكَانَ مَعَهُمْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُجَاهِرُ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ ." ( أع9/26-28 ) .
ثمَّ أنَّه لمَّا آمن عددٌ كبيرٌ في إنطاكية بالربِّ يسوع، من اليهود الأمميِّين، أرسل الرُسل إليهم من أورشليم برنابا " فَأَرْسَلُوا بَرْنَابَا لِكَيْ يَجْتَازَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. الَّذِي لَمَّا أَتَى وَرَأَى نِعْمَةَ اللهِ فَرِحَ وَوَعَظَ الْجَمِيعَ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الرَّبِّ بِعَزْمِ الْقَلْبِ لأَنَّهُ كَانَ رَجُلاً صَالِحاً وَمُمْتَلِئاً مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالإِيمَانِ. فَانْضَمَّ إِلَى الرَّبِّ جَمْعٌ غَفِيرٌ. ثُمَّ خَرَجَ بَرْنَابَا إِلَى طَرْسُوسَ لِيَطْلُبَ شَاوُلَ. وَلَمَّا وَجَدَهُ جَاءَ بِهِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. فَحَدَثَ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي الْكَنِيسَةِ سَنَةً كَامِلَةً وَعَلَّمَا جَمْعاً غَفِيراً. وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلاً. " ( أع11/22-26 ) .
ويقول عنه الكتاب بالروح أنَّه كان " رَجُلاً صَالِحاً وَمُمْتَلِئاً مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالإِيمَانِ. ". لقد وعظ وعلَّم الكثيرين ثمَّ أتي " شاول " من طرسوس (5) ليشاركه هذا العمل المبارك، وكان لكليهما (برنابا وشاول) الفضل في أنْ يُدْعَي المؤمنون بالمسيح " مسيحيِّين " نسبة لسيِّدهم، حتَّي أنَّ الاسم إلتصق بالمسيحيِّين من ذلك التاريخ وإلي الأبد، بعد أنْ كان اليهود يدعونهم بـ " شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ "( أع24/5 ) .
ولمَّا حدثت المجاعة في المسكونة " فَحَتَمَ التَّلاَمِيذُ (الإنطاكيُّون) حَسْبَمَا تَيَسَّرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يُرْسِلَ كُلُّ وَاحِدٍ شَيْئاً خِدْمَةً إِلَى الإِخْوَةِ السَّاكِنِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ مُرْسِلِينَ إِلَى الْمَشَايِخِ بِيَدِ بَرْنَابَا وَشَاوُلَ . " ( أع11/29-30 ). اختار التلاميذ الإنطاكيُّون، لتلك المهمَّة، برنابا وشاول ليجمعا المساعدات للإخوة في الكنيسة الأمّ في اليهوديَّة. وكان ذلك هو المثال الأوَّل الذي اِتبعت الكنيسة بعد ذلك مثاله (6) .
وبعد خروج القدِّيس بطرس من السجن وموت هيرودس " وَرَجَعَ بَرْنَابَا وَشَاوُلُ مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْدَ مَا كَمَّلاَ الْخِدْمَةَ وَأَخَذَا مَعَهُمَا يُوحَنَّا الْمُلَقَّبَ مَرْقُسَ. " ( أع12/25 ) اِأبن أخت برنابا ( كو4/10 )، وذهبوا إلي إنطاكية، ثمَّ بدأت الرحلة التبشريَّة الأولي للثلاثة " برنابا وبولس ويوحنَّا الملَّقب مرقس ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
(5) يرى بعض المفسرين أن ذلك تم في ربيع سنة 43م ، أي بعد الصلب بحوالي عشر سنوات ، وكانت المسافة إلى ميناء طرسوس من سلوقيا حوالي 12 ساعة إبحاراً ، أو حوالي ثمانين ميل براً .
(6) أنظر رو25:15-27؛1كو1:16 .
ــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
- 48 -
• ثالثا : رحلة برنابا وبولس الكرازيَّة العالميَّة الأولي وانسحاب مرقس: دُعي برنابا في إنطاكية بين الأنبياء والمعلِّمين ( أع13/1 )، ثمَّ اختاره الروح القدس مع شاول، بولس الرسول، للعمل المسكوني " قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ» ." ( أع13/2 )، فذهبا إلي قبرص وأخذا معهما يوحنَّا الملَّقب مرقس - ابن أخت برنابا ( كو4/10 )، وفي برجة بمفيلية فارقهما (مرقس) ورجع إلي أورشليم ( أع13/13 ) .
كان القدِّيس مرقس " وَكَانَ مَعَهُمَا يُوحَنَّا خَادِماً ." (أع13/5)، كما كان يشوع بن نون مع موسي ( عدد11/28؛ يش1/1 ) وإليشع النبيّ مع إيليَّا النبيّ ( 2مل3/2 )، ولكنَّه لم يحتملْ الرحلة، لصغر سنِّه، ولشدَّة وقوَّة مقاومة الأمم للرسالة وصعوبة العمل بينهم وشدَّة الاضطهاد، فعاد إلي أورشليم إلي حيث منزل أمِّه " مَرْيَمَ أُمِّ يُوحَنَّا الْمُلَقَّبِ مَرْقُسَ " ( أع12/12 )، والذي كان مقرًّا للكنيسة الأولي في أورشليم.
واستمرَّ برنابا وبولس في كرازتهما وكان الربّ يضمّ الكثيرين علي أيديهما حتَّي أنَّ الكتاب يقول " وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِوَانْتَشَرَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ فِي كُلِّ الْكُورَةِ ." ( أع13/48-49 )، إلي أنْ طردهما اليهود من تخومهم (في إنطاكية بيسيدية) وأتيَا إلي أيقونيَّة ( أع13/51 ). وظلا يعملان في قبرص والربّ يُنْجِح عمله علي أيديهما.
• رابعا : برنابا وقضية الختان: أثار بعض المتنصِّرين من اليهوديَّة قضيَّة الختان وجعلوا يُعَلِّمون الإخوة أنَّه إنْ لم تختتنوا حسب عادة موسي لا يمكنكم أنْ تخلصوا، فقاومهم القدِّيسان بولس وبرنابا وتنازعا معهم، يقول الكتاب بالروح " وَانْحَدَرَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ الإِخْوَةَ أَنَّهُ «إِنْ لَمْ تَخْتَتِنُوا حَسَبَ عَادَةِ مُوسَى لاَ يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَخْلُصُوا». فَلَمَّا حَصَلَ لِبُولُسَ وَبَرْنَابَا مُنَازَعَةٌ وَمُبَاحَثَةٌ لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ مَعَهُمْ (أي مع المنادين بالختان) رَتَّبُوا أَنْ يَصْعَدَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَأُنَاسٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى الرُّسُلِ وَالْمَشَايِخِ إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. " ( أع15/1-2 ). وأيَّد مجمع الرسل في أورشليم موقف برنابا بولس وأرسلوا معهما رجلَين من المتقدِّمين في الإيمان برسالة تبيِّن صحَّة موقفهما من جهة رفض الختان كأساس للخلاص، ووصف مجمع الرسل برنابا وبولس في الرسالة بالقول " حَبِيبَيْنَا بَرْنَابَا وَبُولُسَ. رَجُلَيْنِ قَدْ بَذَلاَ نَفْسَيْهِمَا لأَجْلِ اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ " ( أع15/25-26 ).
وقد إستغلَّ البعض هذه الحادثة وزعموا وجود خلاف في العقيدة بين بولس وبرنابا !! وتجاهلوا الحقيقة التي تؤكِّد أنَّ المشاجرة حدثت بين اليهود المطالبين بوجوب الختان من جهة وبين بولس وبرنابا، معًا، من جهةٍ أخري. لقد طالب بعض المتنصِّرين من اليهود بأنْ يختتن كلّ أمميّ يدخل إلي حظيرة المسيح. فكان برنابا مع بولس، هما، أوَّل من قاوم هؤلاء القوم، وحصلت " مُنَازَعَةٌ وَمُبَاحَثَةٌ لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ مَعَهُمْ " أي مع هؤلاء اليهود الذين قاومهم بولس وبرنابا معاً.

ــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
- 49 -
• خامسًا: انفصال بولس وبرنابا: يذكر سفر أعمال الرسل حدوث مشاجرة بين القدِّيسين بولس وبرنابا بسبب القدِّيس مرقس عندما كانا " أَنْطَاكِيَةَ يُعَلِّمَانِ وَيُبَشِّرَانِ مَعَ آخَرِينَ كَثِيرِينَ أَيْضاً بِكَلِمَةِ الرَّبِّ. " ( أع15/35 ). فقال بولس لبرنابا " لِنَرْجِعْ وَنَفْتَقِدْ إِخْوَتَنَا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ نَادَيْنَا فِيهَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ كَيْفَ هُمْ». فَأَشَارَ بَرْنَابَا أَنْ يَأْخُذَا مَعَهُمَا أَيْضاً يُوحَنَّا الَّذِي يُدْعَى مَرْقُسَ وَأَمَّا بُولُسُ فَكَانَ يَسْتَحْسِنُ أَنَّ الَّذِي فَارَقَهُمَا مِنْ بَمْفِيلِيَّةَ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمَا لِلْعَمَلِ لاَ يَأْخُذَانِهِ مَعَهُمَا. فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ (7) حَتَّى فَارَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ ."( أع15/36-39 ). فسافر برنابا ومرقس إلي قبرص، وأخذ بولس معه سيلا واجتاز في سوريا وكيليكية ( أع15/40 ).
وقد إستغلَّ البعض هذا الحدث بصورةٍ غير صحيحةٍ وزعموا أنَّ المشاجرة حدثت بسبب خلافات في العقيدة !! وهذا عكس ما جاء في الكتاب المقدس الذي يقول بالروح أنَّ سبب الخلاف والمشاجرة هو إصرار القدِّيس برنابا علي اصطحاب مرقس، اِبن أخته، معهما في الرحلة ورفض القدِّيس بولس لذلك بسبب مفارقته لهما من بمفيليَّة. ولم يكنْ هذا الخلاف بسبب الدعوة أو العقيدة، كلا، فقد كانت دعوتهما واحدة وظلَّت عقيدتهما واحدة إلي اليوم الذي اِستشهد فيه كلٍّ منهما. وهذا ما يذكره الوحي الإلهيّ ويشهد به تاريخ المسيحيَّة في كلِّ العصور.
• سادسًا: برنابا في رسائل بولس الرسول: ذهب كلٍّ من القدِّيسَين برنابا وبولس في كرازتهما المسيحيَّة الواحدة في الهدف والدعوة والعقيدة، وظلَّ كلٍّ منهما يُكِنَ للآخر كلّ احترامٍ وتقديرٍ، وهذا ما نراه واضحًا في رسائل القدِّيس بولس التي يذكر القدِّيس برنابا لأهل كورنثوس بكلِّ تكريمٍ وحبٍّ كرسولٍ عاملٍ في الدعوة الإلهيَّة ( أع13/1؛غل2/9 ) مثله مثل بقيَّة تلاميذ ورسل المسيح " أَلَعَلَّنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ نَجُولَ بِأُخْتٍ زَوْجَةً كَبَاقِي الرُّسُلِ وَإِخْوَةِ الرَّبِّ وَصَفَا؟ أَمْ أَنَا وَبَرْنَابَا وَحْدَنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ لاَ نَشْتَغِلَ؟ "( 1كو9/5-6 ). كما يذكره لأهل غلاطية كرسول الأمم، معه " فَإِذْ عَلِمَ بِالنِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لِي يَعْقُوبُ وَصَفَا وَيُوحَنَّا، الْمُعْتَبَرُونَ أَنَّهُمْ أَعْمِدَةٌ، أَعْطَوْنِي وَبَرْنَابَا يَمِينَ الشَّرِكَةِ لِنَكُونَ نَحْنُ لِلأُمَمِ وَأَمَّا هُمْ فَلِلْخِتَانِ . "( غل2/9 ).
وعندما يذكر القدِّيس مرقس لأهل كولوسي يذكره علي أنَّه " ابْنُ اخْتِ بَرْنَابَا " ( كو4/10 ). ومعني هذا أنَّ رسوليَّة وشهرة القدِّيس برنابا وحبّ الكنائس له كانا سند مرقس في خدمته، بل وكانت قرابته لبرنابا أحد مسوِّغات قبوله لدي أهل كولوسي. هذا الكلام يقوله القديس بولس بعد حادث انفصالهما بعشر سنوات مما يدلّ علي احترام وتقدير الكنيسة كلها، في كلّ مكان، للقديس برنابا الذي استشهد علي اسم المسيح سنة 61م.
• سابعًا: صفات القديس برنابا: تقول دائرة المعارف الكتابيَّة " لاشكّ في أنَّ برنابا يُعَدّ أحد الرجال العظام في الكنيسة الأولي، فقد كان نِدًّا للرسول بولس ورفيقًا له في الخدمة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
(7) الكلمة اليونانية المستخدمة هنا " مشاجرة " هي باركسيسموس Paraxysmos وقد وردت في العهد الجديد مرتين، مرة في عبرانيين 24:10 للتحريض على المحبة وهنا بمعنى عام .
ــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
- 50 -
وإن كانت مواهب بولس الفذَّة قد غطَّت علي عظمة برنابا. لقد كان برنابا رجلاً لطيف المعشر، سموح النفس، ذا شهامةٍ، وصاحب بصيرةٍ نفاذةٍ استطاعت أنْ تستشف الإِمكانات الروحيَّة العظيمة التي عند الآخرين، كما فعل مع شاول ( أع11/25 ). لم يكنْ به شيء من ضيقِ الفكر وسوءِ الظنِّ أو الأنانيَّة، بل كان متسع الفكر ورحب القلب. مما أهَّله لأنْ يكون قادرًا علي تشجيع الآخرين الذين كاد يصيبهم الإِحباط. كما كان أنيسًا للمنفردين ومعينًا للمُعْوَزِين. وما قد يراه البعض فيه من ضعف، إنِّما جاء من عواطفه الرقيقة واستعداده لحسن الظنِّ بالآخرين وتوقُّع الخير منهم" (8) .
2 - القدِّيس برنابا في تاريخ الكنيسة:
كان القدِّيس برنابا تابعًا للرسل ويقول البعض أنَّه آمن بالربِّ يسوع المسيح بعد قيامته من الأموات، ولكن هناك تقليد يقول أنَّه كان أحد السبعين رسولاً الذين عيَّنهم الربُّ يسوع المسيح وأرسلهم اِثنين اِثنين أمامه إلي كلِّ مدينة أو موضع يذهب إليه (لو10/1-2)، وهؤلاء لم تذكر الأناجيل أسماءهم. وكان أوَّل من ذكر القدِّيس برنابا ضمن الرسل السبعين هو إكليمندس الإسكندري (153-217م) (9) ، ثم نقل عنه ذلك يوسابيوس القيصري المؤرخ الكنسي المعروف (10) . ويُذكر في العظات المنسوبة لإكليمندس الرومانيّ كرسولٍ نشط في الإسكندرية وروما، كما يَذكر تقليد قديم أنَّه بشَّر في ميلانو (11) . أمَّا مركز كرازته فكان، إلي جانب أنطاكية، قبرص التي بشَّر فيها ورسم لها قسوسًا وشمامسة.
ويقول تاريخ الكنيسة أنَّه اعتُقل في سلاميس وضُرب ضربصا مبرحًا ثم رُجم بالحجارة حتَّي مات ثمَّ أشعلوا النار في جسده فتقدَّم القديس مرقس ولفَّ جسده بلفائف ووضعه في مغارةٍ بجوار مدينة سلاميس سنة61م في السنة السابعة لحكم نيرون (54 – 68م).
3- الكتب المنسوبة للقديس برنابا:
هناك بعض الكتب التي تتحدَّث عن القدِّيس برنابا كما ينسب إليه البعض " الرسالة إلي العبرانيِّين " (12) . ومن أهمِّ ما يُنسب إليه وما يتكلَّم عنه ما يلي:
(1) رسالة برنابا : وترجع لأواخر القرن الأوَّل، وقد نسبها للقديس برنابا بعض الآباء مثل إكليمندس الإسكندري (13) والعلامة أوريجانوس (14) ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
(8) دائرة المعارف الكتابية ج 2 : 142 – 144 .
(9) Storm 2. 20 Hypotyposis 7.
(10) أنظر ك2 ف 1: 4.
(11) Post Nicene. F. vol. 1 p. 98.
(1 2 ) ينسب العلامة ترتليان (154-220م) ، أنظر On Modesty ، ويشايعه في ذلك بعض المعاصرين ، الرسالة للعبرانيين للقديس برنابا . أنظر أيضا The Int .Stand. Bible Dictionary . والثابت أنها للقديس بولس .
(13) ويقتبس منها أكليمندس أكثر من مرة ، أنظر Strom 2:6 , 15, 18. 20
(14) Against Tacetaus b. 1, 63.
ــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى

‏- 51 -‏
عليه وأُنْزِلَ من علي الصليب حّيًا ( أنظر كتاب " صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء " أحمد ديدات ترجمة عـلي الجوهري )!! ‏
(8) بل وقال الأمير شكيب أرسلان في كتابه " حاضر العالم ": " قال درنغم ( أحد ‏المستشرقين ): فقول القرآن ( وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) يذكّرنا بأقوال العهد الجديد 000 إننا ‏لو فرضنا وجوب أخذ هذه الآية علي ظاهرها فلا مانع من ذلك حسب عقيدة ‏الكنيسة نفسها، لأنَّ آباء الكنيسة ما زالوا يقولون، إنَّه ليس ابن الله هو الذي صلبه ‏اليهود، وأماتوه علي الصليب، وإنما الطبيعة البشرية في المسيح. وهكذا لا يكون ‏اليهود قتلوا كلمة الله الأبديّة، ولكن يكونون قتلوا الرجل الذي يشبهها، واللحم ‏والدم المتجسّدين في بطن مريم ".‏
‏ " وقال ( المستشرق ) : فلا يكون القرآن فيما قاله بشأن الصلب إلا مؤيدًا عقيدة ‏الكنيسة الكبري، وهي أنَّ في المسيح طبيعتين: إلهيّة وبشريّة، وأنَّ القتل وقع ‏علي الطبيعة البشريّة فقط 00 " . وقال الأمير أرسلان معلقًا " ولا نريد أنْ نفرغ من ‏هذه المسألة بدون أنْ نُعلّق علي بعض الملاحظات علي ما قاله درنغم فيها. فأمّا ‏ذهابه أنّ مراد القرآن بالآية الكريمة : ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) إنما ‏هو وقوع القتل علي الجسد فقط، وأنَّ الله بعد ذلك رفعه إليه، (فأن له وجها ‏وجيهاً) لا سيما وأنَّ آية أخرى : " { إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ } تعزز هذا الرأي "( كتاب " مقدمة في نشأة الكتابات الدفاعية بين الإسلام والمسيحية " حسني يوسف الأطير: ص 25- 28). ‏
(9) وقال الإمام محسن فاني في كتابه الدابستاني في القرن التاسع للهجرة " أنه ‏عندما قبض اليهود علي عيسي، بصقوا علي وجهه المبارك ولطموه ثم أنَّ بيلاطس ‏حاكم اليهود جلده حتى أنَّ جسمه من رأسه إليى قدمه صار واحدًا 000 ولما رأي ‏بيلاطس من إصرار اليهود علي صلب عيسي وقتله قال " أني بريء من دم هذا ‏

ــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
‏- 52 -‏
الرجل وأغسل يدي من دمه " ، " فوضعوا الصليب على كتف عيسى وساقوه ‏للصلب "(عن كتاب " إنجيل برنابا في ضوء العقل والدين " لعوض سمعان ص 110). ‏
‏(10) وقال الكاتب الإسلامي المعروف خالد محمد خالد، بعد أنْ تكلّم في فصل ‏كامل عن محاكمات المسيح: " لقد كان الصليب الكبير الذي أعدّه المجرمون ‏للمسيح يتراءى له دومًا " . " المسيح قد حمل الصليب من أجل السلام " ." الصليب ‏الذي حمله المسيح سيف أراد اليهود أنْ يقضوا علي ابن الإنسان ورائد الحق " . ‏
‏ ثم قال " وأريد للمسيح أنْ تنتهي حياته الطاهرة علي صورة تشبه الأحقاد الملتوية‏، الملتاثة. لخراف إسرائيل الضالة "( كتاب " معًا علي الطريق محمد والمسيح " ص 34 و 181).‏
(11) ونقل الكاتب محمود أبو ريه فقرات كاملة من الإنجيل بأوجهه الأربعة خاصة ‏بكلام المسيح قبل صلبه مباشرة وكلام المسيح وهو معلق على الصليب وعند قيامته ‏‏. وذلك كحقيقة تاريخية( كتابه " محمد والمسيح أخوان " ص 46).‏
(12) ويرى د. محمد أحمد خلف الله (في كتابه الفن القصصي في القرآن الكريم) ‏أنّ القصة القرآنيّة لم يُقصد بها التاريخ، ولكن العظة والاعتبار ولذلك يُهمل الزمان ‏والمكان، وهي تمثّل الصور الذهنيّة للعقليّة العربيّة في ذلك الوقت ولا يلزم أنْ ‏يكون هذا هو الحق والواقع ومن حقنا أنْ نبحث وندقّق. وهذا هو ما كتبه بالنص:‏
‏+ " يدلنا الاستقراء علي أنَّ ظواهر كثيرة من ظاهرات الحريّة الفنيّة توجد في ‏القرآن الكريم، ونستطيع أنْ نعرض عليك منها في هذا الموقف ما يلي:‏
‏1 - إهمال القرآن حين يقصّ لمقومات التاريخ من زمان ومكان 000 " . ‏
‏2 - اختياره لبعض الأحداث دون البعض، فلم يعنِ القرآن بتصوير الأحداث
ــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
‏- 53 -‏
الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويرًا تامًا كاملاً ، وإنما كان يكتفي ‏باختيار ما يساعده علي الوصول إلي أغراضه.‏
‏3 - كما لا يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث وتصويرها وإنما ‏كان يخالف هذا الترتيب ويتجاوزه . ‏
‏4 - إسناده بعض الأحداث لأناس بأعينهم في موطن ثم إسناده نفس الأحداث لغير ‏الأشخاص في موطن آخر .‏
‏5 - إنطاقه الشخص الواحد في الموقف الواحد عبارات مختلفة حين يكرّر القصة .‏
‏6 - وجود مواقف جديدة لم تحدث في سياق القصة التي تصور أحداثًا وقعت ‏انتهت . " القرآن يجري في فنه البياني علي أساس ما كانت تعتقد العرب وتتخيّل، ‏لا علي ما هو الحقيقة العقليّة ولا علي ما هو الواقع العمليّ " .‏
‏ " إنَّ المعاني التاريخية ليست مما بُلّغَ علي أنَّه دين يُتّبَع، وليست من مقاصد ‏القرآن في شئ، ومن هنا أهمل القرآن مقوّمات التاريخ من زمان ومكان وترتيب ‏للأحداث 00 إنَّ قصد القرآن من هذه المعاني إنما هو العظة والعبرة أي في ‏الخروج بها من الدائرة التاريخيّة إلى الدائرة الدينيّة. ومعني ذلك أنَّ المعاني ‏التاريخيّة من حيث هي معانٍ تاريخيّة لا تُعْتَبَر جزءًا من الدين أو عنصرًا من ‏عناصره المكوّنة له. ومعني هذا أيضًا أنَّ قيمتها التاريخيّة ليست مما حماه القرآن ‏الكريم ما دام لم يقصده.‏
‏ " إنَّ ما بالقصص القرآني من مسائل تاريخيّة ليست إلا الصور الذهبيّة لما يعرفه ‏المعاصرون للنبي من التاريخ، وما يعرفه هؤلاء لا يَلْزَم أنْ يكون الحق والواقع، ‏كما لا يُلْزِم القرآن أنْ يُصَحّح هذه المسائل أو يردّها إلي الحق والواقع، لأنَّ القرآن ‏الكريم، كان يجئ في بيانه المعجز علي ما يعتقد العرب، وتعتقد البيئة ويعتقد ‏المخاطبون. ويضيف الكاتب أيضًا :‏
ــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى

‏- 54 -‏
" إنّ القرآن الكريم لا يطلب الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخيّة. ومن ‏هنا يُصْبِح من حقّنا أو من حقّ القرآن علينا أنْ نُفْسِح المجال أمام العقل البشريّ ‏ليبحث ويدقّق، وليس عليه بأس في أنْ ينتهي من هذه البحوث إلي ما يُخَالِف هذه ‏المسائل، ولن تكون مخالفة لما أراده الله أو لما قصد إليه القرآن لأنَّ الله لم يردْ ‏تعليمنا التاريخ، ولأنَّ القصص القرآنيّ لم يقصدْ إلا الموعظة والعبرة وما شابههما ‏من مقاصد وأغراض. ونوجز ما سبق فيما يلي: ‏
1 - القصة القرآنية ، قصة لا تتوافر فيها مقومات التاريخ، ولم يكنْ هدفها التاريخ ‏بل العظة والاعتبار. وهي ما يعرفه المعاصرون للنبيّ من تاريخ، ولا يلزم أنْ ‏يكون هذا هو الحق والواقع.‏
2 - هناك أقوال جاءت علي لسان بعض الأشخاص، لم ينطقوا بها بل القرآن ‏أنطقها علي لسانهم.‏
3 - القرآن لا يطلب منا الإيمان برأي معين في هذه المسائل التاريخيّة ومن حقّنا ‏أو من حقّ القرآن علينا أنْ نبحث ونفتّش لمعرفة الحدث التاريخيّ كما وقع ‏ومخالفتنا للقصة القرآنيّة لا يمسْ القرآن.‏
‏ وإذا طبّقنا هذه المبادئ علي حادثة صلب المسيح نري:‏
+ أنَّ اليهود لم يقولوا أنَّ المسيح هو رسول الله، وإن القول " وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ " ‏هو ما يعرفه بعض المعاصرين.‏
+ إنّ القرآن لا يطلب منّا الإيمان بعدم قتل وصلب المسيح. إذا رأينا من الكتب ‏المقدّسة أو من التاريخ ما يُؤكّد حقيقة صلب وموت المسيح، فالواجب علينا أو من ‏حق القرآن علينا أنْ نُؤمن بذلك، ولهذا فالمسيح قد صُلِبَ ومات علي الصليب.‏
‏ " إن القرآن لم يقصد إلي التاريخ من حيث هو تاريخ إلا في النادر الذي لا حكم ‏له، وأنَّه علي العكس من ذلك عمد إلي إبهام مقومات التاريخ من زمان ومكان " . ‏

ــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
‏- 55 -‏
‏ " إنَّ وصف عيسي بأنَّه رسول الله في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في ‏قوله تعالي: { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ }، لا يمكن أنْ يُفهم ‏علي أنَّه قد صدر حقًا من اليهود، فهم لم ينطقوا بهذا الوصف وإنما القرآن هو الذي ‏أنطقهم به، ذلك لأنَّ وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنَّه رسول الله وهم لم يسلّموا ‏بهذا، ولو سلّموا بهذا لأصبحوا مسيحيّين، ولما كان بينهم وبينه أي لون من ألوان ‏العداء، ولما كان قُتل وصُلب. إنَّ اليهود إنما يتهمون عيسي بالكذب، ويُنكرون ‏عليه أنَّه رسول الله، ويذكرونه بالشرّ، ويقولون إنَّه ابن زنا وأنَّ أمه زانية. يقول ‏اليهود كلّ هذا وأكثر منه، ومن هنا لم يستطعْ العقل الإسلاميّ أنْ يُسَلّم بأنَّ وصف ‏عيسي بأنّضه رسول الله قد صدر حقًا من اليهود" .‏
‏ " مصادر القصص القرآني في الغالب هي العقليّة العربيّة، فالقرآن لم يبعدْ عنها ‏إلا القليل النادر، ومن هنا جاءت فكرة الأقدمين القائلة: إن القرآن ليس إلا ‏أساطير الأولين ، وذلك لأنهم نظروا فوجدوا الشخصيات القصصية والأحداث ‏القصصية مما يعرفون "(" الفن القصصي في القرآن " محمد أحمد خلف الله مع شرح وتعليق خليل عبد الكريم، وكتاب " قبر المسيح في كشمير " د. صموئيل فريز 151-152 ). ‏
(13) الأستاذ على الجوهري : والذي ترجم عددًا من كتب السيد أحمد ديدات ‏والتعليق عليها، وكان رأيه في قضية موت المسيح، كما بينّا في الفصل السابق، ‏هو كالآتي : " إذا لم يكن معني قوله سبحانه وتعالي : ولكن شبه لهم هو إلقاء شبه ‏المسيح علي شخص آخر غيره، فما هو معناها؟ هل لها معني آخر؟، وما هو هذا ‏المعني الأخير؟ ثم يركّز بعد ذلك علي القول بعدم موت المسيح علي الصليب ‏وإنزاله من علي الصليب حيًا، مغمي عليه( أنظر تعليقه علي كتاب " أخطر مناظرات العصر، هل مات المسيح علي الصليب")!!!‏
‏ وقد تصوّر بذلك أنَّه حلّ مشكلتين الأولي عدم تاريخيّة ومعقوليّة ومنطقيّة إلقاء ‏شبه المسيح علي آخر ، والثانية هي إبطال عقيدة الفداء بدم المسيح.‏
ــــــــــــــــــــــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى

‏- 56 -‏
الفصل الرابع

أصل فكرة الشبه في صلب المسيح

في الفكر الغنوسي الوثني

1 - هل كان هناك مسيحيون عبر التاريخ القديم القريب من عهد ‏المسيح من‎ ‎أنكر صلب المسيح أم لا ؟‏
‏ والإجابة هي لا، ولكن كان هناك جماعة وثنيّة تُسمّى بالخياليّة وبالغنوسيّة ‏ويُسمّى أتباعها بالخياليّين والغنوسيّين ويُسمّى فكرها بالخياليّة أو الشبحيّة، قالت أنَّ ‏المسيح كان إلهًا فقط ولم يكن له جسد وطبيعة الإنسان، بل كأن شبحًا وخيالاً، ‏ظهر في هيئة وشبه ومنظر الإنسان ولم يكن له جسد فيزيائي من لحمٍ ودمٍ وعظامٍ ‏‏!! ولذا فقد كانت عمليّة صلبه مُجرّد مظهر وشبه، شُبّه للناظرين أنَّه يُصْلَب، ‏صُلِبَ مظهريًا ، بدا وكأنَّه يُصْلَب، عُلِّق علي الصليب وبدا للناظرين أنَّه يُصْلَب !! ‏ودُفِنَ في القبر ولكنه خرج ككائن من نور لأنَّه هو نور وروح محض !!! وعندما ‏خرج من القبر ككائن من نور كانت قدماه علي الأرض ورأسه تخترق السماء !!!!‏
‏ فما هي الغنوسية ، أو الخيالية ؟ ومن هم هؤلاء الغنوسيون ؟
‏(1) الغنوسية(†)هي حركة وثنيّة مسيحيّة ترجع جذورها إلي ما قبل المسيحيّة بعدة ‏قرون. وكان أتباعها يخلطون بين الفكر الإغريقي - الهيلينتسي - والمصري ‏القديم مع التقاليد الكلدانيّة والبابليّة والفارسيّة (خاصة الزردشتيّة التي أسّسها الحكيم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
(†) وتعني الغـنوسية – Geosticism " حب المعرفـة " ومنها " Genostic " – غـنوسي – محب المعرفة. من كلمة " Gnosis " اليونانية وتعني " المعرفـة " وهي عـبارة عن مدارس وشيع عـديدة تؤمن بمجموعات عـديدة من الآلهة. وكانت أفكارهم ثيوصوفية سرية. ولما ظهرت المسيحية خلط قادة هذه الجماعات بين أفكارهم، وبين بعض الأفكار المسيحية التي تتفق معهم!!

ــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى
‏- 57 -‏
الفارسي ذردشت (630-553 ق م) وكذلك اليهوديّة، خاصة فكر جماعة الأثينيّين ‏‏(الأتقياء) وما جاء في كتابهم " الحرب بين أبناء النور وأبناء الظلام "، والفلسفات ‏والأسرار والديانات الثيوصوفية(1). وذلك إلي جانب ما سُمّي بالأفلاطونيّة الحديثة، ‏التي كانت منتشرة في دول حوض البحر المتوسط في القرن الأوّل. بل ويرى ‏بعض العلماء أنَّ كلّ أصول الغنوسيّة موجودة عند أفلاطون(2) لذا يقول العلامة ‏ترتليان (نهاية القرن الثاني الميلادي) " أنا آسف من كل قلبي لأنَّ أفلاطون صار ‏منطلق كل الهراطقة "(3)
‏ وكانوا ينظرون للمادة علي أنَّها شر ّ! وآمنوا بمجموعة كبيرة من الآلهة، فقالوا ‏أنَّه في البدء كان الإله السامي غير المعروف وغير المدرك الذي هو روح مطلق، ‏ولم تكن هناك المادة، هذا الإله الصالح أخرج، إنبثق منه، أخرج من ذاته، عدد ‏من القوات الروحيّة ذات الأنظمة المختلفة التي أسموها بالأيونات (‏Aeons‏)، هذه ‏القوات المنبثقة من الإله السامي كان لها أنظمة مختلفة وأسماء مختلفة وتصنيفات ‏وأوصاف مختلفة(4). وتُكوّن هذه الأيونات مع الإله السامي البليروما (‏Pleroma‏)‏، أو الملء الكامل، دائرة الملء الإلهي. وأنَّ هذا الإله السامي الذي أخرج العالم ‏الروحي من ذاته لم يخلق شيء.‏
‏ ومن هذه الأيونات قام أحدهم ويدعى صوفيا (‏Sophia‏)، أي الحكمة الذي بثق، ‏أخرج، من ذاته كائنًا واعيًا هو الذي خلق المادة والعوالم الفيزيقية، وخلق كل ‏شيء علي صورته، هذا الكائن لم يُعرف شيء عن أصوله فتصوّر أنَّه الإله الوحيد ‏والمطلق، ثم إتّخذ الجوهر الإلهي الموجود وشكله في أشكال عديدة ، لذا يدعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ


(1) See Pre-Christian Gnosticism Edwin M. Yamac chi pp. 21-27 & The Secret Books of the Egy. Gmo. Jeams Doresse.


(2) A Commprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2000 Years History (From 33-200 AD.).


(3) Tertullian A Treatise on The Soul.


(4) A Commprehensive Study of Heretical Beliefs Spaning 2000 Years History (From 33-200 AD.).

ــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى

‏- 58 -‏
أيضًا بالديمورجس (‏Demiurgos‏)، أي نصف الخالق. فالخليقة مكوّنة من نصف ‏روحيّ لا يعرفه هذا الديمورجس، نصف الخالق ولا حكامه(5).
‏ ومن هنا فقد آمنوا أنَّ الإنسان مكوّن من عنصرين عنصر إلهي هو المنبثق من ‏الجوهر الإلهي للإله السامي يشيرون إليه رمزيًا بالشرارة الإلهيّة، وعنصر ماديّ ‏طبيعيّ فانيّ. ويقولون أنَّ البشريّة بصفة عامة تجهل الشرارة الإلهيّة التي بداخلها ‏بسبب الإله الخالق الشرير وارخوناته (حكامه). وعند الموت تتحرّر الشرارة ‏الإلهيّة بالمعرفة، ولكن إنْ لم يكن هناك عمل جوهريّ من المعرفة تندفع الروح، ‏أو هذه الشرارة الإلهيّة، عائدة في أجساد أخري داخل الآلام وعبوديّة العالم(6). ‏
‏ وأعتقد بعضهم بالثنائية (‏Dualism‏) الإلهيّة أي بوجود إلهَين متساويَين في القوة ‏في الكون؛ إله الخير، الذي خلق كل الكائنات الروحيّة السمائيّة، وإله الشرّ الذي ‏خلق العالم وكل الأشياء الماديّة !! وربطوا بين إله الشر وإله العهد القديم!! وقالوا ‏إنَّ المعركة بين الخير والشرّ هي معركة بين مملكة النور ضد مملكة الظلمة!!‏
‏ وأعتقد بعضهم أنَّ إله الخير خلق الروح وقد وضعها إله الشر في مستوي أدني ‏في سجن الجسد الماديّ الشرير. وهكذا فإنَّ هدف البشريّة هو الهروب من سجن ‏الجسد الماديّ الشرير والعودة إلي اللاهوت أو التوحّد مع إله الخير !!‏
‏ ولذا فقد نادوا بوجود مجموعة من التعاليم السريّة الخاصّة جدًا والتي زعموا أنَّ ‏المسيح قد كشفها وعلّمها لتلاميذه ربما لسوء فهمهم لآيات مثل " وَبِأَمْثَالٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ هَذِهِ كَانَ يُكَلِّمُهُمْ حَسْبَمَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا. وَبِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ. وَأَمَّا عَلَى انْفِرَادٍ فَكَانَ يُفَسِّرُ لِتَلاَمِيذِهِ كُلَّ شَيْءٍ. " (مر 4/33-34)، و " لَكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ وَلَكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الدَّهْرِ وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هَذَا الدَّهْرِ الَّذِينَ يُبْطَلُونَ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ



(5) The Gnostic World View: A Brief Summary of Gnosticism.



(6) The Gnostic World View: A Brief Summary of Gnosticism.


ــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى

‏- 59 -‏
بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرٍّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا " (1كو2/6-7)(7). ‏
‏ هذه التعاليم السريّة المزعومة كتبوها في كتب ونسبوها لرسل المسيح وتلاميذه ‏وبعضهم نسب لقادتهم وذلك اعتمادًا علي ما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا " وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ. " ‏‏(يو20/30-31) و " وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ." (يو21/25)(8). ‏
‏ يقول القديس إريناؤس أسقف ليون بالغال (فرنسا حاليًا) " أولئك الذين يتبعون ‏فالتنتينوس (ق 2م) يستخدمون الإنجيل للقديس يوحنا بوفرة لشرح أفكارهم التي ‏سنبرهن أنّها خاطئة كليّة بواسطة نفس الإنجيل "(9).‏
(2) كما سُمِّيَت هذه الهرطقة أيضًا بالدوسيتية (‏Docetism‏)، والتي تعني في ‏اليونانية "‏Doketai‏ "، من التعبير " ‏dokesis‏ " و " ‏dokeo‏ " والذي يعني " يبدو ‏‏" ، " يظهر " ، " يُري " ، وتعني الخيالية "‏phantomism ‎‏ ". فقد آمنوا أنَّ المسيح ‏كان مُجرّد خيال وشبح (‏phantom‏)، وأنَّه أحد الآلهة العلويّة وقد نزل علي ‏الأرض في جسد خياليّ وليس فيزيائيّ، ماديّ، حقيقيّ، إنَّه روح إلهيّ ليس له ‏لحم ولا دم ولا عظام، لأنَّه لم يكنْ من الممكن، من وجهة نظرهم، أنْ يتّخذ ‏جسدًا من المادة التي هي شرّ في نظرهم ! لذا قالوا أنَّه نزل في صورة وشبه إنسان ‏وهيئة بشر دون أنْ يكون كذلك، جاء في شكل إنسان دون أنْ يكون له مكوّنات ‏الإنسان من لحمٍ ودمٍ وعظامٍ، جاء في " شبه جسد " و " هيئة الإنسان "، وقالوا ‏أنَّه لم يكنْ يجوع أو يعطش أو ينام، ولم يكن في حاجة للأكل أو الشرب 000 إلخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



(7) Robert Jonse Heresiess & Schisms in Early Church.



(8) Ibid.



(9) Irenaeus against Heresies.


ــــــــــ
 

++menooo++

حياتى لأسمك يا من فديتنى
عضو مبارك
إنضم
30 ديسمبر 2005
المشاركات
4,085
مستوى التفاعل
26
النقاط
0
الإقامة
قلوب أعضاء المنتدى

‏- 60 -‏
‏وأنَّه كان يأكل ويشرب وينام متظاهرًا بذلك تحت هيئة بشريّة غير حقيقيّة. وشبّهوا ‏جسده بالنور أو شعاع الشمس، فإنَّ النور وشعاع الشمس يمكن لهما أنْ يخترقا ‏لوحًا من الزجاج دون أنْ يكسرا هذا اللوح " . كان مجرد خيال(10). ‏
‏ جاء في أحد كتبهم والذي يُسمّى بـ " أعمال يوحنا "(11)، أنَّ المسيح عندما كان ‏يسير علي الأرض لم يكنْ يترك أثرًا لأقدامه وعندما كان يوحنا يُحاول الإمساك به ‏كانت يده تخترق جسده بلا أي مقاومة حيث لم يكنْ له جسد حقيقيّ. وكانت ‏طبيعة جسده متغيّرة عند اللمس، فتارة يكون لينًا وأخري جامدًا ومرّة يكون ‏خاليًا تمامًا. كان بالنسبة لهم مُجرّد شبح وحياته علي الأرض خيال. وكان يظهر ‏بأشكال متعددة ويغيّر شكله كما يشاء وقتما يشاء !! أي كان روحًا إلهيًا وليس إنسانًا ‏فيزيقيًا (12). ‏
+ وقال بعضهم أنَّه إتّخذ جسدًا نفسيًا ‏Psychic‏ ، عقليًا ، وليس ماديُا. ‏
+ وقال بعض آخر أنَّه إتّخذ جسد نجميّ ‏Sidereal‏ .‏
+ وقال آخرون أنَّه إتّخذ جسدًا ولكنه لم يُولَد حقيقة من امرأة(13).‏
‏ وجميعهم لم يقبلوا فكرة أنَّه تألّم ومات حقيقة، بل قالوا أنَّه بدا وكأنَّه يتألّم وظهر ‏في الجلجثة كمجرّد رؤيا. وقد أشار إليهم القديس أغناطيوس الإنطاكي (35 - ‏‏107) تلميذ القديس بطرس الرسول وحذّر المؤمنين من أفكارهم الوثنيّة قائلا : " ‏إذا كان يسوع المسيح - كما زعم الملحدون الذين بلا إله - لم يتألّم إلاَّ في الظاهر‏، وهم أنفسهم ليسوا سوي خيالات (بلا وجود حقيقيّ) فلماذا أنا مكبّل بالحديد "(14)، ‏‏" وهو إنما إحتمل الآلام لأجلنا لكي ننال الخلاص، تألّم حقًا وقام حقًا، وآلامه لم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ


<B>تاريخ الفكر المسيحي د. القس حنا الخضري ج1: 206<FONT color=red><SPAN dir=ltr style="FONT-WEIGHT: bold; COLOR: red">(10) Irenaeus against Heresies.
 
أعلى