الثالوث المسيحى والثالوث الوثنى

مونيكا 57

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أبريل 2008
المشاركات
6,623
مستوى التفاعل
618
النقاط
0
الثالوث المسيحى وما يدعى بالثالوث الوثنى



سؤال:


هل هناك تشابه بين الثالوث المسيحى و (الثالوث) الوثنى؟ وإلا فما هو الفرق بينهما؟ وهل من أسباب إنتشار المسيحية فى مصر، التشابه بين عقيدة الثالوث فيها، وعقيدة (الثالوث) فى قصة أوزوريس وإيزيس وحورس؟
الجواب:

لو كان سبب انتشار المسيحية بسرعة فى مصر، هو التشابه بين عقائدها والعقائد المصرية الفرعونية... فما سبب إنتشار المسيحية فى باقى بلاد العالم؟ هل هو تشابه أيضاً فى العقائد؟! وإن كان هناك تشابه، فلماذا اضطهدت الوثنية المسيحية؟ ولماذا قتل الوثنيون القديس مارمرقس كاروز الديار المصرية؟! ولماذا حدث صراع عنيف بين الوثنية والمسيحية على مدى أربعة قرون، إنتهى بانقراض الوثنية، فتركها عابدوها، وتحطمت الأوثان..! لاشك أن المسيحية كشفت ما فى الوثنية من زيف وخطأ، وليس ما بينها من تشابه! وإلا فما الداعى لدين جديد يحل محل الوثنية؟ ومن جهة عقيدة الثالوث، فالواضح أن الوثنية لا تؤمن بها. الوثنية تؤمن بتعدد الآلهة فى نطاق واسع، وليس بثالوث. فمصر الفرعونية كانت تؤمن بالإله (رع)، الذى خلق الإله (شو) والالهة (نفتوت). وباقترانهما أنجبا الإله جب (إله الأرض)، والإلهة نوت (إلهة السماء)، اللذين تزوجا وأنجبا أوزوريس، وإيزيس، وست، ونفتيس، وبزواج أوزوريس وإيزيس أنجبا الإله حورس.. إلى جوار آلهة آخرى كثيرة كان يعبدها المصريون.. فأين عقيدة (الثالوث) فى كل هذه الجمهرة من الآلهة؟! هل يمكن إنتقاء أية ثلاثة آلهة وتسميتهم ثالوثاً؟! وفى مثال قصة أوزوريس وإيزيس، ذكرنا عشرة آلهة مصرية، لو أردنا أن نأخذ هذه القصة كمثال.. كما أن فى قصة تخليص إيزيس لزوجها المقتول أوزوريس، وإعادته إلى الحياة، ساعدها تحوت إله الحكمة، وأنوبيس إله التحنيط، وأيضاً ساعدتها أختها نفتيس.. فليست القصة (ثالوثاً). وليست فى عقائد المصريين القدماء عقيدة تسمى التثليث على الإطلاق.. ومع كل ذلك نقول: إن المسيحية لا تؤمن بتثليث فقط، إنما بتثليث وتوحيد. وهذا التوحيد لا توافق عليه العبادات المصرية التى تنادى بالتعدد.
ففى قانون الإيمان المسيحى نقول فى أوله "بالحقيقة نؤمن بإله واحد". وحينما نقول باسم الآب والابن والروح القدس، نقول بعدها "إله واحد.آمين". وفى الرسالة الأولى للقديس يوحنا الإنجيلى يقول "الذين يشهدون فى السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد" (1يو5 : 7). ووردت عبارة "الله واحد" فى مواضيع كثيرة من الكتاب المقدس. وردت فى (غلاطية3: 20)، وفى يعقوب (2: 19)، وفى (أفسس4: 5). وفى (1تى2: 5). وأيضاً فى (يو5: 44)، (رومية3: 30)، (مت19: 17)، (مر12: 29 ، 30). كما أنها كانت تمثل الوصية الأولى من الوصايا العشر (خر20: 3). وما أوضح النص الذى يقول "الرب إلهنا رب واحد" (تث6: 4). وعبارة الإله الواحد ترددت مرات عديدة فى سفر أشعياء النبى على لسان الله نفسه، كما فى (أش43: 10، 11)، (أش45: 6، 18، 21)، (أش46: 9). والمسيحية تنادى بأن الأقانيم الثلاثة إله واحد. كما وردت فى (1يو5: 7). وكما وردت فى قول السيد المسيح "وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس" (مت28: 19)، حيث قال باسم، ولم يقل بأسماء. ولعل سائلاً يسأل كيف أن 1+1+1= 1 فنقول 1×1×1= 1 . الثالوث يمثل الله الواحد، بعقله وبروحه، كما نقول إن الإنسان بذاته، وبعقله وبروحه كائن واحد، وإن النار بنورها وحرارتها كيان واحد... ولكن أوزوريس وحورس ليسوا إلهاً واحداً بل ثلاثة. وهذا هو أول خلاف بين هذه القصة والثالوث المسيحى. والخلاف الثانى إنها تمثل قصة زواج إله رجل (هو أوزوريس)، وإلهة إمراة (هى إيزيس) أنجبا إلهاً إبناً (هو حورس). وليس فى الثالوث المسيحى إمرأة، ولا زواج، حاشا.. ! ولو كل أب وأم وابن يكونون ثالوثاً.. لكان هذا الأمر فى كل مكان، وفى كل بلد، وفى كل أسرة. ولكنه فى كل ذلك لا علاقة له بالثالوث المسيحى. فالإبن فى المسيحية ليس نتيجة تناسل جسدانى. حاشا أن تنادى المسيحية بهذا، فالله روح (يو4: 24). وهو منزه عن التناسل الجسدى. والابن فى المسيحية هو عقل الله الناطق، أو نطق الله العاقل. وبنوة الابن من الآب فى الثالوث المسيحى، مثلما نقول "العقل يلد فكراً" ومع ذلك فالعقل وفكره كيان واحد. ولا علاقة لهما بالتناسل الجسدانى... الفكر يخرج من العقل، ويظل فيه، غير منفصل عنه. أما فى التناسل الجسدانى، فالإبن له كيان مستقل قائم بذاته منفصل عن أبيه وأمه. وكل من الأب والأم له كيان قائم بذاته، منفصل عن الآخر. وهنا نجد خلافاً مع الثالوث المسيحى. فالأقانيم المسيحية، متساوية فى الأزلية. لا تختلف فى الزمن. الله بعقله وبروحه منذ الأزل. أما فى قصة أوزوريس وإيزيس، فحدث أن ابنهما حورس لم يكن موجوداً قبل ولادته، وهو أقل منهما فى الزمن. كذلك قد يوجد اختلاف فى العمر بين أوزوريس وايزيس. وهما الإثنان لم يكونا موجودين قبل ولادتهما من جب ونوت.. أما الله فى الثالوث المسيحى فهو كائن منذ الأزل، وعقله فيه منذ الأزل، وروحه فيه منذ الأزل. لم يمر وقت كان فيه أحد هذه الأقانيم غير موجود. لكل الأسباب السابقة لا يمكن أن نرى لوناً من التشابه بين الثالوث المسيحى، وما فى الوثنية من تعدد الآلهة، واختلاف فى الجنس بين الآلهة، هذا ذكر وتلك أنثى، وأيضاً ما فى الوثنية من تزاوج بين الآلهة، وإنجاب..

إن عقيدة الثالوث لم يََقُم المسيحيين بابتداعها ، ولا هي فكرة ظهرت علي مسرح التاريخ ، و لا هي فلسفة ،أو تعاليم من الفضيلة ، أو تعاليم عقلية ، أو منهج أخلاقي ، و إنما هي عقيدة مسيحية كتابية مؤسسة علي أقوال و أفكار الكتاب المقدس ، بل أقوال الرب يسوع نفسه ، و العهد الجديد يعتبر هو الذي وضع أساس هذه العقيدة (1 ) ، فالإنجيل هو الذي صنع هذه العقيدة ( 2 ) ، و هذه العقيدة تملئ الكتاب المقدس من أوله إلي آخره ، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد

منقووووووووووووووووووول
 
التعديل الأخير:

النهيسى

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
27 يوليو 2008
المشاركات
92,326
مستوى التفاعل
3,200
النقاط
113
الإقامة
I love you Jesus
شكرا للموضوع والمعلومات الرائعه جدا

الرب يبارككم
 

مونيكا 57

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أبريل 2008
المشاركات
6,623
مستوى التفاعل
618
النقاط
0
أشكرك أخى لمرورك الجميل
الرب يباركك
 

grges monir

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
9 نوفمبر 2008
المشاركات
15,667
مستوى التفاعل
2,176
النقاط
113
الإقامة
فى قلب يسوع
من قال استاذتى ان الثالوث الو ثنى يشبة الثالوث المقدس فهو لم يعرف او يفهم معنى الثالوث المسيحى ابدااا
ميرسى علىالموضوع المميز
 

مونيكا 57

مشرف سابق
مشرف سابق
إنضم
15 أبريل 2008
المشاركات
6,623
مستوى التفاعل
618
النقاط
0
من قال استاذتى ان الثالوث الو ثنى يشبة الثالوث المقدس فهو لم يعرف او يفهم معنى الثالوث المسيحى ابدااا
ميرسى علىالموضوع المميز

أخى جرجس

الموضوع شبهه موجهه للمسيحية

والموجود هنا رد البابا شنودة على هذه الشبهه
 

grges monir

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
9 نوفمبر 2008
المشاركات
15,667
مستوى التفاعل
2,176
النقاط
113
الإقامة
فى قلب يسوع
أخى جرجس

الموضوع شبهه موجهه للمسيحية

والموجود هنا رد البابا شنودة على هذه الشبهه
ازيك استاذنى الغالية
كالعادة فهمتينى خطأ:ab7: ههههههه
انا ادرك تماما انها شبهة بيتخذها المسلمون ضد الثالوث المقدس
فكان هذا هو ردى عليهم وليس تعليق على موضوعك استاذتى
ارجو ان تكون وضحت الصورة
المرة القادمة سوف اقدم شكوى ضدك لاستاذى الكبير صوت صارخ:11azy:هههههه
دام لنا قلمك المميز
سلام المسيح معاكى
 

Rosetta

Proud Christian
إنضم
17 أبريل 2008
المشاركات
17,192
مستوى التفاعل
1,001
النقاط
0
الإقامة
† Jesus Heart †
شكرااااااا يا مونيكا
موضوع جدا راااااااائع
ربنا يبارك خدمتك
 

عادل نسيم

عضو مبارك
عضو مبارك
إنضم
30 نوفمبر 2009
المشاركات
3,338
مستوى التفاعل
73
النقاط
0
شكراً مونيكا
للتوضيح الهام
يباركك الرب ويحفظ حياتك
17997843go2.gif

 

wuhiyhdipsrbuwg

New member
إنضم
29 مارس 2025
المشاركات
1
مستوى التفاعل
0
النقاط
0
ما نُقِرّ به إيمانًا هو الآتي: إنّ جميع الصفات التي تُميّز المخلوقات أفرادًا متمايزين — كالجوهر، والماهية، والطبيعة، والمنزلة، والحكمة، والمحبّة، والرحمة، والعدل، والصلاح، والقدرة، والمجد، وما شابه ذلك — هي مشتركة بالتساوي وبلا انفصام بين الآب، والكلمة (أو حكمة الله)، والروح القدس. ويشمل ذلك عقلهم وإرادتهم، أي وعيهم الذاتي.

وبعبارة أخرى، فإنّ الثالوث يُمثّل أكمل وحدة بين أقانيم متميزة، وحدة لا يُتصوَّر فوقها كمال. وأيّ رأي بديل إمّا أن يُلغي تميّز الأقانيم ويفني اختلافهم في هويّة واحدة، أو يُدخِل التفاوت، فيُوحي بأنّ أحدهم يمتلك ما لا يمتلكه الآخرون، أو يمتلكه على وجه أتمّ.

ومع أنّ الكتاب المقدّس، بل ومصطلحات اللاهوت الأولى، كثيرًا ما تعكس تأكيدات متباينة، فإنّ تقليدنا فيما بعد أظهر التساوي في الجوهر والصفات بين الآب والابن والروح القدس، بتسميتهم جميعًا "الله". غير أنّ الاستعمال الأقدم للفظ "الله" كان غالبًا ما يُشير تحديدًا إلى الآب، إشارةً إلى المعنيين الكامنين في هذا الاسم: فهو يدلّ من جهة على الأصل الأسمى لكلّ موجود، ومن جهة أخرى على طبيعة الكائن الذي يُسمّى إلهًا. ويتّضح هذا التمييز في اللغة اليونانية للعهد الجديد، بل وحتّى في الكتابات العبرية، حيث يُسمّى موسى "إلهًا" لفرعون، أو حيث يصف المزمور البشر بأنّهم "آلهة، وبنو العليّ".

وعلى هذا، فإنّه ضمن هذا الإطار اللاهوتي، يمكننا أن نتكلّم عن الآب وحده بلفظ "الله" بمعنى أنّه الأصل الذي لا أصل له، الذي منه ينبثق الابن والروح. غير أنّ هذا لا يعني أبدًا أنّ الابن والروح كائنات مخلوقة، مصنوعة ومنفصلة عن جوهر الله. إذ كما أنّ أولاد البشر ليسوا "صناعة مخلوقة" بل يخرجون من كينونة آبائهم ذاتها، كذلك الابن والروح ينبثقان من أعماق جوهر الله نفسه. وكما يشترك الأولاد في طبيعة آبائهم البشريّة، كذلك يشترك الابن والروح في الطبيعة الإلهيّة للآب. ولهذا، يمكننا حقًّا، وبالعدل والحقّ، أن نقول إنّهم "إله".

وفي العهد الجديد، حين يُصوَّر الابن أو الروح وهو يُصلّي أو يخاطب الله، فإنّما يُعبّر ذلك عن العلاقة التي تجمعه بالآب، الذي هو أصله.

وهنا يتجلّى الفارق الجوهريّ بين المسيحيّة والإسلام. فالإسلام يُنكر إمكان أن يُشرك الله أحدًا في جوهره الإلهي، ويزعم أنّ جوهر الله غير قابل للمشاركة. أمّا في الإيمان المسيحي، فإنّ قدرة الله على إشراك غيره في جوهره الإلهي تُعدّ حجر الأساس في عقيدة الخلاص. فليس الخلاص مجرّد تغيّر أخلاقي، بل هو مشاركة في الحياة الإلهيّة، مسيرة التألّه التي بها نصير شركاء في الطبيعة الإلهيّة بالتبنّي. والابن والروح، بما أنّهما الوسيلتان اللتان ننال بهما هذا الميراث، يجب أن يكونا حائزَين تمامًا للطبيعة الإلهيّة، لا على نحو ما يُمنح للمخلوقات بالنعمة، بل في ملء جوهرها. إذ لو كنّا نرجو أن نرث ولو ذرة من هذا المجد، لوجب أن يكون الابن والروح حاوِيَين لملء المجد الإلهي.

وأرى أنّ رفض الإسلام لقدرة الله على إشراك غيره في جوهره، ناشئ عن سوء فهم لجلال الله. فإنّه مبنيّ على تقوى مغلوطة، تتخيّل الله كملك يحرص على مجده ويمنعه عن غيره، لا كأب كريم يسرّ بأن يُفيض كنوزه. والحقّ أنّ قدرة الله وعظمته تتجلّى أتمّ تجلٍّ في عطيّته، وفي مشاركته، وفي تمكينه للآخرين من خيره.

حين أعلن الله أنّه ليس حسنًا أن يكون آدم وحده، فقد كشف بذلك شيئًا من طبيعته الإلهيّة. فكما أنّ آدم احتاج إلى آخر يشاركه شبهه، كذلك الله، في محبّته الكاملة، يُنجِبُ الابن منذ الأزل — وهو نظيرٌ كاملٌ له، وصورة تامّة له من كلّ وجه. والابن، كذاك الروح، لا يوجد بوصفه تابعًا أو خادمًا، بل هو شريكٌ كاملٌ في حياة الآب ومجده.

وجديرٌ بالتأمّل أنّ العهد الجديد، وإن كان يُعرّف المسيح بأنّه الله في بعض المواضع، فإنّه يُميّزه عن الله في مواضع أخرى. وذلك لأنّ لفظ "الله" قد يُستعمل خصوصًا للدلالة على الآب بوصفه الأصل الذي لا أصل له، وقد يُستعمل عمومًا للإشارة إلى الطبيعة الإلهيّة التي يشترك فيها الآب والابن والروح. وهذا التمييز ضروريّ لفهم نصوص كيوحنا الإصحاح العاشر، حيث يُعلن المسيح ألوهيّته بالإحالة إلى موضع في الكتاب يُدعى فيه البشر "آلهة" بوصفهم "أبناء العليّ". فإن كان المخلوقون قد ينالون نصيبًا ما من الطبيعة الإلهيّة، فكم بالحريّ الابن — الكلمة الذي به صُنِع كلّ شيء — ألا يكون حائزًا إيّاها بالتمام؟

أمّا لاهوت نيقية، فيقع بين تطرّفين: بين الموديانية، التي تُفني التمايز بين الآب والابن وتجعلهما شخصًا واحدًا، وبين الأريوسيّة، التي تنظر إلى الابن ككائن مخلوق مغاير للآب. وقد أكّد آباء نيقية أنّ الابن، مع كونه شخصًا متميّزًا ومنبثقًا من الآب، فهو "مولود غير مخلوق". أي أنّه ليس مخلوقًا كصنيعة خارجيّة، بل منبثق من الآب كابن حقيقيّ، وارثًا طبيعته كلّها. وكما يشترك أولاد البشر في جوهر آبائهم، كذلك الابن إلهٌ بالتمام، إذ خرج من كينونة الآب عينها.

وأمّا الحقيقة الجوهريّة في المسيحيّة النيقويّة، فهي أنّ الابن والروح يشتركان في ملء الطبيعة الإلهيّة التي للآب، وهو ما يمكّننا من الاشتراك فيها بالنعمة. وبهذا الاعتقاد يقوم أساس الخلاص: فإنّنا، بالابن والروح، نُتبنّى في العائلة الإلهيّة، وننال نصيبًا في الحياة الأبديّة لله.

وهذا المفهوم — أي أنّ طبيعة الله قابلة لأن تُشرك — يقف على طرف نقيض من اللاهوت الإسلامي. فالفهم المسيحيّ يرى جلال الله لا في انعزاله أو اكتفائه الذاتي، بل في كرمه الفائض، وفي غنى محبّته الباذلة لذاته.

من المسائل الجدليّة اللافتة للنظر: هل تُعَدّ العقيدة المسيحيّة الثالوثيّة في تصوّرها عن الله من قبيل الشِّرك (شِرْك، أي الإشراك بالله) من منظور العقيدة الإسلاميّة؟

فألوهيّة "اللوجوس" (الكلمة) لا تُفهَم على أنّها ألوهيّة إله آخر مستقلّ أو ثانٍ (باليونانيّة: deuteros theos). وهذه العقيدة تتّسق مع مفهوم التوحيد كما ورد في القرآن، ولهذا فإنّ الأرثوذكسيّة المسيحيّة التقليديّة تختلف اختلافًا جوهريًّا عن الأريوسيّة، التي نظرت إلى "اللوجوس" ككائن مخلوق وخاضع، أي إله أدنى إلى جانب الإله الواحد. وقد رُفِضَ صراحةً التصوّر الفلسفيّ اليونانيّ القائل بوجود "صانع وسيط" (ديميرجوس)، وقُرِّرَ بدلًا من ذلك أنّ الوجود لا ينقسم إلا إلى قِسمَين: ما هو غير مخلوق (وهو الله)، وما هو مخلوق (وهو ما سواه).

ويُعنى القرآن الكريم بالنقد الشديد للشِّرك، أي إشراك غير الله في ألوهيّته أو عبادته. غير أنّ العقيدة المسيحيّة لا تندرج تحت هذا النقد، إذ إنّ العلاقة القائمة في جوهر الثالوث لا تتضمّن كيانات مستقلّة أو شركاء خارجيّين عن الذات الإلهيّة. ومن الملفت للنظر أنّ ثمّة تشابهًا بين فهم المسيحيّين لـ"اللوجوس"، وبين الاعتقاد الإسلاميّ في القرآن أنّه غير مخلوق وأزليّ؛ فكما يُنظَر إلى القرآن بوصفه "كلام الله الأزليّ"، كذلك يُنظَر إلى "اللوجوس" في المسيحيّة باعتباره "الكلمة الأزليّة".

فالمسيحيّة، إذًا، ديانة توحيديّة تمامًا، لا تُدخِل ولا تُقرّ بوجود شركاء مع الله، بل تُثبِت وحدة الجوهر الإلهي وعدم انقسامه، مع الاعتراف بالتمايز في علاقات الأقانيم داخل الكشف الإلهيّ الذاتي. وكثيرًا ما تنبع اتّهامات الشرك الموجَّهة إلى المسيحيّة من سوء فهم لحقيقة الثالوث، أو من مقارنات بمفاهيم تعدّديّة وثنيّة، وهي مفاهيم ترفضها المسيحيّة رفضًا قاطعًا.

ومع أنّ القرآن الكريم يوجّه نقدًا إلى مفهوم "الثالوث"، إلا أنّ كثيرًا من الباحثين يرون أنّ المقصود بهذا النقد ليس هو الثالوث الذي تَقرّه المجامع الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة الشرقيّة، بل صيغة غير أرثوذكسيّة. فالقرآن، مثلًا، يُدين القول بأنّ لله "ابنًا"، والسؤال المطروح هو: هل هذه "البنوّة" هي ذاتها التي تعنيها العقيدة النيقاويّة؟ ويُشير الباحث "مونتجمري وات" إلى أنّ القرآن يتحدّث تحديدًا عن تصوّر غير سليم لـ"البنوّة الجسديّة".

وحين نشأ الإسلام، لم يكن للبروتستانتيّة وجود، وكانت الأريوسيّة قد اندثرت فعليًّا، وكانت العقيدة الكاثوليكيّة تمثّل ما يقارب ٩٨٪ من المسيحيّين. ولا أعلم على وجه التحديد ما كانت عليه التوجّهات المسيحيّة في جزيرة العرب آنذاك، ولكن إنْ وُجدت بالفعل جماعة تدعو نفسها "مسيحيّة" وكانت تعبد مريم العذراء بوصفها إلهة، فإنّها من منظور العقيدة الكاثوليكيّة ليست إلا فرقة بدعيّة ضالّة هامشيّة لا اعتبار لها.

وخلاصة القول: إنّ هذا التصوّر الأرثوذكسيّ للثالوث لا يُعدّ "شركًا" حتّى من المنظور الإسلاميّ، إذ لا يُقِيم "اللوجوس" أو "يسوع" إلهًا آخر إلى جانب الله، ولا يُنقِض مبدأ التوحيد. فالمسيحيّة تُثبت كذلك أنّ الله "واحد"، بالمعنى الذي تحمله الكلمة العبريّة "إِخَاد" (אֶחָד) ونظيرتها العربيّة "أحد" (أَحَد)، في إشارة إلى وحدانيّة الله وتفرّده بوصفه الإله الواحد لا شريك له.

وإنّ قول توما الإكويني: "فليس في الله تركيب من أجزاء كمّيّة، إذ إنّه ليس جسدًا؛ ولا تركيب من مادّة وصورة؛ ولا تختلف طبيعته عن حقيقته الشخصيّة؛ ولا ماهيّته عن وجوده؛ ولا فيه تركيب من جنس وفصل، ولا من موضوع وعَرَض. فالله، إذًا، ليس مركَّبًا بأيّ وجه، بل هو بسيطٌ محض" — هذا القول لا يناقض مفهوم التوحيد في الإسلام.

بل يؤكّد هذا القول بساطة الله المطلقة، ووحدته وتجرّده عن كلّ تركيب أو انقسام، وهي الصفات التي تتّفق مع جوهر عقيدة التوحيد في الإسلام. فالله منزَّه عن كلّ صورة من صور التركيب أو الانقسام أو التعدّد، ويُثبَت أنّ ذاته ووجوده شيء واحد لا ينفصل. وهذا الفهم ينسجم تمامًا مع مفهوم "التوحيد"، الذي يُعلِي شأن وحدانيّة الله وتفرّده، دون أجزاء، ولا شركاء، ولا افتقار.

وفي المصطلح اللاهوتيّ المسيحيّ، يُستَعمل لفظ "الله" بثلاثة معانٍ:
١. للدلالة على أقنوم الآب،
٢. للدلالة على الجوهر الإلهيّ الواحد،
٣. أو لمعنى اشتقاقيّ أو نوعيّ.

وفي المعنيَين الأوّلين، لا يُقال إنّ "اللوجوس" أو "يسوع" هو "الله" بوصفه أقنوم الآب.

ولذا، فإنّي أرى أنّ "الشرك" — في نهاية المطاف — هو ما يُنقِض الشطر الأوّل من الشهادة: "لا إله إلا الله"؛ أي الإيمان أو الإقرار أو العبادة لإله غير الإله الواحد خالق السماوات والأرض. فإن اتّفقنا على هذا التعريف، فإنّ العقيدة المسيحيّة ليست شركًا. قد تكون، من وجهة النظر الإسلاميّة، عقيدة باطلة أو خاطئة، ولكنّها ليست "شركًا"، وهذا هو لبّ المسألة. فكثير من أهل القرآن يرَون أنّ هذا الشطر الأوّل من الشهادة كافٍ ليُعَدّ المرء "مؤمنًا"، وهذا ما يعتقده المسيحيّون أيضًا: "لا آلهة إلا الإله الواحد". وقد سمعتُ من كثير من المسلمين قولهم إنّ "يسوع كان مسلمًا"، فإنْ كان قبول الشطر الأوّل من الشهادة يجعل الإنسان مسلمًا، فإنّ جميع المسيحيّين كذلك مسلمون.

ليست المسيحيّة كيانًا واحدًا جامدًا، بل قد احتوت على تفسيرات متنوّعة عبر تاريخها. فبينما أنكر بعض الفرق الأولى، كالأريوسيّين، عقيدة الثالوث، فإنّ هذه العقيدة قد تثبّتت من خلال المجامع المسكونيّة (كمجمع نيقية ومجمع خلقيدونية)، وهي لا تزال تمثّل ركيزة أساسيّة في معظم التقاليد المسيحيّة السائدة إلى يومنا هذا. ومع ذلك، فإنّ هذا التنوّع لا يُضعف التزام المسيحيّة الأرثوذكسيّة بمبدأ التوحيد. بيدَ أنّ "النموذج الأريوسيّ" يُعَدّ أكثر إشكالًا من منظور إسلاميّ، إذ إنّه يُثبت وجود إله ثانٍ أدنى إلى جانب الإله الأعلى، ممّا يجعل التعدّد ظاهرًا على وجه لا يقبله الإسلام.

ومن منظور إسلاميّ كذلك، ليس صحيحًا أنّ عيسى هو "مجرد نبيّ" فحسب، إذ إنّ القرآن الكريم ينسب إليه صفات فريدة لا تُنسب إلى غيره من الأنبياء، مما يرفعه إلى مقام خاص. ومن تلك السمات:

- الولادة العذراويّة: فقد وُلد عيسى من مريم العذراء بلا أب، وهو حدث لا نظير له بين سائر الأنبياء. والقرآن يصرّح بولادته المعجزيّة تصريحًا جليًّا (سورة مريم ١٩: ١٩-٢١)، وهذا ما يرفعه فوق مستوى البشريّة المعتادة.

- المسيح (المسيّا): فقد أُطلق عليه في القرآن لقب "المسيح" مرارًا (كمثل ٣:٤٥، ٤:١٧١). وهذا اللقب خاصّ بعيسى وحده، ويدلّ على دور متميّز له في التدبير الإلهيّ، وإن اختلف تفسيره عن اللاهوت المسيحيّ.

- الرجوع في آخر الزمان: تؤمن العقيدة الإسلاميّة الإسكاتولوجيّة بأنّ عيسى سيعود في آخر الزمان ليُقيم العدل، وهو دور لم يُسند إلى أيّ نبيّ غيره.

- المعجزات: فقد أتى عيسى بمعجزات بإذن الله (٣:٤٩)، من قبيل إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وخلق طير من طين، وكلّ ذلك يجعله متميّزًا عن سائر الأنبياء.

- "كلمة الله" و"روحٌ منه": فالقرآن يصفه بأنّه "كلمة منه" و"روحٌ منه" (٤:١٧١)، وهي أوصاف لم تُطلق على أيّ نبيّ آخر.

- سورة مريم ١٩:٣٣-٣٤: حيث يتحدّث عيسى وهو في المهد، معلنًا بركته ورسالته.

- سورة آل عمران ٣:٤٥: يُوصَف بأنّه "وجيهٌ في الدنيا والآخرة".

وكلّ هذه الصفات تدلّ على أنّ لعيسى، من منظور إسلاميّ، منزلةً تفوق منزلة النبيّ العاديّ، وإن لم يُنظَر إليه بوصفه إلهًا. ومن ثمّ، فإنّ القول بأنّه "مجرد بشر كسائر الناس" لا يُنصف موقعه في العقيدة الإسلاميّة نفسها.

وأمّا القول بأنّ نسبة الألوهيّة إلى عيسى تُعَدّ "شركًا" بموجب النقد القرآنيّ، فذلك مردّه إلى سوء فهم المسيحيّة الأرثوذكسيّة في عقيدتها بالمسيح. فبحسب هذه العقيدة، فإنّ يسوع هو إله كامل وإنسان كامل، بلا اختلاط، ولا تغيير، ولا انقسام، ولا انفصال. فألوهيّة "الكلمة" ليست كيانًا مستقلًّا، بل هي متّحدة بالطبيعة البشريّة في شخص واحد. وليس في هذا ما يدلّ على التعدّديّة أو الشرك، أي إشراك شريك مع الله. بل إنّ عبارة "بلا اختلاط" تُعدّ المفتاح في هذا السياق؛ إذ لو كان ثمّة اختلاط على طريقة الأوطيخية، لكان ذلك بالفعل من الشرك، أمّا بحسب أرثوذكسيّة مجمع خلقيدونية، فإنّ الطبيعتين — الإنسانيّة والإلهيّة — في المسيح متمايزتان في الكينونة، ولا يقول اللاهوت المسيحيّ بأنّ "ناسوت يسوع" إلهٌ في ذاته.

ذلك أنّ الفهم البدعيّ ليسوع يُناقض كذلك العقيدة المسيحيّة في الله، التي تُثبِت له الكمال المطلق، والبساطة الوجوديّة، والثبات الأزليّ. فإنّ الله — لو تحوّل جوهره عند التجسّد، أو لو تخلّى عن بعض صفاته كما يقول بذلك بعض البروتستانت في عقيدة "الإفراغ" (الكنوزيس)، أو لو ابتلع الطبيعة البشريّة ضمن ذاته الإلهيّة (كما في المونوفيزيتيّة) — لكان قد دخل حيّز التغيّر، وهذا يناقض مفهوم الألوهيّة المطلق.

فهنا ينبغي الرجوع إلى مبدأ عدم التناقض: لا يمكن للشيء أن يكون صادقًا وغير صادق في الوقت نفسه ومن الجهة نفسها. فالمسيح إنسان حقيقيّ، ولا أحد يزعم أنّ "اليسوع بوصفه إنسانًا" هو الله. واللاهوت المسيحيّ يُثبت بساطة الذات الإلهيّة، ولا يُقسّم الله إلى أقسام أو آلهة، بل يُبيّن تمايزًا في العلاقات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد غير المنقسم. ومن هنا، فإنّ نقد الشرك في القرآن لا ينطبق على اللاهوت المسيحيّ الأرثوذكسيّ، الذي يتمسّك بوحدة الله وعدم انقسامه. وإنّما تنشأ اتّهامات الشرك من سوء فهم للمصطلحات المسيحيّة، لا من تناقض حقيقيّ في المضمون اللاهوتيّ.

ينتقد القرآن بعض المعتقدات المتعلّقة بعيسى، عليه السلام، غير أنّ من الضروريّ النظر في السياق التاريخيّ لتلك النصوص. فالقرآن، على الأرجح، يتوجّه بالنقد إلى فرق غير أرثوذكسيّة، كمن قد ألهوا مريم، أو أخطأوا في فهم طبيعة عيسى. ومثال ذلك ما ورد في سورة المائدة (٥:١١٦) من انتقاد لمن اتّخذوا عيسى وأمّه إلهين من دون الله. وهذا لا يتّفق مع لاهوت الثالوث المسيحيّ الأرثوذكسيّ. وإنْ كان من الصحيح أنّ فرقًا كالآريوسيّين والإبيونيّين كانت موجودة، فإنّها لم تكن تمثّل جمهور المسيحيّين، ولا كانت عقائدها متّسقة مع مسيحيّة نيقية. بل كانت هذه الفرق بحلول القرن السابع الميلاديّ قد صارت هامشيّة، ولا تُعدّ ممثّلة للأرثوذكسيّة المسيحيّة. وعليه، فإنّ الجدل القرآنيّ الموجّه لبعض المعتقدات المسيحيّة قد يعكس تصوّرات محليّة منحرفة عن المسيحيّة، لا نقدًا مباشرًا للثالوث الأرثوذكسيّ.

وكما أكّدت، فإنّ هذه الفرق غير الثالوثيّة كانت، من وجهة النظر الإسلاميّة، أشدّ إشكالًا من الأرثوذكسيّة الثالوثيّة، إذ إنّها تقرّ بوجود إله ثانٍ أدنى إلى جانب الإله الأعلى، ولذلك كان نقد النبيّ محمّد لهم في محلّه. فالمسيحيّون الآريوسيّون يُعادلون في الإسلام ما عُرِف بالفرقة المعتزلة. وإنّ الاعتقاد بوجود إله واحد، ومعه في مرتبة أخرى كائن إلهيّ يُدعى يسوع، هو اعتقاد لا يعبّر عن لاهوت مسيحيّ أرثوذكسيّ. فالشخص الذي يُدعى يسوع هو إنسان، لا يُعدّ إلهًا، لا جزئيًّا ولا كليًّا. وأمّا ما إذا كان يسوع، من جهة شخصه، يُطابق "الكلمة" (اللوجوس) في طبيعته، فهو مسألة منفصلة، غير أنّ المهمّ هنا هو أنّ يسوع بوصفه إنسانًا ليس هو الله، إذ — كما أُشير بحقّ — لا تُنسب الألوهيّة إلى شيء مخلوق.

وعقيدة الثالوث، كما صاغها اللاهوت المسيحيّ، لا تُناقض جوهر التوحيد كما هو مفهوم في الإسلام. فالثالوث ليس انقسامًا في جوهر الله، بل هو توصيف للتمايزات العلائقيّة داخل الكائن الإلهيّ الواحد. والكلمة (اللوجوس) ليس إلهًا ثانيًا ولا أدنى، وهذا مباين جوهريًّا لعقيدة التعدّد الوثنيّ. فالمسيحيّون يقرّون بقَول "شِمَعْ" (اسمع يا إسرائيل: الرّب إلهنا ربٌّ واحد - تثنية ٦:٤)، وهو ما يوازيه في العقيدة الإسلاميّة قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (سورة الإخلاص ١١٢:١).

وفي سورة المائدة (٥:١١٦)، يوجّه القرآن نقدًا إلى من اتّخذوا عيسى ومريم إلهين من دون الله. غير أنّ هذا التصوير لا يتّفق مع تعاليم نيقية أو خلقيدونية، حيث إنّ مريم لا تُعدّ جزءًا من الذات الإلهيّة. والتعاليم الكاثوليكيّة واضحة في أنّ الله واحد في الجوهر. ولذلك فإنّ هذا التصوير المغلوط للثالوث يدلّ على أنّ القرآن يردّ على تصوّرات لفرق مسيحيّة منحرفة، كفرقة الكوليريديين، الذين قِيل إنّهم عبدوا مريم على نحو إلهيّ. وهذا ليس هو اللاهوت الثالوثيّ الأرثوذكسيّ الذي تقرّه الكنيسة الكاثوليكيّة. وعليه، فإنّ ما أدانه القرآن بوصفه كفرًا، إنّما هو نسخة محرّفة من الثالوث، كمثل القول بألوهيّة مريم، أو جعل يسوع إلهًا مستقلاً، لا نقدًا للمسيحيّة النيقاويّة أو الكاثوليكيّة ذاتها. وهذا التمييز أمرٌ جوهريّ، إذ إنّ الهدف اللاهوتيّ للنقد القرآنيّ لا يتطابق مع ما تعلّمه الكنيسة الكاثوليكيّة. ومن ثمّ، فإنّ هذا لا يمنع إمكانيّة الحوار اللاهوتيّ. فإنّ إدراك أنّنا أمام إطارين لاهوتيّين متميّزين، يُتيح مجالًا للنقاش الاحتراميّ في ظلّ الفهم المتبادل، لا التشويه المتبادل.

ومفهوم التوحيد في أصله لا يعني التوحيديّة (Unitarianism) بالمعنى الفلسفيّ المجرّد، بل يَعني أنّ الله "واحد" (أحد)، وهو ما يُعلّمه الكتاب المقدّس كذلك، بالعبريّة "إِخاد" (אחד)، وباليونانيّة "هِيس" (εἷς). فالقول بأنّ الفهم المسيحيّ لله يُناقض جوهر التوحيد في القرآن مبنيّ على افتراض أنّ "التوحيديّة" بحسب تعريف علم الكلام الإسلاميّ، هي الإطار الوحيد الممكن للتوحيد. غير أنّ عقيدة الثالوث المسيحيّة تُثبِت كذلك وحدة الله وعدم انقسامه: فالمسيحيّة تُقرّ بأنّ الله واحد (تثنية ٦:٤، والإخلاص ١١٢:١). وأما التمايزات العلائقيّة في الذات الإلهيّة، فهي لا تُقسّم جوهر الله، بل تُعبّر عن العلاقات الداخليّة في الكائن الإلهيّ الواحد. وإنّ جوهر الله بسيط، غير مركّب، ولا منقسم، ولا محدود، وهو مبدأ مركزيّ في مفهوم التوحيد. فهذه العلاقات الداخليّة في اللاهوت لا تمثّل آلهة مستقلّة، ولا كائنات متعدّدة إلى جانب الإله الواحد، ولذلك فإنّها لا تُناقض التوحيد، لأنّها لا تُدخِل الكثرة إلى جوهر الله. وهذه مسألة دقّة لاهوتيّة، لا تناقض مباشر في العقيدة.

إنّ تعريف مجمع خلقيدونية يُثبِت الفرق الأنطولوجيّ بين يسوع الإنسان وبين الله، فاللاهوت المسيحيّ لا يُدرِج إنسانيّة يسوع ضمن الذات الإلهيّة. بل يُصرّح بأنّ "الكلمة" (اللوجوس) غير مخلوق، ومساوٍ للآب في الجوهر. وهذا يتّفق مع ما ورد في القرآن من تأكيد على أنّ "كلمة الله" (كلمة الله، أو كلامه) أزليّة غير مخلوقة، كما في سورة البقرة (٢:٢٥٥). وإنّ رفض القرآن لنسبة عيسى إلى الله، إنّما يوجّه نقده إلى تصوّر خاطئ يُماثِل بين البشريّة والألوهيّة، وهو ما تتجنّبه الكريستولوجيا الأرثوذكسيّة تجنّبًا صارمًا. ولو فُهِم التجسّد بمعنى أنّ يسوع بوصفه إنسانًا دخل في علاقة أنطولوجيّة مع الله، أو أنّ الجوهر الإلهيّ تغيّر تغيّرًا كينونيًّا، لكان ذلك بالفعل من الشِّرك.

إنّ عقيدة الثالوث المسيحيّ لا تُدخِل "آلهة إلى جانب الله". فالمسيحيّة الأرثوذكسيّة تُثبِت أنّه لا يوجد انقسام في جوهر الله، ولا يُعتَبَر أيّ جزء من الخلق، بما في ذلك إنسانيّة يسوع، جزءًا من الألوهيّة. وبهذا تتجنّب الوقوع تحت تعريف الشرك كما ورد في القرآن، إذ إنّ ألوهيّة "الكلمة" لا تُفهَم على أنّها إله إضافيّ أو مستقلّ. وبحسب ما قرّرتَ، فإنّ الشرك هو عبادة مخلوق إلى جانب الله، وهو ما ترفضه الأرثوذكسيّة المسيحيّة رفضًا قاطعًا، إذ إنّ ألوهيّة الكلمة غير مخلوقة، وإنسانيّة يسوع تبقى إنسانيّةً تامّة، متميّزة كينونيًّا عن لاهوت الكلمة. أفكنتَ تعتبر النسطورية شركًا أيضًا؟

ومن الوجهة الكاثوليكيّة واللاهوتيّة، فإنّ طلب شفاعة مريم لا يُعتَبَر عبادة. فالكنيسة الكاثوليكيّة تُصرّح بأنّ "اللاتريا" (أي العبادة الإلهيّة) هي لله وحده، في حين أن "الهايبر دوليا" — وهي أعلى مراتب الإكرام — تُمنَح لمريم نظرًا لدورها الفريد في تاريخ الخلاص، بصفتها "والدة الإله" (Theotokos). والقرآن ذاته يقرّ بمفهوم الشفاعة (مثال: سورة البقرة ٢:٢٥٥)، شريطة أن تكون بإذن من الله. والكاثوليك يرَون أنّ شفاعة مريم إنّما تكون خاضعة بالكامل لإرادة الله وقدرته. فعندما "ينادون" مريم، فإنّهم لا ينسبون إليها ألوهيّة، ولا يعتقدون أنّها تعمل باستقلال عن الله، بل يطلبون منها أن تُصلّي من أجلهم، كما يطلب المسلمون الدعاء من غيرهم.

وأمّا تشبيه هذا بما كان عليه قوم إبراهيم من عبادة الأصنام (سورة الأنبياء ٢١:٥٢-٥٤)، فليس دقيقًا في فهم اللاهوت الكاثوليكيّ. فإنّ التماثيل أو الأيقونات الممثّلة لمريم ما هي إلّا رموز، لا تُعبَد، كما جاء في عبارات لاهوتيّة صريحة: "لا يُقدَّم لها اللاتريا التي تليق فقط بالله"، و"ليس لأنّ ثمّة ألوهيّة أو قوّة قائمة فيها"، بل "لأجل الذاكرة والرغبة في الأصل الذي تمثّله"، و"فإنّ الكرامة المنسوبة للصورة تعود إلى الممثَّل"، و"الإكرام الذي يُقدَّم لها إنّما يُرَدّ إلى النموذج الذي تمثّله". فالكاثوليك لا يعتقدون أنّ مريم أو صورتها تملك قدرة مستقلّة عن الله. وسورة المائدة (٥:١١٦) تنتقد من "اتّخذوا عيسى وأمّه إلهين من دون الله"، وهذا لا ينطبق على العقيدة الكاثوليكيّة، إذ إنّ الكنيسة الكاثوليكيّة ترفض صراحة تأليه مريم. وربما كان المقصود بالآية فرقًا بدعيّة كفرقة "الكوليريديين"، التي قِيل إنّها ألهَت مريم، لا اللاهوت الثالوثيّ الكاثوليكيّ.

وغالبًا ما يخلط البروتستانت بين "الصلاة إلى" مريم والعبادة. غير أنّ الصلاة بهذا المعنى في اللاهوت الكاثوليكيّ لا تعني العبادة، بل مجرّد التماس الشفاعة، كما يطلب المرء من إنسان حيّ أن يُصلّي لأجله (قارن: ora pro nobis). والبروتستانت أنفسهم يطلبون شفاعة الآخرين في جماعات الصلاة. فإن لم تكن طلبة الشفاعة من الآخرين عبادة، فكذلك الطلب من مريم — وهي حيّة في السماء — لا يُعَدّ عبادة.

ومن الصحيح أنّ الآية (٥:١١٦) لا تخاطب الثالوث كما عرّفته نيقية أو خلقيدونية، بل تنتقد ما فُهِم من عبادة عيسى ومريم. غير أنّ هذا الفهم الخاطئ نابع من السياق المحلّي لفرق بدعيّة، إذ إنّ القرآن يتوجّه إلى جماعات "مسيحيّة" معيّنة في الجزيرة العربيّة، كفرقة "الكوليريديين"، الذين قِيل إنّهم عظّموا مريم تعظيمًا شبه إلهيّ. وهؤلاء لا يمثّلون المسيحيّة الأرثوذكسيّة. ومن ثمّ، فإنّ نقد القرآن لا ينطبق على تعريف نيقية للثالوث. ومريم، في اللاهوت الكاثوليكيّ، لم تكن قط جزءًا من الجوهر الإلهيّ، ولن تكون.

وإنّ عقيدة الثالوث المسيحيّة لا تُناقض المبادئ الأساسيّة للتوحيد، إذ إنّ كِلا التقليدين يُقِرّ بوحدة الله وبساطته المطلقة، وفي اللاهوت الثالوثيّ، الله ذو جوهر واحد، لا ثلاثة آلهة منفصلة، بل علاقات داخليّة أزليّة ضمن كائنٍ إلهيٍّ واحد.

إنّ الادّعاء بأنّ ألوهيّة "الكلمة" (اللوجوس) تُمثّل شركًا مردّه إلى سوء فهم "الاتحاد الأقنومي" (الاتحاد الهيبوستازي)، إذ إنّ ألوهيّة الكلمة لا تُفهَم على أنّها "إله ثانٍ" (deuteros theos) إلى جانب الإله الواحد. بل إنّ الكلمة مساوٍ للآب في الجوهر (homoousios)، وإنسانيّته متميّزة عنه، وإن كانت متّحدة به، في شخص واحد. وقد بيّن مجمع خلقيدونية هذا الأمر صراحةً، وحذّر من الخلط أو المزج بين الطبيعتين الإلهيّة والبشريّة. وهذا يُحافظ على وحدة الله، ويمنع أن يُساوى أيّ مخلوق، كإنسانيّة يسوع، بالجوهر الإلهيّ، إذ لا يمكن لأيّ كائن مخلوق أن يدخل في علاقة أنطولوجيّة مع ذات الله تعالى. وهكذا، فإنّ الكريستولوجيا الأرثوذكسيّة تتجنّب الوقوع في تعريف الشِّرك بحسب المفهوم القرآنيّ، لأنها لا تُقِرّ (أنطولوجيًّا) بأيّ شركاء مخلوقين مرتبطين بالله.

إذًا، كلّ ذلك يتوقّف على ما نعنيه من كلّ لفظٍ وعبارة. تأمّل، مثلًا، العبارة التالية: "الله يحبّ القاتلين". أهي عبارة صحيحة أم باطلة؟ الجواب يتعلّق بفهمنا لها. فإن كان المعنى أنّ الله يرضى عن خطيئتهم وأنّهم سينالون النجاة بلا توبة، فهي باطلة. أمّا إن كان المقصود أنّ باب التوبة مفتوحٌ لهم أيضًا، وأنّ الله قد يغفر لهم إن تابوا، فهي صحيحة. وبالمثل، فإنّ القول في سورة النساء (٤:١٧١) أو في سورة الإسراء (١٧:١١١) إنّ الله لا يمكن أن يكون له "ابن"، إذا فُهِم على أنّه ينفي "البنوّة الجسديّة" الحرفيّة، كما في اعتقاد المورمونيّين، فليس فيه ما يخالف العقيدة الكاثوليكيّة. وكذلك فإنّ سورة الإخلاص (١١٢:٣) يمكن أن تُفهَم على أنّها تُثبت "قَيُّوميّة" الله واستقلاله الذاتيّ (autotheos)، لا أنّها تنفي "البنوّة الروحيّة المجازيّة" التي تُثبتها الأرثوذكسيّة النيقاويّة داخل الجوهر الإلهيّ.

ومن أبرز التحدّيات في الحوار الكاثوليكيّ الإسلاميّ، أنّ الفهم المسيحيّ لله، وللثالوث، وللكريستولوجيا، لا يمكن شرحه أو الدفاع عنه شرحًا وافِيًا دون الغوص في معاني ونتائج عدد من المصطلحات الفلسفيّة والميتافيزيقيّة. كألفاظ: ousia (الجوهر)، logos (الكلمة)، hypostasis (الأقنوم)، arkhe (المبدأ)، substantia (الماهية)، natura (الطبيعة)، essentia (الذات)، subsistentia (الوجود القائم بذاته)، suppositum (الحامل الشخصيّ)، principium (الأصل)، causa (العلّة)، processio (الانبثاق)، relatio (العلاقة)، quidditas (الماهيّة)، والتمييز بين اللغة المتواطئة (univocal)، و_المشتركة اشتراكًا معنويًّا_ (analogical)، و_المتشابهة اللفظ فقط_ (equivocal).

وعندما تُفحَص مضامين هذه المفاهيم ضمن سياق التعليم المسيحيّ، يتبيّن أنّ المسيحيّة الأرثوذكسيّة لا تُنقِض المفهوم الإسلاميّ لتنزّه الله، ولا مبدأ التوحيد، بل تُقدّم صياغة دقيقة ومتكاملة لوحدة الله وتنزّهه، تلتقي مع أصول راسخة في علم الكلام الإسلاميّ.

ما لم نُوضّح معاني الألفاظ والمفاهيم، فإنّنا لن نتجاوز "حوار الطرشان"، كما يظهر في كثير من المناظرات الإسلاميّة-المسيحيّة، والتي تدور على نحوٍ يشبه هذا المثال الافتراضيّ:

- المسيحيّ: "يسوع المسيح هو الله، وهو ابن الله في آنٍ واحد، أيّها الكافر!"
- المسلم: "كلا، ليس كذلك! أهو ابن نفسه إذًا؟! بل هو نبيٌّ فقط، أيّها الكافر!"

وفي مثل هذا الحوار، لا يتمّ تبادل حقيقيّ للمعاني أو الأفكار. ولكن لو قلتُ مثلًا:
"إنّ الحامل الأقنوميّ (suppositum) ليسوع ابن مريم هو بعينه الكلمة الإلهيّة الأزليّة، التي ماهيّتها عينُ جوهر الله، بفعل البنوّة الأزلية غير الزمنيّة، وذلك دون أن يقع اختلاط أنطولوجيّ بين الطبيعة البشريّة ليسوع وجوهر الله، فلا يُمسّ تنزّه الله المطلق."

... لكان بالإمكان الدخول في حوار معمّق. لكنّ هذا يتطلّب فهمًا مسبقًا لتلك المفاهيم.

وعندما يُفهَم التعليم المسيحيّ من خلال هذه المنظومة المفهوميّة الفلسفيّة واللاهوتيّة، يظهر جليًّا أنّ العقيدة المسيحيّة الأرثوذكسيّة تُثبت المبادئ التالية، التي تتّفق مع جوهر علم التوحيد في الإسلام:

- الوحدة والبساطة: فجوهر الله واحدٌ غير منقسم، لا تركيب فيه، ولا كثرة (وهو ما يُعرف في الكلام الإسلاميّ بـ توحيد الذات).

- التنزّه: فكينونة الله وصفاته متعالية عن الفهم البشريّ، غير خاضعة لحدود المخلوقات (وهو توحيد الصفات).

- التفرّد: فالله متفرّدٌ تمامًا، لا يُشبِهه شيء من خلقه (وهو توحيد الأفعال).

فالشرك، إذًا، إنّما يكون في إثبات وجود إله أو آلهة أخرى إلى جانب الله، أو عبادة كائنات أخرى، أو الإقرار باتّحاد أنطولوجيّ بين الله وبين المخلوق (كفكرة "إله ثانٍ" أو "صانع وسيط" أو demiurge)، أو نسبة الألوهيّة لما هو محدود ومخلوق.

وأمّا الكلمة النيقاويّة، فليست هي "الكلمة" عند فيلون، الذي تصوّرها وسيطًا بين المخلوق والخالق، ولا هي الكلمة عند آريوس، الذي اعتبرها مخلوقة. فالألوهيّة في المسيحيّة لا تعني اختلاطًا أنطولوجيًّا، ولا شركة جوهريّة بالمعنى المونوفيزيّتي، ولا تُسند الألوهيّة إلى يسوع من حيث إنسانيّته، بل يُقال إنّ "الحامل الشخصيّ" (suppositum) لهذا الإنسان هو بعينه الكلمة الإلهيّة الأزليّة غير المخلوقة، دون أن يعني ذلك قيام علاقة جوهريّة أنطولوجيّة بين المخلوق وغير المخلوق.

فلا المقصود تأليه الإنسان، ولا تجسيم الذات الإلهيّة.

إنّ دعوى المسيحيّين بأنّ "يسوع المسيح هو الله"، لا تعني أنّه إله آخر إلى جانب الله، ولا أنّ يسوع من حيث إنسانيّته هو الله، بل المعنى أنّ الحامل الشخصيّ (suppositum) ليسوع الإنسان هو بعينه الحامل الشخصيّ للكلمة الأزليّة غير المخلوقة، غير أنّ هذا الاتحاد لا يُفهَم على أنّه اتصال أنطولوجيّ بمعنى المزج أو الامتزاج بين الطبيعتين الإلهيّة والبشريّة. فالطبيعتان تبقيان متميّزتين، وإن اتّحدتا في حامل شخصيّ واحد (hypostasis). وهذه الصياغة الدقيقة تضمن أنّ الكريستولوجيا الأرثوذكسيّة لا تقع في الشِّرك، لأنّها لا تُثبِت إلهًا ثانيًا أو أدنى (deuteros theos)، ولا تقرّ بعلاقة أنطولوجيّة أو خلط بين الجوهر الإلهيّ الأزليّ غير المتناهي، وبين الحقيقة البشريّة المحدودة المخلوقة.

وأمّا قولهم عن مريم إنّها "أمّ الله"، فهو ترجمة موهمة للفظ (Theotokos) كما ورد في العقيدة، والذي يُراد به على وجه الدقّة: "التي ولدت مَن كان إلهًا". فهي ليست "أمّ الله" من حيث الجوهر الإلهيّ، بل هي أمّ يسوع، الذي كان (في حامله الشخصيّ) هو ذاته الكلمة الإلهيّ. وكما يُقال عن والدة البابا إنّها "أمّ البابا"، مع أنّها لم تلده بصفته البابا، بل كطفل صغير، كذلك لا يُقال عن والدة يوحنّا إنّها "أمّ جسده" فقط، مع أنّ الإنسان لا ينال من والديه إلا الجسد، أمّا الروح فخلقٌ من عند الله. والمقصود أنّ عقيدة (Theotokos) لا تُثبِت أيّ علاقة أنطولوجيّة بين مريم الإنسانة، وبين الله الأزليّ غير المتغيّر. ومريم، بطبيعة الحال، لم تُعطِ وجودًا للألوهيّة، ولا لأيّ لحظة من الوجود الإلهيّ، بل إنّ الإنسانيّة التي شاركت هي في وجودها لا يمكن فصلها عن واقعة التجسّد، التي اتّخذ فيها الكلمة الأزليّ حاملًا بشريًّا. ولهذا، لا يمكن فهم عقيدة (Theotokos) على وجهها الصحيح إلا بفهم مبدأ الاتحاد الأقنوميّ (Hypostatic Union)، ومبدأ تبادل الصفات (communicatio idiomatum).

ومن الصحيح أنّ القرآن ينتقد بعض الأفعال بوصفها عبادة (عبادة)، ممّا قد لا يتوافق مع المفهوم الكاثوليكيّ لهذا المصطلح. غير أنّ هذا التباين يُظهر أهميّة إدراك أنّ مصطلحات كـ"العبادة" محكومة بسياقاتها. فإنّ اللاهوت الكاثوليكيّ يعرّف العبادة (latria) بأنّها الإكرام الذي لا يُقدَّم إلا لله وحده، ويشمل تقديم القرابين، أو الاعتقاد بألوهيّة المعبود. وهذا مغاير تمامًا لمقام الإكرام الأعلى (hyperdulia) الممنوح لمريم، وهو اعترافٌ بدورها الفريد في تاريخ الخلاص، دون نسبتها إلى مقام الألوهيّة. والقرآن (١٠:١٨، ١٠٤–١٠٦) يذمّ عبادة المخلوقات بوصفها شركًا، لكنّ التعليم الكاثوليكيّ ينكر صراحةً أن تكون مريم إلهًا، أو شريكة، أو ذات قوّة مستقلّة. فاستدعاء الكاثوليك لمريم لا يُعَدّ عبادة، كما لا تُعَدّ دعوة شخص آخر ليدعو لك عبادة.

وقد أقرّ القرآن الكريم بمبدأ الشفاعة بشروطه، كما في:
- سورة البقرة (٢:٢٥٥): "مَن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه"
- سورة يونس (١٠:٣): "ما مِن شفيعٍ إلا مِن بعد إذنه"

وفي اللاهوت الكاثوليكيّ، إنّ شفاعة مريم لا تخرج عن إطار مشيئة الله وقدرته، فلا يعتقد الكاثوليك أنّ لها فعلاً مستقلًّا، بل يرونها خادمة متواضعة تُشير إلى الله وحده. وعبارة "صلي لأجلنا" (ora pro nobis) هي طلب دعاء، لا طلب عمل إلهيّ. وهذا ينسجم مع المبدأ القرآنيّ بأنّ الشفاعة لا تقع إلا بإذن الله.

وكثيرًا ما ينتقد البروتستانت إكرام مريم، لكنّ انتقادهم مبنيّ على فهمهم الخاصّ للنصوص واللاهوت، لا على القرآن. فهم يخلطون بين الإكرام الخاصّ (hyperdulia) والعبادة (latria)، لأنّهم لا يقبلون التمييز بين هذه المقامات الثلاثة: العبادة، الإكرام، والإكرام الأسمى. لكنّ هذا الخلط لا يعني أنّ الكاثوليك يعبدون مريم، بل يدلّ على اختلاف في التعريفات اللاهوتيّة. وبعض البروتستانت ببساطة لا يفهمون الممارسة الكاثوليكيّة.

فالعبادة هي الاعتراف بالله بوصفه الله، ولا يُعبد شيء إلا بنيّة العبادة. وقد يكون الانحناء علامة عبادة، وقد يكون علامة احترام، كما في اليابان يُحيّي الناس بعضهم بالانحناء، ولا يُقال إنّهم يعبدون بعضهم. والكاثوليك يُكرّمون العذراء مريم، ولا يعبدونها. بل إنّ البروتستانتيّة ذاتها فيها تباين في المواقف؛ فالأنغليكانيّون واللوثريّون يعترفون بدور متميّز لمريم، مع تجنّب الغلوّ الكاثوليكيّ أو الرفض التامّ عند بعض الإنجيليّين. وهذا يدلّ على أنّ انتقادات البروتستانت ليست واحدة، بل تنبع من فروق عقائديّة، لا من برهان حاسم على وقوع عبادة.

وأمّا نقد القرآن لعبادة الوسطاء (١٠:١٨)، فربّما كان متوجّهًا إلى ممارسات شائعة في جزيرة العرب في القرن السابع، من عبادة الأصنام، أو فرق نصرانيّة منحرفة، كفرقة "الكوليريديين"، الذين قيل إنّهم ألّهوا مريم. لكنّ العقيدة الكاثوليكيّة رفضت دومًا مثل هذه الممارسات، وأدانت تأليه مريم إدانة قاطعة. فالقول إنّ الإكرام الكاثوليكيّ لمريم هو شركٌ، هو خلط بين التعليم الكاثوليكيّ القويم، والممارسات التي أدانتها الكنيسة نفسها.

والاعتراف بوجود اختلافات في الرؤى أمر ضروريّ، لكنّ الاختلاف لا يعني قبول التحريف. وإن كان بعض البروتستانت أو المسلمين يرَون في إكرام مريم عبادة، فإنّ هذا الإدراك لا يطابق الإطار اللاهوتيّ للكاثوليكيّة. واحترامنا لوجهة نظرهم لا يستلزم قبول تعريفاتهم أو اتهاماتهم.

وإذا كنتَ تقبل ما نصّ عليه القرآن من أنّ النصارى (حتّى النصارى المنحرفين المعروفين في زمن النبيّ) هم من "أهل الكتاب"، وأنّ القرآن يُميّز اصطلاحيًّا بين أهل الكتاب وبين المشركين، فإنّ ذلك يستلزم منطقيًّا (بالقياس) أنّ القرآن لا يعتبر النصارى مشركين، وذاك هو بيت القصيد.

العقلانيّة المتعالية والتجسّد

إنّ العقلانيّة المتعالية، التي لا تروم نفي الله ولا الانتقاص من عظمته، لا تفتأ تطرح الإشكال الآتي: كيف للإله اللامتناهي أن يصير مخلوقًا محدودًا؟ وكيف للإله الذي لا يتغيّر، الأزليّ، أن يصير إنسانًا متغيّرًا وفانيًا؟ هذه هي المعضلة التي تستقي منها المونوفيزيتيّة (التوحّديّة) والوحدانيّة (Unitarians) غذاءها العقليّ. وإنّ التأمّل اللاهوتيّ يدور دائمًا حول قطبين جوهريّين: كيف يمكن لطبيعة بشريّة كاملة أن توجد بلا شخصٍ خاصّ بها؟ وما هو الرابطة الحقيقية التي تُشكّل وحدة المسيح؟ ثمّ، كيف يمكن أن يحدث التجسّد الإلهيّ دون أن يُفضي إلى الإخلال بألوهيّة الله، أو ثباته، أو بساطته؟

إنّ العقلانيّة المتعالية تضع في مقابلٍ متضادّ إطلاق الله ومحدوديّة المخلوق، وتُثير بذلك الإشكالات التالية:

١. الإشكال الأول: "إن كان الإله الأزليّ قد صار إنسانًا في الزمن، وعاش حياة إنسانيّة حقيقيّة، فقد دخل التغيّر عليه، والله لا يتغيّر."

الجواب: إنّ الله لا يدخل عليه التغيّر من جهة التجسّد، إلا إذا فُهِم هذا التجسّد على أنّه تحوّل من حال الألوهيّة إلى حال الإنسانيّة، بحيث يكفّ عن أن يكون إلهًا؛ أو إذا قيل، كما في عقيدة الإفراغ (kenosis) عند بعض البروتستانت، إنّه تخلّى عن بعض صفاته الإلهيّة؛ أو إذا قيل إنّه احتوى الطبيعة البشريّة داخل جوهره الإلهيّ، كما في المونوفيزيتيّة. أمّا بحسب العقيدة الكاثوليكيّة، فإنّ التجسّد هو اتّحاد الطبيعة البشريّة الكاملة بوحدة الشخص الإلهيّ، بحيث تُمارس الإنسانيّة وجودًا حقيقيًّا وكاملاً، دون اختلاط أو امتزاج مع الحياة الإلهيّة. إنّ الله يدخل في التجسّد في علاقة جديدة مع المخلوق؛ ولكن، كما هو الحال في جميع علاقاته مع المخلوقات (كالخلق، والإمداد، والتدبير)، فإنّ العلاقة تكون حقيقيّة من جهة المخلوق فقط. فالله من الأزل قد أراد التجسّد إرادة فعليّة، بكلّ تفاصيله، وعندما يقع في الزمن المعيَّن أبديًّا، لا يحدث في الله أيّ تغيّر، كما لا يتغيّر الله حين يخلق، أو حين يحفظ العالم. إذ إنّ طبيعة العلاقة تتيح أن يُنسب إلى أحد الطرفين علاقة جديدة، دون أن يتغيّر هو ذاته، كما يُقال عن إنسان إنّه أصبح "جارًا على اليمين" لمجرّد أنّ شخصًا آخر سكن على يساره، دون أن يتحرّك هو من مكانه.

٢. الإشكال الثاني: "إنّ الله، من خلال التجسّد، يضمّ المخلوق إلى وحدة شخصه، وهذا يُفضي إلى تركيب، يناقض بساطته، ويُفضي إلى زيادة في الكينونة، وهو ما يناقض كماله اللانهائيّ."

الجواب: في التجسّد، تبقى الألوهيّة على ما كانت عليه قبل الاتّحاد تمامًا، دون تغيير أو زيادة. فـ"أن يصير الله إنسانًا" ليس إلا علاقة جديدة بين الله والإنسان، وهذه العلاقة حقيقيّة من جهة الإنسان وحده. ولا شكّ أنّ إنسانيّة المسيح قد رُفِعَت إلى مقام أنطولوجيّ فائق لا نظير له (بنعمة الاتّحاد، gratia unionis)، غير أنّ الألوهيّة لم تتغيّر، ولم تزدَد، ولم تُكمَّل. فالله، بكماله اللانهائيّ، هو ملء الوجود ومنبع كلّ كينونة مخلوقة؛ وبالتالي، فإنّ كلّ حقيقة كينونيّة موجودة في المسيح الإنسان، هي قائمة أزليًّا في فكر الله وقراره الأبديّ، بأعلى درجات الإمكان. وكما أنّ الخلق لا يُنتج زيادة في كمال الله، فكذلك الوحدة الشخصيّة لا تُضيف شيئًا إلى الله. والتجسّد لا يخلّ بصفة البساطة الإلهيّة، لأنّ الله لا يدخل الاتّحاد الأقنوميّ كجزء، ولا يكتمل بالكلّ الناتج من التجسّد، ولا يستمدّ من التجسّد كمالًا زائدًا. فإنّ العلاقة بين اللاهوت والناسوت في المسيح (من حيث المضمون الأنطولوجيّ، والمُعَبَّر عنه هنا بمصطلحات تصوريّة) هي عينها علاقة الخالق بالمخلوق. وكما أنّ بساطة الله لا تنتقض بفعله الخلقيّ، وباتّحاده التدبيريّ مع العالم، فكذلك لا تُنقض هذه البساطة باصطفائه لطبيعة بشريّة لتتّحد بشخصه الإلهيّ.

٣. الإشكال الثالث: "إنّ بين الله والإنسان مسافة لا نهائيّة. فلكي يصير الله الإنسان، يلزم عبور هذه الهوّة، وهو أمر مستحيل، كما قال سبينوزا: كاستحالة تحوّل الدائرة إلى مربّع."

الجواب: إنّ الله، بوصفه خالقًا، ليس بعيدًا عن مخلوقاته، بل "به نحيا ونتحرّك ونوجد" (أعمال الرسل ١٧:٢٨). فكلّ مخلوق هو فكر إلهيّ منعكس، ومرآة من مرايا كماله، ولذلك يحمل كلّ مخلوق فيه سمةً خفيّة تجعله أقرب شيءٍ إلى الله من حيث الإمكان، وبها يمكن لله أن يمسكه ويرفعه إلى أقصى درجات المشاركة الإلهيّة الممكنة للمخلوق. وهذه القابليّة الفائقة للطبيعة (potentia obedientialis) هي التي تجعل الوحدة الشخصيّة ممكنة.

٤. الإشكال الرابع: "إنّ إنسانيّة المسيح حقيقة مخلوقة. غير أنّ فعل الخلق موجّهٌ على وجه التحديد إلى إيتاء الوجود للمخلوق. إذًا، إنسانيّة المسيح مخلوقة، أي أنّها توجد بوجود بشريّ."

الجواب: إنّ فعل الخلق لا يهدف إلى مجرّد وجود المخلوق فقط، بل إلى المخلوق ذاته من حيث هو موجود. ويبقى السؤال مطروحًا: هل يُخلَق وجود المخلوق مع محتواه الأنطولوجيّ، أم أنّ الوجود يُسند إلى واقعٍ أنطولوجيّ قائمٍ مسبقًا؟ في حالة إنسانيّة يسوع المسيح، ينطبق الاحتمال الثاني. لذا، فإنّه ليس دقيقًا أن نقول بإطلاقٍ: "إنّ إنسانيّة المسيح مخلوقة"، بل الأدقّ أن نقول، كما قال الكاردينال بيلّو (Billot): "إنّ الإنسانيّة المقدّسة للكلمة الأزليّ هي المخلوقة."

٥. الإشكال الخامس: "إذا كانت إنسانيّة المسيح تشارك في وجود ابن الله، فذلك يعني أنّ المخلوق المحدود يشارك في الوجود الإلهيّ اللامحدود، وهو أمر مستحيل."

الجواب: إنّ الوجود ليس مضمونًا أنطولوجيًّا، بل هو الحقيقة الميتافيزيقيّة التي تدعم وتوحّد المضمون الأنطولوجيّ. فإن قام الله، بواسطة هذه الحقيقة الوجوديّة، باتّخاذ مخلوق إلى ذاته، فليس في ذلك ما يدلّ على أنّه نقل شيئًا من جوهره الإلهيّ إلى ذلك المخلوق. وبما أنّ إدراكنا لماهيّة الله ناقص، فلا يمكننا أن نفهم هذا الأمر على وجه التمام، ولكن يُمكننا أن نُقارب الفهم من خلال القياس على أعمال الله الأخرى:

أ) إذا كان الله، في الخلق، يمنح الوجود لكائنات خارج نطاق وجوده الإلهيّ، على صورة وجود مخلوق نسبيّ، فلِمَ لا يقدر أن يمنح الوجود لكائن داخل نطاقه الوجوديّ ذاته؟ فكلّ مخلوق يعتمد جوهريًّا ودائمًا على الله في وجوده؛ وطريقة وجود إنسانيّة المسيح تمثّل أرقى درجات هذا الاعتماد.

ب) إذا كان الله قادرًا أن يُقيم المخلوقات في الوجود بقوّته، كما هو الحال في الخلق والاستمرار، فلِمَ لا يُقيمها بوجوده هو ذاته، أي بكيانه القائم بذاته، الذي به يُقيم نفسه؟

ج) وإذا كانت أقنوميّة ابن الله كافية لحمل الطبيعة الإلهيّة اللامحدودة، أفلا تكون أقدر على أن تحمل وتُفرِد طبيعة محدودة؟ صحيح أنّ الأقنوم المخلوق لا يقدر على ذلك؛ إذ في المخلوق، تتّحد الطبيعة والأقنوم في كينونة واحدة، ويُستنفَد دور الأقنوم في حفظ طبيعته وحدها، ولا يتعدّاها. أمّا في الله، فبما أنّ أقنوميّته لا نهائيّة القدرة، فلا يُتصوّر فيها مثل هذا التحديد أو العجز. ولهذا، قال اللاهوتيّون بحقّ: "إنّه كان ممكنًا لله، من حيث القدرة الإلهيّة، أن يدخل في اتّحاد أقنوميّ مع أفراد مخلوقين آخرين، أو عوالم أخرى، إمّا معًا أو على التوالي، بحسب مشيئته."

وقد عمد اللاهوتيّون، منذ زمن بعيد، إلى تمثيل العلاقة بين اللاهوت والناسوت في المسيح، وتشخيص وحدة الشخص فيه، بقياسٍ تشبيهيّ إلى الوحدة بين النفس والجسد في الإنسان، كما يظهر بوضوح عند القدّيس كيرلس الإسكندري، وفي قانون الإيمان الأثاناسي (Athanasian Creed). وهذا القياس يصحّ من عدّة وجوه:

أ) إنّ الجسد والنفس في الإنسان يشكّلان وحدةً شخصيّة حقيقيّة، برغم أنّ لكلٍّ منهما طبيعةً متميّزة: روحيّة ومادّيّة، كما أنّ لكلٍّ منهما أفعالًا خاصّة: روحيّة وبدنيّة. ومع ذلك، فإنّهما معًا يُكوّنان شخصًا واحدًا هو الإنسان.

ب) هذه الوحدة الشخصيّة الحقيقيّة للطبيعتين تشكّل الأساس لمبدأ تبادل الصفات (communicatio idiomatum)، ولوجود تفاعل متبادل بين النفس والجسد، كما نراه في تأثير النفس على الجسد، وتأثّر الجسد بالنفس.

ج) وفي هذا الاتحاد، تكون النفس هي المبدأ الحاكم والموجِّه، كما أنّ "الكلمة" (Logos) الإلهيّة هي المبدأ الحاكم في سرّ التجسّد.

إلّا أنّ القياس يفشل في وجهٍ جوهريّ، وهو أنّ الجسد والنفس في الإنسان كيانان غير مكتملين في ذاتيهما، وقد خُلِق كلٌّ منهما ليكمّل الآخر، بخلاف اللاهوت والناسوت في المسيح؛ فإنّ كِلتا الطبيعتين تامّتان مكتملتان، وتبقيان كذلك بعد اتحادهما. فلا يوجد في الكون مثالٌ تامٌّ يُحاكي اتحاد اللاهوت والناسوت في شخص المسيح، بل إنّه اتّحادٌ فريد لا نظير له، تجاوز حدود الأمثلة الطبيعيّة.
 
أعلى