المهد والقبر في روايات الميلاد

إنضم
21 مارس 2008
المشاركات
7,802
مستوى التفاعل
772
النقاط
113
الإقامة
عائدٌ من القبر
المهد والقبر في روايات الميلاد

the-nativityl2.png
– مقدمة

تطرقنا إلى الأصول الليتورجيّة للإحتفال الكنسي بميلاد المسيح، ورأينا أن الوعي الكنسي للاحتفال بقصة الميلاد نشأ عن العلاقة الجوهريّة بين حدث الميلاد من جهة وتحقيق الخلاص الفصحي من جهة أخرى، هذه العلاقة مؤَسَسَة على رؤيّة كونيّة worldview للمجتمع المسيحي الأول عن علاقة الله بالخليقة والإنسان في الإطار التفسيري للكتاب المقدس، [1] كلمة الله الخلاصيّة (2تي3: 15) وإعلانه لشعبه (عب2: 1، 2). نجد هذه النظرة الفصحيّة متأصلة من بدايّة الحركة المسيحيّة المبكرة ويمكن تتبعها بسهولة في أقدم الكتابات المسيحيّة وهي نصوص العهد الجديد وخاصة في أكثرها غنى بالتفاصيل وهي روايات الميلاد في إنجيلي متّى ولوقا والتي تشمل أول أصحاحين من كل إنجيل.
الميلاد في العهد الجديد

عند بدايّة انطلاق الكرازة المسيحيّة، وقف بطرس يجاهر بإعلان دعوة المسيح للغفران وهبة الروح القدس أمام المجتمع اليهودي. ويظهر محور هذه العظة الكرازيّة في موت المسيح وقيامته التي أقر بطرس بشهادة التلاميذ لها.
هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّمًا بِمَشُورَةِ اللهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ. اَلَّذِي أَقَامَهُ اللهُ نَاقِضًا أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ… فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللهُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا شُهُودٌ لِذلِكَ. (أع2: 23-24، 32)
من هنا نجد أن أساس الكرازة المسيحيّة الأولى بشخص المسيح وهويته هو آلامه وموته على الصليب وقيامته الخلاصيّة، فلا يوجد ذكر لقصة ميلاد يسوع في بيت لحم أو شهاده عليها. [2] نجد أيضاً هذا الـتأكيد على البشارة بموت المسيح وقيامته في عظات سفر الأعمال (3: 14-15؛ 4: 10؛ 10: 39-40)، وأيضاً عند بولس الكاتب الأقدم كانت البشارة المُسلَّمة إليه:
فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ (1كو15: 3-4).
ذكر بولس حدث ميلاد المسيح باقتضاب شديد في رسائله، فقط يمكننا ذكر الإشارات إلى الميلاد في آيتين (غل4: 4؛ رو1: 3). في غلاطيّة مصطلح “مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ” هو مصطلح يشير إلى أنه “إنسان” كما هو متعارف عليه في الأدب اليهودي (أي14: 1؛ 15: 14؛ 25: 4) وفي مخطوطات قمران، [3] أنظر أيضاً (مت11: 11). وبالمثل عبارة “مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ” تعكس مسيانيّة يسوع بناءاً على التقليد العبراني الذي يرى المسيّا ابناً ملوكيّا لداود. فبحسب رؤيّة بولس، الذي لم ير أو يسمع يسوع أثناء خدمته، فإن البشارة هي بيسوع المسيح مصلوباً وقائماً من بين الأموات، والإعلان هو أنه ابن الله. [4]
يبدأ أقدم الأناجيل، إنجيل مرقس (كُتب حوالي 60م)، بعد الآية الأفتتاحيّة (1:1)، بلقاء يسوع النبوي مع يوحنا المعمدان وينتهي بحدث إعلان القبر فارغاً وقيامة “يسوع الناصري المصلوب” (وارتفاعه إلى السماء). لا يوجد في إنجيل مرقس رواية للميلاد أو عن بشارة مريم من قِبَل الملاك. وفي عظة بطرس في بيت كرنيليوس (أع10: 37-41) نجد نفس تسلسل محتوى الكرازة “مبتدئاً من الجليل. بعد المعموديّة التي كرز بها يوحنا” حتى “أقامه الله في اليوم الثالث” (انظر أيضاً شروط الرسوليّة في: أع1: 22). وهكذا، بالمثل، نجد إنجيل يوحنا، بعد مقدمته التسبيحيّة، يبدأ بشهادة يوحنا (المعمدان) عن يسوع وينتهي بظهورات الرب يسوع القائم من الأموات. لم يذكر يوحنا قصة الميلاد، بل أنه لم يحدد حتى لأم الرب يسوع اسمًاً (مريم).
هذا الغياب المبكر لقصة الميلاد بقدر ما هي تثير بعض الأسئلة، هي بالقدر الأكثر تعطينا منهجاً ورؤية في كيفيّة قراءة وفهم رسالة الإنجيل بحسب معناها هي، بل وقراءة روايات الميلاد نفسها في إنجيلي متّى ولوقا. وفي النهايّة، نرى أنه في البدايات الأوليّة جداً للكرازة (كما رأينا في بولس وسفر الأعمال) كانت القيامة هي مركز ثقل الكرازة المسيحيّة عن الإعلان الإلهي لشخص المسيح وهويته، ولم تكن قصة الميلاد تُرى على أنها بنفس البهاء الخلاصي لحقيقة الموت والقيامة. [5] فالله أقام يسوع من الأموات وقد ارتفع جالساً عن يمينه، مُعلناً أنه رب ومسيح (أع2: 36)، وقد تعين ابناً لله (رو1: 3-4).

[1] John Behr, ‘The Paschal Foundation of Christian Theology’, St Vladimir’s Theological Quarterly 45:2 (2001) 115-36.​

[2] دور المسيح كمعلم (كموسى الجديد الذي يعطي شعبه ناموساً جديداً؛ “ناموس المسيح” غل6: 2) أي تعاليمه الأخلاقيّة في الأناجيل، تأسست أيضاً، بدايةً، على صورة شخص المسيح المصلوب والقائم من الأموات، وسوف نأتي لهذه النقطة بالتفصيل في موضعها.

[3] Community Rule (1QS) 11.20–21; Thanksgiving Scroll (1QH) 13.14; 18.12–13, 16.
[4] Victor P. Furnish, Jesus According to Paul, (Cambridge University, 1993) 14-20.
[5] Raymond E. Brown, The Birth of the Messiah: A Commentary on the Infancy Narratives in the Gospels of Matthew and Luke, (Yale University Press, 1999) 28-30.
 
أعلى