اوريجانوس المصري
عابر سبيل
كفن تورينو بين مطرقة الحقيقة وسندان التزوير- الجزء الأول
أهمية البحث في حقيقة الكفن
- يعتقد الكثيرون أن هذا الكفن يخص الرب يسوع
- يدعي آخرون أنه يخص أحد زعماء فرسان الهيكل وهو Jakob von Molay وأن انطباع الصورة جاء من تعرّقه الشديد إثر تعرضه للتعذيب
- يظن البعض أن الكفن هو من صنع مزور ينتمي للقرون الوسطى، وعلى الأرجح فنان عبقري واختصاصي في علم التشريح والفيزياء والبصريات مثل ليوناردو دا فنشي، بأمر من أحد المتنفذين مقابل المال.
مقدمة
تشير الوثائق التاريخية وتحديداً التي تعود للقرن السادس الميلادي والآتية من مدينة الرها في جنوب شرق تركيا ( أورفا حالياً ) إلى المنديل الذي يحمل انطباع صورة وجه السيد المسيح والمشهور باسم " الصورة التي لم تصنعها يدٌ " . وفي العصور الوسطى عام 1203 يذكر المؤرخ Robert de Clari أنه شاهد بأم العين منديلاً في القسطنطينية عليه انطباع صورة وجه السيد المسيح، وقد اختفى منها في أثناء الحملة الصليبية الرابعة التي نهبت القسطنطينية عام 1204 ليظهر مجدداً في عام 1241 م في كنيسة القديسين حيث اصطحبه الصليبيون معهم. ثم في عام 1353 كُلّف الفارس الفرنسي Geoffroy de Charny من قبل الملك جون الملقب بالطيب ببناء كنيسة في مدينة Lirey ، حيث كان هناك أول تدوين رسمي يذكر فيه الكفن، ويُظن أن أحد أسلافه اصطحبها معه من القسطنطينية. وبعد مقتله في معركة بواتييه عمدت زوجته إلى تسليم الكفن لكهنة المدينة الذين عرضوه علناً ودعي الناس للتبرك منه، وانتعش اقتصاد المدينة بسبب الحجاج وما حملوه من نذور وتقدمات، وفي عام 1390 طلب البابا كليمنت السابع المقيم في أفينيون من المؤمنين الكاثوليك تكريم الكفن على رغم معارضة مطران تروا Troyes لعملية عرض الكفن بغية كسب المال، وأبدى عدم اقتناعه بحقيقته، فطلب إليه البابا التزام الصمت بشأن هذه القضية.
في الرابع عشر من أيلول سبتمبر من عام 1578 تم نقل الكفن إلى تورين حيث لا يزال محفوظاً إلى اليوم، وبقي في حيازة آل سافوا حتى وفاة آخر ملوكهم في إيطاليا والذي قدّمه ليرثه الفاتيكان في العام 1983 وحتى اليوم.
نجا الكفن من حريق قلعة شامبيري عام 1532 حيث كان في صندوق فضي، وبقيت آثار الحريق بشكل بقع متناظرة مع بقع الماء المستعمل لإطفاء الحريق، وقد خيطت الثقوب بعد ذلك بعامين من قبل الراهبات. وقد أزيلت ثلاثين بقعة من قبل الخبراء عام 2002 ليبدو الكفن على الحوافّ مختلفاً بعض الشيء عن الصور الملتقطة له قبل ذلك العام. ونجا الكفن أخيراً في 12 نيسان أبريل 1997 من حريق آخر اندلع في كاتدرائية تورينو حيث كان محفوظاً، ليتم إنقاذه سالماً من قبل رجل الإطفاء الإيطالي ماريو تريماتوري.
حسب الكفن كان يسوع يبلغ 1.81 م طولاً ويزن 80 كغ، طوله من الأمام أقصر ب 5 سم من الخلف حسبما وجد علماء الإنسان " الأنتروبولوجيا "، وزمرة دمه AB، ووليس غريباً بقاء الدم طوال تلك المدة إذ يقول الدكتور الباحث جون هيلر الأمريكي ( توفي عام 1995 ) وهو من باحثي الكفن أن مادة البورفيرين وجدها العلماء في مستحاثات عمرها خمس ملايين سنة، فالدم لا يتبخر. تاريخ البحث في حقيقة كفن تورينو
البحوث جارية على الكفن منذ فترة بعيدة. تعود الدراسة الموضوعيّة الأولى عن كفن تورينو إلى رئيس أساقفة بولونيا الفونسو باليوتو، أصدرها العام 1598، شرح فيها طبيعة الجروحات البادية على رَجل الكفن، مقارنًا إيّاها بما جاء على لسان الأنبياء والآباء، ومتوقِّفًا عند بعض التفاصيل الطبيّة، كمكان غرز المسامير في الجسم وعددها.
وفي 28 أيار/ مايو 1898 قام المصور الهاوي والمحامي الإيطالي سيكوندو بيا Secondo Pia بتصوير ما مساحته 50 X 60 سم من القماش بكاميرا مسطحة، وخلال تحميض الفيلم في غرفة التحميض لم يظهر كما هو متوقع عادةً صورة نيغاتيف ، بل صورة إيجابية positive لجسم بشري يمكن تمييز معالمها. لم يهتم أو يأبه للمصور الهاوي أحدٌ في ذلك الوقت ( ففي التصوير عادة، يُعتبَر الشخص الذي نراه بالعين المجرّدة صورة إيجابيّة - پوسيتيف، تتحوَّل في فيلم التصوير، الموجود داخل الكاميرا، إلى صورة سلبيّة - نيغاتيف، حيث تنعكس الألوان والاتجاهات، فيصبح اللون الفاتح غامقًَا، واللون الغامق فاتحًا، وتتحوّل اليد اليمنى مثلاً إلى يسرى، واليسرى إلى يمنى. في المختبر، يحوّل المصوّر الصورة السلبيّة إلى الصورة الإيجابيّة، بواسطة التحميض والتظهير، فيَظهر لنا شكل الشخص على حقيقته، كما لو رأيناه بالعين المجرّدة.
أمّا المحامي پِيّا فقد رأى، في الصورة السلبيّة، ما كان يُفترَض أن يراه في الصورة الإيجابيّة، أي أنّه رأى صورة الجسم على حقيقته، كما لو رآه بالعين المجرّدة، فبدا مذهولاً للأمر ).
في العام 1900، أي سنتين فقط بعد البلبلة التي أحدثتها صور سِكُندو بيّا، قام الراهب الفرنسيّ المؤرِّخ أُليس شوفالييه ( متوفي عام 1923 ) بعرض بعض الوثائق التي اكتشفها، واستنتج منها أنّ الكفن من صُنع أحد الرسّامين. لكنّ المعاينات المباشرة للكفن، بالإضافة إلى الصور العديدة التي التُقطت له لاحقًا، أثبتت عدم وجود أيّ مادة تلوينيّة اصطناعيّة على النسيج.
وفي 21 نيسان العام 1902، قام البروفسور إيف دولاج وهو ملحد ، بتقديم بحثٍ له إلى الأكاديميّة الفرنسيّة للعلوم، يشير فيه إلى قناعته بأنّ كفن تورينو هو نفسه الكفن الذي لُفَّ به جسد المسيح. أثار هذا البحث اعتراض زملائه، وعلى رأسهم أمين سرّ الأكاديميّة، العالم الملحد مارسيلان بِرتيلوه. لكنّ دولاج دافع عن وجهة نظره، قائلاً بأنّ هدفه هو إظهار الحقيقة فقط، حتى ولو كَلَّفه ذلك خسارة أصدقائه.
بلغت الأبحاث ذروتها بإشراف الكاردينال أنستازيو باليستريرو مطران تورينو، والباحث مايكل تايت مدير المتحف البريطاني في لندن، بمشاركة ممثلين عن ثلاثة معاهد أبحاث عالمية هي أكسفورد، زوريخ وتوكسون في أريزونا بالولايات المتحدة. اقتطعوا من القماش بضعة سنتيمترات وتوزوعوها فيما بينهم، مع قطعة قماشية مرجعية للمقارنة ترجع للقرنين الثالث عشر أو الرابع عشر مأخوذة من معطف معروف مصنوع في جنوب فرنسا في تلك الفترة. تم البحث باستخدام طريقة الكربون المشع C-14 ، وكانت النتائج مفاجئة وأن الكفن يعود للقرنين 13 أو 14 فقط.
في تشرين أول/ أكتوبر عام 1988 وقف الكاردينال باليستريرو وأعلن " الكفن ليس حقيقياً، إنه يعود للعصور الوسطى. لقد نطق العلم "، ولكن كلامه الذي التقطه المشككون بفرح والمؤمنون بخيبة أمل لم ينته، فقد تابع قائلاً " ليس باستطاعة أحد إرغامي على الموافقة على هذه النتيجة. العِلم هو الذي سيحكم على العِلم... إنّ هذه الفحوص لا تُنهي فصول الكتاب حول الكفن، وهي ليست إلاّ فصلاً آخَر يُضاف إلى قصّة الكفن أو، كما يقول بعضهم، إلى ألغاز الكفن. وبعد كلِّ هذه الأبحاث، ليست لدينا أجوبة لتفسير كيفيّة حدوث صورة المسيح هذه".
قام بعض الباحثين إثر ذلك بكشف أخطاء كبيرة في نتائج الكربون المشع، وهم ماريا سيلياتو ( إيطالية من أصل سويسري ) والفرنسي أرنود- آرون أوبينسكي والألمانيان إلمار غروبر ( من فرايبورغ ) و هولغر كيرستن (من منشن )، وأعلنوا أن أبحاث الكربون المشع قد تم تطبيقها بشكل خاطيء وأن النتائج بالتالي غير صحيحة. وأكدوا أن السبب يكمن في عدة عوامل منها: أن العينّات تم أخذها من جزء تم إصلاحه في وقت أحدث، وأن القماش متسخ جداً، بالإضافة لوجود طبقة بلاستيكية القوام على القماش تعطي نتائج خاطئة، كما أن العناصر الناتجة عن تحلل المواد العضوية والحرائق المتعددة التي أصابت الكفن والتي كان أشهرها في مدينة شامبيري الفرنسية عام 1532 تجعل نتائج فحوص الكربون المشع غير مأخوذ بها.
ومؤخراً قال بروفيسور الكيمياء العضوية في جامعة بافيا الإيطالية لويجي غارلاشيللي أنه استطاع إعادة إنتاج نسخة من كفن تورينو تبرهن بشكل قاطع على أن قطعة الكتان التي يقدسها الفاتيكان ليست إلا دليلاً مزيفاً يرجع إلى العصور الوسطى. ويقول" وجدنا أنه بالإمكان إعادة إنتاج شيء يحمل نفس خصائص الكفن الأصلي " .
وتم إجراء أبحاث أخرى شارك فيها الكثير من الخبراء بينهم خبراء من روسيا، عملوا على مختلف الفرضيات والإحتمالات ، وأعلنوا أن القماش يمكن أن يكون أقدم بحوالي ألف سنة من القرنين الثالث عشر او الرابع عشر.
وتؤكد كل الأبحاث العلمية هذه المعطيات، سواء التصويرية ، التاريخية، تحليل النصوص الإنجيلية أو إعادة بناء الصورة بالكمبيوتر. كل هذه الأبحاث لم تترك مجالاً كبيراً للشك بأن قطعة القماش تلك قد تعود إلى زمن السيد المسيح.
وقد صرّح رئيس المعهد الدولي لأبحاث الكفن في تورين Institut für Grabtuchforschung وأستاذ الفيزياء والرياضيات في جامعة تورين البروفيسور برونو باربيريس للمجلة الدورية الألمانية FOCUS " لقد اقتنعت شخصياً أن هذا الكفن هو الكفن الذي كان يسوع ملفوفاً به، لا يوجد دليل علمي ولا يوجد كذلك فحص محدد يمكن له أن يعطيناً رأياً محدداً نهائياً، ولكنها جميعاً مع بعضها تعطي نتيجة على درجة عالية من الدقة ". إن القوانين الرياضية الصارمة يمكن أن تصادف بعض الثغرات التي يمكن ردمها من خلال الفرضيات المنطقية.
كما صرّح البروفيسور باربيريس للدورية الألمانية شتيرن Stern في أبريل عام 2010 " إن الصورة التي على الكفن هي سلبية – نيغاتيف – بينما بقع الدماء هي إيجابية – بوزيتيف -، وعلى الجثة علامات لعذابات لا يمكن أن تجتمع كلها في رجل واحد عانى من كل هذه الآلام سوى يسوع المسيح والتي تحدثت عنها الأناجيل بتفصيل. ومن وجهة نظر تاريخية صرفة أقول أن هذا القماش هو القماش الذي كان يسوع المسيح ملفوفاً به بعد صلبه. وقد تغلغل الدم لبضعة أعشار الميكرومترات في القماش فقط. في ل الأبحاث التي أجريت حتى اليوم لم يتمكن أي باحث من إعادة إنتاج صورة مشابهة لتلك التي على الكفن. أضف إلى ذلك أمراً هاماً وهو أنه أمكننا التعرف على التسلسل الزمني للبقع والذي بيّن أن بقع الدماء تسبق حدوث انطباعات الجثة ( الدم أولاً ثم الصورة ). هذا عرفناه من خلال اكتشاف وجود كريات دموية منفجرة عبر السنوات، وفي تلك الأماكن ليست فقط الدم مختفي بل والصورة كذلك، وهذا يعني أن صورة المتوفي هي فوق الدم وليست تحته ".
ويرد البروفيسور بابيريس على سؤال بأن البروفيسور الكيميائي لويجي غارلاشيللي من بافيا ادّعى أنه أنتج صورة مشابهة لصورة الكفن بقوله " غارلاشيللي استعمل أكسيد الحديد في عمله، بينما لم نجد لهذه المادة أثراص على كفن تورينو. إضافة إلى أن الصورة التي أنتجها غارلاشيللي يختلف مقدار تغلغلها في عمق وخيوط النسيج اختلافاً كلياً عما هو الحال عليه في كفن تورينو".
ويتابع البروفيسور بابيريس " إن نتائج الكربون المشع 14 لا تثبت على الإطلاق زيف الكفن، لأن هذه القطعة من القماش قد أصابها عبر مئات السنوات الكثير من التلوث، الأمر الذي يجعل من اختبارات الكربون المشع مشكوك بقيمتها. حيث أن العضويات المجهرية تنتج هي بدورها الكربون المشع والذي يختلط مع تلك الصادرة من الكفن ويسبب خطأً في النتائج. ليس هذا فقط، بل ووجود تلك المادة لزمن طويل في جو غني بغاز ثاني أوكسيد الكربون يجعل المنتائج خاطئة. ومع الأسف فإن المرة الوحيدة التي سُمح فيها بأخذ عينات من الكفن، تم أخذها من أقل المواضع مناسبةً للفحص. ولضمان الدقة يجب أخذ عينات من مناطق مختلفة من الكفن ومقارنة النتائج معاً، وفقط بهذه الطريقة يمكن الحصول على نتائج دقيقة للغاية ". ويستطرد قائلاً " لقد تم وضع خطة مع الفاتيكان، لأنه ليس أمراً سهلاً أن تنقل المختبرات إلى حيث الكفن بدلاً من أن تأتي به إلى المخبر، وعلى الأغلب سيبدأ العمل والبحث من جديد العام القادم ". ويؤكد البروفيسور في ختام كلامه على أن الكنيسة لم تقم بإعاقة عمليات التحليل والإختبارات بل " في السنوات الماضية كان أمراً ضرورياً جداً للكنيسة الكاثوليكية أن تحافظ على الكفن سالماً، كما أن الكفن يخص الكرسي الرسولي وله الحق في السماح بإجراء البحوث والإختبارات عليه ".
أعلنت ماريا سيلياتو السابق ذكرها عن اكتشاف كتابة على قطعة الكفن على الوجه ربما تكون اسم " يسوع الناصري "، بدت واضحة لدى فحص الكفن بالكمبيوتر بتقنية التكبير الرقمي للتباين اللوني. لكن هذا الوضوح لا يعتدّ به الباحثون كثيراً.
أما الباحث الفرنسي أرنود- آرون أوبينسكي من السوربون فيتعهّد بأنه سيعمل على كشف الحقيقة دون الإهتمام بنتائجها لاهوتياً، وهو في عمله وبحثه لا يضع اعتباراً للخجل من البوح بها. عمل الرجل طويلاً في البحث عن حقيقة ذلك الكفن ولم يخلص إلى نتائج إضافية كثيرة سوى أن الجسد الذي قد لُفّ بهذا الكفن لا بد وأنه جسد السيد المسيح، يقول " ل يس من الممكن تقليد تلك الصورة، لا بالرسم ولا باستخدام أيّ من المواد الكيميائية ولا حتى بالتبخر يمكن صنع شيء يشبهها ". ولا يمكن أن يكون الفنان المبدع ليوناردو دافنشي قد فعل ذلك كما يتم الترويج حالياً، إذ انه ببساطة لم يكن قد وُلد في الفترة التي كان مثبتاً أن الكفن كان فيها في جنوب فرنسا.
أشارت الدراسة إلى أن تلك الصورة السلبية negative موجودة فقط على سطح النسيج وليس في عمقه، ومن شأن الصورة المرسومة رسماً أن يكون النسيج بكامله مشبعاً بها. يرى أوبينسكي أن الجسم الذي كان ملفوفاً بذلك النسيج قد ترك آثاره من خلال اختراقه لذلك النسيج على نحو غير عادي.
على العموم فإن الإختبارات لم تُستنفذ تماماً، حيث أن رموز الحامض النووي DNA لم تٌفكّ بعد. تحليل الدماء التي على قطعة القماش أثبتت فقط أنها دماء شخص ذو فصيلة دم AB . ويُنتظر من تحليل الكروموزومات أن يتحدد فيما لو كان مصدر الدم الذي على القماش هو شخصي حيّ أم ميت.
حتى الآن لم تستطع كل التقارير المضادة أن تدحض صحة الكفن وأنه يعود ليسوع المسيح، كما لم تستطع الأبحاث بالمقابل إثبات ذلك أيضاً، وبين الرأيين يرى الكثير من العلماء أنه لربما توجد أدلة جديدة تؤكد حقيقة أن الكفن يعود لزمن السيد المسيح ويخصّه، وبأن العلم لن يغير من الإيمان في شيء.
تعتبر الكنيسة الكاثوليكية الكفن كنزاً ثميناً، وهو الشيء المادي الوحيد الباقي من يسوع المسيح. ولكن حرصاً منها على الإيمان وعلى الكنيسة فإنها تكتفي بوصف هذا الكنز المسيحي الثمين بأنه " أيقونة " فقط. إن الآثار المنطبعة على كفن تورينو فيما لو كانت تعود للرب يسوع فعلاً فإنها تشير إلى هول الآلام التي كابدها قبل أن يموت بالجسد، وتوافق وصف الأناجيل لها. وهي تؤكد أن جنديين قد تناوبا على جلد الجزء العلوي من جسد الرب، وأن السياط كانت تحمل في نهايتها كرات من الرصاص تركت ما يزيد عن 120 حفرة في الجسد، وأن الإنطباعات التي على الكفن تنماشى مع الجراح التي خلّفتها تلك الكرات في الجلد. أما تاج الشوك فهو كما لو كان خوذة كاملة من الأشواك. هذا بالإضافة لعلامات الحريق عام 1532، وعلامات للماء الذي استخدم في إطفاء الحريق وآثار لسياط وأشواك وجراح مختلفة على الأطراف والصدر ...
الدراسات وملخص نتائجها
* نسيج الكفن
الباحثون جيلبر رايس ( بلجيكا ) ، جون تايرر ( بريطانيا ) وغبريال فيال ( فرنسا ) وتلخصت نتائج دراساتهم في أنّ الكفن مصنوع من كتّان من المرجّح أنّه كتّان برّي، بحالة جيّدة، ولا يتأثر بالشدّ أو الفرك، ولونه مائل إلى الإصفرار، كلون التبن. في نسيج الكفن بعض ألياف القطن.
استلزم صنع نسيج الكفن نَولاً له أربع دعسات. إنّ طريقة النسج من نوع "السرجة" ذي القطبات المتعرّجة، الخيوط فيه ترسم نسيجًا مصلَّبًا. وهذا يشير إلى أن كلفة صنعه مرتفعة.
* علم التشريح الطبي
أشهر من عمل على الدراسة الطبية والتشريحية لرجل الكفن كان الطبيب الفرنسي بيار باربيه ( 1884 - 1961 ) الجراح في مشفى القديس يوسف في باريس، ونتائج بحثه نشرها في كتاب في خمسينيات القرن العشرين وأهم ما فيها التالي:
غُرزت مسامير اليدين في المعصم، بين عظام الرسغ، وليس في راحة اليد كما تخيلها الرسّامون والاعتقاد الشعبيّ.
إنّ رَجل الكفن إنسان ميت لأنّ تصلّب الجثة rigidity واضح، لكنّه لا يوجد على الكفن أي أثر لاهتراء الجسد، ما يعني أنّ الجسد ترك الكفن قبل بدء عمليّة التَحلّل.
لكنّ الاختبارات الحديثة، في هذا المضمار، التي قام بها فردريك الزغيبي (فريد الزغبي؟) Frederick Zugibe، الطبيب الأميركي اللبنانيّ الأصل، والمرجع العالمي حول تأثيرات الصلب على جسد المصلوب، تناقض معظم استنتاجات باربيه. ففي كتابه الأخير، الصادر في العام 2005، يردّ الزغبي على النقاط السابقة بالتالي:
- المسامير غرزت في الرسغ في منطقة أقرب إلى الإبهام، وليس للخنصر كما اعتقد باربيه.
- لا يموت المصلوب اختناقًا بل نتيجة الصدمة ( وهي انهيار حاد في ضغط الدم وعمل القلب نتيجة فشل آليات الجسم في الحفاظ على الدوران الطبيعي كما في النزف الشديد مثلاً ) ، فيقول الزغبي: " لو كان عليّ إصدار وثيقة وفاة بصفتي رئيسًا لجهاز الكشف الطبّي، لكنتُ قرَّرت أن سبب الوفاة هو الصدمة جراء الإصابات الناتجة عن عمليّة الصلب. ولو فرضنا أنّه لم يمت نتيجة هذه الاصابات، فإنّ جرح الحربة، بالإضافة إلى وضع الصدمة العام، سوف يؤدّي إلى الوفاة، نتيجة التحرّك المنصفي القويّ الذي يسبِّبه الاسترواح الصدري Pneumothorax ".
- إنّ جسم الرجل قد غُسل قبل إلقائه على الكفن، ولو لم يكن كذلك، لكان الكفن كلّه مغطّى بالدم، ومن المستحيل مشاهدة آثار الجروح واضحة كما تبدو عليه الآن.
- أنّ رجل الكفن إنسان ميت، وتصلّب الجثّة واضح.
هذا ويُشار إلى إنّ دراسات الزغبي لها مصداقيّة أكبر من دراسات باربيه، كونها تّمَّت بعد أكثر من خمسين سنة، في زمن تطوَّرت فيه الأبحاث الطبيّة بشكل هائل.
* علم النبات
أثبت علماء النبات وأهمهم ماكس فراي ( زوريخ - سويسرا ) وبعده أفينوام دانين و أوري باروخ( أستاذان في الجامعة العبرية في أورشليم ) وجود آثار لحبات طلع على النسيج يتناسب مع نباتات تنبت وتزهر في موسم الفصح في محيط مدينة أورشليم، بالإضافة لغبار طلع للأشواك التي صُنع منها إكليل الشوك الذي يبدو فوق رأس الرجل الذي في الكفن. فقد وجد فراي 58 نوعاً من حبات الطلع، منها ستة تعود لنباتات لا ينمو إلا على ضفاف البحر الميت، واخرى لأزهار موجودة فقط في تركيا.
* علم الكيمياء
وعلى رأس الباحثين كان ألان أدلر، وملخص الدراسات يقول:
إن آثار الجسم على الكفن ناتجة عن تدرّج ألوان الخيوط، وأنّه لا وجود لآثار اهتراء الجسم الذي لُفّ به هذا الكفن، ما يعني أنّ الجسم غادر الكفن قبل بدء عمليّة التحلّل، وأنّه ليس من المعقول أن يكون اللون القرمزيّ مادّة تلوينيّة لأنّه لو كان هناك تلوين، لسال مع ارتفاع الحرارة، في أثناء تعرّض الكفن للحريق عدّة مرّات، وأهمّه حريق العام 1532. كما ويُظهر التحليل بواسطة الكمبيوتر، عدم وجود اتجاهات محدّدة في البقع، وهذا يعني استحالة استعمال ريشة فنّان لصنعها. ليس من تطابق مع أيّ مادّة تلوينيّة استُعملت منذ آلاف السنين حتّى اليوم.
* علم الأيقونوغرافيا ( الأيقونات )
معظم أيقونات السيّد المسيح، بدءًا من القرن السادس، تحمل علامات مشتركة مع الوجه الذي نراه على الكفن، ما قد يدلّ على أنّ رسّامي الأيقونات استوحوا رسوماتهم من مصدر واحد. وقد أحصى پول ڤينيون العلامات المشتركة، فتبيَّن له أنّ عددها عشرون؛ وأحصاها مؤخّرًا الأميركي آلن وانغر ، بواسطة طريقة حديثة متطوّرة، فتَبيَّن له أنّها أكثر من مائتي علامة، نذكر أهمّها: الخطّ الأفقي في وسط الجبين، الحاجب الأيمن الذي هو أكثر كثافة من الحاجب الأيسر وأعلى منه، الوجنتان البارزتان، اللحية المنقسمة إلى اليمين وإلى اليسار، خصلة الشعر على الجبين.
* الكربون المشع
ذكرنا سابقاً النتيجة التي توصل لها الفحص الوحيد بالكربون المشع والذي أجري في ثلاث مخابر منفصلة.
لكن العلماء الذين لم يشاركوا في فحوص المختبرات الثلاثة تساءلوا: هل تَمَّ تنظيف العيّنات من آثار التلوّث المتراكم على سطح النسيج بطريقة جيّدة؟ وما كان تأثير حرارة الحريق الذي تعرَّض له الكفن، العام 1532 على كميّة الكاربون 14 في النسيج؟ ولماذا لم تؤخذ العيّنات من أماكن مختلفة من الكفن، بدل أن تؤخذ كلّها من مكان واحد مشكوك بأمره؟
ظلّ الوضع على حاله، بين أخذٍ وردّ، إلى أن نشر راي روجرز، في المجلّة الأميركيّة المتخصِّصة ، العدد 425، العام 2005، بحثا حاسمًا، بَرهن فيه أنّ المكوّنات الكيميائيّة للعيّنة التي اقتُطعت من الكفن لإجراء فحص الكاربون 14 عليها، تختلف عن المكوّنات الكيميائيّة لباقي نسيج الكفن، وأنّ عمر النّسيج الأساسيّ يتراوح ما بين 1300 سنة و3000 سنة. فاستنتج المجتمع العلمي أنّ عيّنة الكربون 14 لم تكن جزءًا من الكفن في الاساس، وربّما أُضيفت لاحقًا بطريقة حذقة وغير مرئية! ومع أنّ راي روجرز لم يكن له متَّسع من الوقت لتأكيد هذا الاستنتاج، إذ وافته المنيّة بسبب معاناته من مرض السرطان.
فرضيات انطباع الصورة
ليس مفهوماً حتى اليوم كيفيّة تشكل الصورة. لكن إحدى أهم المحاولات التي جرت لتفسير الظاهرة هي التي أجراها Dr. Nicolas Allen ، في غرفة معتمة مانعة لنفاذ الضوء، تمكن نيكولاس من الحصول على صور لتماثيل على كتان مطليّ بمادة نترات الفضة من خلال إضاءتها لأيام عدّة وهي أمام عدسة وفق تقنية الكميرا البسيطة. وهذه التقنية معروفة منذ زمن بعيد كما أن نترات الفضة كانت مادة لها استخداماتها الطبية ويسهل الحصول عليها في القرن الرابع عشر، كما كانت العدسات معروفة في ذلك الزمن وتستخدم للقراءة. وهذه الفرضية عادت للظهور عندما اكتشف الباحثون في جامعة بادوفا الإيطالية في العام 2004 انطباع باهت على الوجه الخلفي للقماش يظهر فقط الوجه واليدين بشكل خفيف جداً ودون أي تفاصيل إضافية، كما لو أن قماش الكفن كان ممدوداً أمام سطح مستوٍ أثناء عملية تصوير ( هذا لو صحت الفرضية أساساً )، كما أمام الجدار مثلاً حيث يخترقها الضوء ويصل للجدار ليعود ويرتد عليها مجدداً من الناحية الظهرية.
من الأمور التي تدعم فرضية وجود التزوير واستخدام هذه التقنية هو عدم وجود تشويه في صورة الرجل الذي من المفترض أن يحدث إذا كان ملفوفاً بتلك القطعة القماشية ( أي أن تكون الصورة أعرض بعد فرد القماش بشكل مستوٍ ).
++++++++++
المراجع في نهاية الجزء الثاني والأخير.
ترجمة وإعداد إدارة الشبكة
لا يزال واحدٌ من أكثر الألغاز غموضاً في العصر الحديث. عندما تم عرض كفن تورينو الشهير للعامة في الفترة بين 18 نيسان / أبريل ولغاية 14 حزيران/ يونيو في كاتدرائية تورينو بإيطاليا. كان حوالي 700.000 بطاقة قد بيعت قبل أسبوع واحد من الفصح المقدس عام 2010. ولم يكن بمقدور أحد، سواء من الفضوليين أو المشككين، أن يتوقف لأكثر من دقيقة أمام القماش الموضوع خلف زجاج مضاد للرصاص. ومن مرّ على مسافة بين 2 وَ 5 م تمكن بشكل ما أن يميّز ملامح صورة سلبية – نيغاتيف - لرأس بشري ، يرى بعض لا بأس به من الباحثين أنه من الممكن أن يكون صورة لوجه يسوع الناصري. ومن المفترض أن هذا القماش قد لُفَّ به يسوع بعد إنزاله عن الصليب.
لا يزال واحدٌ من أكثر الألغاز غموضاً في العصر الحديث. عندما تم عرض كفن تورينو الشهير للعامة في الفترة بين 18 نيسان / أبريل ولغاية 14 حزيران/ يونيو في كاتدرائية تورينو بإيطاليا. كان حوالي 700.000 بطاقة قد بيعت قبل أسبوع واحد من الفصح المقدس عام 2010. ولم يكن بمقدور أحد، سواء من الفضوليين أو المشككين، أن يتوقف لأكثر من دقيقة أمام القماش الموضوع خلف زجاج مضاد للرصاص. ومن مرّ على مسافة بين 2 وَ 5 م تمكن بشكل ما أن يميّز ملامح صورة سلبية – نيغاتيف - لرأس بشري ، يرى بعض لا بأس به من الباحثين أنه من الممكن أن يكون صورة لوجه يسوع الناصري. ومن المفترض أن هذا القماش قد لُفَّ به يسوع بعد إنزاله عن الصليب.

أهمية البحث في حقيقة الكفن
- يعتقد الكثيرون أن هذا الكفن يخص الرب يسوع
- يدعي آخرون أنه يخص أحد زعماء فرسان الهيكل وهو Jakob von Molay وأن انطباع الصورة جاء من تعرّقه الشديد إثر تعرضه للتعذيب
- يظن البعض أن الكفن هو من صنع مزور ينتمي للقرون الوسطى، وعلى الأرجح فنان عبقري واختصاصي في علم التشريح والفيزياء والبصريات مثل ليوناردو دا فنشي، بأمر من أحد المتنفذين مقابل المال.
مقدمة
تشير الوثائق التاريخية وتحديداً التي تعود للقرن السادس الميلادي والآتية من مدينة الرها في جنوب شرق تركيا ( أورفا حالياً ) إلى المنديل الذي يحمل انطباع صورة وجه السيد المسيح والمشهور باسم " الصورة التي لم تصنعها يدٌ " . وفي العصور الوسطى عام 1203 يذكر المؤرخ Robert de Clari أنه شاهد بأم العين منديلاً في القسطنطينية عليه انطباع صورة وجه السيد المسيح، وقد اختفى منها في أثناء الحملة الصليبية الرابعة التي نهبت القسطنطينية عام 1204 ليظهر مجدداً في عام 1241 م في كنيسة القديسين حيث اصطحبه الصليبيون معهم. ثم في عام 1353 كُلّف الفارس الفرنسي Geoffroy de Charny من قبل الملك جون الملقب بالطيب ببناء كنيسة في مدينة Lirey ، حيث كان هناك أول تدوين رسمي يذكر فيه الكفن، ويُظن أن أحد أسلافه اصطحبها معه من القسطنطينية. وبعد مقتله في معركة بواتييه عمدت زوجته إلى تسليم الكفن لكهنة المدينة الذين عرضوه علناً ودعي الناس للتبرك منه، وانتعش اقتصاد المدينة بسبب الحجاج وما حملوه من نذور وتقدمات، وفي عام 1390 طلب البابا كليمنت السابع المقيم في أفينيون من المؤمنين الكاثوليك تكريم الكفن على رغم معارضة مطران تروا Troyes لعملية عرض الكفن بغية كسب المال، وأبدى عدم اقتناعه بحقيقته، فطلب إليه البابا التزام الصمت بشأن هذه القضية.
في الرابع عشر من أيلول سبتمبر من عام 1578 تم نقل الكفن إلى تورين حيث لا يزال محفوظاً إلى اليوم، وبقي في حيازة آل سافوا حتى وفاة آخر ملوكهم في إيطاليا والذي قدّمه ليرثه الفاتيكان في العام 1983 وحتى اليوم.
نجا الكفن من حريق قلعة شامبيري عام 1532 حيث كان في صندوق فضي، وبقيت آثار الحريق بشكل بقع متناظرة مع بقع الماء المستعمل لإطفاء الحريق، وقد خيطت الثقوب بعد ذلك بعامين من قبل الراهبات. وقد أزيلت ثلاثين بقعة من قبل الخبراء عام 2002 ليبدو الكفن على الحوافّ مختلفاً بعض الشيء عن الصور الملتقطة له قبل ذلك العام. ونجا الكفن أخيراً في 12 نيسان أبريل 1997 من حريق آخر اندلع في كاتدرائية تورينو حيث كان محفوظاً، ليتم إنقاذه سالماً من قبل رجل الإطفاء الإيطالي ماريو تريماتوري.
حسب الكفن كان يسوع يبلغ 1.81 م طولاً ويزن 80 كغ، طوله من الأمام أقصر ب 5 سم من الخلف حسبما وجد علماء الإنسان " الأنتروبولوجيا "، وزمرة دمه AB، ووليس غريباً بقاء الدم طوال تلك المدة إذ يقول الدكتور الباحث جون هيلر الأمريكي ( توفي عام 1995 ) وهو من باحثي الكفن أن مادة البورفيرين وجدها العلماء في مستحاثات عمرها خمس ملايين سنة، فالدم لا يتبخر. تاريخ البحث في حقيقة كفن تورينو
البحوث جارية على الكفن منذ فترة بعيدة. تعود الدراسة الموضوعيّة الأولى عن كفن تورينو إلى رئيس أساقفة بولونيا الفونسو باليوتو، أصدرها العام 1598، شرح فيها طبيعة الجروحات البادية على رَجل الكفن، مقارنًا إيّاها بما جاء على لسان الأنبياء والآباء، ومتوقِّفًا عند بعض التفاصيل الطبيّة، كمكان غرز المسامير في الجسم وعددها.
وفي 28 أيار/ مايو 1898 قام المصور الهاوي والمحامي الإيطالي سيكوندو بيا Secondo Pia بتصوير ما مساحته 50 X 60 سم من القماش بكاميرا مسطحة، وخلال تحميض الفيلم في غرفة التحميض لم يظهر كما هو متوقع عادةً صورة نيغاتيف ، بل صورة إيجابية positive لجسم بشري يمكن تمييز معالمها. لم يهتم أو يأبه للمصور الهاوي أحدٌ في ذلك الوقت ( ففي التصوير عادة، يُعتبَر الشخص الذي نراه بالعين المجرّدة صورة إيجابيّة - پوسيتيف، تتحوَّل في فيلم التصوير، الموجود داخل الكاميرا، إلى صورة سلبيّة - نيغاتيف، حيث تنعكس الألوان والاتجاهات، فيصبح اللون الفاتح غامقًَا، واللون الغامق فاتحًا، وتتحوّل اليد اليمنى مثلاً إلى يسرى، واليسرى إلى يمنى. في المختبر، يحوّل المصوّر الصورة السلبيّة إلى الصورة الإيجابيّة، بواسطة التحميض والتظهير، فيَظهر لنا شكل الشخص على حقيقته، كما لو رأيناه بالعين المجرّدة.
أمّا المحامي پِيّا فقد رأى، في الصورة السلبيّة، ما كان يُفترَض أن يراه في الصورة الإيجابيّة، أي أنّه رأى صورة الجسم على حقيقته، كما لو رآه بالعين المجرّدة، فبدا مذهولاً للأمر ).
في العام 1900، أي سنتين فقط بعد البلبلة التي أحدثتها صور سِكُندو بيّا، قام الراهب الفرنسيّ المؤرِّخ أُليس شوفالييه ( متوفي عام 1923 ) بعرض بعض الوثائق التي اكتشفها، واستنتج منها أنّ الكفن من صُنع أحد الرسّامين. لكنّ المعاينات المباشرة للكفن، بالإضافة إلى الصور العديدة التي التُقطت له لاحقًا، أثبتت عدم وجود أيّ مادة تلوينيّة اصطناعيّة على النسيج.
وفي 21 نيسان العام 1902، قام البروفسور إيف دولاج وهو ملحد ، بتقديم بحثٍ له إلى الأكاديميّة الفرنسيّة للعلوم، يشير فيه إلى قناعته بأنّ كفن تورينو هو نفسه الكفن الذي لُفَّ به جسد المسيح. أثار هذا البحث اعتراض زملائه، وعلى رأسهم أمين سرّ الأكاديميّة، العالم الملحد مارسيلان بِرتيلوه. لكنّ دولاج دافع عن وجهة نظره، قائلاً بأنّ هدفه هو إظهار الحقيقة فقط، حتى ولو كَلَّفه ذلك خسارة أصدقائه.
بلغت الأبحاث ذروتها بإشراف الكاردينال أنستازيو باليستريرو مطران تورينو، والباحث مايكل تايت مدير المتحف البريطاني في لندن، بمشاركة ممثلين عن ثلاثة معاهد أبحاث عالمية هي أكسفورد، زوريخ وتوكسون في أريزونا بالولايات المتحدة. اقتطعوا من القماش بضعة سنتيمترات وتوزوعوها فيما بينهم، مع قطعة قماشية مرجعية للمقارنة ترجع للقرنين الثالث عشر أو الرابع عشر مأخوذة من معطف معروف مصنوع في جنوب فرنسا في تلك الفترة. تم البحث باستخدام طريقة الكربون المشع C-14 ، وكانت النتائج مفاجئة وأن الكفن يعود للقرنين 13 أو 14 فقط.
في تشرين أول/ أكتوبر عام 1988 وقف الكاردينال باليستريرو وأعلن " الكفن ليس حقيقياً، إنه يعود للعصور الوسطى. لقد نطق العلم "، ولكن كلامه الذي التقطه المشككون بفرح والمؤمنون بخيبة أمل لم ينته، فقد تابع قائلاً " ليس باستطاعة أحد إرغامي على الموافقة على هذه النتيجة. العِلم هو الذي سيحكم على العِلم... إنّ هذه الفحوص لا تُنهي فصول الكتاب حول الكفن، وهي ليست إلاّ فصلاً آخَر يُضاف إلى قصّة الكفن أو، كما يقول بعضهم، إلى ألغاز الكفن. وبعد كلِّ هذه الأبحاث، ليست لدينا أجوبة لتفسير كيفيّة حدوث صورة المسيح هذه".
قام بعض الباحثين إثر ذلك بكشف أخطاء كبيرة في نتائج الكربون المشع، وهم ماريا سيلياتو ( إيطالية من أصل سويسري ) والفرنسي أرنود- آرون أوبينسكي والألمانيان إلمار غروبر ( من فرايبورغ ) و هولغر كيرستن (من منشن )، وأعلنوا أن أبحاث الكربون المشع قد تم تطبيقها بشكل خاطيء وأن النتائج بالتالي غير صحيحة. وأكدوا أن السبب يكمن في عدة عوامل منها: أن العينّات تم أخذها من جزء تم إصلاحه في وقت أحدث، وأن القماش متسخ جداً، بالإضافة لوجود طبقة بلاستيكية القوام على القماش تعطي نتائج خاطئة، كما أن العناصر الناتجة عن تحلل المواد العضوية والحرائق المتعددة التي أصابت الكفن والتي كان أشهرها في مدينة شامبيري الفرنسية عام 1532 تجعل نتائج فحوص الكربون المشع غير مأخوذ بها.
ومؤخراً قال بروفيسور الكيمياء العضوية في جامعة بافيا الإيطالية لويجي غارلاشيللي أنه استطاع إعادة إنتاج نسخة من كفن تورينو تبرهن بشكل قاطع على أن قطعة الكتان التي يقدسها الفاتيكان ليست إلا دليلاً مزيفاً يرجع إلى العصور الوسطى. ويقول" وجدنا أنه بالإمكان إعادة إنتاج شيء يحمل نفس خصائص الكفن الأصلي " .
وتم إجراء أبحاث أخرى شارك فيها الكثير من الخبراء بينهم خبراء من روسيا، عملوا على مختلف الفرضيات والإحتمالات ، وأعلنوا أن القماش يمكن أن يكون أقدم بحوالي ألف سنة من القرنين الثالث عشر او الرابع عشر.
وتؤكد كل الأبحاث العلمية هذه المعطيات، سواء التصويرية ، التاريخية، تحليل النصوص الإنجيلية أو إعادة بناء الصورة بالكمبيوتر. كل هذه الأبحاث لم تترك مجالاً كبيراً للشك بأن قطعة القماش تلك قد تعود إلى زمن السيد المسيح.
وقد صرّح رئيس المعهد الدولي لأبحاث الكفن في تورين Institut für Grabtuchforschung وأستاذ الفيزياء والرياضيات في جامعة تورين البروفيسور برونو باربيريس للمجلة الدورية الألمانية FOCUS " لقد اقتنعت شخصياً أن هذا الكفن هو الكفن الذي كان يسوع ملفوفاً به، لا يوجد دليل علمي ولا يوجد كذلك فحص محدد يمكن له أن يعطيناً رأياً محدداً نهائياً، ولكنها جميعاً مع بعضها تعطي نتيجة على درجة عالية من الدقة ". إن القوانين الرياضية الصارمة يمكن أن تصادف بعض الثغرات التي يمكن ردمها من خلال الفرضيات المنطقية.
كما صرّح البروفيسور باربيريس للدورية الألمانية شتيرن Stern في أبريل عام 2010 " إن الصورة التي على الكفن هي سلبية – نيغاتيف – بينما بقع الدماء هي إيجابية – بوزيتيف -، وعلى الجثة علامات لعذابات لا يمكن أن تجتمع كلها في رجل واحد عانى من كل هذه الآلام سوى يسوع المسيح والتي تحدثت عنها الأناجيل بتفصيل. ومن وجهة نظر تاريخية صرفة أقول أن هذا القماش هو القماش الذي كان يسوع المسيح ملفوفاً به بعد صلبه. وقد تغلغل الدم لبضعة أعشار الميكرومترات في القماش فقط. في ل الأبحاث التي أجريت حتى اليوم لم يتمكن أي باحث من إعادة إنتاج صورة مشابهة لتلك التي على الكفن. أضف إلى ذلك أمراً هاماً وهو أنه أمكننا التعرف على التسلسل الزمني للبقع والذي بيّن أن بقع الدماء تسبق حدوث انطباعات الجثة ( الدم أولاً ثم الصورة ). هذا عرفناه من خلال اكتشاف وجود كريات دموية منفجرة عبر السنوات، وفي تلك الأماكن ليست فقط الدم مختفي بل والصورة كذلك، وهذا يعني أن صورة المتوفي هي فوق الدم وليست تحته ".
ويرد البروفيسور بابيريس على سؤال بأن البروفيسور الكيميائي لويجي غارلاشيللي من بافيا ادّعى أنه أنتج صورة مشابهة لصورة الكفن بقوله " غارلاشيللي استعمل أكسيد الحديد في عمله، بينما لم نجد لهذه المادة أثراص على كفن تورينو. إضافة إلى أن الصورة التي أنتجها غارلاشيللي يختلف مقدار تغلغلها في عمق وخيوط النسيج اختلافاً كلياً عما هو الحال عليه في كفن تورينو".
ويتابع البروفيسور بابيريس " إن نتائج الكربون المشع 14 لا تثبت على الإطلاق زيف الكفن، لأن هذه القطعة من القماش قد أصابها عبر مئات السنوات الكثير من التلوث، الأمر الذي يجعل من اختبارات الكربون المشع مشكوك بقيمتها. حيث أن العضويات المجهرية تنتج هي بدورها الكربون المشع والذي يختلط مع تلك الصادرة من الكفن ويسبب خطأً في النتائج. ليس هذا فقط، بل ووجود تلك المادة لزمن طويل في جو غني بغاز ثاني أوكسيد الكربون يجعل المنتائج خاطئة. ومع الأسف فإن المرة الوحيدة التي سُمح فيها بأخذ عينات من الكفن، تم أخذها من أقل المواضع مناسبةً للفحص. ولضمان الدقة يجب أخذ عينات من مناطق مختلفة من الكفن ومقارنة النتائج معاً، وفقط بهذه الطريقة يمكن الحصول على نتائج دقيقة للغاية ". ويستطرد قائلاً " لقد تم وضع خطة مع الفاتيكان، لأنه ليس أمراً سهلاً أن تنقل المختبرات إلى حيث الكفن بدلاً من أن تأتي به إلى المخبر، وعلى الأغلب سيبدأ العمل والبحث من جديد العام القادم ". ويؤكد البروفيسور في ختام كلامه على أن الكنيسة لم تقم بإعاقة عمليات التحليل والإختبارات بل " في السنوات الماضية كان أمراً ضرورياً جداً للكنيسة الكاثوليكية أن تحافظ على الكفن سالماً، كما أن الكفن يخص الكرسي الرسولي وله الحق في السماح بإجراء البحوث والإختبارات عليه ".
أعلنت ماريا سيلياتو السابق ذكرها عن اكتشاف كتابة على قطعة الكفن على الوجه ربما تكون اسم " يسوع الناصري "، بدت واضحة لدى فحص الكفن بالكمبيوتر بتقنية التكبير الرقمي للتباين اللوني. لكن هذا الوضوح لا يعتدّ به الباحثون كثيراً.
أما الباحث الفرنسي أرنود- آرون أوبينسكي من السوربون فيتعهّد بأنه سيعمل على كشف الحقيقة دون الإهتمام بنتائجها لاهوتياً، وهو في عمله وبحثه لا يضع اعتباراً للخجل من البوح بها. عمل الرجل طويلاً في البحث عن حقيقة ذلك الكفن ولم يخلص إلى نتائج إضافية كثيرة سوى أن الجسد الذي قد لُفّ بهذا الكفن لا بد وأنه جسد السيد المسيح، يقول " ل يس من الممكن تقليد تلك الصورة، لا بالرسم ولا باستخدام أيّ من المواد الكيميائية ولا حتى بالتبخر يمكن صنع شيء يشبهها ". ولا يمكن أن يكون الفنان المبدع ليوناردو دافنشي قد فعل ذلك كما يتم الترويج حالياً، إذ انه ببساطة لم يكن قد وُلد في الفترة التي كان مثبتاً أن الكفن كان فيها في جنوب فرنسا.
أشارت الدراسة إلى أن تلك الصورة السلبية negative موجودة فقط على سطح النسيج وليس في عمقه، ومن شأن الصورة المرسومة رسماً أن يكون النسيج بكامله مشبعاً بها. يرى أوبينسكي أن الجسم الذي كان ملفوفاً بذلك النسيج قد ترك آثاره من خلال اختراقه لذلك النسيج على نحو غير عادي.
على العموم فإن الإختبارات لم تُستنفذ تماماً، حيث أن رموز الحامض النووي DNA لم تٌفكّ بعد. تحليل الدماء التي على قطعة القماش أثبتت فقط أنها دماء شخص ذو فصيلة دم AB . ويُنتظر من تحليل الكروموزومات أن يتحدد فيما لو كان مصدر الدم الذي على القماش هو شخصي حيّ أم ميت.
حتى الآن لم تستطع كل التقارير المضادة أن تدحض صحة الكفن وأنه يعود ليسوع المسيح، كما لم تستطع الأبحاث بالمقابل إثبات ذلك أيضاً، وبين الرأيين يرى الكثير من العلماء أنه لربما توجد أدلة جديدة تؤكد حقيقة أن الكفن يعود لزمن السيد المسيح ويخصّه، وبأن العلم لن يغير من الإيمان في شيء.
تعتبر الكنيسة الكاثوليكية الكفن كنزاً ثميناً، وهو الشيء المادي الوحيد الباقي من يسوع المسيح. ولكن حرصاً منها على الإيمان وعلى الكنيسة فإنها تكتفي بوصف هذا الكنز المسيحي الثمين بأنه " أيقونة " فقط. إن الآثار المنطبعة على كفن تورينو فيما لو كانت تعود للرب يسوع فعلاً فإنها تشير إلى هول الآلام التي كابدها قبل أن يموت بالجسد، وتوافق وصف الأناجيل لها. وهي تؤكد أن جنديين قد تناوبا على جلد الجزء العلوي من جسد الرب، وأن السياط كانت تحمل في نهايتها كرات من الرصاص تركت ما يزيد عن 120 حفرة في الجسد، وأن الإنطباعات التي على الكفن تنماشى مع الجراح التي خلّفتها تلك الكرات في الجلد. أما تاج الشوك فهو كما لو كان خوذة كاملة من الأشواك. هذا بالإضافة لعلامات الحريق عام 1532، وعلامات للماء الذي استخدم في إطفاء الحريق وآثار لسياط وأشواك وجراح مختلفة على الأطراف والصدر ...
الدراسات وملخص نتائجها
* نسيج الكفن
الباحثون جيلبر رايس ( بلجيكا ) ، جون تايرر ( بريطانيا ) وغبريال فيال ( فرنسا ) وتلخصت نتائج دراساتهم في أنّ الكفن مصنوع من كتّان من المرجّح أنّه كتّان برّي، بحالة جيّدة، ولا يتأثر بالشدّ أو الفرك، ولونه مائل إلى الإصفرار، كلون التبن. في نسيج الكفن بعض ألياف القطن.
استلزم صنع نسيج الكفن نَولاً له أربع دعسات. إنّ طريقة النسج من نوع "السرجة" ذي القطبات المتعرّجة، الخيوط فيه ترسم نسيجًا مصلَّبًا. وهذا يشير إلى أن كلفة صنعه مرتفعة.
* علم التشريح الطبي
أشهر من عمل على الدراسة الطبية والتشريحية لرجل الكفن كان الطبيب الفرنسي بيار باربيه ( 1884 - 1961 ) الجراح في مشفى القديس يوسف في باريس، ونتائج بحثه نشرها في كتاب في خمسينيات القرن العشرين وأهم ما فيها التالي:
غُرزت مسامير اليدين في المعصم، بين عظام الرسغ، وليس في راحة اليد كما تخيلها الرسّامون والاعتقاد الشعبيّ.
إنّ رَجل الكفن إنسان ميت لأنّ تصلّب الجثة rigidity واضح، لكنّه لا يوجد على الكفن أي أثر لاهتراء الجسد، ما يعني أنّ الجسد ترك الكفن قبل بدء عمليّة التَحلّل.
لكنّ الاختبارات الحديثة، في هذا المضمار، التي قام بها فردريك الزغيبي (فريد الزغبي؟) Frederick Zugibe، الطبيب الأميركي اللبنانيّ الأصل، والمرجع العالمي حول تأثيرات الصلب على جسد المصلوب، تناقض معظم استنتاجات باربيه. ففي كتابه الأخير، الصادر في العام 2005، يردّ الزغبي على النقاط السابقة بالتالي:
- المسامير غرزت في الرسغ في منطقة أقرب إلى الإبهام، وليس للخنصر كما اعتقد باربيه.
- لا يموت المصلوب اختناقًا بل نتيجة الصدمة ( وهي انهيار حاد في ضغط الدم وعمل القلب نتيجة فشل آليات الجسم في الحفاظ على الدوران الطبيعي كما في النزف الشديد مثلاً ) ، فيقول الزغبي: " لو كان عليّ إصدار وثيقة وفاة بصفتي رئيسًا لجهاز الكشف الطبّي، لكنتُ قرَّرت أن سبب الوفاة هو الصدمة جراء الإصابات الناتجة عن عمليّة الصلب. ولو فرضنا أنّه لم يمت نتيجة هذه الاصابات، فإنّ جرح الحربة، بالإضافة إلى وضع الصدمة العام، سوف يؤدّي إلى الوفاة، نتيجة التحرّك المنصفي القويّ الذي يسبِّبه الاسترواح الصدري Pneumothorax ".
- إنّ جسم الرجل قد غُسل قبل إلقائه على الكفن، ولو لم يكن كذلك، لكان الكفن كلّه مغطّى بالدم، ومن المستحيل مشاهدة آثار الجروح واضحة كما تبدو عليه الآن.
- أنّ رجل الكفن إنسان ميت، وتصلّب الجثّة واضح.
هذا ويُشار إلى إنّ دراسات الزغبي لها مصداقيّة أكبر من دراسات باربيه، كونها تّمَّت بعد أكثر من خمسين سنة، في زمن تطوَّرت فيه الأبحاث الطبيّة بشكل هائل.
* علم النبات
أثبت علماء النبات وأهمهم ماكس فراي ( زوريخ - سويسرا ) وبعده أفينوام دانين و أوري باروخ( أستاذان في الجامعة العبرية في أورشليم ) وجود آثار لحبات طلع على النسيج يتناسب مع نباتات تنبت وتزهر في موسم الفصح في محيط مدينة أورشليم، بالإضافة لغبار طلع للأشواك التي صُنع منها إكليل الشوك الذي يبدو فوق رأس الرجل الذي في الكفن. فقد وجد فراي 58 نوعاً من حبات الطلع، منها ستة تعود لنباتات لا ينمو إلا على ضفاف البحر الميت، واخرى لأزهار موجودة فقط في تركيا.
* علم الكيمياء
وعلى رأس الباحثين كان ألان أدلر، وملخص الدراسات يقول:
إن آثار الجسم على الكفن ناتجة عن تدرّج ألوان الخيوط، وأنّه لا وجود لآثار اهتراء الجسم الذي لُفّ به هذا الكفن، ما يعني أنّ الجسم غادر الكفن قبل بدء عمليّة التحلّل، وأنّه ليس من المعقول أن يكون اللون القرمزيّ مادّة تلوينيّة لأنّه لو كان هناك تلوين، لسال مع ارتفاع الحرارة، في أثناء تعرّض الكفن للحريق عدّة مرّات، وأهمّه حريق العام 1532. كما ويُظهر التحليل بواسطة الكمبيوتر، عدم وجود اتجاهات محدّدة في البقع، وهذا يعني استحالة استعمال ريشة فنّان لصنعها. ليس من تطابق مع أيّ مادّة تلوينيّة استُعملت منذ آلاف السنين حتّى اليوم.
* علم الأيقونوغرافيا ( الأيقونات )
معظم أيقونات السيّد المسيح، بدءًا من القرن السادس، تحمل علامات مشتركة مع الوجه الذي نراه على الكفن، ما قد يدلّ على أنّ رسّامي الأيقونات استوحوا رسوماتهم من مصدر واحد. وقد أحصى پول ڤينيون العلامات المشتركة، فتبيَّن له أنّ عددها عشرون؛ وأحصاها مؤخّرًا الأميركي آلن وانغر ، بواسطة طريقة حديثة متطوّرة، فتَبيَّن له أنّها أكثر من مائتي علامة، نذكر أهمّها: الخطّ الأفقي في وسط الجبين، الحاجب الأيمن الذي هو أكثر كثافة من الحاجب الأيسر وأعلى منه، الوجنتان البارزتان، اللحية المنقسمة إلى اليمين وإلى اليسار، خصلة الشعر على الجبين.
* الكربون المشع
ذكرنا سابقاً النتيجة التي توصل لها الفحص الوحيد بالكربون المشع والذي أجري في ثلاث مخابر منفصلة.
لكن العلماء الذين لم يشاركوا في فحوص المختبرات الثلاثة تساءلوا: هل تَمَّ تنظيف العيّنات من آثار التلوّث المتراكم على سطح النسيج بطريقة جيّدة؟ وما كان تأثير حرارة الحريق الذي تعرَّض له الكفن، العام 1532 على كميّة الكاربون 14 في النسيج؟ ولماذا لم تؤخذ العيّنات من أماكن مختلفة من الكفن، بدل أن تؤخذ كلّها من مكان واحد مشكوك بأمره؟
ظلّ الوضع على حاله، بين أخذٍ وردّ، إلى أن نشر راي روجرز، في المجلّة الأميركيّة المتخصِّصة ، العدد 425، العام 2005، بحثا حاسمًا، بَرهن فيه أنّ المكوّنات الكيميائيّة للعيّنة التي اقتُطعت من الكفن لإجراء فحص الكاربون 14 عليها، تختلف عن المكوّنات الكيميائيّة لباقي نسيج الكفن، وأنّ عمر النّسيج الأساسيّ يتراوح ما بين 1300 سنة و3000 سنة. فاستنتج المجتمع العلمي أنّ عيّنة الكربون 14 لم تكن جزءًا من الكفن في الاساس، وربّما أُضيفت لاحقًا بطريقة حذقة وغير مرئية! ومع أنّ راي روجرز لم يكن له متَّسع من الوقت لتأكيد هذا الاستنتاج، إذ وافته المنيّة بسبب معاناته من مرض السرطان.
فرضيات انطباع الصورة
ليس مفهوماً حتى اليوم كيفيّة تشكل الصورة. لكن إحدى أهم المحاولات التي جرت لتفسير الظاهرة هي التي أجراها Dr. Nicolas Allen ، في غرفة معتمة مانعة لنفاذ الضوء، تمكن نيكولاس من الحصول على صور لتماثيل على كتان مطليّ بمادة نترات الفضة من خلال إضاءتها لأيام عدّة وهي أمام عدسة وفق تقنية الكميرا البسيطة. وهذه التقنية معروفة منذ زمن بعيد كما أن نترات الفضة كانت مادة لها استخداماتها الطبية ويسهل الحصول عليها في القرن الرابع عشر، كما كانت العدسات معروفة في ذلك الزمن وتستخدم للقراءة. وهذه الفرضية عادت للظهور عندما اكتشف الباحثون في جامعة بادوفا الإيطالية في العام 2004 انطباع باهت على الوجه الخلفي للقماش يظهر فقط الوجه واليدين بشكل خفيف جداً ودون أي تفاصيل إضافية، كما لو أن قماش الكفن كان ممدوداً أمام سطح مستوٍ أثناء عملية تصوير ( هذا لو صحت الفرضية أساساً )، كما أمام الجدار مثلاً حيث يخترقها الضوء ويصل للجدار ليعود ويرتد عليها مجدداً من الناحية الظهرية.
من الأمور التي تدعم فرضية وجود التزوير واستخدام هذه التقنية هو عدم وجود تشويه في صورة الرجل الذي من المفترض أن يحدث إذا كان ملفوفاً بتلك القطعة القماشية ( أي أن تكون الصورة أعرض بعد فرد القماش بشكل مستوٍ ).
++++++++++
المراجع في نهاية الجزء الثاني والأخير.






